الباب الثاني

6 0 00

الباب الثاني

بدء الخليقة

كان السائح الفرنسي الجنسية فرنسوا مارتال يزور قريتنا مرتين في العام الواحد رحلة الشتاء و الصيف

فرنسوا مارتال كاد يفارق سن الشباب ، إلا أن بنية جسمه مازالت شديدة ، فهو طويل ، ذو كتفين عريضين ، و وجه حليق دائما كوجوه القدسيين المعروضة في أيقونات الأديرة القديمة . و كل ما يلفت الناس إليه أكثر من غيره مشيته ، و بروز صدره - قيل و لله أعلم أنه يضع حمالتي نهود – و رجرجة ردفيه عند المشي و العكلة التي لا تفارق أوداجه أبدا.

* * *

فرنسوا مارتال يحب قريتنا حبا كبيرا ، فقد بنى فيها منزلا عصريا اختار له مواد بناء محلية : جريدة النخل و سعفه و خشبه و الآجر المشوي والطين و حجر الجبل . انتدب أمهر البنائين في الجهة . و صرف من المال الشيء الكثير، فنقشوا له الحجر، و تفننوا في صقل الخشب ، و في تصفيف الجريد حتى صار المنزل تحفة معمارية يزورها السياح الذين عبروا في أكثر من مرة عن إعجابهم الشديد بالمنزل .

و كان الفرنسي ينظم في ليالي الصيف خاصة سهرات تدوم حتى الصباح ، سهرات "مالوف" و أذكار و رقص شعبي و سكر و عربدة و غناء ، و أشياء أخرى...

و كان المنزل المبني فوق هضبة تطل على الواحة ذات المليون نخلة قد زينت جدرانها بصور سيدنا علي ابن أبي طالب محفوفا بسبطيه الحسن و الحسين عليهم و على آلهم أفضل الصلاة و التسليم ، و "رأس الغول" الكلب المهول "مخارق" صاحب واد السيسبان ، و البراق الشريف بقوائمه ذوات الحوافر، و جناحيه المزخرفين بألف لون و لون ، و وجه الملاك الذي يزينه ، و هدوج الجازية الهلالية ، و خيول بني هلال ، و ذياب ، و خليفة الزناتي ، و آدم و حواء بعد أن أكلا من تفاح الجنة ، و الحية الراقصة و قابيل و هابيل ، و كبش الرب النازل من السماء ، و جبرائيل ، و إسماعيل ، و إبراهيم الخليل ، و ملائكة ترفرف بأجنحة السلام ، و قناديل زيتية ، و مراوح من سعف النخل ، و مكاحل ، و سيوف ، و بنادق من العهد التركي ، و صناديق عرائس ، و مرشات عطور، و حلي فضية ، و قدور من طين و مشارب من فخار، و تسجيلات لأغاني الأعراس ، و نواح النادبات في المآتم...

البيوت فسيحة و جميلة ، تسر الناظرين ، و بيت النوم أجمل من كل البيوت الأخرى ، يتوسطه سرير كبير، مذهب الحواشي ، تتدلى على جنباته الشرارف المطرزةة بخيوط الحرير، و تحف به من الجانبين طاولتان صغيرتان ، على الأولى "أبجورة " حمراء ، و فوق الثانية "راديو" قديم من الحجم الكبير.

و عبدو صديق الفرنسي و حارس المنزل عند غيابه ، لا ينفك ينفض الغبار و يمسح التحف و يغني و يسكر فالشراب متوفر دائما في هذا المكان...

* * *

عندما جاء فرنسوا مارتال هذا العام إلى القرية ، قام كعادته في كل مرة بزيارة للأحياء القديمة التي يرجع تاريخ بنائها إلى القرن الخامس عشر.

كان مصحوبا بكلبه ، و بآلة تصوير كبيرة الحجم ، و بقفة ملأى بالحلوى ، و بعبدو.

صور الصبيان العائدين من الواحة على الأحمرة ، حفاة ، يقطر من أنوفهم المخاط و الذياب . و هزته النشوة وهم يتغزلون بمؤخرته ، و يغمزون عبدو بأعين الذئاب ، و يطلقون في الهواء كلاما بذيئا ، فأعطاهم الحلوى ، و رد على نكاتهم بنكات ماجنة.

و مر على العم علي التوكابري صانع المراوح و قفاف السعف و كراسي الجريد ، و حياه ، فباس الشيخ يده ، و تمنى له إقامة سعيدة مع صاحبه عبدو . و ضحك ، فبانت بقية أسنانه النخرة ، و حرك رأسه أسفا ، و لسان حاله يقول : " لماذا كان وصولك إلينا متأخرا كل هذا الوقت أيها الرومي الملعون ؟

وحاول التقاط صور للشابات العائدات من الغدير ، فانهلن عليه سبا وشتما بعد أن غطين وجوههن بالملاءات السوداء ، فطيب عبدو خاطره قائلا :

" لا عليك يا صاحبي إنهن يخفن الغريب خوفهن من وباء الكوليرا".

ووقف ككل مرة يصل فيها إلى زقاق البهاليل أمام مبنى قديم تهدمت جدرانه إلا أن يد الفنان الذي أبدع الرسوم و الأشكال الهندسية على الحيطان بالآجر الأبيض و الأحمر و الأصفر و البني ما زالت ماثلة للعيان حتى هذا اليوم . قال : "لو أعرف من يعيد تشكيل هذه الرسوم "الساذجة" و العفوية بهذه الدقة و الحنان لجعلته يسافر معي إلى باريس" .

و صور تلك الرسوم من جهات مختلفة ، و بأضواء مختلفة ، و بعدسات مختلفة، و تحسر على هذه الكنوز الضائعة.

و واصل طريقه إلى أن حط الرحال في الساحة العمومية . كانت طائرات من ورق تغطي الساحة . طائرات بيضاء وحمراء وصفراء وبأشكال مختلفة . طائرات على شكل عفاريت ، و أخرى كالثعابين ، و طائرات تشبه الطيور الكبيرة المنقرضة.

و كان درويش هناك ، يشعل النار في رجليه ، و يطبخ الماء و الحجر قدر "الألمنيوم . اقترب الفرنسي من الرجل الماد رجليه تحت القدر..

ووقف مدهوشا.

وضع ألة التصوير على الأرض و أقعى ..

فأقعى الكلب بجانبه.

و أقعى عبدو بجانب الكلب.

نظر إلى النيران المشتعلة في رجلي درويش

أغمض عينيه مرة أولى..

و فتحهما..

ثم أغمضهما مرة أخرى.

و فتحهما .

اقترب أكثر من النار و قرب جمرة من وجهه

"نار درويش لا تحترق" ، قال الرجال .

أحس بلهيب النار يكويه ، فرمى الجمرة أرضا .

رأى النيران تشتعل في حفرة كبيرة ..حفرة في حجم الشمس. حاول أن يتذكر أين رأى تلك الشمس الملتهبة فوق الأرض.

تذكر التوراة...

و تراتيل الأحبار..

و اللحي المتدلية حتى الصدور..

و بابل ..

و إبراهيم الخليل ..

و النمرود ..

و "أنا ربكم الأعلى".

أنا الخالق ..

الرازق..

المحي..

المميت..

الرحمان..

الرحيم ..

الجبار ...

القهار ..

المتكبر ..

والمنجنيق يقذف بإبراهيم وسط اللهب ،

و الهتافات تتعالى حتى السماء :

" حرقوا هذا الدعي..

حرقوه و أنثروا رماده في الجهات الأربع"

وضع رأسه فوق رأس الرجل و حركه فتحركت الرموش و تجاعيد الوجه أحس بقلبه يدق دقا عنيفا ، و بركبتيه ترتجفان ، و بوزنه يخف ، و بدأ يطير. امتطى طائرة ورقية على شكل تنين ، و طار.

طار إلى الأعلى ..

إلى الأعلى حتى المنتهى .

و من هناك صور درويش مادا رجليه تحت القدر، و النيران تلتهب في الرجلين ، و بخار الماء يتصاعد من القدر حتى السماء .

قال عندما حط التنين على الأرض : " شكرا للرب ، اليوم فقط اكتشفت سحر الشرق" .

و سلك طريق العودة إلى البيت ، يتبعه كلبه و عبدو ، و آلة التصوير تتدلى فوق صدره ، و طائرات الورق تملأ السماء ، و الكلب ينبح ، و عبدو يمسك بيد سيده و يقوده إلى الازقة التي خلت من المارة فالشمس حارة ، و نيران بابل مازال لهيبها يصفع الوجوه.

* * *

في تلك الليلة ، و بعد أن استحم فرنسوا ، و تعطر، و تزين بالكحل ، و مضغ السواك ، و لبس غلالة شفافة ، و أطلق الكلب في الحديقة ، و أطفأ أنوار البيت ، و نام مع صديقه عبدو فوق السرير الرحب الواسع الرحمة ، و الموشحات الأندلسية تأتي من مكان بعيد ، هامسة ، خافتة كوقع أقدام الملائكة ..

في تلك الليلة ، دق الجرس دقات جنائزية ، مرعبة ، تقطر سما. خاف الفرنسي حتى بال على الشراشف البيضاء النظيفة ، و عاود دق الجرس طويلا ، عنيفا ، لا ينتهي ..دقا كعواء الكلاب المسعورة.

قام عبدو ، واتجه نحو الباب ، فتحه بوجل فرأى أمامه درويشا ، تلتهب النيران في رجليه . حاول الهرب فلم يقدر. صوت من أعماقه ، عويل ذئب مجروح.

قال له : "لن يسمعك الرومي يا صاحبي" و اتجه نحو الخزانة الكبيرة ..الخزانة العجيبة التي تتصدر قاعة الجلوس أخرج منها آلة التصوير و الأشرطة ، و بدأ في التهامها شريطا وراء شريط ،و الفرنسي يصيح :

" يا ويلتي" ...

أكلني هذا الوحش ...

أكل هذا الوحش الشرقي بدء الخليفة ."

* * *

يروي عن ابن عباس (رضي الله عنه ) أن أول ما خلق الله عز و جل الماء.

و كان عرشه عليه.

فلما أراد إن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا ، فارتفع الدخان فوق الماء ، فسماه سماء.

ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة.

ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين : الأحد و الإثمين .

و خلق الأرض على حوت..

و الحوت في الماء..

و الماء على الصفاء..

و الصفا على ظهر ملك..

و الملك على صخرة ..

و الصخرة على الريح ..

فأضطرب الحوت ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى الله عليها الجبال ، فقرت الأرض . و خلق أقوات أهلها و سخرها و ما ينبغي لها في يومين : الثلاثاء الأربعاء . ثم استوى في السماء وهي دخان ، فقال لها و للأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا : أتينا طائعتين .

فكان ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس..

فجعلها سماء واحدة .

ثم فتقها فجعلها سبعا في يومين : الخميس و الجمعة.

قال ابن عباس :

و إن السماء الدنيا من زمردة خضراء.

و السماء الثانية من فضة بيضاء.

و السماء الثالثة من ياقوتة حمراء.

و السماء الرابعة من درة بيضاء.

و السماء الخامسة من ذهب أحمر.

و السماء السادسة من ياقوتة صفراء.

و السماء السابعة من نور.

و في السماء السابعة ملائكة قيام على رجل واحدة تعظيما لله لقربهم منه قد خرقت أرجلهم الأرض السابعة فاستقرت أقدامهم على مسيرة خمسمائة عام تحت الأرض السابعة . و رؤوسهم تحت العرش من غير أن تبلغه و هم يقولون : " لا إله إلا الله ذو العرش المجيد " فهم إلى ذلك منذ خلقوا إلى أن تقوم الساعة.

و تحت العرش بحر، منه أرزاق الحيوان يوحي الله إليه فيمطر من سماء إلى سماء حتى تنتهي إلى مكان يقال له " الأبرم" فتحمله الريح إلى السحاب فتغربله.

و تحت السماء الدنيا بحر من ماء فيه من الدواب مثلما في بحور الأرض مستمسكة بالقدرة.

و إن الله تعالى أسكن ظهر الأرض – لما فرغ من خلقها – الجن قبل آدم فجعلهم من مارج من نار و إبليس فيهم و نهاهم الله أن يسفكوا دم البهائم ، وأن يظهروا المعصية بينهم ، فسفكوا ، وعدا بعضهم على بعض .

فلما رآهم إبليس لا يقلعون عن ذلك ، سال الله أن يرفعه إلى السماء ، فصار من الملائكة يعبد الله أشد عبادة .

و أرسل الرب إلى الجن – وهم حزب إبليس – قبيلا من الملائكة ، فطردهم إلى جزر البحار.

و قتلوا ما شاء الله منهم.

و جعل الله " إبليس " على السماء الدنيا خازنا

فتوقع في صده كبر ثم شاء الله عز و جل أن يخلق آدم فقال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة.

قالوا : ربنا و ما يكون ذلك الخليفة ؟

قال : تكون له ذرية.

و يفسدون في الأرض .

و يتحاسدون .

و يقتل بعضهم بعضا .

قالوا : ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ، و يسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك و نقدس لك ؟

قال : إني

أعلم

ما

لا

تعلمون.

ثم بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها .

قالت له الأرض : " إني أعوذ بالله منك أن تنقضني " فرجع.

و لم يأخذ منها شيئا .

وقال : " يا رب إنها عاذت بك" .

ثم بعث الله ميكائيل، فقالت له مثل ذلك .

فرجع .

و لم يأخذ منها شيئا .

فبعث الله ملك الموت ، فعاذت بالله منه .

فقال : " و أنا أعوذ بالله أن أرجع و لم أنفذ الأمر. " فأخذ من تربة : سوداء

وحمراء .

وبيضاء

فلذلك يخرج بنو آدم مختلفين في الألوان .

و سمي آدم لأنه خرج من أديم الأرض

و أوكل الله ملك الموت بالموت.

و جبل آدم و تركه حتى صار طينا لا زبا يلصق بعضه ببعض أربعين سنة ، ثم صوره و تركه بلا روح – من صلصال كالفخار – حتى أتى عليه مئة و عشرون سنة ، فكانت الملائكة تمر به فيفزعون منه . و كان أشدهم فزعا إبليس . كان يمر به فيضربه برجله فيظهر له صوت كظهوره من الفخار.

و كان إبليس يدخله من فيه و يخرج من دبره و يقول : "لأمر ما خلقت "...

فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة :

" اسجدوا لآدم ".

فسجدوا.

إلا إبليس أبى و أستكبر و قال : " يا رب أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين. و النار أشرف من الطين.

و أنا الذي كنت مستخلفا في الأرض.

و أنا الملبس بالريش.

و الموشح بالنور.

و المتوج بالكرامة.

و أنا الذي عبدتك في سمائك و أرضك ".

قال له تعالى :

"أخرج منها فانك رجيم .

إن عليك لعنتي إلى يوم الدين" .

فسأل الله المهلة إلى يوم يبعثون .

فأنظره الله إلى يوم الوقت المعلوم .

ثم نفخ الله تعالى في آدم من روحه .

ثم خلقت حواء من آدم .

و أسكنا الجنة لثلاث ساعات وهو ربع يوم بمائتي سنة و خمسين سنة من أعوام الدنيا.

و أهبط الله آدم بسرنديب ،

و حواء بجدة ،

و إبليس ببيسان ،

و الحية بأصبهان.

فهبط آدم بالهند على جبل " الراهون" .

و عليه الورق الذي خصفه من ورق الجنة ، فيبس ، فذرته الرياح ، فانتشر في بلاد الهند . فقيل إن علة الطيب بأرض الهند من ذلك الورق.

و خصت أرض الهند بالعود و القرنفل و المسك و سائر الطيب.

و كذلك الجبل لمعت عليه اليواقيت. و كان منه الماس.

و في جزائر بحره السنباذج

و في قعره مغائص اللؤلؤ.

و إن آدم لما أهبط من الجنة ، اخرج منه و معه صرة من الحنطة ، و ثلاثون قضيبا من شجيرات الجنة ، مودعة أصناف الثمار.

فمنها عشرة مما له قشر : وهي الجوز و اللوز و الجلوز- وهو البندق – و الفستق و الخشخاش و الشاه بلوط و الرانج و الرمان و الموز و البلوط.

و منها عشرة ذات نوى : وهي الخوخ و المشمش و الأجاص و الربط و الغبيراء و النبق و الزعرور و العناب و المقل و الشاملوج - وهو إسم فارسي و تفسيره ملك الأجاص –

و منها عشرة مما لا قشرة لها ولا حجاب دون طعمها و لا نوى داخلها وهي التفاح و السفرجل و العنب و الكمثرى و التين و التوت و الأترج و القثاء و الخيار و الخروب .

ثم أن آدم لما أدى الوصية أتته وفاته عليه السلام ، فتوفى يوم الجمعة لستة خلون من نيسيان في الساعة التي كان فيها خلقه .

و كان عمره تسعمائة و ستة و ثلاثين سنة.

و يقال إنه مات عن أربعين الفا من ولده و لد ولده.

و تنازع الناس من قبره.

فمنهم من زعم أن قبره بمنى في مسجد الخيف .

و منهم من رأى أنه في كهف في جبل أبي قبيس .

و قيل غير ذلك .

و الله

أعلم

بحقيقة

الحال.