ـ 4ـ

5 0 00

ـ 4ـ

أكثر من مرة انتابني الإحساس التالي: لماذا لا أرتاد مجيد الدين بنفسي؟ وأفتح ذلك البر بأسلحتي الخاصة؟. لم يكن من مسافة بين الإرادة والقرار. أرسلت لمجيد الدين رسالة عبرك أنت، بثثت فيها شجني وسطوتي. لم أتكلف الهموم، فلدي منها قناطير مقنطرة. ولم أتكلف الخوف، فعندي ما يدعو إلى الفزع الحقيقي، لأنني أدرى من أي إنسان في هذا الكون بأجواء مسكرة المتقلبة، وطقسها السيئ الذي لا يترك للملاح فرصة لإدارة الدفة كيف يشاء وحيث يشاء. وأسست مع مجيد الدين لإقامة مشروع لتبادل المعلومات. أوضحت لهفتي لإنجاز مشروع كبير؛ هو باختصار أنت بكل تفاصيلك. وحددت الملامح العامة لطموحي بك. ووضعت أمامه خارطة مسكرة الجوية، والتيارات المؤثرة من سيكلونات، وأنتي سيكلونات، راجياً أن تعود إلى مسكرة من الباب الذي خرجت منه لا من النافذة. وتركت له الفرصة أن يقدم نفسه من خلال رسالة الرد، وبالطريقة التي يشتهي.

لم أكن متيقناً من جدية مجيد الدين إلا حينما بادر بتقديم أوراقه، لم يترك معه ورقة ليلعب بها لعبة أخيرة كما توقعت، وكما هي العادة. لقد وقف أمامي مجيد الدين بقامته المعتدلة وجسمه الرقيق وشعره الفاحم فوق تلك المساحة الحنطية الضيقة، تماماً كما وصفته لي أنت لا زيادة ولا نقصان. يرفل بثياب مسكرة، ويسلم بحميميتهم ذاتها " كيف حالك " ويستنجد بطريقتهم " أين النشامى ". لكنه يصلي على نمط مختلف، ويسبح بلغة أخرى لم يسمعها أهل مسكرة من قبل، ولم تستوعب معاجمهم مفرداتها.

طاف بي مجيد الدين في عالم مسكرة؛ الساحات العامة، الأزقة الضيقة الجسر الذي يربط مسكرة بالأوابد التاريخية، الأعمدة الحجرية العملاقة التي تشي بالعراقة وتفتح الذهن على الغابر من العهود، الشيخ الصالح الذي يعبق بالقداسة، معاصر العنب المنتشرة بين الكروم في السفوح الشرقية للجبل المطل على مسكرة.

نفض مجيد الدين الغبار عن كل زاوية، تنشق رائحة ترابها، مسح خيوط العنكبوت التي كانت تراشق الزوايا بالوهن والخواء. قال لي إنه يريد أن يفصل لمسكرة زماناً جديداً، وسماء تورق فيها النجوم، لها زرقة خاصة، وطريقة خاصة باللمعان. واعترف أن هذا المشروع أكبر من حجمه بكثير، لكنه كان فيما يبدو مسلحاً بالحلم، كان يقطر الوهج من أحلامه المشاكسة. لأول مرة أخذ يخفق أمامي علم مسكرة بلونه الزاهي وحركته المتسارعة المحمومة.

لم يطفئ مجيد الدين كل صهدي، ظل في البال بعض من الجرعات، وظلت في الرسالة مساحات من الفراغ لم يكن لدي القدرة الكافية كي أملأها بما أشتهي. لكن توقيعه في نهاية الرسالة منحني شهقة صدر كادت تنسل روحي معها. قدر من القلق، قدر آخر من الفرح، قدر أكبر من الدهشة أثاره اسم مجيد الدين علي السعد.

ربما لم يأخذك هذا اللقب من كتفيك ويهزك مثلما فعل بي. وربما لم يحرك فيك نملة واحدة، لأنك في ذلك الوقت كنت مترعاً بالنسب الجديد. جاءك اللقب الذي تحمله الآن على طبق من قش، مشغول بيد أمك صالحة، قصلته من سيقان القمح المكدسة على بيادر مسكرة الخير، وصبغت القصل بألوان زاهية تعادل ابتهاجها بك في تلك اللحظة. وصنعت الطبق في ليالي الشتاء الدافئة حول الموقد المحشو بأقنعة البلوط، وكسرات البطم، ونقشت عليه بأبهة اسم زياد بن مرسل الفرح. منذ تلك اللحظة توارى زياد هاني الصافي، وإذا أردت الدقة: تلاشى.. ذاب في حرارة اللثم والتقبيل والأخذ بالأحضان. إنها حالات الاحتفاء بك في كل طور من أطوار طفولتك. لم يبقَ من أثر لزياد هاني الصافي إلا في ذاكرة مرسل الفرح وزوجته صالحة. لقد حاولا جادين أن يسقطا اعتبار النسب السابق، وأن يعيشا دفء البنوة الطارئة، لكن شيئاً ما ظل يجول في الخاطر، ويقرفص في الذاكرة السفلى لمرسل الفرح وزوجته صالحة بنت متعب الهادي. شيء ظل غافياً حتى أيقظته رسالة مجيد الدين. لم يبح مجيد الدين بسر العلاقة بينكما، أكان يعرفها؟ أكاد أقطع أنه كان يسير في طريق واضحة المعالم، وأنه أجهد نفسه كثيراً كي يصل إليك. لكنه لماذا لم يكشف لك كل أوراقه، ويضمك إلى صدره كما يفعل الأخ مع الأخ؟!. هذا ما أشعل في رأسي أسئلة تبحث عن إجابات، حتى أنه أخفى عني سر سعيه خلفك، أراد أن يوهمني أن شيئاً من المصادفة المحض قد جمعه بك، وأن الفراغ الذي في قلبك هو الذي استقطبه، فوجد نفسه مدفوعاً إليك. وأنه سعى ما بوسعه لإعادة تأهيل قلبك، وإعادة ترتيب عواطفك تجاه مسكرة الوطن.

ولعل اختفاءه المفاجئ سبب لك نقلة في طريقة التفكير والتعامل، وحتى في طريقة الحزن، جعلني أنتقل أحياناً إلى الخندق الآخر. فليختفِ مجيد الدين كما ظهر، هذا اختبار لك، ولأنني لا أريدك نسخة مزورة عن مجيد الدين فقد تراجع الحزن في داخلي، ولأنني لا أريدك حتى نسخة مصدقة عن مجيد الدين تقدم إثر ذلك الحزن شغف بظرف طارئ، سيشكلك بعيداً عن النسخ. بعيداً عن المطابقة. ظرف طارئ سيشكلك بخصوصية، لأني أعشق الخصوصية حتى ولو كانت مصوغة من سواد الليل، وأكره التماثل حتى لو قُدّ من وهج الشمس ووضح النهار الربيعي. أريدك مختلفاً كما أرادك مجيد الدين، تعشق بإرادتك، وتكره بإرادتك. وأصبحت أعتقد أنه اختفى كي تصوغ نفسك بنفسك، وعلى طريقتك، على نحو ما من الاختلاف الذي أراده مجيد الدين وأردته أنا منك.