الفصل الثاني

5 0 00

الفصل الثاني

في اللحظة التي تبدو فيها للعيان نهاية الممر المشجر المؤدي إلى السهب ينبغي البدء بعدّ أشجار الزان على الجانب الأيسر. فبين الشجرتين الثامنة والتاسعة يمكن للعين الخبيرة أن تتبيّن آثار طريق كانت مطروقة في وقت ما, وهي الآن مهجورة. وهذه الطريق تتلوى كالأفعى حتى المصلى الذي يمكن العثور بقربه على ماء. كان تسفيبوش يعلم بوجود هذه الطريق. عدّ حتى الثمانية ثم انعطف إلى اليسار, وسارت إيلكا في أثره. كان عليهما أن يشقا طريقهما عبر دغل كثيف من الأرقطيون والقنب البري والشوكران والقراص. وكان القراص يلسع أيديهما وعنقيهما ووجهيهما بلا رحمة, ورائحة القنب والشوكران الثقيلة تكتم أنفاسهما. تغطت أكتاف تسفيبوش وإيلكا بنسيج العنكبوت الذي كانت تتسلقه وتتخبط فيه عنيكبات صغيرة وذباب كبير وجنادب. أما العناكب الكبيرة فقد كانت تقوم بـ salto mortale() غير مألوفة من فوق أكتافهما إلى العشب. لقد أقلق صاحبانا عابرا السبيل هذان راحة آلاف الأحياء هنا.

كان المصلى يقوم على مرجة مغطاة بأعشاب عالية تقع على مسافة ربع ساعة من الممر المشجر. وهو كنيسة صغيرة جداً ترتفع فوق العشب بتهيب, وقد تقشرت جدرانها ونبت عليها الطحلب والسرمق واللبلاب. وكان ينتصب على سطحها المخروطي الأملس المحمر من الشمس صليب برونزي عالٍ. وكان هذا الصليب بالذات يقوم مقام النجم الهادي لتسفيبوش.

- إذا كان الجدول قد جف- قال تسفيبوش- فإن هدية القدر ستكون أسوأ بكثير من الهدية التي قدمتها لنا صاحبة السناء. إن أمعائي جافة كالرَّق.

ولكن الجدول لم يكن جافاً. فعندما وصل تسفيبوش وإيلكا إلى المصلى وأزالا نسيج العنكبوت عن أكتافهما هبت عليهما رائحة النداوة, وتناهى إلى سمعهما صوت خرير. ابتسم تسفيبوش ابتسامة عريضة, وضع القيثارة والكمنجة على درج المصلى وأخذ يطوف حوله بسرعة راسماً بقدميه القصيرتين شكلاً كالحلزون. قال مقهقهاً:

- يخرّ... ولكن في أية جهة, أيتها الشياطين؟ أين أنت أيها الجدول؟ ومن أين الطريق إليك؟ آه, يا لهذه الذاكرة الحمقاء! لقد شربت منك مرتين أيها الجدول, ونسيت, أنا الجاحد, أين أنت؟ إنني أعرف في ذاتي الإنسان! فنحن(البشر) لا ننسى سوى من أحسن إلينا! آه, يا بشر! ها- ها...

كان بمقدور إيلكا التي تملك سمعاً أرهف أن تحدد الناحية التي يخرخر فيها الجدول لولا تلك الإهانة الفظيعة التي ألحقوها منذ قليل بأبيها الشيخ, المريض حسب اعتقادها. كانت تتبع خطوات أبيها آلياً دون أن ترى أو تسمع أو تفهم أي شيء. لم يكن يهمها الإعياء ولا العطش. فكل شيء قد تخلى عن مكانه للغضب الشديد العادل الذي استولى على نفس الشابة. كانت تسير وهي تنظر إلى الأرض وتعض شفتها العليا.

ظل تسفيبوش المصاب في إحدى أذنيه بالطرش يرسم الحلزون إلى أن وصل إلى مكان أصبحت الدمدمة الغاضبة تُسمع فيه بوضوح, وأخذت القدمان تحسان تحتهما بتراب رطب طري.

هتف: - الجدول يجب أن يكون تحت أشجار الزيزفون! ها هي إحدى الزيزفونات, ولكن أين الشجرتان الأخريان؟ لقد كانت ثلاثاً بالضبط عندما شربت الماء من هنا منذ عشر سنوات. لقد قطعوهما!يا للزيزفونتين المسكينتين! حتى هما احتاج أحد إليهما. وها هو ما نبحث عنه... احترامي! لنشرب يا إيلكا في صحتك!

ركع تسفيبوش على ركبتيه, وألقى بقبعته جانباً وألصق وجهه الملتهب بالسطح البارد المتلألئ... وركعت إيلكا آلياً على ركبة واحدة, وحذت حذو أبيها. كان تسفيبوش يشرب بفمه وعينيه, وينظر في الماء إلى سحنته المغطاة بالدم ويُعِدّ في ذهنه, وهو يرى إلى الكدمات والخدوش, تعليقاً ساخراً مناسباً, ولكن التعليق الساخر طار من رأسه وانسكب الماء راجعاً من فمه عندما رأى في مرآة الماء وجه إيلكا جانب وجهه. كف عن الشرب ورفع رأسه وقال عابساً:

- إيلكا! هل تسمعين يا فتاة؟ كفي عن التكشير! أنت لست كلباً! أنا لاأحب هذا! لا تكوني حمقاء!

رفعت إيلكا رأسها ومسحت جبينها براحتها الندية. أردف تسفيبوش: - أنا لا أحب هذا! أقلعي عن عادتك الغبية هذه, عادة التكشير من أي أمر تافه! كوني ذكية! علامَ الغضب؟ إنك شاحبة كالأموات وترتجفين! انتبهي, يا غبية, عندما ستموتين من الغيظ ستدرين! كفّي! ايه!...

- لا أستطيع... لا أحد يملك الحق في أن يضربك على وجهك يا بابا تسفيبوش. لا أحد.

- صحيح؟ ألم أكن أعرف هذا؟ إنني بدونك أعرفه! لا على الوجه, ولا على الظهر, ولا على البطن... ولكن ماذا تريدين؟

مسحت إيلكا جبهتها براحة يدها مرة أخرى وهمست:

- أريد أن لا يجرؤ أحد على ضربك. أريد... أريد أن أثأر منها.

أصدر تسفيبوش صوتاً صافراً, وانحنى إلى الماء وأخذ يغسل وجهه, ثم مسحه بكميه وقال:

- هذه سخافة, يا إيلكا! اشربي إذا كنت لم ترتوي بعد, وهيا بنا إلى آلتينا. كفانا لغواً بالحماقات!

رفع تسفيبوش إيلكا من يدها, واتجه صوب المصلى وهو يمسح على بطنه بيده. اقترح قائلاً:

- أحسن من أن نغضب, تعالي نتفرج على المصلى.

عندما اقتربا من المصلى اندفعت كثرة من العظاءات الخضراء والشهباء للاختباء في الشقوق أو تحت الأعشاب. كان باب المصلى ذو الكلاليب الصدئة موصداً إيصاداً محكماً بألواح من الخشب, وقد ثُبّت فوقه لوح خشبي أملس دقت فيه حروف نحاسية. كانت الحروف لاتينية طبعاً, وقد قرأ تسفيبوش ما يلي وترجمه لإيلكا: «فرانتسيسك غولداوغين- 1806. أيها العابر, صلِّ من أجل أن يحفظ الملائكة المقدسون روحه للجنة!». كان الزجاج في نافذتين من نوافذ المصلى مكسوراً, وشظاياه البارزة من الإطارين شبه المنخورين تشع بألوان قوس قزح. أما النافذة الثالثة فكانت مسدودة بحزمة من سنابل الشعير. وكانت النوافذ كلها مملكة للعنكبوت والغبار.

صاح تسفيبوش عبر النافذة:

- فرانتسيسك غولداوغين!

فرد الصدى: - غولداوغين!

قال تسفيبوش مخاطباً إيلكا:

- إن فرانتسيسك غولداوغين هو أخو جد الكونت الحالي. وقد قتله وصيفه العجوز في عام 1806 ثأراً لابنته في هذا المكان بالذات بينما كان عائداً من موعد. هكذا يقول بعضهم, بينما يقول آخرون إنه تقاتل مع ابن أخيه بسبب فتاة ما, وقُتل. وأياً كان الأمر فإن الوصيف قد شنق في هذا المكان. تقول وصية الرب: «لا تقتل», ولكنهم في بيوت غولداوغين وأحراجهم وبساتينهم لم يكونوا يعرفون الوصايا الإلهية. تطلعي يا إيلكا من النافذة... هل ترين القديس فرانتسيسك؟ وجهه أخضر مصفر.. إنه مخيف.. لقد خبت الصورة الآن, ولكنها كانت في وقت ما تبدو واضحة جداً, وكانت تثير الفزع في نفوس الأغبياء والنساء. وكان هذا الوجه يصبح مخيفاً بشكل خاص عندما يشعلون أمامه سراجاً أزرق, أذكره كما الآن... عندما كنت أنظر إليه كان الصقيع يدب في ظهري. وجوهر الأمر, يا ابنتي, في أن الفنان الذي رسم هذه الصورة هرب قبل أن يتم عمله, فلم يرسم العين اليسرى. لذا فإن العين اليمنى تبدو بارزة بكل هذه القوة وتخرز أعيننا التي تؤمن بالخرافات. كما أن الوجه لم يكتمل أيضاً. فلم يكن هناك سوى لون الخلفية, كما يقول الفنانون. وقد هرب الفنان لأنه وقع في غرام الكونتيسة. كان المغفل يرى فيها قلعة منيعة. أبله! لو أنه لمح لها مجرد تلميح لوجدها ترتمي بين ذراعيه. فالنساء دائماً رخوات. وهنّ لا يبتعدن عن الرجال عندما يتعلق الأمر بذاك الذي لا تنبغي لك معرفته, يا طهارتي!

سكت تسفيبوش وتطلع إلى إيلكا. لم تكن ابنته تصغي إليه, بل كانت تنظر إلى الأرض وتهمس بشيء ما وتحرك أصابعها وكأنها تناقش أمراً ما مع ذاتها. أصدر تسفيبوش صوتاً صافراً وطفق يفكر, ثم قال وقد زوى ما بين حاجبيه:

- اسمعي يا حميراء! أنا لا أحب هذا! مرة أخرى أراك تكشرين! هيا بنا نجلس!

جلس تسفيبوش وإيلكا على درجات المصلى الساخنة, ثم أردف تسفيبوش وهو يرنو إلى وجه ابنته الشاحب:

- أين هو عقلك يا بنية؟ لماذا لا تفكرين منطقياً؟ لا يمكن أن نصنع من الخشب فولاذاً ولا يمكن أن نصب من الخروق ناقوساً. والجرذ ليس بمقدوره أن يلد تمّة. ولا يجوز أن نتوقع من تلك المرأة المتحدرة من صنف معروف من البشر تصرفات ملائكية. إن أجدادها وآباءها ذئاب, فهل يمكنها أن تعصي قوانين الطبيعة فتولَد حملاً؟ هي أيضاً ذئبة! ذئبة من الرأس حتى القدم! ولأنها ذئبة لم تستطع أن تتصرف على نحو آخر... فما الذي تريدينه بعد؟ إن تعليم الذئاب أكل العشب ليس من شأننا... فكري منطقياً! لقد كان لقبها قبل الزواج البارونة غيلينشترال, فمن هم آل غيلينشترال هؤلاء؟ إنهم آل غولداوغين أنفسهم. فغيلينشترال الأول كان ابناً غير شرعي لآرتور غولداوغين. ولم ينل لقب البارونية, إبان حرب الثلاثين سنة, إلا بفضل قرابته من آل غولداوغين. وبعد ذلك أخذ آل غولداوغين يتزوجون من آل غيلينشترال, وهؤلاء يتزوجون من أولئك وهكذا دواليك... وأسفر ذلك عن تكوُّن عائلتين لا تختلف إحداهما عن الأخرى في شيء. فما الذي تريدنه بعد ذلك؟ لعلك تريدين أن يتقدم غيلينشترال ليقبِّلك عندما يكون غولداوغين آخذاً في ضربك؟ هـ م... لا, يا عزيزتي! لا يجوز لأحد أن يغضب من الذئاب لأن الطبيعة أعطتها أنياباً حادة سوى قليلي المعرفة أمثالك.

سكت تسفيبوش قليلاً وأردف:

- أمّا أنّ للطبيعة دوراً عظيماً هنا, فإن هذا يظهر جلياً من تاريخ آل غولداوغين. لقد ظهر غولداوغين الأول في نهاية الحملات الصليبية. وكانوا يدعونه السفاح ذا العينين الذهبيتين. شعر رأسه ولحيته كان أسود كالفحم, بينما حاجباه ورموشه شقر. وبفضل لعبة الطبيعة هذه لقبوه غولداوغين(). في عينيه الذهبيتين, كما يقول التاريخ, كان يشع, مع الذكاء الفذ, مزيج من مكر الوشق ومراوغته وظمأ النمر الجائع إلى الدم. لقد كان كلباً مسعوراً بأسوأ معاني هذه الكلمة. كان يعب الدم البشري بالسهولة نفسها التي نعب بها الماء, ويشتري الناس ويبيعهم بصفاقة يهوذا. إحراق قرية أهون عنده بكثير من تدخين سيكارة عندنا. كان يحرق ويرنو بإعجاب شديد إلى ألسنة اللهب. وعندما كان المنتصرون بقيادة غوتفريد بوليونسكي يصلون عند «تابوت الرب» للمرة الأولى, كان هو يخب بحصانه في أطراف أورشليم ويَنْظُم في رمحه رؤوس المسلمين. لم يخن نفسه حتى في هذه اللحظة العظيمة! يقول الأرشيف إن رغبته في الصلاة وقتئذ كانت عارمة إلاّ أن غريزة الكلب المسعور شدته إلى الجانب الآخر, إلى التخريب وسفك الدماء. إنه تشوه مخيف يا عزيزتي! ولا يجوز الظن أن الذهبي العينين كان هو المذنب في تشوهه هذا. فالإنسان لا يصل بنفسه إلى هذه القذارات الفظيعة, كما أنه لا يصل بتفكيره إلى خلق إصبع سادسة في اليد. الطبيعة هي المذنبة. هي التي أعطته دماغ ذئب. وقد خلفّ ذهبي العينين ابناً لا يختلف عن أبيه إلاّ بأن عينيه ليستا ذهبيتين...

أما التشوه الخُلُقي فقد انتقل إليه, ثم جاء الحفيد جامعاً بين العينين الذهبيتين والتشوه نفسه, وهكذا دواليك. الكونت الحالي ليس له عينان ذهبيتان, وقد مات في العام الماضي ابن له, صبي, عيناه ذهبيتان. وهكذا فإن العينين الذهبيتين تنتقلان من الجد إلى الحفيد, أما التشوه فيشمل الجميع. وكما ترين يا عزيزتي فإن من الصعب على آل غولداوغين التخلص من أدمغتهم الذئبية بقدر ما يصعب عليهم التخلص من العيون الذهبية. والآن احكمي يا عزيزتي هل كان بمقدور تلك الحسناء أن لا تجلدني بالسوط على شفتيّ؟ الطبيعة غلبت العقل, ولم يكن بإمكانها أن تتصرف إلاّ على هذا النحو!

صرخت إيلكا وهي تخبط الأرض بقدمها: - إنك تكذب في كل هذا يا أبي! إنك تكذب! فليس لشفتيك أية علاقة بتشوهها وطبيعتها! ليس لنا علاقة بهذا! إنك لا تقول كل هذا إلاّ لأن الغضب يضرّ بي, ولكنني سأريها! إنني لن... لن أغفر لها! فليعاقبني الرب إن أنا غفرت لها هذه الإهانة!

- لو أحد غيرك, لا أنت, أيها الحَمَل, يتشاجع هكذا! إن تشاجع الحمل أمام الذئب لا يعني سوى إضاعة الكلام عبثاً... من الأفضل أن نصمت!

نهضت إيلكا وألقت بحمالة القيثارة على كتفها وأشارت بذقنها إلى الطريق. تساءل الأب: - ألا تريدين أن تستريحي؟ لاذت إيلكا بالصمت. فنهض تسفيبوش ووضع الكمنجة تحت إبطه, وزحر, ومشى باتجاه الممر. كان معتاداً إطاعة إيلكا.

بعد ساعة كانا يسيران في الدرب المغبر الحار وهما يجرجران أرجلهما المتعبة بشق النفس. أمامهما, خلف خط الأحراج والبساتين المزرقة في الأفق كانت تلوح قباب النواقيس ومبنى البلدية في بلدة هنغارية صغيرة, وإلى اليسار كانت قرية آل غولداوغين الجميلة تزهو بمختلف الألوان.

- أين توجد محكمة؟ هنا أم هناك؟ - تساءلت إيلكا وهي تشير إلى البلدة ثم إلى القرية.

- محكمة؟ هـ..م... توجد محكمة في كل من البلدة والقرية. في البلدة, يا ذهبي, يحاكمون سكان البلدة, وفي القرية يحاكمون رعايا غولداوغين...

توقفت إيلكا وفكرت قليلاً, ثم مشت في الطريق المؤدية إلى القرية. تساءل تسفيبوش: - إلى أين؟ لِمَ اتجهت إلى هناك؟ ماذا ستفعلين هناك؟ فليحفظك الرب من الذهاب إلى أولئك الفلاحين!

- إنني, يا بابا تسفيبوش, ذاهبة إلى حيث «يحاكمون رعايا غولداوغين».

- ولم هذا؟ بحق الرب! أنت, يا روحي, مجنونة! في البلدة يمكننا أن نتغدّى ونشرب بيرة, أما هنا فما الذي سنفعله؟

- ما الذي سنفعله؟ أمر بسيط جداً! سنقاضي تلك الوغدة العديمة الضمير.

- أنت حمقاء, يا ابنتي! لقد فقدت عقلك! لقد أضعت كل قدرة على التفكير, يا حمامتي! أم لعلك تمزحين؟

- إنني لا أمزح يا أبي! بل أنا أعجب كيف أنك مع كل ما لديك من عزة نفس تستطيع أن تتخذ مثل هذا الموقف الفاتر من تلك الإهانة؟ اذهب إلى البلدة إذا كنت تريد! سأذهب بنفسي إلى المحكمة وأطالب بمعاقبتها!

نظر تسفيبوش في وجه إيلكا, وهز كتفيه وسار خلف ابنته العاصية وهو يدمدم, ويومئ بيديه, ويصدر أصواتاً صافرة.

- أنت حمقاء يا إيلكا- قال متنهداً وهما يجتازان جسراً مقاماً عبر نهر- حمقاء! لقبيني بالشيطان الأصلع إن لم تخرجي من هذه القرية خائبة! اعذريني يا ابنتي, ولكنك أنت اليوم, بشرفي, غبية كالقوبيون().

عبرا الجسر ودخلا القرية. كانت الشوارع خالية من أي إنسان. فالجميع كانوا مشغولين بالعمل في الحقول والبساتين. تجولا طويلاً في القرية وهما ينظران حواليهما إلى أن صادفا أخيراً عجوزاً ضئيلة متغضنة كقشرة بطيخة صفراء جافة. توجهت إليها إيلكا سائلة:

- اسمحي لي أن أسألك أين يقيم القاضي هنا؟

أجابت العجوز: - القاضي؟ عندنا, يا صبيّة, ثلاثة قضاة. أحدهم لم يعد يقضي من وقت طويل. إنه طريح الفراش منذ عشر سنوات بعد أن أقعده الفالج, والآخر لا يمارس العمل الآن, بل يعيش حياة الملاّكين, لقد تزوج امرأة غنية وأخذ بائنتها أطياناً- فماله وللقضاء؟ ثم إنه الآن عجوز... لقد تزوج منذ عشر سنوات, عندما توفي ابني الأكبر تغمده الرب برحمته...

- والثالث؟ أين يقيم الثالث؟

- الثالث؟ الثالث ما يزال يقضي... ولكنه أيضاً لم يعد يصلح لشيء... عجوز! يلزمه الآن ان ينام في قبره, لا أن يفصل في الخصومات.. إنه يقيم... هل تريان الرواق الأخضر؟ تريانه؟ هناك بالضبط هو يقيم...

شكر تسفيبوش وإيلكا العجوز واتجها نحو الرواق الأخضر. وجدا القاضي في البيت. كان يقف في فناء داره تحت شجرة توت قديمة مترامية الأغصان, ويسقط بِعصاً حبات التوت السوداء الناضجة. كانت شفتاه وذقنه مصبوغة باللون الليلكي والأزرق والقرمزي. وفمه ملآن. كان القاضي يمضغ بكسل يفوق كسل الثيران التي برمت بما تجتره.

خلع تسفيبوش قبعته وانحنى للقاضي وهو يقول:

- إنني أتجرأ على أن أزعج جنابكم الشريف بسؤال واحد وحيد:هل حضرتكم هو القاضي؟

شمل القاضي ضيفيه المتطفلين بنظره وابتلع ما يجتره وقال:

- أنا القاضي, ولكن حتى الغداء فقط.

- وهل تفضلتم بتناول الغداء؟

- أي نعم... إنني أتغدى في الثانية والنصف... يجب أن يكون هذا معروفاً لكما. في الأعياد أتغدى في الواحدة والنصف.

- البطنة تُذهب الفطنة(), يا صاحب الشرف! هيء- هيء- هيء. لقد تفضلتم بقول الحقيقة. ولكن, يا صاحب الشرف, لا توجد قاعدة دون استثناء!

- عندي توجد... أنا في هذه الحالة لا أعترف بالاستثناءات. إنني, يا صاح, لا أحاكم الناس إلاّ وأنا على الريق, عندما يكون استعدادي للتأثر بالعواطف في أدنى الدرجات. منذ عشر سنوات جربت المحاكمة بعد الغداء... فماذا حصل؟! هل تعرف ماذا حصل, يا صاح؟ لقد حكمت بعقاب أخفض بدرجة... وهذا ليس دائماً عدلاً! ولكن أنت سمين كبرميل يسع مئة سطل! أنت, كما يبدو, تأكل كثيراً؟ ألا تشعر بالحرّ من حمل كل هذا اللحم الزائد؟ مَنْ هذه البنت؟

- هذه ابنتي, يا صاحب الشرف... وهي بالذات صاحبة الالتماس لديك.

- هـ.. م... هكذا إذاً... اقتربي يا حسناء! ما هي حاجتك؟

اقتربت إيلكا من القاضي وقصت عليه بصوت مرتعش كل ما حدث في فناء الكونت غولداوغين. استمع القاضي إليها, ونظر إلى شفتيّ تسفيبوش, وابتسم وسأل:

- وماذا تريدين الآن يا حسناء؟

- أريد أن تنال تلك المرأة عقابها!

- هكذا إذاً... طيب.. بكل سرور! سنضعها في السجن فوراً... اسمع يا صاح - قال القاضي ملتفتاً إلى تسفيبوش - أين أنجبت هذه المليحة, أعلى القمر أم على الأرض؟

- على الأرض يا صاحب الشرف: على القمر, يا صاحب الشرف, لا يوجد نساء, ولذا فإن من المتعذر, كما أظن شرب كأس من الخمر في صحة نفساء هناك!

- بما أنها وُلدتْ على الأرض, لماذا إذاً لا تعرف أن... يا لكما من أحمقين, أيها السيدان! آه, أي أحمقين أنتما! إنكما أحمقان وغريبا الأطوار!

سألت إيلكا: - ولماذا؟

- على الأرجح لعدم وجود دماغ... إن آل غولداوغين يطعمونني ويسقونني, وتريدان مني أن أحاكمهم؟ ها.. ها.. ها. آل غولداوغين كونتات, وهي ابنة غجري, عازف كمان رديء يستحق الضرب لسوء عزفه! غريبا الأطوار حقاً! لا, أنتما لم تولدا على الأرض! ثم هل سترضى هي أن تتقاضى معك؟ إنها سترسم على مذكرة الحضور التي سأرسلها لها وجهاً ذا أنف كبير وتلقي بها تحت الطاولة! وأين شهودك؟ العمال؟ لا تأملي بهذا. إنهم ليسوا من أصحاب الملايين كي يتخلوا عن لقمة الخبز! ها... ها... ها... وجدتِ من تقاضي! غريبة الأطوار حقاً! لا, لا تتساخفي يا حسناء! شيء مهين, هذا صحيح... ولكن ماذا باليد؟ لا يمكنك تغيير الكون!

- وماذا علي أن أفعل إذاً؟

- اعطي أباك خرقة يضمد بها شفته, فالجرح يمكن أن يتقيح من الذباب... اشتري له ماء الرصاص. هذا فقط ما يمكنني أن أنصح به... هل أقدم لك نصيحة أخرى يا حسناء؟ على الرحب والسعة! تأبطي ذراع أبيك السمين وانصرفي... لا أطيق رؤية الحمقى! خلِّصا نفسيكما من حضور قاضٍ جائر, وأتيحا لي إمكانية عدم التحدث معكما.

- ولكن ماذا عليّ أن أفعل؟

تساءلت إيلكا ثانية وهي تلوي أصابعها.

- هـ .م.. هل تريدين نصيحة ثالثة؟ تفضلي! صيري كونتيسة مثلها, عندئذ سيكون لك كامل الحق في مقاضاتها.. كامل الحق! ها.. ها.. ها.. صيري كونتيسة! كلمة شرف! عندئذ ستقاضينها كما يطيب لك! لن يحول أحد أو شيء بينك وبين ذلك! على كل... وداعاً! لا وقت لدي. اتركاني! ما دمت لست كونتيسة يظل لي الحق في أن أطردك بلا مجاملة بعيداً عن معدتي المليئة ولساني الكسول! هيا يا صاح! لا تنس أن تشتري ماء الرصاص!

ازوَرّ القاضي عنهما وعاد إلى قطف ثماره. خرج تسفيبوش وإيلكا من الفناء وسارا صوب الجسر. كان تسفيبوش يرغب في البقاء للراحة في القرية, ولكنه لم يشأ معارضة إيلكا... راح يجرجر نفسه في إثرها وهو يلعن الجوع الذي يقرص معدته. كان الجوع يمنعه من التفكير... سأل:

- أ إلى البلدة يا ابنتي؟

لم تجب إيلكا. وعندما دخلا الغيضة العائدة لفلاحي آل غولداوغين, تساءل تسفيبوش:

- هل أنت غاضبة يا إيلكا؟ مالك لا تجيبين على سؤالي؟

بدل الجواب ترنحت إيلكا وأمسكت برأسها.

- ما بك يا ابنتي؟

توقفت الابنة وأدارت وجهها نحو أبيها. ثمة ابتسامة كريهة حاقدة كانت تشوه هذا الوجه. وكانت الأسنان بادية في تكشيرة كتكشيرة الكلاب.

- ما بك, بحق الرب؟

رفعت إيلكا يديها إلى الأعلى وألقت برأسها إلى الخلف, وفتحت فمها على سعته, ودوت في الغيضة صرخة حادة صادرة من الأعماق. وانهمرت دموع كبيرة من عيني ابنة الأب المهان الزرقاوين وسالت على خديها كجدولين... كانت إيلكا تنتحب وتقهقه.

- ما بك؟ أيجوز الغضب هكذا؟

شرع تسفيبوش يبكي, وراح يقبل ابنته.

- هل يجوز هكذا؟ اجلسي يا إيلكا! اجلسي كرمى للرب! ايه, هيا اجلسي!

وضع تسفيبوش يديه الكبيرتين العرقانتين على كتفيها المتواثبتين وضغط إلى الأسفل.

- اجلسي! هيا نجلس في الظل وستهدئين! تعالي إلى تحت هذه الصفصافة! ها هو الجدول! وحيثما يوجد الصفصاف, هناك بالذات يجب البحث عن الماء! لنجلس.

حمل تسفيبوش إيلكا حتى الصفصافة وثنى ركبتيها وأجلسها على العشب, بينما كان نحيبها يشتد ويشتد...

- كفى يا ابنتي! هل لنا الحق في أن نستاء هكذا من الإهانة؟ ثم ألا نهين نحن أحداً البتة؟ هل بإمكانك أن تضمني أن أباك لم يهن قط أحداً دون أن ينال جزاءه؟ بلى أَهَنْتُ! واليوم فقط لقيت جزائي.

دوّى صوت طلقة. وسقط طير من فوق الصفصافة وهو يتشبث بأغصانها ويحفّ ويصفق بجناحيه, ثم ارتمى على مئزر إيلكا. كان الطير أنثى عقاب فتية, وقد أصابتها خردقة في عينها بينما هشمت خردقة أخرى منقارها.

- انظري يا عزيزتي! لقد أهينت الطبيعة إهانة بالغة في شخص هذا الطير... هذه الإهانة أكبر من إهانتنا بكثير.. لكن الطبيعة تصبر... إنها لا تعاقِبُ, لا تنتقم...

طقطقت الشجيرات, ورأى تسفيبوش أمامه شخصاً فارعاً ممشوقاً على جانب عظيم من الوسامة, ذا لحية كثة عريضة, ووجه أسمر. كان يمسك بإحدى يديه بندقية صيد, وبالثانية قبعة قش عريضة الحافة. وقف الرجل كالمسمر عندما شاهد طريدته على ركبتي فتاة حلوة تنتحب. قال تسفيبوش (مستأنفاً حديثه):

- على كل لقد لقي هذا الرجل عقابه! وكان العقاب شديداً! إن آثامه لتشحب أمام القصاص الذي يلاقيه!

إيلكا, إنني أقدم لك الكونت فونيتش والبارون زاينيتس. أهلاً بالكونت والبارون! ما هو الأكثر فيك: الكونتية أم البارونية؟ في قامتك الخارقةِ الجمال هناك الكثير من هذه وتلك. ها هي طريدتك! ابنتي تقيم لها قداساً!

كان البارون أرتور فون زاينيتس لا يعدو الثمانية والعشرين من العمر, إلاّ أن مظهره يوحي بأنه تجاوز الثلاثين. وجهه لا يزال جميلاً ونضراً, ولكنكم ترون فيه عند العينين وفي زاويتي الفم تلك التغضنات التي تبدو على وجه من عاش حياته وعانى الكثير. لقد اجتاز الشبابُ, بإخفاقاته, وأفراحه وأتراحه, وقصفه ومجونه, هذا الوجهَ الأسمر الرائع, مخلفاً فيه أخدوداً. في العينين بطر وملل... والشفتان مضمومتان في ابتسامة مذعنة وهازئة في آن واحد, وقد غدت هي ابتسامته المألوفة... وللبارون فون زاينيتس شعر أسود طويل أجعد, يشبه شعر طالبة شابة لم تضفر ضفائر بعد. وهو نادراً ما يغتسل, لذا فإن شعره وعنقه قذران ويلمعان في الشمس. ملابسه متواضعة وبسيطة... بزته عادية وعديمة الشخصية بالمرة... ياقة قميصه القذر تنم على أن البارون لا يلتزم الموضة. فمثل هذه الياقة كانت دارجة منذ أربع سنوات. وربطة عنقه سوداء, رثة وشكلها كالشريطة, وعقدتها البشعة المربوطة على عجل منحرفة إلى جانب وتوشك على الانفكاك. أما سترته وصداره ففاخران. إنهما مغطيان بالبقع ولكنهما جديدان ومخيطان من قماش رمادي ثمين منسوج من أجود أوبار المعز. وبنطاله الحريري الرث الذي انقضى عهده منذ زمن بعيد يشد بإحكام على فخذيه البارزتي العضلات ويضيع بجمال أخاذ فوق الركبتين بين ثنايا جزمته العالية اللماعة, التي اعوج كعباها ومَحّا حتى منتصفيهما. وتستقر على صداره المصنوع من وبر المعزى سلسلة من معدن جديد عُلّقت بها ست ميداليات ذهبية للزينة, ولقلق ذهبي عيناه من الألماس وبندقية صغيرة صنعت بمهارة فائقة لها ماسورة ذهبية وأخمص من البلاتين. وقد نُقشت على هذا الأخمص العبارة الآتية: «إلى البارون أرتور فون زاينيتس من جمعية الصيادين الفايستافيين و السولينوغورسكيين». لا تسألوا البارون عن الساعة فالمعلق بنهاية السلسلة ليس ساعة, بل مفتاح وصفارة من القصدير.

إن سلالة البارونات من آل زاينيتس لا تستطيع أن تباهي بعراقتها. فهي ترقى إلى العقد الأول من هذا القرن لا أبعد. ويحتفظ أرتور بـ «تاريخ البارونات فون زاينيتس» المدوّن في كراس صغير كان وضعه في وقت ما قس سويدي مثقف عابر, بتوصية من كارل, والد أرتور. وقد قبض القس الخدوم مبلغاً ضخماً, ولم يرأف وهو يضع شجرة عائلة البارونات الأكارم لا بالورق ولا بالحقيقة. فقد رقي بالشجرة إلى القرن الحادي عشر, وصدق الكثيرون, بالطبع, هذا الكراس, ولا سيما أولئك الذين لم تكن لديهم حاجة إلى التدقيق فيما يفعله القس. ولكن آل زاينيتس تضرجوا بحمرة الخجل من جراء كراسهم, عندما رغبت إحدى الجرائد المصورة الخدومة جداً في تقديم خدمة لهم فنشرت شعارهم وشجرة عائلتهم على نحو أقرب إلى الحقيقة من تلك التي دفعوا للقس الأموال لقاء وضعها. كان أول بارون من آل زاينيتس من فئة النبلاء البسطاء, وقد تزوج ابنة مصرفي كان يهودياً ثم تنصّر. كان هذا البارون شخصاً تافهاً من جميع النواحي, متذللاً, جائعاً على الدوام, يحب المال, أكثر من أي شيء في العالم. وكان يمكن أن يعيش حياته دون أن يراه أحد وأن ينمحي من ذاكرة الناس إلى الأبد لو لم يبتسم له الحظ بعطف وباستمرار... كان لزاينيتس الأول أخوان, أحدهما يسوعي, درس الفيزياء في إحدى الجامعات وشق طريقه إلى الكاردينالية بجهده الخاص, والآخر شاعر البلاط وصهر طبيب الملك. وبفضل حماية أخويه القوية, ونقود حميه المصرفي صاحب الصلات المالية الواسعة لم يكن من العسير على فون زاينيتس الحصول على وثيقة البارونية كما كان ذلك عسيراً على زاينيتس الأول الذي لفّق القس السويدي قصته. أما زاينيتس الثاني, جد أرتور فقد حارب تحت أسوار أوستيرليتس() ومات أستاذاً في الأكاديمية العسكرية. لقد كان زاينيتس هذا صورة عن عمه الكاردينال, وكان مثله إنساناً مَكْتَبيّاً أكثر منه عسكرياً أو ملاّك أراضٍ. أما والد أرتور فقد كان يشبه زاينيتس الأول, وهو أيضاً تافه, قميء المنظر, لا قيمة له. إنه ضحل الثقافة, محدود الذهن, ضعيف الجسم والخُلُق, وقد آلى على نفسه أن يبدد شذر مذر كل ما أنعم به الحظ المبتسم على جده وأبيه. بيد أن المهمة لم تكن سهلة. فبارونية آل زاينيتس تشغل مساحة ليست بالصغيرة. والخط الحديدي يجتازها في مكانين, وهي تُعَدّ بفضل بساتينها وكرومها وتربتها واحدة من أغنى الضياع وأفخمها. وكانت مزرعة تربية الخيول ومصنع الجوخ الموجودان فيها يدران على البارونات ألفين وخمسمئة فرنك يومياً, ولا حاجة إلى الحديث عن الباقي. إن تبديد مثل هذه الثروة ليس بالمهمة السهلة, ولكن كارل فون زاينيتس كان لديه مساعدون ممتازون. كان يساعده كل من الشهوانية, والعجز عن المحاكمة العقلية, والطيبة و... ابنه. ولم يكف حتى آخر أيامه عن الوقوع في غرام النساء. كان يغرم بتهور, بسعار, لا يتوقف أمام أية عقبات. وكانت النساء هي بند نفقاته الرئيس الذي لولاه ما استطاع على الأغلب, أن يبدد كل شيء. في وقت من الأوقات كان له عشيقة في فيينا. وكان يسافر إليها في القطار السريع مع جمهور غفير من الطفيليين الشهوانيين الذين لا يشربون سوى الشمبانيا. ومع كل قطار كان يرسل إليها هدايا تدهش بنفاستها وتتحدث ببلاغة فائقة عن جنون البارون. هدايا من مجوهرات العائلة, ومن الخيول الغالية والحوالات.... وكانت خادمة معشوقته في فيينا تتقاضى ألف فرنك شهرياً وتملك خيولها الخاصة لحالات الطوارئ. عند وصول القطار السريع وقبل مغادرته كانت تقام ولائم لوكولية(). وكان له في براغ عشيقة أخرى, وفي بودابست عشيقة ثالثة الخ... النساء كن يعبدنه, وكان السبب في ذلك يعود إلى كرمه, طبعاً, أكثر منه لأي شيء آخر. والنوادر الكثيرة التي لا تزال تروى حتى الآن عن كارل فون زاينيتس تبين أوضح تبيان طبيعة هذه العبادة. وسنروي لكم واحدة من هذه النوادر: ممثلة شابة تخرجت حديثاً من المعهد المسرحي كانت تمثل أول أدوارها في واحد من أفضل المسارح الألمانية (هي الآن ممثلة مشهورة جداً في دور الأمهات العجائز الدراميات والتراجيديات). آنذاك كانت فتية وجميلة وتمثل على نحو رائع. وكان المسرح يرتج من شدة التصفيق. بعد الفصل الأول قدموا لها أضمومة مزينة بقلادة ثمينة للغاية كانت تتحلى بها البارونة المرحومة فون زاينيتس أم كارل. وقد قدم البارون هذه القلادة لأنها كانت تقبع في جيبه الجانبي وتنخسه في خاصرته بنهاية ميداليتها الحادة. بعد الفصل الثاني توجه بعض ذوي المراتب العالية الذين كانوا موجودين في المسرح إلى ما وراء الكواليس ليعبروا للممثلة المبتدئة عن إعجابهم. وكان فون زاينيتس في جملتهم. كان يشعر وراء الكواليس كأنه في بيته. فبعد أن شرب في غرفة ملابس الفتى الأول كأساً من الشمبانيا توجه إلى غرفة ملابس النجمة الصاعدة. وجد باب الغرفة مقفلاً فأخذ يدق. فسأله ذوو المراتب العالية مذهولين: - ماذا تفعل!؟ ما هذا التمادي؟ هل نسيت أننا هنا لسنا في سيرك ولا في أو بيريت ولا في salon madame deleaux ! (صالون مدام ديلو!) إنك وقح جداً يا بارون!

- هل تظنون هذا؟ إنني فقط قليل الصبر.

- ولكنها ستخرج الآن! ألا يمكنك أن تصبر دقيقتين أو ثلاث دقائق؟

- لا أستطيع!

- ولكن هذا غير لائق! ربما كانت الآن ترتدي ملابسها.

- ربما - أجاب البارون القليل الصبر ودق الباب مرة ثانية. سُمع من الغرفة صوت أنثوي فتي يسأل: - من هناك؟

أجاب البارون: - أنا.

- من أنت؟

- أحد المعجبين بموهبتك. إنني, في الحقيقة, لا أفقه في موهبتك شيئاً ولكنهم يقولون لي إنك تمثلين بشكل رائع, وأنا اعتدت تصديق ما يقال لي. افتحي!

- شيء غريب... إنني في غرفة الملابس! والدخول إلى غرفة الملابس لا يجوز. أنت من تكون؟

- أنا البارون فون زاينيتس وأريدك في مسألة.

رد الصوت الصادر من الغرفة بنبرة أخفض وأقل جرأة:

- يسرني جداً, يا بارون... ولكنني لم ألبس بعد... انتظر خمس دقائق.

- لا وقت لدي للانتظار. سأغادر بعد دقيقتين. إما الآن, أو لن نلتقي أبداً.

- لا يجوز الدخول.

- هذا شأنك... وداعاً! يا للشيطان, من هذا الذي يشدني من كمي؟

تجمع قرب البارون جمهور المعجبين بالممثلة المبتدئة. وكان الجمهور ساخطاً للغاية على تصرف البارون الوقح وطلب منه الابتعاد عن الباب. وكان الذي شد البارون من كمّه هو خطيب الممثلة الموجود بين الجمهور. صرخ المعجبون:

- هلا تفضلت وابتعدت عن الباب!

فتساءل البارون: - وإذا لم أبتعد, ماذا سيحدث؟ ثم دق الباب لا بأصبعه بل بقبضته, وقال للممثلة عبر الباب المغلق:

- إنك يا mademoiselle (مدموزيل) على ما يبدو تريدين أن يثير هؤلاء السادة فضيحة حولي! افتحي! بعد دقيقة ونصف سأغادر. الآن أو لا وإلى الأبد! هل تشائين أن تتحدثي مع البارون زاينيتس الذي يريدك في مسألة؟

يبدو أن الممثلة المبتدئة كانت مترددة. فقد تساءلت:

- ما الذي تريده؟

- آه, يا للشيطان! ما الذي يمكن أن أريده؟ لا وقت لدي للحديث! إيه, إنني سأعد حتى الثلاثة, وإذا لم تفتحي عندما أقول «ثلاثة» فإنني سأذهب, ولن تريني بعدها أبداً... ولكن ما أكثر ما لديك من المعجبين. إنني ألاحظ هذا من القرصات التي أتلقاها منهم من الخلف والجانبين... ها أنا أبدأ: واحد, اثنان, إيه, إيه...

سُمع وقع خطوات خفيفة في الغرفة قرب الباب. قال البارون: - ثلاثة.

قرقع القفل, وانفتح الباب بهدوء, وخرجت من الغرفة خادمة حلوة تبتسم, وانسلّت من أمام وجه البارون. خطا البارون خطوة إلى الأمام ففغمته الروائح الناعمة التي تعبق بها الغرفة. كانت هي تقف قرب النافذة المعتمة وقد التفّت بشالها. وقربها كان يتمدد فستانها الذي كانت سترتديه... كان خداها حمراوين يتقدان بنار الخجل...

«يا الهي! ما أشد براءتها بعد!». فكر البارون, ثم انحنى وقال:

- أرجو المعذرة! إنني سأغادر بعد دقيقة ولذا...

رفعت الممثلة المبتدئة عينيها الطافحتين بحب الاستطلاع. إنها تراه أول مرة, بعد أن سمعت عنه الكثير, حتى عندما كانت ما تزال في معهد التمثيل. وكانت تعبده على السماع منذ مدة بعيدة. سألته بعد دقيقة من الصمت الثقيل:

- ما الذي تريده, يا بارون؟

- أرجو الصفح يا mademoiselle عن هذا الإلحاح, ولكن أنت, صدقاً, تعجبينني!

أطرقت الممثلة المبتدئة, وازداد خداها احمراراً. قالت:

- إنني لا أحب كلمات الإطراء!

- «يا لله ما أشد براءتها!» فكر البارون ثم قال:

- ما هو الأجر الذي عيّنه لك رؤساؤك؟

- لم يعينوه بعد, ولكنهم سيعينونه... كم - لا أعرف... أغلب الظن أنه لن يزيد في الفترة الأولى عن ألفي تالر...

- هـ.. م.. مبلغ جيد... في الفترة الأولى يكفي..

سكت البارون وطفق يتفرس الممثلة المبتدئة التي كانت على استعداد لأن تغور في باطن الأرض من الخجل وحرج الانتظار. قال فون زاينيتس بعد صمت قصير:

- إذا جئت إلي أعطيك مئة وخمسين ضعفاً.

وجنتا الممثلة الورديتان غدتا بيضاوين كقماش قميص البارون... زعقت, وضربت كفاً بكف وتهاوت في الحال على الكنبة المخملية كالمصعوقة بطلقة من مئة مدفع, وأصيبت بنوبة من الهستيريا, انحنى فون زاينيتس وخرج. وعندما دخلت الخادمة الغرفة كانت الممثلة المبتدئة تشهق باكية. شهقاتها كانت متقطعة, مختلطة بالضحكات. ذعرت الخادمة واندفعت من الغرفة راكضة, وبعد دقيقة توزع الممثلون جميعاً إلى زمر, وأخذت الزمر تتهامس وتنظر إلى باب الغرفة شزراً وهي لا تعرف ماذا تفعل: هل تبدي سخطها على تصرف البارون الوقح, أم تحسد الممثلة المنتحبة على السعادة؟ اقتحم خطيبها الغرفة كالمجنون, وارتمى على قدميها وراح يعول:

- لا تبكي يا حبيبتي! إنه سيدفع ثمن هذه الإهانة, ولكن... أنت... لماذا فتحت الباب لهذا الشيطان؟

وضعت الممثلة وجهها الباكي على صدر قميص خطيبها الأبيض, ووضعت يديها على كتفيه وهمست:

- آه يا جورج! ما أسعدني! ما أسعدنا أنا وأنت! لقد وعدني بمئة وخمسين ضعفاً, ونحن تعلمنا في معهد التمثيل أن البارون فون زاينيتس قادر على الإبرار بوعوده! من المؤسف فقط أنه ليس وسيماً! ولكن مئة وخمسين ضعفاً...

اذهب يا صديقي واطلب أن يعلنوا للجمهور أنني لا أستطيع متابعة التمثيل بسبب المرض!

في اليوم التالي استلمت الممثلة المبتدئة من «معبودها» فون زاينيتس أجر ثلاثة أشهر مقدماً...

إن هذه النادرة محتملة الوقوع, ولكن لا أدري إلى أي حد هي صحيحة.

وكان بند النفقات الثاني لدى البارون هو الورق. كان زاينيتس نادراً جداً ما يلعب, فاللعب يضجره, ولكن عندما كان يجلس للعب يخسر مبالغ ضخمة من الضجر. وقد جعله الضجر يخترع لعبة خاصة به, وهي لعبة في غاية البساطة, وتسمى «السود والحمر». كان زاينيتس يسأل مُلاعبه وهو يريه ظهر الورقة: - حمراء أم سوداء؟ إذا حزرت ربحت, وإذا لم تحزر أربح أنا.

ومن المشكوك فيه أن يكون زاينيتس قادراً على اختراع شيء ما أكثر ذكاء من هذه اللعبة. إلاّ أنه قدر على أن يخسر فيها خلال أمسيتين كونتية فونيتش التي كان جد أرتور قد اشتراها في وقت ما في غاليسيا. وكانت هذه الضيعة هي أولى خسائره المحسوسة.

أما خسارته الثانية فكانت زوجته البارونة فون زاينيتس التي قتلها بسلوكه. وكانت خسارته الثالثة ابنته المنافقة الحمقاء التي اضطر, من أجل إصلاح الأمور المختلة, إلى تزويجها مصرفياً يهودياً يتسلل إلى فئة النبلاء. أما بارونية زاينيتس فقد انتهت إلى أبأس مصير, إذ رُهنت لقاء مبلغ تافه عند الصهر المصرفي, الذي استبقاها لنفسه عندما طرحت في المزاد, وانتهى الأمر بكارل إلى إطلاق الرصاص على نفسه بطريقة غير موفقة (إذ استقرت الرصاصة في كتفه) ثم مات بين يدي ابنته والقساوسة, مخلفاً للمصرفي «لحالات الطوارئ» بضعة سندات بمبلغ لا يستهان به.

أما ابنه أرتور فقد أرسل بعد وفاة والدته, عندما بلغ الثانية عشرة من عمره, إلى فيينا, وأُلحق هناك بمدرسة داخلية. وعندما تخرج من المدرسة, حيث تعلم التحدث بثلاثة ألسن, انتسب إلى كلية اللغات في الجامعة, ولكن سرعان ما ترك اللغات والتحق بكلية الرياضيات. وقد حالفه الحظ في هذه الكلية وحاز على جائزة أفضل مؤلف طلابي في موضوع الحساب التفاضلي. وعندما أنهى كلية الرياضيات, عاد ثانية لدراسة العلوم اللغوية. وكان يمكن لهذا التجوال من مرفأ إلى مرفأ أن ينتهي إلى شيء ما حسن, لولا تلك الآلاف التي كان يتسلمها شهرياً من مكتب البريد أو من وكلاء أبيه. فقد أدارت الآلاف رأسه. وعندما سئم من تجميع المكتبة التي أنفق عليها مبالغ طائلة منذ انتسابه للجامعة, أضاع موطئ قدمه واقتفى خُطا أبيه. سافر إلى باريس, وأخذت آلاف الرسائل تطير من باريس إلى بارونية زاينيتس في طلب النقود. وبما أن كارل كان طيباً فإن أية رسالة لم تبق دون جواب, وكانت كل الأجوبة شيكات. ومن حسن حظ أرتور أن المبالغ المالية التي كانت تأتيه من الوطن أخذت تصغر وتصغر مع كل شهر, ثم أصبحت تصل باريس بتواتر أضعف فأضعف.. وراحت المئات تحل تدريجياً محل الآلاف. واستلم أرتور مع نعية أبيه ألف فرنك ورسالة من الصهر المصرفي يبلغه فيها أن الألف المرسل إليه هو كل ثروة البارون أرتور فون زاينيتس, وأن ليس له, أي لأرتور, ما يعوِّل عليه... قرأ أرتور الرسالة وتضرج بحمرة قانية.

أحس بخجل شديد عن نفسه وعن أبيه, واستغرق في تفكير جدي, فانتابه الخوف على مستقبله الذي شدّ ما كان يحبه ويحرص عليه عندما كان يجلس على مقعد الدراسة في الجامعة. مزق رسالة الصهر قطعاً صغيرة ولكم وجهه بقبضة يده بكل قوته... وأراد أن يلقي بالألف من النافذة, ولكن لم يفعل. وحسناً فعل. فقد نفعه هذا الألف في دفع نفقات السفر من باريس هرباً من الديون. كان مديناً لأصحاب الفنادق والمرابين و... يا للخزي الأكبر, للغانيات المستهترات... إذ أرغمته الظروف على أن يعيش أيامه الأخيرة في باريس على حسابهن. هرب إلى الوطن مرهقاً, تالفاً, فاسداً, لكن, لحسن الحظ, ليس حتى النهاية. لم تكن صحته قد تدهورت بعد, وهو لم يكن في يوم من الأيام نذلاً عن عمد. ومن حسن الحظ أن أرتور كان يتمتع بطبيعة مرنة. وقد انكب في فيينا على العلوم من جديد وبحماسة أكبر من السابق. ولكي يحصل على لقمة العيش ولا يتطفل على أقربائه طلباً للنقود, عمل مدرساً للجبر في إحدى الكليات العسكرية ومراسلاً لجريدتين باريسيتين كبيرتين. كما كان يكسب بعض المال من كتابة الشعر الذي ينشره في المجلات الفرنسية (كان كفريدريك الكبير لا يطيق اللغة الألمانية). وسارت الحياة هادئة, متواضعة, محتملة, على النقيض مما كانت عليه حياته الباريسية, ولكنها لم تبق هكذا طويلاً, فقد دب إليها الفساد في أكثر مراحلها إمتاعاً, وبالذات في ذاك العام الذهبي الذي أصبح فيه أرتور دكتوراً في الفلسفة وحائزاً على درجة الماجستير في الرياضيات. فقد مد القدر له قدمه معترضاً طريقه العريضة.

هو نفسه لم يلحظ كيف غرق في الديون. ومن كان من قبل غنياً ثم أصبح فيما بعد فقيراً يفهم ما معنى «لم يلحظ» هذه. ومما زاد الأمر سوءاً أن أرتور تزوج فتاة فقيرة حلوة من فئة النبلاء وقعت في حبه. تزوجها عن حب وبدافع الشفقة. وقد زاد الزواج من نفقاته, وبات عليه, أراد أم لم يرد, أن يتوجه إلى أخته. فكتب إليها رسالة يرجوها فيها أن تخبره عن المصير الذي آلت إليه ضيعة أمهما, وأن تخصص له بعضاً من عائداتها إذا لم تكن الضيعة قد بيعت لسداد الديون. كما رجا أخته عرضاً في سياق الرسالة أن ترسل له إلى فيينا مكتبته التي كانت قد أخذتها في وقت ما لتتولى حفظها. وقد جاءه الرد على الرسالة في برقية من صهره يطلب إليه فيها أن يأتي إلى زاينيتس فوراً. فسافر أرتور إلى هناك, وعندما دخل زاينيتس طلبوا منه أن يترجل ويسير على قدميه. قالوا له: - السيدة بيلتسير لا تحب قرقعة العجلات. كلفوا أنفسكم مشقة الوصول إلى المنزل سيراً على الأقدام.

استقبله في غرفة الضيافة صهره وأخته. كانت أخته جالسة على كنبة وهي تبكي. أما صهره فقد تشاغل عند دخوله بقراءة جريدة... قال لهما: - هذا أنا! ألم تعرفاني؟ فأجاب المصرفي: - نرى. فعلت حسناً بأنك أطعتنا وجئت... نحن مسروران جداً يا بارون بأنك لم تفقد بعد القدرة على الطاعة... كلمة «مطيع» تفوح منها رائحة العبودية بعض الشيء, ولكن اعذرني... الطاعة للسادة من أمثالك ضرورية...

قال البارون بذهول: - أنا لا أفهمك. مالك يا أختي, لم تبكين؟ أخوك أرتور جاء وأنت تبكين... أجيبي بشيء ما على تحيتي! كفى بكاء!

قال المصرفي: - إنها, أيها السيد الفاضل, قد بدأت البكاء فور إعلامنا أنك قادم... اجلس... ما زال لدى أختك.. والحمد لله, كنبات. أنت وأبوك لم تبددا كل شيء.. وهي, زوجتي, تبكي لأنها ما زالت تحبك..

فتح أرتور عينيه على سعتهما, ومرّ براحة يده على جبينه. لم يكن يفهم ما يقال. وأردف المصرفي دون أن يحوّل عينيه عن الجريدة:

- نعم, إنها لا تستطيع أن تقضي بهذه السرعة على تلك العاطفة التي ينبغي الاعتراف بأنها غير طبيعية, لأنها عملياً لم تعد أختك... هـ م... وأنت لست أخاً لها. إنها أسمى منك بما لا يقاس. وأنت أدنى من أن تكون أخاً لهذه المرأة... أيها السيد الفاضل! اشكر هذه المرأة! فلولاها لما كان لك أن تتجرأ على تخطي عتبة هذا البيت!

قال أرتور ممتقعاً: - اشرحي لي, يا أختي, ماذا يجب أن أفهم من كلمات زوجك... بيلتسير؟ إنني لا أفهم شيئاً على الإطلاق! ثم دموعك... إنني لا أفهم!

أبعدت زوجة المصرفي المنديل عن وجهها وهبت واقفة, وراحت تذرع غرفة الضيافة وهي تحف بثوبها الثقيل. وتساقطت من عينيها دموع كبيرة, حقيقية... صاحت بصوت كالعويل:

- ألا تفهم؟ افهم في النهاية أنك تقتلنا بسلوكك! خلاعتك تثير سخطنا! إنني ساخطة عليك كأخت وكمسيحية!

قال البارون:

- وضّحي يا أختي! إنني لا أفهم بالمرة ما الذي تريدين قوله؟

- اسكت! لا أريد سماع صوتك! أية قذارة تلك التي تزوجتها؟

وهنا تلقّف المصرفي الحديث وقال بصوتٍ عالٍ متهدج:

- نعم, يا بارون! بزواجك من هذه المرأة التافهة لطخت اسم البارونات فون زاينيتس, واسم أولئك الذين يعدون أنفسهم أقارب لهم!

صرّ ساعد الكنبة الذي كان البارون يستند إليه. فقد أخذ أرتور يرتعد من الغضب. التفت نحو أخته قائلاً:

- سيلفيا! أنا لم أقل لك كلمة واحدة عندما تزوجت الوغد بيلتسير. لقد احترمت إرادتك, أما أنت؟ إنك تسمحين لنفسك بتوجيه إهانات قاسية إلي بإيعاز من بيلتسير! لا تتمادي!

صرخ بيلتسير:

- أنا وغد؟ إنني أغفر لك هذه الكلمة يا بارون! أغفرها!

خبطت سيلفيا الأرض بقدمها وخطت خطوة باتجاه أخيها, وراحت تفح وهي تبتلع دموعها:

- إنني أعرف كل شيء عنك! كل شيء! لا يكفي أنك تزوجت قذارة سوقية, صعلوكة, فأنت, علاوة على ذلك ملحد. إنك لا تذهب إلى الكنيسة بالمرة! لقد نسيت ربك! نسيت أن روحك متأهبة في كل لحظة لمفارقة جسدك وتسليم نفسها للشيطان!

وصاح بيلتسير في أثناء ذلك:

- ليت الجميع كانوا أوغاداً مثلي أنا! أوه! إذاً لكانت الأرض غير الأرض, ولما كان على الأرض عندئذ أناس لا يقيمون وزناً لشيء: لا للاسم ولا للشرف.. ولما كانت هناك أولاء النساء السوقيات العاهرات اللواتي...

سكت بيلتسير بغتة. فقد نظر إلى وجه أرتور ودهمه الفزع وصرخت سيلفيا:

- حتى اللوثريون لا يتصرفون هكذا, كما تتصرف أنت. لقد استدعيناك لنُفهمك أنك سافل! يجب عليك أن تتوب! طلقها... وغيّر أسلوب حياتك! فوراً! أتسمع؟ أتفهم؟

قال أرتور بصوت مكتوم:

- ما دمتما تتمسكان بالتقاليد الفئوية اعلما إذاً أن البارون أرتور فون زاينيتس لا يليق به أن يدخل في أية مهاترات مع يهودي قادم من بولندا الروسية وزوجته! ولكن سأهبط إلى مستواكما وأطرح عليكما سؤالاً واحداً. سأطرحه وأذهب: ماذا تقولان لي فيما يخص ضيعة المرحومة أمي؟

أجاب بيلتسير:

- إنها ملك سيلفيا, ملكها وحدها فقط.

- بأي حق؟

- ألم تطّلع على وصية والدتك؟

- لماذا تكذب؟ ليس هناك أية وصية! إنني أعرف هذا!

- إنها موجودة!

- إذا كانت موجودة, فهي إذاً مزيفة! أين مكتبتي؟

- بيعت بالألف فرنك الذي أرسلناه لك إلى باريس...

- إنها تساوي لا ألف فرنك بل مئتي ألف فرنك!

هز بيلتسير كتفيه وتضاحك ساخراً:

- بالرغم من رغبتي الشديدة, لم أستطع أن أبيعها بسعر أعلى.

- من الذي اشتراها؟

- أنا, بوريس بيلتسير.

أحس أرتور بأنه يختنق. أمسك برأسه وخرج من الغرفة راكضاً. فصاحت سيلفيا في أثره:

- عد, يا أخي, عد!

لم يكن أرتور يريد العودة, ولكن لم يستطع, فقد كان ما يزال يحب أخته.

- تُبْ, يا أرتور! – قالت سيلفيا لأخيها العائد- تُبْ ما دام في الوقت متسع!

اندفع أرتور من غرفة الضيافة راكضاً, وبعد دقيقة انطلق نحو محطة القطار وهو يلهث ويرتجف من الغضب.

أغلق على نفسه باب القمرة في الدرجة الثانية, وتمدد على المقعد منكباً على وجهه, وظل على هذا الوضع حتى وصل إلى فيينا. وفي فيينا مد القدر أمامه قدمه الثانية. فعندما وصل إلى البيت لم يجد زوجته هناك. كانت زوجته التي يحبها بحرارة قد هربت في غيابه إلى عشيقها وتركت له رسالة ترجو فيها الصفح. وقد نزلت هذه الخيانة على رأس أرتور نزول الصاعقة.

بعد أسبوع عادت إليه زوجته مطرودة من عند عشيقها, لكي تتناول السم وتموت عند عتبة منزله... وعندما عاد أرتور من المقبرة بعد دفن زوجته استقبله الخادم برسالة من أخته سيلفيا تقول له فيها: «أخي العزيز! إننا نعرف كل شيء... الجناية التي ارتكبتها بالسر لتمحو عن وجه الأرض آثار الجريمة التي لطخت اسمنا بالعار تغضب الرب... نحن لم نطلب منك سوى التوبة, أما زوجتك فكان يمكن أن تعيش. موتها ليس له لزوم.كان ينبغي إبعادها فقط. ولكن لا تيأس. إننا نصلي من أجلك. وثِقْ بأن صلواتنا لن تذهب عبثاً. صلِّ أنت كذلك.

أختك سيلفيا».

مزق أرتور الرسالة مزقاً صغيرة, وراح يدوس بقدميه تلك المزق التي كتبتْ عليها اسمَ الرب يدٌ دنسة... ثم انفجر باكياً وسقط على الأرض فاقداً الوعي...

التعليم, والفلسفة, والرياضيات, والأشعار الفرنسية, كل هذا نبذه أرتور ونسيه. وعندما عاد إلى نفسه في نهاية المطاف, شرب حتى الثمالة, وتنكب بندقية بفوهتين, وطفق منذ يومه ذاك يتجول في أطراف زاينيتس وغولداوغين والقرى الأُخرى بصفته «زاينيتس المتوحش», ويعب في أثناء ذلك كميات أسطورية من الخمر, ويبيد الطرائد. بدأ يعيش حياة غريبة.. ولم يكن الناس يرونه إلا في الحانات والخمارات التي تزّين ببرقشتها العجيبة مفارق الطرق. كان يراه ويعرفه جميع مأموري الحراج ومعظم الرعاة.

لم يكن أحد يعرف أين يعيش, وبم يقتات. ولو لم يكن يتحدث بذكاء بالغ مع الناس الذين يلقاهم مصادفة لظنوه مجنوناً. لم يكونوا يعرفون كيف يفكرون فيه وأية فكرة يكوّ نونها عنه. سموه «زاينيتس المتوحش» والناسك الجوال, و«البارون أرتور التعس». وأخذت الصحافة السوقية تتحدث عنه, وعن دعوى ضخمة ينوي زاينيتس أن يرفعها ضد أسرة بيلتسير, وعن الأخت التي نهبت أخاها شرعياً. ثم راحت الصحف تنشر بدون أية مناسبة نوادر وروايات قصيرة من حياة أرتور فون زاينيتس وأبيه. حتى أن ثمة جريدة تافهة أبدت تأسفها على اختفاء سلالة زاينيتس.

كان أرتور يهيم أكثر ما يهيم في البساتين والغياض, فالطرائد هنا أكثر منها في الحقول أو قرب الأنهار. ولم يكن أصحاب البساتين يمنعونه من الصيد. لقد كانوا يكرهون أخته ويرون فيه عدو بيلتسير الألد. بل إن النساء كن يسررن لأن فون زاينيتس يزور بساتينهن وغياضهن. كن يقلن: - لا يجوز القول إنه ملك الغابة, لا! فهو أفتى من ذلك... الأصح أن يقال إنه ولي عهد الغابة!

كان ولي عهد الغابة عندما يقابل أحداً ينحني له عادة باحترام شديد. لكن عندما صادف تسفيبوش وإيلكا وقف جامداً. فقد أذهله, كفنان, جمال وواقعية المجموعة المؤلفة من تسفيبوش وإيلكا والقيثارة والكمنجة والطائر.

وعندما سمع صوت النحيب, عبس وسعل بغضب, وتساءل:

- لماذا هي تبكي؟

تضاحك تسفيبوش وهز كتفيه وهو يقول:

- أغلب الظن أنها تبكي لأنها امرأة. لو كانت رجلاً لما بكت.

- هل أنت الذي أزعلتها؟

- أنا, يا بارون! إنني أقر بذنبي...

نظر البارون بغضب إلى سحنة تسفيبوش السمينة المتلامعة, وضم قبضته اليمنى.

- بم أزعلتها أيها الحيوان العجوز؟

- أزعلتها, يا صاحب السناء, بأن لي وجهاً يمكن أن يجلد بالسوط دون أن يلقى المعتدي عقابه... إنها ابنتي, يا بارون, والناس المهذبون لا يسمحون لأنفسهم بشتم الآباء في حضور بناتهم...

- وبسبب ماذا أزعلتها أيها الخبيث؟ لا تبكي, يا فتاة! أنا الآن سأمتحن هذا الوغد! هل ضربتها, أم ماذا؟

- لقد حزرت يا بارون, ولكن جزئياً فقط... نعم, وقع ضرب, ولكن ليس عليها, ولست أنا من أوقعه... عطفك على ابنتي يؤثر فيّ, أيها الكونت! شكراً لك!

- مهرج! – قال البارون ونفض يده ممتعضاً وانحنى على إيلكا يسألها: - ما بك يا عزيزتي؟ ما الذي يبكيك؟ من أزعلك؟ قولي لي من أزعلك وأنا... سأزعله, وسأزعله بشدة!

مسح البارون بيده الكبيرة المسفوعة بالشمس شعر إيلكا, وومضت في عينيه نار خيِّرة:

- علينا, نحن الرجال, أن نذود عن النساء, لأن من واجب الأقوياء أن يدافعوا عن الضعفاء. فلماذا أنت تبكين؟

ركع فون زاينيتس على ركبتيه, وجلس بحذر قرب إيلكا وهو يتملى وجهها المغطى بأناملها الصغيرة المبتلة وشعرها المسدل. وشرع يتكلم بصوت لم يتكلم به منذ زمن طويل. وسمعت إيلكا صوتاً حنوناً صادراً من القلب مباشرة, صوتاً يمكن أن تثق به بجرأة...

- لماذا تبكين؟ اطلعيني على سبب حزنك! إن الذي يجلس الآن بجانبك ليس مهرجاً غبياً عجوزاً, بل رجل قوي. بإمكانك الاعتماد علي... إنني قوي وأستطيع أن أفعل أي شيء, ما الذي يبكيك؟ إيه؟

عندما يسألون الأطفال عن سبب بكائهم ينخرط هؤلاء في بكاء أشد, والشيء نفسه يحدث مع النساء. وقد طفقت إيلكا تبكي بشدة أكبر...

- من قوة بكائك يمكن الحكم بأن مصيبتك لا بد أن تكون كبيرة... ستحكين لي... آ؟ ستحكين؟ يمكنك أن تكوني صريحة معي. إنني لا أسألك بدافع الفضول. بل أريد أن أساعدك... بالشرف, يا فتاة!

انحنى أرتور وقبل إيلكا في مقدم رأسها.

- لن تبكي؟ نعم؟ إيه, هيا يا عزيزتي! لكي تخففي بعض مصابك ليس عليك سوى أن تفضي بكل ما عندك...

قال تسفيبوش:

- لا أظن أنها ستكف قريباً عن البكاء, أعصابها ضعيفة كخيطان ثوب لبسوه خمس سنين. لندعها يا بارون تَرْتَوِ من البكاء... هذا سيء يا إيلكا! ستذرفين دموعاً كثيرة, وسريعاً ستعطشين.

قال البارون:

- آه, نعم! يجب إعطاؤها ماء! الماء هنا, قريب...

وما لبث أن نهض واختفى خلف الأوراق الكثيفة, وراحت الفروع والأغصان تطقطق تحت وطأة جسمه الثقيل. قال تسفيبوش وهو يداري ضحكته:

- يا لهذا البارون! رقيق, مؤدب, لبق! ها- ها- ها! يمكن الظن بأنه في الواقع طيب إلى هذا الحد! صدقيه يا إيلكا, لكن قليلاً. إنه إنسان شهم, ولكن لا ينبغي للمرء أن يضع أصبعه في فمه, فهو سيقضم اليد حتى المرفق. لا تروي له الحادثة التي جرت عند آل غولداوغين. فهو من أقرباء هؤلاء القساة, وسيضحك عليك كأكثر الحمقاوات حمقاً. ألن تكفي عن البكاء؟

طقطقت الأغصان من جديد وظهر أرتور من خلف الأوراق حاملاً كأس صياد فضية مليئة بالماء.

- اشربي... ما اسمك؟ إيلكا؟ اشربي يا إيلكا!

ركع البارون على ركبتيه وأدنى الكأس الباردة من شفتي إيلكا. رفعت إيلكا يديها عن وجهها وشربت نصف الكأس, ثم تمتمت قائلة:

- ما أتعسني! آه ما أتعسني!

- أصدقك, أصدقك بحرارة!

قال البارون وهو يبلل صدغيها بالماء البارد:

- لو قلت إنك سعيدة لنعتّك, يا عزيزتي, بالكذابة. اشربي أكثر!

همست إيلكا: بحق الرب, أتوسل إليك, لا تشتم والدي! هو أيضاً تعيس جداً جداً!

- لن أشتمه... لقد شتمته من شدة حنقي. ظننت في البداية أنه قد أزعلك. إنني أسحب كلماتي الفاسدة. ولكنّه يبدي بروداً شديداً إزاء مصيبتك. وهذا لا يليق بأب محترم.

قال تسفيبوش ضاحكاً:

- لم يعد ناقصاً سوى أن تبلل لي أيضاً صدغيّ بالماء! لقد فارقت عادة البكاء منذ أن اعتدت تلقي العقاب بقضبان والدي. ولكن ما أشد رقتك اليوم يا بارون. إنني أرى فيك اليوم ذاك البارون أرتور فون زاينيتس الذي كسر منذ ست سنوات سنيّن من أسنان مسجل نقاط البلياردو في مطعم «الحصان الأسود» في براغ... هل تذكر يا صاحب السناء؟ إحدى السنّين تفضلت بكسرها بعصا البلياردو, والثانية بقبضة يدك...

تمتم فون زاينيتس:

- وأي شيء لم يكن يحدث منذ ست سنوات! حدث الكثير, وحدث ما ليس من اللائق ذكره الآن. هيا يا إيلكا! احكي! لقد هدأتِ الآن بعض الشيء, ولكي تعودي إلى نفسك نهائياً ما عليك سوى أن تفصحي عمّا بك... ايه؟ من الذي أساء إليك؟

- لم يسيئوا إليّ أنا, بل أساؤوا إلى والدي!

- هكذا إذاً! أنت إذاً تبكين من أجل والدك؟

- لقد أهانوه إهانة فظيعة! لو رأيت كيف أهانوه, المسكين, لارتعت!

- إذاً هذا هو الأمر! هـ..م.. يا لك من بُنَيّة طيبة! إن لك, يا صاح, ابنة طيبة! نادرة المثال! ولكن, على كل حال, اروي لي القصة... إنني سأدافع عنه أيضاً بالحماسة نفسها التي سأدافع بها عنك.

قال تسفيبوش:

- لا تدافع عني, أيها البارون!

- لماذا؟

- لأن هذا مستحيل... لقد كان لي الشرف بأن أنال لطمة من شخص ليس بصغير, بل من شخص كبير جداً. ليس هناك من قذيفة يمكنها أن تصل إليه! ثم لا داعي لهذا الدفاع! ابنتي تنقاد لنزوات مزاجها!

- ما هذه التفاهات! الأمور عندي سواء, أياً كان الذي أهانك! إن قذيفتي تصل إلى أي واحد إذا لزم الأمر... احكي يا إيلكا.. سأساعدك.

وبين الفواق والزفرات العميقة والتكرار المتواصل قصت إيلكا على أرتور فون زاينيتش قصة أساها. وعندما وصلت في قصتها إلى الكونتيسة غولداوغين وهي ترفع سوطها, قطب البارون حاجبيه وسأل:

- إذاً فهي امرأة؟

- نعم الكونتيسة غولداوغين..

- هـ..م... تابعي...

امتقع البارون بشدة وأخذ يحك جبهته.

- تابعي... تابعي... إني أستمع... إذاً امرأة ضربته؟ ليس رجلاً؟

- امرأة, أيها البارون!

- هـ..م ولماذا لا تتابعين؟

عندما روت إيلكا كيف وقع أبوها تحت قوائم الحصان وكيف تضرج بالدماء بعد ذلك, تطلع البارون إلى تسفيبوش وسأله:

- هل هي التي شقّت لك شفتك؟

- إيه! وهل يستأهل هذا الأمر الحديث عنه؟ تعالا, أيها السيدان, نتحدث في السياسة, هذا أحسن!

صرخ البارون وهو يضرب العشب بقبضته:

- إنني أسألك أيها الأحمق العجوز هل هي التي شقت لك شفتك أم لا؟ ابنته تتألم من أجله وهو يمزح! لا أحب المهرجين!

قالت إيلكا:

- هِيَ, هِيَ!

وبرر تسفيبوش:

- أُلبسُ «الأحمق العجوز» إهاباً فتياً وأعيده إلى صاحبه! إنني لا أمزح, بل أقول الحقيقة! السياسة أفضل بكثير من الأحاديث التي لا تجدي نفعاً البتة.

أومأت إيلكا بيديها مبيّنة كم من الدم تقريباً فقد والدها, وكيف كان يعرج عندما كان يجر نفسه نحو المصلى. وعندما تحدثت عن القاضي ونقلت حديثه كلمة كلمة تضاحك البارون باحتقار وبصق جانباً. وطارت البصقة مسافة أربعة أمتار. بربر قائلاً:

- بهائم! نعم, إنه على حق! هذا الخبيث على حق! لم يكن بمقدوره أن يفعل شيئاً. إن أريستيدس() آل غولداوغين هو عبد لهم, مثله كمثل ذلك الحصان الذي كاد يدوس هذا المهرج الشكسبيري, أباك!

أنهت إيلكا حديثها بقولها:

- إنني لا أشعر بمثل هذا القهر عندما يعتدي السكارى من العامة, أو رجال الشرطة على والدي بالضرب. الشرطة, أيها البارون, لا تسمح لنا بالعزف في المدن الكبيرة, ولكني أشعر بالقهر والأسى والإهانة عندما تقوم بذلك امرأة مثقفة نبيلة الحسب وذات وجه رقيق لطيف. أي حق لها في أن تنظر إلينا بمثل هذا التعالي وهذا الاحتقار؟ ليس لأحد الحق في أن ينظر إلينا هكذا!

رفعت إيلكا أناملها إلى وجهها وبكت...

- وهل سيمر الأمر هكذا دون أن تدفع الثمن؟ آه.. يا إلهي!! إذا بقيت هذه الإهانة دون عقاب فإنني سأموت.. سأموت! فليعزف أبي وحده عندئذ! وليبع عندئذ قيثارتي!

دفنت إيلكا وجهها في مئزرها وواصلت البكاء بصوت خافت. ونظر تسفيبوش إلى الأرض وأصدر أصواتاً صافرة, واستغرق البارون في التفكير ملياً ثم قال:

- إهانة شديدة. ولكن ينبغي في البداية أن يستوضح الإنسان الأمر, ثم بعد ذلك يعطي الوعود. لقد كذبت عليك يا عزيزتي. أنا لست بتلك القوة التي كنت أتبجج بها قبل ساعة, ولا أستطيع أن أفعل شيئاً من أجلك...

- لماذا؟

- لأنها امرأة... فهل يعقل أن أدعوها للمبارزة؟! الأمر سيء, يا عزيزتي, وينبغي الرضوخ...

- لا أستطيع أن أرضخ! من أين جئت بأنني أستطيع أن أرضخ؟

- عجزك يجبرك على أن ترضخي: أنت عاجزة لأنك ابنة عازف شحاذ, وأنا عاجز لأنها, فليأخذها الشيطان, امرأة....

- وماذا علي أن أفعل؟ - تساءلت إيلكا - لا تصدق أبي, بحق الرب, هو نفسه لن يحتمل هذه الإهانة أيضاً! إنه يتظاهر بالبرود, ولكنه في الحقيقة.... أنا سأذهب إلى بودابست أو إلى فيينا! سأجد محكمة.

- لن تجدي...

هبت إيلكا واقفة وأخذت تدور حول البارون وتسفيبوش. ثم صاحت:

- سأجد! ولكن, أيها البارون, أنت, في نهاية الأمر, إنسان نبيل وذكي وتعرف الجميع وكل النبلاء يعرفونك... لست شخصاً ما عادياً! فلماذا لا تكتب رسالة إلى أحد القضاة كي يحاكمها بموجب القوانين؟ لا يكلفك الأمر سوى أن تقول أو تكتب, وكل شيء سيُنفّذ!

قال تسفيبوش بلهجة موحية:

- كفاك يا إيلكا! السيد البارون يشعر بالملل من الاستماع إلى هرائك البحت هذا. إنك تسيئين استعمال انتباهه.

قال البارون:

- أنت يا إيلكا لا تفكرين هكذا إلاّ لأنك لا تعرفين الحياة. لقد أفصحت لي منذ قليل عن أنك تعيسة, في حين أن نظرتك إلى الحياة كأنها نظرة فتاة متنعمة لا تستطيع التمييز بين النحاس والحديد. كم عمرك؟ سبع عشرة؟ آن لك أن تفهمي الحياة يا حسناء! الحياة سخافة مقرفة, كريهة, لزجة, وهذر رخيص لا هدف له ولا تفسير له. إنها أدنى من أن تُشَبّه حتى بحفرة النفايات التي تحفر من أجل أن تُملأ بشتى القذارات. آن لك أن تعرفي الحياة, وما الذي تريدينه منها؟ هل تريدين منها أن تبتسم لك, وتنثر عليك الزهور والنقود؟ آ؟ هذا ما تريدينه؟

احمر فون زاينيتس وأدخل يده في جعبته الكبيرة.

- إذا كان الأمر هكذا, فإنك تريدين المستحيل! الحياة الممكنة على الأرض لا تُحتمل... فإذا كنت تريدين حياة لا تحتمل عيشي, وإذا كنت لا تريدين انصرفي إلى العالم الآخر. السم دائماً في خدمتك... أنت طفلة, هذا هو الأمر! أنت غبية.

ظهرت من الجعبة قارورة مجدولة, رفعها البارون إلى شفتيه وجرع منها بنهم عدة جرعات, ثم أردف:

- الحياة مقرفة! بشاعتها هي قانونها الثابت الدائم! وقد أُعطيها الإنسان عقاباً له على دناءته... يا حلوتي اللطيفة! ولو لم أكن أعي دناءتي بعمق لكنت توجهت إلى العالم الآخر من وقت طويل, فالرصاص كثير... إنني أقول لنفسي: تعذب يا أرتور! فأنت تستحق هذا العذاب! تلقّ يا أرتور نصيبك! وأنت يا فتاة, تعلمي التفلسف مع نفسك على هذا النحو... فالعيش يصبح أسهل مع هذه المقدرة...

جرع أرتور جرعتين أخريين.

- توجد في الكون قوة واحدة توفق بعض الشيء بين الإنسان وحياته. وهذه القوة, كما يقولون, من صنع الشيطان, ولكن... لتكن هكذا! إنها تقتلع الأشواك من نفسي... مؤقتاً طبعاً. وهذه القوة في قارورتي... اشربي يا إيلكا. اجرعي جرعة! هذه فودكا جيدة...

هزت إيلكا رأسها رافضةً, ورمق تسفيبوش القارورة, وتلمظ, وأرخى بصره باستحياء. تابع زاينيتس يقول:

- هيا.. هيا اشربي, أيتها المغفلة! ستخفف عنك.. خذي جربي!

وقال لها تسفيبوش ناصحاً:

- اشربي يا إيلكا.

تناولت إيلكا القارورة وشربت جرعة صغيرة وتغضن وجهها.

- والآن اشرب أنت- قال أرتور مخاطباً تسفيبوش- اشرب أنت يا فخذ الخنزير العجوز.

تهلل تسفيبوش وتمعج وجهه بابتسامة وكأنه شاهد صديقاً لم يره منذ زمن بعيد. تناول القارورة بكلتا يديه ورفعها بحركة احتفالية إلى شفتيه السمينتين. تجرع بحذر جرعتين أو ثلاثاً ثم وضع القارورة على العشب.

قال البارون:

- اشرب حتى القعر! لا تجامل. لدي قارورة أخرى.

نفّذ البدين الأمر في ثانية واحدة, وقال فون زاينيتس:

- أنا رأيتك من قبل, يا صاح, في مكان ما, في وقت ما. إن سحنتك تبدو لي مألوفة... أين رأيتك يا ترى؟

- أنا, يا بارون, مسجل نقاط البلياردو التعس الذي تفضل سناؤكم بكسر سنّيه في براغ.

- ربما, ربما...ايه... لقد كنتُ أستاذاً في هذه الأمور... آسف لأنني لا أستطيع أن أركبهما لك الآن.

سحب البارون من جعبته القارورة الثانية وصرّة ورقية تحتوي على فطائر وجبن ومارتديلا. قسم فون زاينيتس المارتديلا مناصفة, أعطى تسفيبوش نصفاً, ثم قسم النصف الثاني قسمين, قدم أحدهما لإيلكا وأبقى الآخر لنفسه, وقال:

- تفضلا, أيها السيدان! كُلا.. لا تجاملا, كلي يا فتاة! الجبن كله من نصيب معدتك. نحن لن نمسه.

لم يُحجْه تسفيبوش وإيلكا الجائعان إلى دعوتهما طويلاً. فقد انقّضا على الطعام بنهم الأطفال الجائعين, غير المهذبين, وبعد خمس دقائق أتيا على كل شيء ما عدا قطعة صغيرة من المارتديلا. وقد رأف تسفيبوش بهذه القطعة ليأكلها كمازة بعد الفودكا.

كان تأثير الفودكا في أرتور فورياً. فقد احمر وجهه وأشرق, وتراكضت عيناه كفأرين وقعا في مصيدة, وأخذتا تبرقان. مدّد قدميه على الأرض وتوسد قبضتيه وشرع يبتسم. أما تسفيبوش فإن الفودكا لم تؤثر فيه, وظل رأسه على الحالة التي كان عليها. بينما أشاعت الفودكا في نفس إيلكا الغم والضيق, فجلست وحدها منزوية, وأسلمت رأسها لراحتيها وطفقت تفكرّ. قال أرتور:

- اشرب أيها الشيخ! أن تكون ثملاً ومرحاً خير من أن تكون صاحياً وضجراً. الفودكا الجيدة هي خلاصنا... لولاها لهلك الإنسان! لنشرب نخب وجودها! لماذا كسرت لك أسنانك؟ ألا تذكر؟

- كيف لا أذكر؟ أذكر... كنتَ ثملاً بعض الشيء وطلبتَ مني أن ألتقط بفمي كرة البلياردو التي ستلقي بها إلي. وعندما لم أبد رغبة في تنفيذ أمرك, اتخذت أنت إجراءات صارمة...

بربر أرتور:

- حيوان!

- من؟

التفت أرتور بغتة نحو إيلكا وقال:

- اسمعي يا حسناء! لشدّ ما تذكرينني بفتاة كنت أحبها في طفولتي. هذه الفتاة لم تكن موجودة, لم يكن لها وجود في الواقع, لكن مربيتي كانت تحدثني عنها في كل مساء. لقد تصورتها آنذاك مثلك بالذات. وكانت هذه الفتاة, كما تقول مربيتي, تعيش في إحدى الممالك, في أحد البلدان, في زهرة خزامى كبيرة. كانت تجلس على مقدمة الزهرة وتتطلع من خلف الأوراق إلى عالم الله الواسع. وكانت مشاغلها متنوعة جداً. فقد كانت تعتني بالأزهار وتملأ القناني بالندى الذي تستعمله للاستحمام والشرب, وتغنّي الأغاني. نسيت أن أقول لك إن طول هذه الفتاة لم يكن يزيد على طول خنصرك. وكانت لا تأكل سوى العسل الذي يجلبه لها النحل. وترتدي أوراق أزهار الخشخاش الأرجوانية, وكان اختصاصها الطب: ترقي الأسنان, وتضمد الجراح وتصنع القطرات الخ... وقد أجرت عملية لجندب كُسرت قدمه في معركة مع عنكبوت, ببراعة ودراية يحسدها عليهما بيلروت() نفسه. واشتغالها بالطب لم يجعلها تعاف المهن الأخرى. فقد كانت تخيط الثياب للحشرات الفقيرة, وتصلح معاطف البلاط للزيزان الذهبية وترتق أدثرة الدعاسيق... كانت الحشرات تحترمها كأمها الرؤوم, وتحبها أكثر من أي كائن في الدنيا. وكيف لا وهي التي أنفقت كل ما تملك على الديدان الشحاذة التي تزحف إليها من جميع الجهات في طلب الصدقة, وفقدت صوتها من إلقاء المواعظ على الحشرات. كانت مواعظها قمة في فن الخطابة. وتقول مصادر موثوقة إن عشرة يعاسيب بكت من تقريع الضمير بعد أن سمعت موعظتها «عن الكسل» وانكبت على جمع العسل من الأزهار. كانت تزوج الفراشات, وتجعل جهازاتهن ثياباً من الموسلين في غاية الروعة. وتزوج الجداجد آمرة إياهم() بحزم وصرامة ألاّ يقلقوا زوجاتهم ليلاً بصريرهم. كانت أماً حقيقية. وقد جاءها مرة عنكب ذئبي ورجاها أن ترقي له أسنانه, وما كادت الفتاة تفعل حتى زال الورم من وجهه, فقال لها العنكب: «أنا لا أحبك, إنك لا تعجبينني, ولكنني أريد أن آخذ ضريبة من تلك الحشرات التي تداوينها, وتلبسينها, وتعلمينها القراءة... أنا بحاجة إلى نقود.. ألا تريدين؟ حسن إذاً! إذا لم تبلغيني موافقتك بعد ثلاثة أيام سأقتلك بهذه الأسنان نفسها. ثم كشر العنكب للفتاة عن أسنانه المخيفة وذهب إلى منزله. أخبرت الفتاة جميع أتباعها بتهديد العنكب, فاجتمع هؤلاء وزحفوا نحوها من جميع الجوانب, ووقفوا حولها في وضع دفاعي وجعلوا يصيحون:

- نموت ولا نسلمك!

جاء العنكب وسأل الفتاة:

- موافقة؟

- لست موافقة, لا تثر أيها العنكب المتاعب! انظركم لدي من المدافعين!

نظر العنكب فلم ير مدافعين, بل جبناء ممتقعين يرتعدون بكل جوارحهم. طفق يقهقه بصوت عالٍ, ثم ذبح الفتاة المسكينة بأسنانه الشنيعة على مرأى من عالم الحشرات بأسره. وبعد أن قتلها ذهب إلى بيته. صنعت النحلات من الشمع تابوتاً وسجّت الفتاة فيه... وحفرت النملات لها قبراً, وسارت البرغشات خلف النعش وهن يُغنّين ويعزفن بالأبواق ألحاناً رائعة. وألقى زيز ذهبي كلمة التأبين... وباختصار كانت مراسم الدفن فخمة, ولكن وليمة ما بعد الدفن كانت أفخم. أكلت الحشرات وشربت حتى الألم في البطون, ونامت بعد الوليمة ملء جفونها, ثم كلّفت أُمَّ أربع وأربعين جمعَ تبرعات لإقامة تمثال (للفقيدة) وطارت كل إلى بيتها.

سأل تسفيبوش:

- والنهاية؟

فتساءل البارون: وما الذي تريده بعد؟ هل تريد أن يضعوا العنكب في السجن؟ عبثاً تحلم! حاضنتي كانت مربية ممتازة, لم تكن تكذب عليّ حتى في الحكايات. لم تكن الفضيلة هي التي تنتصر عندها. فالعنكب ما زال حتى اليوم يجلس في جحره ويلتهم الصلصة من الذباب, بينما الحشرات النذلة مريضة وممزقة, ولعلها تتذكر وليمة الدفن اللذيذة أكثر مما تتذكر الفتاة. عليك الرحمة يا مربيتي! ما أحسن ما كنت تعرفين الطبيعة! لنشرب, أيها الشيخ! وأنت يا إيلكا؟ هل أعجبتك حكايتي؟ لا أدري لماذا تذكِّرينني كثيراً بتلك الفتاة؟ أسيأكلك أنت أيضاً العنكب الذئبي يا ترى؟ ها.. ها.. ها... ممكن جداً, ولم لا يأكلك إذا كان هذا ممكناً؟ الأسنان موجودة. فهيا.. كُلْ ... ولكنك لا تصغين إلي يا إيلكا! يبدو على وجهك كأننا لسنا موجودين هنا!

انتفضت إيلكا ونظرت إلى أرتور بعينين متوسلتين متسائلتين وهمست:

- لا أستطيع أن أنساها!

- ما زلت تفكرين في الشيء نفسه؟ ينبغي الرضوخ, أيتها الطفلة! إن نصائح القاضي الخبيث لم تزل محتفظة بكامل قوتها. وليس لذهنك أن يتفتق عما هو أفضل منها. اشتري لأبيك ماء الرصاص وصيري كونتيسة.

- أنت لا تكف عن المزاح! يا إلهي! كونتيسة... وهل هذا ممكن؟

- ممكن إذا استطعت أن تتزوجي أحد الكونتات, وغير ممكن إذا لم تستطيعي. ولكن أشك في أنك تستطيعين... بينما لو أضفنا إلى وجهك الصغير كمية من المعدن المحتقر, عندئذ لن يبقى هناك داع للشك, ولكنت أنا نفسي, تصوري هذا, تزوجتك. هل كنت تتزوجينني يا إيلكا؟

- أنت يا بارون؟ كنت تزوجتك... كنت تزوجت حتى باروناً...

- أنا كونت أيضاً... ها- ها- ها.. ألا أُقْدم على هذه الفعلة

يا ترى؟ مهلاً, مهلاً... ستكون فعلة مدهشة!

فكر البارون هنيهة ثم قال:

- لا... سيكون هذا شططاً... الأمر لا يستأهل. إنني أحب فتاة الخزامى. ولكن.. أواه! الزواج يجب أن يعود عليّ بما لا يقل عن مليون فرنك.

قال تسفيبوش الذي بدأت تفعل فيه الفودكا فعلها:

- ليس جميلاً أن يتزوج المرء المال, يا دكتور! زواج المال, يا دكتور, يعتبر تصرفاً دنيئاً.

- ما باليد حيلة! سأقدم على النذالة. أنا بحاجة إلى مليون مهما كلف الأمر. بهذا المليون... على كل لا ينبغي لك أن تعرف هذا... كنت أريتهم ما أفعل!

- أكنت تتزوج عجوزاً؟

- بل حتى شيطاناً... من أجل المليون أفعل أي شيء! المليون عتلة أقلب بها جهنم بشياطينها ونيرانها. إنني لا أتكلم على جهنم المقبلة, بل على تلك التي أنا الآن موجود فيها. إذا لم أرتكب نذالة فإنني بهذا سأتيح للآخرين إمكانية ارتكاب ألف نذالة.

التفت البارون إلى إيلكا قائلاً:

- لماذا لا تملكين مليوناً يا فتاة الخزامى؟ لو كان لديك مليون لكان عندي الآن زوجة حلوة, ولكنت أنت كونتيسة ونفّذتِ إحدى نصائح القاضي.

تنهدت إيلكا وقالت:

- أنت لا تكف عن المزاح!

- إنني لا أمزح على الإطلاق... هيا احصلي على مليون, جربي! سأجعل منك بارونة حتماً! هيا احصلي عليه!

اقترح تسفيبوش متسائلاً:

- ألا نشرب يا دكتور؟ لقد بدأ عنصر الخيال يتسلل إلى حديثنا... لندع الخيال وشأنه! فهل لأمثالنا أن يتحدثوا عن الملايين؟ أسهل علي أن أبتلع رأسي من أن أرى مليوناً في يوم من الأيام... دعونا من الكلام عن النقود إذاً! فالأحاديث تولّد الحسد.

- اسكت من فضلك! ولم لا نحلم ما دام ليس لدينا ما نفعله؟ إنني أكرر لك, يا فخذ الخنزير العجوز, لو كان لديك مليون لانتزعت منك الفتاة ووضعتها في زهرة خزامى... هل أنا سكران؟ حسن! إنها, أقسم بالرب, تعجبني! انظر هذا الأنف الذي لها! آخ يا للشيطان! احصلي يا إيلكا على مليون!

تساءلت إيلكا:

- وكيف أحصل على مليون؟

- آه, يا للسذاجة! يا للبساطة المقدسة(). كيف الحصول على مليون؟ يمكن الحصول عليه بأساليب شتى. والأساليب منها الصعبة ومنها السهلة. والصعبة منها تقتضي عملاً لا نهاية له, العمل الحر العاقل الذي يحرم صاحبه نوم الليل ويجعله مملاً ومريضاً. وبهذا الأسلوب لا يأتي المليون إلاّ في الشيخوخة, عندما يصبح الزواج أمراً لا جدوى منه. وأنت امرأة, لا تملكين الكفاية من العقل وتريدين الزواج, لذا فإن هذا الأسلوب لا يلائمك. أما الأسلوب الثاني, السهل من حيث الجوهر, والصعب من حيث العواقب, فيقتضي نسيان شيء يشوش على الجميع, وهو الضمير. اسلبي وانهبي. وكلما كنت أذكى وأقل حياء, اقتربت أكثر من موعد صيرورتك البارونة فون زاينيتس. والسلب والنهب ممكنان لا على الطرق فقط, إذ يمكنك أن تسلبي وتخنقي وأنت جالسة في غرفة مكتبك. ولكنني لا أوصيك بهذا الأسلوب. لأنه, إذا لم تكوني ذكية بما فيه الكفاية, يسفر عن عواقب وخيمة: ويمكن أن يودي بك إلى الهاوية. والأسلوب الثالث: أن ترثي ثروة... والرابع, ما هو الأسلوب الرابع؟ إنه أسلوب تتبعه النساء في أغلب الأحيان, ولا يهمله الرجال في كل الأحيان, أسلوب معرفة استخدام الشخص لجسده. فكلما كان جسد الشخص أجمل, أصبح أقرب إلى المليون. وهذا الأسلوب هو الأكثر ملاءمة لك يا إيلكا!

- بل الأقل - قال تسفيبوش - إنه لا يصلح! فلندعه وشأنه, يا بارون! فهذا الأسلوب الماجن تفوح منه رائحة الزفر, بينما إيلكا....

- صغيرة؟ لا بأس, دعها تعرف! فلماذا تخفي عنها ما ينبغي عليها الاحتراس منه؟ وعلى هذا فإنني أتابع... عليك يا إيلكا أن تتعلمي كيف تلبسين بذوق, وكيف تظهرين في الوقت المناسب ساقك الجميلة من تحت الثوب, وكيف تتدللين وتغنجين. لقاء كل قبلة ستأخذين على أقل تقدير() ألف فرنك... في وضعك الحالي لا أظنهم سيعطونك كثيراً, ولكن إذا ما جلست في مقصورة خاصة في المسرح أو في عربة فإن...

بربر تسفيبوش:

- إيه, إيه... كفى! الرب وحده يعلم بم تحشو رأس هذه البنت!... فلنترك هذا الحديث! أرجوك يا دكتور! سأغيرّ الحديث... ايوه... هل صحيح ما يقولونه عن أنك اعتنقت اللوثرية في الأسبوع الماضي؟

- صحيح... الأسلوب الأخير هو الأسهل, وليس هو الأبشع. اكتسبي يا إيلكا عادات المجتمع الراقي, تعلمي الثرثرة, وصدقيني سوف تحوزين مليوناً. إن هذا الأسلوب غالباً جداً ما يُتَّبع. ولو أن سبعة أثمان النساء كن جميلات ولهن في السوق ثمن, لاستخدمن هذا الأسلوب.. لو صادفتك منذ سبع أو ثمان سنوات لاشتريتك من كل بد.. أيتها المكّارة الحلوة.

قال تسفيبوش:

- على رسلك, يا بارون, كرمى للرب, على رسلك: لن نفلت الزمام للّسان! - وتطلع بخوف نحو ابنته.

كانت إيلكا جالسة تصغي إلى البارون بانتباه, دون أن يسبب لها حديثه في مضمونه وشكله أي حرج. قالت:

- إنني أفهم, ولكن هل بمقدورك حقاً أن تتزوج امرأة باعت نفسها؟

- بمقدوري. فأنا عندما أتزوج البائنة() أبيع نفسي كذلك! وهكذا دواليك... عندي إليك رجاء, يا إيلكا...

نهض البارون وأخرج من جيب صداره قطعة نقد ذهبية.

- خذي يا عزيزتي هذه النقود, وتصوّري في أول مدينة تصلين إليها. أتفهمين؟ ثم أرسلي لي صورتك.. إلى هذا العنوان...

ناول البارون إيلكا قطعة النقد الذهبية وبطاقة كتب عليها العنوان.

- لدي رغبة في أن أرى فتاة الخزامى كثيراً. أريد أن أحملها باستمرار في جيبي الجانبي... هل سترسلينها؟

-نعم.

- إذاً ممتاز. والآن, أيها الصديقان, وداعاً()! أريد أن أنام.

تمدد البارون على العشب وتوسد جعبة الصيد.

- وداعاً, سعدت جداً بالتعرف عليكما. سأنتظر الصورة, وسأتزوجك إذا حصلت على مليون...

نهض تسفيبوش وانحنى, وقال:

- شكراً لك, يا بارون, لقد أطعمتنا, فهلاّ سمحت لنا بأن نعزف لك لقاء هذا. النوم لذيذ جداً على أنغام موسيقانا المملة!

- اعملا معروفاً!

ضبط تسفيبوش كمانه وشرع يعزف لحناً من «بوكا تشيو»() بمرافقة قيثارة إيلكا.

هز البارون رأسه علامة الرضا وأغمض عينيه... وعندما فرغ الموسيقيان من العزف وهَمّا بمغادرته, فتح عينيه وصوب نظرته العكرة إلى إيلكا, وتمتم:

- هكذا.. هكذا... إنني أفهم. أهذه أنت يا إيلكا؟ هاك للذكرى!

فك البارون من سلسلته إحدى الحلي وقدمها لإيلكا, ثم سقط رأسه على الجعبة وغرق في لجة نوم عميق.