ـ 3ـ

6 0 00

ـ 3ـ

ربما تمثّل مسكرة وطنا بشساعة الوطن ووقاره، وربما تملك جزءاً من ترابه، وتشتمل ببردته الدافئة في أشد الأيام برودة. منحتك مسكرة على مدى الحياة اسماً يخاطبك به الناس، ومنحتك لغة يخاطبك بها الناس،. هي بلدة خارج حدود الزمان والمكان، يشتعل في كرومها العنب السلطي والحلواني والبلدي، فتعصره خمراً يعمر قلوب الناس بالدفء والمسرة. بلدة بحجم فرح أبنائها، تغضب حتى لا تبقى مساحة للرضا، وتفرح حتى لا يبقى متسع للحزن. جاهلية هي بأخلاق أبنائها وطقوس أهلها. تنتابها الحشمة في النهار، وتعتصرها اللذة في الليل. وحشية هي في لذتها، حتى ليتولى الشيطان صياغة شهواتها، بتول في تهجدها، حتى لتنام الملائكة على أسطح معابدها. تستبد بها العادة حتى الخذلان، ويتجذر فيها القمع حتى يصبح القاعدة وغيره الاستثناء. طاغية هي بصخورها الأزلية ومبانيها الأسطورية. عجيبة هي كيف تتدانى بيوتها حائطاً على حائط، وتتعانق نوافذها نافذة قبالة نافذة، أهو الخوف الذي جمع أجزاءها فجعلها كتلة لا يستبين الناظر بيتاً منفرداً، ولا سطحاً مستقلاً، ولا سوراً يفصل البيت عن البيت؟!. أهي الحاجة إلى الاختباء تلك التي فتحت بين بيوتها أبواباً سرية، تصل فيما بينها، فإذا الداخل من الشمال يخرج من الجنوب، والملتجئ من الشرق يهرب باتجاه الغرب.

عجيبة هي مسكرة كيف تتداخل طرقاتها، فينفرد لك من الزقاق كف من الأزقة. ويتمادى الزقاق في التعرج الثعباني إلى أن ينفرج عن ساحة. كم هي ضيقة ساحات مسكرة، وكم هما ضيقتان رئتاها. وكم أنت ضائع في مسكرة إذا ما طلبت الراحة، يقتاتك الضجر، وتفترسك الوحدة، بعد ذلك السفر الطويل، سفر كان للداخل مثلما كان معانقة للمسافات.

أفرحني في البدء حنينك إلى مسكرة. ظننتك تحن إلى الحضن الدافئ الذي تلقفك ذات صيف، حينما أظهرت لي حنيناً إلى كل تلك الأوابد التي تشكل طقس مسكرة البلدي، ورائحتها المميزة.

رسائلك التي كنت ترسلها لي كانت تبدو وكأنها صادقة، ومن كل كلمة من كلماتها الهامسة كنت أسمع هسيس طزاجتك المرصودة بآلاف الجنيات. ونعومة ملمسك، كأنك لم تكن تخفي عني شيئاً. كنت في البدء مكشوفاً لي مثل سطح، تدخل من الباب رافعاً بيديك علم مسكرة، تجوس كل الأماكن الدافئة، والتي تعبق بالقداسة، تستقصي كل الدروب التي تؤدي إلى عالمك الطفلي. صخور الأودية الواقفة مثل حراس في أخر نوبة، الآبار المحفورة بالصخر الأحمر الهش، المغائر التي كانت تفتح مجالاً لمغامراتكم، يوم كنتم تتباهون من منكم يستطيع أن يتوغل أكثر، كنت دائماً تذكرني بالرقم القياسي الذي سجلته أنت، دون أن يقوى أحد من رفاقك على تحطيمه

طفولتك تلك كنت ترسمها لي بلون العشب الغض، وكنت أعيشها زقاقاً زقاقاً، وخاناً خاناً، وكنتُ قادراً على التجول في ذاكرتك، عائداً إلى سنوات القطيعة مع نوال، تلك القطيعة التي فرضت عليك بفرمان من الباب العالي. وكنت قادراً على ما هو أكثر من ذلك، حين كنت أتنسم في رسائلك شوقاً طافحاً، وعاطفة ما تكتسحك، وتجعلك تعلن هوية عشق أبدي مكتوبة بالحبر السري، أنا الذي نبشتها، فرأيت نوال في كل كلمة من كلماتك... وفي كل التياع من التياعاتك. صحيح أنك لم تسألني مرة واحدة عنها، لكن طريقتك في التجول في مسكرة كانت تجعلني أرثي لتلك الحالة التي وصلت إليها. وكنت دائماً أتمثل قول الشاعر: " ومن الحب ما قتل".

لم أدرِ كيف كانت علاقاتك النسائية هناك. ولم أحاول أن أستقصي. كنت أعتقد أنه من الطبيعي جداً أن تعيش شبابك على النحو الذي تقتضيه الحياة، وكنت أتمنى أن تُخرج صورتك من الإطار الذي صممه فضيلة الأستاذ محمود يوماً، أنا الذي أردت لك أن تعلنها حرباً على كل الإطارات، بما فيها تلك التي تسجن داخلها الصور. وعلى كل الجدران التي ارتفعت خصيصاً لتزف لها الصور، وعلى كل الناس الذين لا يدركهم الملل من النظر إلى تلك الصور. ولا تفارقهم الدهشة من أن هذه الصورة لا تزال على حالها، لم تتهرأ، ولم يدركها الوهن. كنت أتذكر قصة ذلك الرجل الذي أخذ يدخل المكتبة كل يوم صباحاً، فيستعير الكتاب نفسه، فيفتحه على الصفحة نفسها، ليعيش الدهشة نفسها. وحينما سأله زميله عن سر دهشته المتكررة أجاب: إنه منذ شهر وهو يراقب هذا الذئب الذي يطارد غزالاً، دون أن يتمكن الذئب من الغزال. هذه القصة كانت تعيدني إلى ذئب وليمته كل يوم قطيع من الغزلان.

لم تكن مسكرة هي كل رسائلك، كان مجيد الدين يحتل مساحة منها، كانت مساحته في البدء محدودة، جملة خبرية مركبة: " صديقي مجيد الدين يقرئكم السلام". هكذا كانت تأتي محايدة، ومخاتلة أحياناً. من مجيد الدين هذا؟، من أية بئر ارتوى؟ من أي أوكسيجين تنفس؟ ما لون الحليب الذي يسكن معدته؟. أسئلتي هذه كانت مقلقة، ومشروعة. غير أنك أخذت تجيبني عنها رسالة إثر رسالة، وتزيدني قلقاً فوق قلقي.

كنت تجرّعني الكوكائين، وتقودني إلى أن أصير مدمناً، لذلك عرفتَ كيف تبدأ بالجرعات البسيطة، والتي أخذت تنمو مع كل رسالة، حتى وقعتُ أسير كوكائينك هذا، وأسير زمن الصمت والمصالحة مع الراهن والأمر الواقع، وأسير التدجين بالتقسيط بعد ذلك.

كان التعريف الآخر لمجيدك هذا أنه رفيق غربة من الدرجة الممتازة. فُصّل وجهه للابتسام، لأن أية حركة طائشة غير البسمة لا تلائم عينيه العسليتين، ولا وجنتيه المنبسطتين. وهذا الابتسام هو الذي أكسبه ود الآخرين لدرجة الانسجام، وأضفت فيما بعد شيئاً له علاقة بقامته. كان ذلك بمثابة جرعة أخرى محايدة ومخاتلة أيضاً. ثم جاءت الجرعة الثالثة عارضة أيضاً في رسالة طويلة: " صديقي مجيد الدين يقبل على الحياة بشكل استثنائي. وكأني أخذت أستعذب تلك الجرعات، ربما لأنني أريد لك أن تعيش الحياة بتفاصيلها الصغيرة. فأنا ينتابني اعتقاد أن أجزاء الحياة الصغيرة والمختلفة هي التي تبني الشخصية المتكاملة. ومن هذا المنطق فقد سعيت أنا بنفسي وأنا شاب مثلك إلى التوغل في متاهات علب الليل، وأحياناً البيوت المشبوهة. كنت أريد أن أعرف الحياة كما هي، لا كما توصف لي، أريد أن أعرف ماذا يجري في تلك الغرفة السرية في القصر الملكي المتعدد الحجرات، وكنت أريد أن تقتحم هذه الغرفة بنفسك، فما من لذة تعادل لذة الاكتشاف، لذة اكتشاف الجسد بتفاصيله المذهلة، لذة اكتشاف الحياة، ومشاهدة الوجه الآخر للأشياء والناس، ولذة الوصول إلى الممنوع على الرغم من طابور العسكر الذين يرفعون في وجهك الحراب.

وشيئاً فشيئاً بدأت أستسيغ هذا " المجيد الدين "، وأشتاق لأن أراه،. لقد أيقنت أنه ما من أحد غير مجيد الدين قادر على تفكيك الإطار الذي صنعه الأستاذ محمود بإتقان وحاصرك فيه، ليصنع منك مواطناً صالحاً مطيعاً، تحب بمرسوم، وتكره بمرسوم، وتنام في المستقبل مع زوجتك بمرسوم.

هكذا أخذت أرشف أخبار مجيد الدين وأنا أتصورك تتوغل في مجاهل الحياة هناك، وتخلع ثوب العفة والرزانة الذي تلبسك على رغمك ذات ليل، إلى أن جاءت الجرعة القاتلة.

ثمة مساحات من الأخبار تغتالك، ليس بفجائعها وإنما بطريقة توليفها وفجائيتها في طريقها إليك، تصل، فتبدأ بتفكيكك عصباً عصباً، ومن ثم بالتجول في شرايينك، وأوردتك، لتصل إلى القلب.

هكذا جاءني نبأ اختفاء صديقك مجيد الدين فجأة، فاغتالني برصاصة من تلك القناصات التي تتجول في شوارع المدن العربية وتفتك بالأدمغة. عبر الخبر رأسي مثل أشرعة راحلة بقوة ريح عاتية. هل كان جزعي هذا حزناً لاختفاء مجيد الدين؟ وهل كانت مساحة معرفتي بمجيد الدين تسمح بكل هذا الحزن؟. على الورق عرفته، وعلى الورق انتضي أمامي يتألق شباباً متواصلاً مع الحياة، ولأن الشباب قوة لا أستطيع أن أتجاهلها، آمنت بمجيد الدين، وبنيت من إيماني هيكلاً لمستقبلك.

هكذا كان حزني لاختفاء مجيد الدين حزناً عليك، لأنني أدركت أن طريقتك في الحديث تغيرت، فصارت تشي بحجم مأساتك التي ستعيشها بدونه.

لم تخل رسالة من رسائلك التالية من الشجون، انتابك هاجس البحث عن مجيد الدين الذي غاب فجأة مثلما ظهر فجأة. هل كنت أنت مراوغاً إلى هذا الحد في تلك الأيام؟!. هل كنت أنا مغفلاً إلى هذا الحد حتى أخذت التياعك على محمل الحزن الحقيقي؟!.

لم تكن تنتظره حينما تلبسك في كفتيريا الجامعة في ذلك المساء المصبوغ برهق الدراسة والوحدة والتشتت. انتشلك من أعماقك دون إذن منك، حينما امتدت يده إلى محاضرة المساء، يقلب صفحاتها في مسودتك. كان في الواقع يقلبك أنت، يبحث فيك عنك، ليتأكد أنك أنت المطلوب ليس غيرك، بالمواصفات نفسها، والمقاييس التي كانت في محفظته، وابتدأ مشواركما، كأنما أنتما على موعد. لم يبذل الكثير في تقديم الأدلة التي من شأنها أن تشحنك بالثقة، ويبدو أنه احتل المساحة الفارغة التي لم تكن تعرف كيف تشغلها، فإذا هو قدرك الذي تلبسك. استخدم كل ما لديه من تقنية العصر ليخرجك من عزلتك، فإذا أنت في مدى شهقة هواء تفتح عينيك الغائمتين على عالم جديد، ليس عالمك. نقلة واحدة من عالم الجامعة والمحركات، وأجواء الهندسة الميكانيكية، إلى عالم آخر يفوح برائحة حياة جديدة. طريق واحد كان يرسم خطواتك، فإذا بشبكة من الطرق تتفرع أمامك، وتجد نفسك مقحماً في محاولة اكتشاف نهاياتها. لأول مرة أخذت رسائلك تتجه حد السياسة. ثم تسير على تخومها قبل أن تخترقها من الشمال إلى الشمال دونما توقف في نقطة الوسط. على التخوم وقفت أولاً، حينما أخذت تقارن بين الطريقة التي صاغتك بها مسكرة الوطن آلة حافظة تعمل بالتلقين، بعيداً عن معطيات الزمن الراهن، وبين ما تواجهه الآن من اختراق لذلك التوليف الآلي. أكنت تسير على التخوم حينما أفصحت لي بشيء من الذهول أنك تشعر الآن وكأنك مخلوق طازج، ليس له علاقة بمعطيات التلقين السابقة؟. أتراك دخلت في عمق السياسة حينما قلت لي في إحدى رسائلك: " اليوم أدركت كيف تستطيع الشعوب أن تصوغ إنسانيتها أمام قداسة القانون؟ ". في تلك الرسالة راق لك الحديث عن فعالية القوانين المنسوجة بنية الشعوب، والمشغولة بقدرة الشعوب. أدهشتني مقولتك " إن الشعوب حينما تبني قوانينها فإنما تبنيها بناء محكماً ليس فيه نافذة تمر منها نسمة هواء، أو كوة يعشش فيها بوم أو غراب. المطر يسح على سطوحها الملساء دون أن يخترقها. والريح تصفر خلف جدرانها بضجر ". عندئذ رأيت خارطة مسكرة جزءاً من خارطة الوطن بقوانينها المغتالة بالاستثناء، والمستباحة بقوة الأحذية المصفحة بالحديد، لأن قوانين مسكرة الوطن مشغولة من نسيج تتبدل ألوانه كما تبدل الحرباء لونها، وذلك أمام أصحاب الكفاءات العالية من ذوي الشأن. إن أهل مسكرة لا يتقنون وضع القوانين بأنفسهم، لأنهم لو وضعوها فسوف يختصر القانون القامات، ويلغي ورم الرؤوس وشحم الكروش. ولو وضع أهل مسكرة قوانينهم بأنفسهم لما كانت لك تلك الآلة الفاتكة، ولما أصبحت ومن حولك من آفات العصر.

أذهلني اقتحامك هذا العالم الشائك، وأنا الذي كنت أظن أن مجيد الدين سوف يسير بك إلى غزوات الليل حيث قناطير الحلاوة، وأنهار العسل والحليب وسبائك الفضة والأضواء الخافتة. لكن مجيد الدين اختار لك ممرات أخرى شائكة ومشاكسة وغير حيادية. لقد وقف بك طويلاً أمام الجدران الجرداء، وشغلتكما تلك المساحات البيضاء الشاسعة، والمعطلة من أية زينة. وأنتما من قدمتما من عالم الحيطان المرقوشة بالنياشين، عالم مسكرة التي نقشت كل تاريخها على صفحات جدرانها، وفتحت على كل حائط دفتراً هو لعشق الذات، وهو للعبادة، وهو للمعتقدات، مسكرة التي صارت دفاترها مفتوحة للريح والأنواء والسابلة. يزوّرون شهادات حب لمسكرة حين يخرجون إلى الهواء الطلق، كي تمنحهم مسكرة حظوة، وتهبهم وساماً. ويغتالون مسكرة مئة مرة حين يرتدّون إلى دواخلهم. إنها مسكرة التي يلوب فيها اللسان على جرعة صدق، وتذخر فيها القلوب كل أشكال الغيظ. تحتفظ بالوجع تحت أغشية القلب، ويطفح الوجه بالبشر الكاذب. هي مسكرة التي تبكي بصدرها، وتضحك بأسنانها، وتعلن الفرح بكفيها حتى يشتعل الكون. ولا تكف عن إعلان الحمد بكرة وأصيلا، كأنما لم يخلق لسانها إلا لتلاوة التسابيح ولم تخلق حنجرتها إلا للأهازيج.