-2-
دخل الكافتيريا، كان المكان صاخب وكثير من الشباب والفتيات في سن المراهقة ينتشرون حول الطاولات، وبعض من الفتيات كُنَّ يرقصن على صوت الموسيقى والأغاني الصاخبة والمنبعثة من جهاز تلفاز كبير الحجم، أخذ يتأمل المكان الذي تغير كثيراً
- إيه المسخرة دي ! الدنيا اتغيرت قوي، وأكيد هيَّه كمان اتغيرت كتير-
حدث بها نفسه وهو يتجه إلى نفس المكان الذي كانا يجلسان فيه سوياً قبل أن يعرف ما خبأته له الأقدار
- غريبة ! المكان بتاعنا تقريبا ً زي ما هوة –
- تحت أمرك يافندم.
قالها الجارسون الذي قطع تأملات الشاب..
- قهوة مظبوط لو سمحت.
- حاضر يا فندم.
وقبل أن يستدير الجارسون استدرك الشاب قائلاً:
- ولا أقولك، هاتلي أثنين مانجة.
كانت تحب المانجة، لم يعرف لماذا طلب اثنين مانجة، كان يشعر وكأن روحها معه، أو بمعنى أكثر دقة روحها في المكان الذي يحتفظ بذكرياتها معه... وفجأة، دخلت من الباب، شعر الشاب بأن قلبه يكاد يحترق من نبضاته السريعة، وبأنه في طريقه إلى الشلل، أخذ يدقق النظر إلى الفتاة التي توجهت إلى إحدى الطاولات وجلست إلى المقعد الذي يواجهه مباشرة، فاكتشف أنها ليست هي.
- إيه اللي أنا فيه ده؟ معقولة خيالي صور لي إنها هية؟ وكمان تيجي في اللحظة دي بالذات؟ ليه؟ خيالي واسع كده ليه؟ امتى أسيب الأوهام وانزل للواقع وأنساها وأنسى إنه فيه حاجة اسمها حب -
كان يحدث نفسه وعيناه دامعتان، وأحيانا يبتسم بسخرية على أحواله عندما لاحظ أن الفتاة التي دخلت الكافتيريا تنظر نحوه، حاول أن يوهم نفسه بأنها لا تنظر له وإنما لشيء ما حوله، لكنها كانت تثبت نظرتها عليه لدرجة أربكته.
- الظاهر افتكرتني مجنون ولا َّ حاجة، يا دي الفضايح، أنا أمشي أحسن -
حاول أن ينادي على الجارسون ليطلب الحساب، كان الجارسون عند الفتاة التي قامت من مكانها متجهة نحوه، وتصادف ذلك مع خروج شاب وفتاة من الكافتيريا، كانت واثقة في خطواتها بينما كان هو يتلفت حوله ربما كانت متجهة نحو شخص آخر، لكنها قطعت شكه عندما وقفت أمامه..
- تسمح لي اقعد معاك؟
- ليـه؟
قالها باندهاش، لكنه استدرك سريعاً..
- طبعاً طبعاً ... إتفضلي.
- بصراحة أنا مراقباك من ساعة ما دخلت هنا، فيك حاجة غامضة بتشدنى ليك، وتقدر تقول إني بتشبه عليك، مش عارفة، عايزة أتكلم معاك، ممكن؟
كان شارد الذهن وهو يتأملها، كانت جريئة جذابة وجميلة، شعرها أسود طويل مسدل على كتفيها، نظراتها غامضة وعميقة تبدو كأنها تخفي شيء ما أو حزن ما... قاطعت أفكاره عندما لاحظت شرود ذهنه..
- اللي واخدة عقلك... إلا انت مستني حد ؟
- لأ
- امَّال المانجة دي لمين ؟
- الظاهر التاريخ بيعيد نفسه.
- قصدك إيه ؟
سرح بخياله للحظات قبل أن يهمس قائلاً:
- حاسس إني باحلم.
- يبقى لازم تصحى لإن الواقع أوقات كثير بيكون ليه طعم ولون وريحة أجمل من الخيال.
- إيه اللباقة والحلاوة دي ! دانتي فيلسوفة ...
قالها متصنعاً المرح عندما اتجه الجارسون للفتاة قائلاً:
- العصير هنا يا فندم ؟
- لو سمحت
وضع الجارسون كوباً من المانجة أمام الفتاة تعلقت به عيناه لوهلة من الزمن، ثم نظر باستغراب شديد إليها، فوجدها تبتسم ابتسامة رقيقة واثقة زادت من حيرته...
- ممكن أعرف إنتي مين ؟
- ها تعرف في الوقت المناسب
- الوقت المناسب عمره ما بييجي معليا أبداً
- يمكن ييجي معايا أنا
- إنتي ! إنتي مين ؟
- يمكن أكون واحدة إنت بتحلم بيها
- أحلامي عادة بتنتهي بكوابيس
- بإيدك تنهي أي حلم زي مانت عايز
- ده لو كان الحلم في اليقظة، وحتى ده بينتهي بكابوس لما بارجع للواقع
- الواقع برضه من صنع إيدينا
- يمكن.
قالها وكأنه غير مقتنع بها، بينما كان آخر مجموعة من الشباب والفتيات تخرج من الكافتيريا
- غريبة، المكان من نص ساعة كان موريستان، ودلوقتي مافيش غيرنا أنا وانتي!
لحظات من الصمت ارتشف خلالها رشفات من المانجة، نظر إلى ساعة يده باهتمام..
- أنا آسف، أنا عندي معاد مهم ولازم استأذن
- المعاد ده ينفع أكون موجودة فيه؟
- إنتي متعودة تاخدي على أي حد بسرعة كدة؟
- إنت مش أي حد ... إلا قوللي ... إنت بتشتغل إيه؟
- أي حاجة تجيب فلوس، بيع وشرا وسمسرة وخلافه، عشان اقدر اصرف على فني
- فن إيه ؟
- اصل أنا فنان، جوايا مشاعر وأحاسيس وخيال، باحب أكتب أشعار وأغاني وبانشرهم على حسابي الشخصي، وكمان باحب التمثيل، إنتي ما شفتنيش في السينما قبل كدة ولا إيه ؟
- ما خدش بالي، هوة انت متعود تقعد في سينما معينة ؟
- لأ ما باقعدش ! بصراحة .. أنا اللي بالِفّ بالحاجة الساقعة والفشار !
قالها بطريقة تهكمية، بينما بدا عليها الجدية وهي تكمل...
- وانا باقول شفتك فين ! شفتك فين ؟
تحول صوته إلى الجدية وهو يسألها:
- إنتي بقه بتعملي إيه أو بتشتغلي فين ؟