ـ 2ـ
ما الذي جعل أبا العينين يحقد عليك؟!. سؤال كان يؤرق عينيك يوم أرقني معك. أنا الذي كنت حريصاً حتى الهلوسة على أن تكون مؤدباً إلى حد الإنهاك. وكنت متأكداً وأنت في قبضة روحي أنه لا خروج لك عن تعاليمي الصارمة في عدم أذية الآخرين، ولهذا فقد تملكك شعور أنك لا زلت صغيراً على أن تتدخل في شؤون الناس. يحدث أحياناً أن يخترق البعض هذه القاعدة، وأن ينتهكوا حرمة أسرار الآخرين في باكورة انتهاكهم كل الحرمات، هكذا فعل أبو العينين حينما أباح لنفسه أن ينتهك حرمة علاقتك الحارة بنوال على نحو غادر. وأن يقوم بتشكيل حلف ضدك قوامه عينا نوال الطافحتان بالصفاء، وعيناك اللتان تسكران في محيطهما.
هل هذا كل شيء؟ لا، فكل تلاميذ المدرسة كانوا يعرفون أن الأستاذ محمود أقام أبا العينين وكيلاً على حسن سلوكك. وانتشر بين الأولاد في المدرسة أن أبا العينين جاسوس. لقد اندفعت نحوي حين التقطتَ هذا الخبر. تحمل معك لهفة المعرفة... معرفة ما معنى جاسوس. لم أشأ يومها أن أدخل في التفاصيل، وأغرقك في متاهات الجاسوسية، كنت أتحرى الدقة في إطلاق الأوصاف بعثرةً، وكان مجرد التفكير باتهام الناس يسبب لي الإرهاق. لجأت إلى ما هو أخف، قلت لك: الجاسوس يقف خلف الأبواب، يلتقط أخبار الناس ويبيعها.
سألتني بكل ما في طفولتك من دهشة:
ـ من الذي يشتري أخبار الناس؟.
فقلت لك:
ـ يشتري أخبار الناس من يخاف الناس.
أعدت السؤال:
ـ ومن الذي يخاف الناس؟
عندئذ طرحتَ عليّ وجعي مع الزمان، ونكأتَ جرحاً لما يندمل، ووجدتني أبوح لك وأنا أعلم أنك أصغر من أن يصلك هذا الضجيج:
ـ يخاف الناس من يشرب مياههم الصافية، ويترك لهم الكدر. ومن يحصد قمحهم ويترك لهم الزيوان. ويعتصر كرومهم الناضجة ويترك لهم زبيب الدبور، ويسير على طرقاتهم الممهدة ويلجئهم إلى الوعر. ماذا سأقول أكثر من هذا؟!.
كان واضحاً لي أنني تركتك في جزيرة نائية مجهولة، وأنا نفسي يقتلني المجهول. وترعبني الدهاليز المقفلة على آلاف الألغاز.
والخلاصة أن أبا العينين لم يجد لك ذنباً آنذاك أكبر من الحب. جريمتك أنك كنت متهماً بالعشق عن سبق الإصرار والترصد. وأنت مدان حتى أذنيك، ما لم تقدم دليل براءتك من نوال، براءة الذئب من دم يوسف. وكيف ستبرأ من نوال؟. والأشد غرابة أنك كنت متهماً قبل أن يصل الخبر إلى الأستاذ محمود. وحال وصوله وصل معه صك الإدانة.
لم يستخدم أبو العينين البلاغة حينما نقل الخبر. اكتفى بجملة خبرية واحدة:
ـ زياد يحب نوال.
وصفت لي الأستاذ محمود كيف تلقى الخبر، فتح عينيه إلى أقصى مدى لهما، ثم طلب من أبي العينين أن يعيد العبارة حرفاً حرفاً، كيما يستوعبها جيداً. عندئذ أعاد أبو العينين العبارة وهو يمضغ حروفها بشهية نادرة:
ـ زياد... يحب... نوا.......ل.
أخذت أتصور الأستاذ محمود كيف بدأ يتعامل مع الخبر بحفاوة وبوليسية، مستخدماً أحدث تقنيات التحقيق.. يومها أنكرت ما نسب إليك من شعر في نوال، وأخفيت عني حقيقة شاعريتك التي برزت مبكرة دون أن تستمر.
يبدو أن أبا العينين كان حريصاً على تنفيذ تعاليم الأستاذ محمود بدقة تامة، فلا تهمة بلا دليل مادي. وها هو الدليل الساطع أمام عينيه، وبخط يدك، ولم يبق أمام الأستاذ محمود إلا أن يفتح لك ملفاً، وحين اكتملت الأدلة وجه لك الاتهام. عقد لك محاكمة ميدانية، في الصف، وبحضور نوال، وأدارها تحت قوس نصبه على الدكة الغربية، وربما كانت أسرع محاكمة في التاريخ:
ـ زياد تعال إلى هنا.
وخرجت أنت خروج الواثق، لم تكن خائفاً، لاعتقادك أنك لم تفعل شيئاً يستوجب الخوف. لم يحدث أن عاقبك الأستاذ محمود لعبث أو كسل. خطر لك أنه سيكلفك بتعليم الصبية الصغار، كما كان يفعل دائماً، وتهيأت لتنجز هذه المهمة بعنجهية ديك. غير أنك أدركت أن في الأمر شيئاً آخر حينما رأيت وجهه يتلون، وعينيه تتراقصان، وشفتيه تختلجان بشكل ينذر بالكارثة.
لماذا لم تنكر الورقة التي مدها إليك؟ أكنت تريد أن تسجل نفسك شاعراً في ذاكرة الأستاذ محمود؟ لم تكتف بتبني القصيدة، بل تحمست لها، ورفضت أن يكون أحد قد انتحلها ونسبها إليك. وهيأت نفسك لإثبات ذلك بالحجج والبراهين. فالمسوّدة لديك، إنها سيدة الأدلة كما يقولون في عالم التحقيقات. ماذا تريد أكثر من ذلك، ليصدر بحقك حكم، أراده الأستاذ محمود أن يكون وجاهياً، غير قابل للطعن؟. مثلما أراد أن تكون عقوبتك وجاهية أمام المجني عليها.
أمر بإحضار طبشة الخشب، فيما تولى أحدهم إحضار الكرسي، وأخذ طالبان مكانهما على تلك الدكة التي كانت مخصصة لذلك النمط من العقوبات. وراح الأستاذ محمود يسخر من قيس بن الملوح، وقيس بن ذريح، وجميل بن معمر، وروميو وجولييت، وكل الذين عصف بهم الهوى على مر التاريخ. لقد اعترفت لي بعد ذلك أن تبنيك للقصيدة كان بدافع الخوف، فقد كان الأستاذ محمود يتميز غضباً حينما يسرق أحدهم موضوع تعبير من هنا أو هناك، فماذا يقول الأستاذ محمود الآن وقد سرقتَ مسكرة من ألفها إلى يائها؟.
إذاً فقد كانت أوامر الأستاذ محمود بعد ذلك واضحة صارمة، الأولاد في جانب، والبنات في جانب. الكلام ممنوع بين الجانبين، في الحب وخارج الحب، في الصف وخارج الصف , في المدرسة وخارج المدرسة. وأعلن تتويج أبي العينين هذه المرة عريفاً علنياً، وحمله مسؤولية أية محاولة حب، أو ميل عاطفي، أو مجرد ودٍّ بين اثنين. وأضاف الأستاذ محمود في تهديداته الإعلان التالي: " إذا تصور أحدكم انه قادر على اللعب من خلف ظهري، فإن لي عينين تثقبان الجدران، وتنفذان إلى غرف النوم، وتتجولان في كل بيت، في كل زقاق، في كل ساحة. " حتى ظننتم أن له مئة عين وعيناً.
وفيما يبدو فإن فكرة العيون المركبة والمتعددة هي فكرة راسخة في تقاليد مسكرة، ترى الأشياء من أمام ومن خلف، ومن يسار ومن يمين ومن فوق ومن تحت، وترى الوراء، وما وراء الوراء وما تحت الأرض وبين النجوم. وكي يكون الأستاذ محمود أكثر إقناعاً وفاعلية فقد أخذ يسرد عليكم كل صباح بعضاً من أعمالكم اليومية ليوهمكم أن عيونه ترى كل شيء.
أما بالنسبة لك فقد كانت المسألة مختلفة، الأوامر، اللهجة، والأصابع التي امتدت أمام وجهك:
" إياك أن تكلمها، يا ويلك إن حاولت النظر إليها، أو حتى مجرد التفكير فيها، أو المرور من الطريق الذي يحاذي بيتها. يومها عدت إلى البيت تسألني:
ـ هل يستطيع الإنسان أن يعلم بالغيب؟
وجدتني أفاجأ بالسؤال، وحين استوضحتك طرحت السؤال بصيغة أخرى:
ـ يعني هل يعلم الأستاذ محمود بالغيب؟
حينها فهمت أية حالة قمع تلك التي تمارس ضد جيلكم التعس. لم يتهيأ لك أن تعرف التعليمات التي وجهت إلى نوال، لقد كان ذلك مستحيلاً، فأنت لم تعد ذلك المدلل الاستثنائي الذي يدخل إلى بيتها ساعة يشاء، حتى لم تعد قادراً على الاقتراب منها. لكنك أدركت بخوفك الذي أخذ يسكنك جرعة فجرعة، أن طبيعة تلك التعليمات كانت أقسى، فأنت ذكر، وهي أنثى في محيط سفنه ترفع أشرعة الذكورة. فإذا كان عليك أن تبتعد خطوة، فعليها هي أن تبتعد عشراً.هكذا تقضي قوانين الحشمة في مسكرة آنذاك، تلك التي تبناها الأستاذ محمود.
أخذت تراك فتبتعد عنك، وتعكس اتجاهها إذا اقتضى مروركما متقاطعين. أما الزقاق الذي كان يحاذي بيتها فقد أخذ يشتاق إلى وقع خطاكما وحفيف أجنحتكما. مرة واحدة تلاقيتما، كنت أنت قد عبرت إلى الزقاق من النقطة نفسها التي عبرت هي منها، دون أن يتهيأ أحدكما لرؤية الآخر. جئت تشكو إلى أمك صالحة، بوجهك المصفر وقامتك المنهوبة. ماذا حدث تلك اللحظة، لقد وقعت القدر التي كانت تحملها، وسال ما فيها على الأرض. لطخ ثيابها، وحذاءها. تركت كل شيء، وانثنت تحث الخطا كمن يطارده كلب.. كنت أنت الكلب، فلم تجد من جانبك القدرة على إيقافها ومساعدتها لتلم شأنها. كما لم تتمكن من الالتفات إلى أية جهة مخافة أن يكون أبو العينين يترصدك بعينيه السحريتين اللتين تريان من خلف الجدران والأبواب. وما يدريك؟ فربما خطط أبو العينين لمثل هذه المصادفة، ليؤكد للأستاذ محمود قيامه بما تقتضيه المهنة الأخلاقية التي أوكلت إليه لتطبيق قوانين الحشمة.
بعدها بأسبوع التقاك عمك مزعل، لم يعاتبك كما توقعت، بعد أن أخذت نصيبك من طبشة الأستاذ محمود. كنت تتمنى أن يفعل، فربما خفف عنك حدة نظراته. لقد امتصك بعينيه اللتين قرأت فيهما ما هو أمر من العتاب. تمنيت لو قال كلمة، لو شتمك، لو ضربك. اكتفى بتلك النظرة الصارمة، لم يرفَّ له شارب، في الوقت الذي كان شارباه يرقصان لك. تجاهلك إذاً وتركك طعاماً لأحزانك القاتلة.
في واقع الأمر، لقد تركت هذه الحادثة في نفسك حفرة لم يستطع الأستاذ محمود ولا غيره من المعلمين الذين تعاقبوا عليك أن يردموها. أنا وحدي الذي كنت قادراً على قراءة تبعثرك وتلاشيك أمام تاء التأنيث أينما حلت، حتى لو جاءت خارج الفعل. ابتدأتْ بمسألة خوفك من نوال، وانتهت بخوفك من نون النسوة التي أخذت تتربص بك في كل خطوة، تتنكر لك بالملعقة والمنشفة والمغسلة.هل تمت حكاية نوال على هذا النحو وأغلق عليها الستار؟. لقد تمكنت نوال منك أكثر، أنت الذي كنت تشكو لأمك صالحة ولي صهدك بطريقة لا نخطئ فهمها.. أصبحت تشتاق إلى رؤيتها، تتلهف لتلمحها، بكل ما لديك من حيل. فما من مرة تبرز لك من بعيد حتى تحس أن شيئاً ما بدأ يعصف بك، فيتصدع قوامك، وتلين ساقاك حتى توشكا أن تعلنا عجزاً أبدياً عن حملك. ويتراخى لسانك، وتتلاشى الرغبة في الصمود، فتولّي هارباً، وأنت تظن أن نوال تلاحقك، ولا تتمكن من الالتفات إلى الخلف، إلا بعد أن تكون المسافة قد ابتعدت بك إلى حد يدعو إلى الرثاء. ومرة ثانية مخافة أن يكون أبو العينين قد نصب لكما كميناً في زاوية ما، في خرابة ما.
لقد أحست نوال الإحساس نفسه. ورغم الحصار الذي فرض عليها أخذت تشعر أن ودها قد زاد أضعافاً مضاعفة، بل أخذ ودها شكلا واضحا تلك الأيام. أدركت ذلك بقلبك حين أخذ يرسم لك توهجها على نحو لم تشهده من قبل، حينما كنتما على مقاعد الدراسة عند الأستاذ محمود. لكن العجز عن البوح ظل مشكلتك، أخذت المشكلة تتجذّر فيك، ويتجذر معها الخوف والتردد والكبت.
لم يدرِ الأستاذ محمود أن الأمور ستصل إلى هذه الزاوية الحادة، وأن الخوف من الإعلان والبوح بلغا بك حد تحولك إلى مادة رخوة، هلامية، إذا ما فكرت في أي مشروع يعيد لك الثقة بالنفس، كل ذلك كان هيناً عند اعتناقك تلك العادة السيئة التي تمكنت منك. أتذكر كم مرة ضبطتك متلبسا بسفاحك؟ حتى بت أقطع عليك خلوتك عنوة مخافة أن تعود إلى طقسك السيئ ثانية، هكذا كنت عندما تركت مسكرة لمواصلة الدراسة. لقد حملت مسكرة معك بين ما حملت من أمتعة، بشوارعها الضيّقة، وأبنيتها الحجرية الملتحمة، لا تكاد تبوح بسر من أسرارها، وحملت معها تحذيرات الأستاذ محمود، التي تحولت مع الزمن إلى دستور قمعي، كلما فكرت أن تجاري الطلاب فيما يفعلون، حال رؤيتهم أنثى، أو حتى صورة أنثى. وكي تقنع نفسك أنك لست أقل منهم شأناً تبنيت مشروع العفة، وأخذت تدافع عن وجهة نظرك مرغماً.
هل فكر الأستاذ محمود بنتائج مشروعه القمعي الذي استهلكك من جهة؟ وقادك إلى تبني فكرة القمع فيما بعد؟!. حين التقاك عند عودتك إلى مسكرة، فرح بتفوقك لاعتقاده أنه وراء كل ما أصبته على الأصعدة كافة. وتعزز لديه الشعور بأهمية النتيجة التي وصل إليها بذلك الدرس الصعب الذي تلقيته على يديه ذات يوم.