القسم الثالث
الفصـل الرابـع
كان فراس قد سئم الحياة في الصحراء، وملّ الدسائس، والمؤامرات، والمغامرات المعقدة!..
ولكي يبتعد عن ضوضاء العاصمة اتخذ لنفسه داراً صغيرة مستقلة، ذات حديقة وارفة، لا يفصلها عن قصر قطر الندى، سوى طريق ضيقة ملتوية، يرتادها سيراً على الأقدام
ليزور صديقتيه، فيقضي الجميع ساعات الليل المبكرة في مرح وسمر، متحدثين بين الفينة والأخرى عن غرابة الهدوء الذي بات يخيم على حياتهم، هدوء لم يكن مبعثه
استقرار نفوسهم، بل توقف الأحداث!..
وطال ترقبهم لمخرج من هذا الركود!.. ولما لم يأتهم الحل، عكفوا على حياتهم اليومية يبحثون فيها عن أحداث يشتركون في تضخيمها وصبغ الأحلام والآمال عليها..
تقول قطر الندى..
_مررت بوكالة سيارات " الكاديلك " اليوم.. فنزلت أتجول في الصالة، وكـأني أريد تبديل سيارتي.. وإذ بالوكيل يهرع إلي!.. أتدرون أنه شاب وسيم جداً؟.. لم
أعره أية التفاتة.. لكني شعرت أنه كان يحملق فيّ طوال الوقت!..
تضحك ميساء، وتعلق..
_ليته يبعث لنا بسيارتين سوداوين كهدية!.. أليس جميلاً أن نقصد القصر وننزل المدينة بسيارتين " كادلك " من آخر طراز؟..
أو تقول قطر الندى..
_مررت برئيس الوزراء السابق، وأنا أتجول بسيارتي في السوق اليوم، فابتسم بإصرار، وحنى رأسه من بعيد!..
قاطعتها ميساء..
_لقد حاول المستحيل ليتزوجني.. مسكين.. أنا لا أحاول أن أبخسه حقه.. لكن، شتان ما بينه وبين الأمير مراد!..
ويصمتون إذ يأتي ذكر مراد!.. ومراد على بعد ألوف الأميال منها!..
أما هلال.. فلقد انقطعت أخباره عنهم هو الآخر أو تكاد..
ويلهو فراس عنهن بالقراءة أحياناً، أو بالعزف على القيثارة..
يضحك في سره، أو يعجب لقطر الندى وميساء إذ تحلقان بعيداً بعيداً على أجنحة الخيال.. ويدهش آسفاً إذ يرى زوجته تشاركهما هذه الأحلام فتتحسرهي الأخرى على
بعد الأمير مراد، وكأنه لو عاد، فسيعود إليها لا إلى ميساء.. وتظن أنها هي الأخرى مهيأة لأن يحملق بها وكيل السيارات الوسيم.. وأنه يحق لها، هي الأخرى،
أن يبتسم لها رئيس الوزراء السابق.. ويلح في طلبها للزواج..
سألته قطر الندى يوماً متعجبة..
_وأنت يا فراس.. ألا تمر بك أبداً حوادث غريبة في عملك الجديد؟..
فكر قليلاٍ، ثم قال..
_بلى.. كنت اليوم في طريقي إلى مقابلة أحد الشيوخ بصدد بضائع ابتعتها لحسابه، وفي المصعد الذي أقلني إلى شقته، شاهدت رجلاً، قيل لي فيما بعد إنه نائب
ذلك الشيخ، لعله من أغرب ما رأيت من الرجال في هذه المدينة!..
وحدثهم فراس عن ذلك الرجل الذي كان يحمل عقده الرابع بخفة وطرب من لايزال في سن المراهقة.. ووصف لهم وقفة ذلك الرجل أمام مرآة المصعد.. يصفف حاجبيه بإصبعه
الصغرى المحملة بخاتمه الماسي الكبير، ويزيح طرف " حطاطة " رأسه قيد أنملة، تارة على اليمين، وتارة على اليسار، مقطباً عينيه، متفرساً في مدى تأثير انحرافها
على جمال وجهه، غير عابئ بمن كانوا حوله في المصعد يحدقون به!..
ضحك الجميع.. وسألته قطر الندى مستفسرة..
_هل كان، على الأقل وسيماً؟..
_وسيم جداً!.. طويل القامة.. بدا مشدود العود في قفطانه الحريري الأبيض وعينان خضراوان، من أجمل مارأيت على بشرة سمراء!..
صاحت ميساء..
_إنه جعفر.. أليس كذلك يا فراس؟..
ولما لم يجبها فراس على الفور، تلهفت قطر الندى..
_ألم يذكر أحد لك اسمه؟..
تابع فراس، وقد طغت على صوته دهشة من تلهف صديقتيه..
_بلى.. قيل لي إن اسمه جعفر.. وكان يحمل في يده وردة يتنشق بين الفينة والأخرى عبيرها.. التفت إلي فجأة، قبل أن يخرج من المصعد، ومدها إلي دون أن يكلمني!..
والتفت فراس إلى ميساء..
_.. لكن.. كيف عرفت أن اسمه جعفر؟..
ضحكت ميساء مسرورة لصحة اكتشافها.. وتابعت مازحة..
_متى ستعرف يا فراس بأنني موسوعة متنقلة؟!.. إن نساء الخليج يا عزيزي يتناقلن اسم جعفر، ويتحدثن عن أخباره كما كن منذ قرون مضت يتناقلن أخبار ابن ربيعة!!..
أهو حقاً على مثل ما يقال من الجمال؟..
_وسيم جداً، ليس في ذلك شك!.. أما وأنت تسألينني عن جماله بهذا الإلحاح، فبت أراه أقرب إلى الوسط منه إلى أي شيء آخر!..
كان ما أثار انتباه فراس، وما أراد أن يتحدث عنه، هو عفوية هذا الإنسان حين أعطاه الوردة في المصعد دون معرفة سابقة بينهما..
راوده أن جعفراً ربما كان يود التخلص منها قبل خروجه من المصعد، فأعطاها له بدل أن يلقي بها إلى الأرض.. أو لعله كان سيعطيها لأي إنسان آخر أوقفته الصدفة
أمامه في ذلك المصعد.. ورغم ذلك، جاء وقع هذه الحادثة محبباً، غريباً على نفس فراس.
أراد أن يحدثهم عما تطبع به من عادات الغرب، فالغربي لا يكلم من الناس إلا إنساناً يعرفه، وفي الغرب يعيش الجار دون أن يبادل جاره كلمة واحدة.. وإذا لامست
يد الغربي يد إنسان لا يعرفه، سحبها بعصبية، طالباً منه المغفرة!.. ما أطرف الشرق، وما أعمق جذور إنسانيته!..
رجل لا تربطه معرفة برجل آخر، ولا ينوي التعرف إليه..إنسانان جمعهما المصعد لدقائق معدودة، أمضى أحدهما معظمها في التحديق بنفسه في المرآة.. ومع هذا،
ولمدى لحظات خاطفة، أوجدت عفوية هذا الإنسان احتكاكاً إنسانياً، هو في الوقت ذاته عميق، ولا معنى له..
وتكرر اجتماع فراس بجعفر..
كانا يتبادلان إيماءة من الرأس أو كلاماً عابراً.. إلى أن تمهل جعفر أمام فراس يوما متردداً، ثم قال له..
_هنالك أمر أود أن أحدثك به يا فراس.. متى تود ذلك؟..
دهش فراس لهذه المفاجأة!.. كيف عرف اسمه؟.. وما " رفع الكلفة " هذا؟..
تمالك نفسه..
_ليس ما يمنعني من التحدث الآن..
أمسك جعفر بيد فراس كأنهما صديقان قديمان، واتجها خارج مكتب الشركة نحو مدخل بنائها الكبير، حيث استقرا على أحد المقاعد العريضة المعدة للمنتظرين..
بادره قائلاً..
_أنت صديق حميم للأميرة قطر الندى، زوجة هلال، على ما سمعت.. أليس كذلك؟..
كان فراس ساهماً يبحث في مخيلته عما يمكن أن يربط جعفر به من عوامل مشتركة يمكن التحدث عنها.. مرّ في مخيلته، أثناء سيرهما نحو المكان الذي استقرا به،
ألف خاطر.. وألف جواب..
دهش حين سمع اسم قطر الندى.. وأحس كومض البرق قائلاً يقول له " إذن هذا هو الموضوع الذي يهمك أيها الطاووس!.."
جابه بحذر ظاهر..
_صديق حميم؟!.. أنا متزوج.. والأميرة صديقة زوجتي.. صديقة العائلة!..
_دعك من هذا يا شيخ!.. أنا لا أنوه بشيء عن صداقتكما، بل إن هذا الأمر يسرني جداً، إذ أن لقطر الندى مكانة كبيرة في قلبي.. ويسعدني أن أحدث شخصاً تربطه
صداقة أكيدة بها!..
لم يجبه فراس.. آثر اللجوء إلى الصمت والإصغاء لما يقوله محدثه الذي بدا له، منذ أن وقعت عليه عيناه في المصعد، مثلاً للإنسان الذي لا يعي أن في الكون
إنساناً يمكن أن يثير اهتمام الآخرين سواه، كأن لا وظيفة للآخرين في هذه الحياة سوى انتظار اهتمامه بهم!..
وتابع جعفر كلامه..
_كنت قد طلبت يد قطر الندى في الماضي للزواج!.. لكن سوء طالعي، وطالعها، شاءا أن تزف إلى هلال!.. إذ أنه كان قد طلب يدها قبلي بأيام!..
ضحك فراس في سره، وتخيل وقع هذا الحديث على مسامع قطر الندى في المساء..
_هلال في أوربا.. أليس كذلك؟..
أجابه فراس بنعم مقتضبة.. وتساءل عما يعرفه جعفر من حياته ومن حياة صديقتيه الخاصة.. لكن جعفراً تابع حديثه، قاطعاً أفكار فراس..
_مسكينه هذه الفتاة.. أعندها سيارات في قصرها؟..
_نعم..
_كم سيارة؟..
_سيارتان لها.. وثلاث لزوجها..
_وهل أبدلت العام سيارتيها بسيارتين جديدتين؟..
_ ولماذا تبدلهما؟.. إنهما على حال جيدة!..
وبحركة من يده تدل على شيء من العصبية والتبرم، أجاب جعفر..
_لأن الناس كلهم يفعلون ذلك.. مالك يا شيخ؟.. إن فتاة كقطر الندى بحاجة إلى دلال كثير.. وأشياء جديدة تلهيها عن همها!.. فتاة في مثل حالها اليوم بحاجة
إلى للسفر إلى الغرب لتروح عن نفسها.. وتنسى أحزانها!..
نهض الرجلان من مقعدهما.. بدا الارتياح على وجه جعفر كمن أزاح بهذا الحديث حملاً كان يرهق كتفيه..
شد على يد فراس قائلاً..
_إنك شاب ممتاز الصفات، ويسرني أن نصبح في المستقبل صديقين حميمين!..
ضحك فراس في سره، أهكذا تولد الصداقة الحميمة؟.. لكنه أجاب..
شكراً.. يسرني ذلك أيضاً..
وقبل أن يفترقا أمام مدخل البناء، حيث هم جعفر بدخول سيارته الفخمة الغربية الصنع، قال..
_إن دارك تقع على الطريق المؤدي إلى الجبل على ما أظن.. سوف أمرّ لزيارتك في الأيام المقبلة.. وداعاً يا فراس.. ولا تنسى أن تهدي سلامي إلى صديقتينا!..
كان فراس يعتقد ان عصر المفاجآت بينه وبين ميساء وقطر الندى قد أقفل وانتهى.. ولكن ما دار بينه وبينهما في تلك الليلة أزاح عن عينيه وشاحاً آخر، عن أفق
آخر، من تلك الآفاق المجهولة التي كان يمتد إليها تفكير هاتين الفتاتين..
ضحكا ملء قلبيهما لسماع ما دار بينه وبين جعفر، وإذ رأت قطر الندى الدهشة بادية على وجهه، علقت قائلة..
_إن ما رواه جعفرعن طلبه ليدي صحيح كل الصحة يا فراس!.. وما زلت أحتفظ إلى اليوم بعقد وسوار من العقيق أهدانيهما عن طريق عائلتي منذ ست سنوات.. أي قبل
أن يطلبني هلال للزواج بثلاث سنين!..
وعادت إلى الضحك، ثم تابعت..
_أليس من المضحك أن يدّعي أنه لو سبق هلال إلى طلب يدي لقبلت به!.. إنني واثقة لأنه لم ينس أبداً أني رفضت طلبه لا لإعجابي بمنافس ما، بل لمجرد أنه إنسان
تافه.. شيخ من مئات الشيوخ!.. وكنت في ذلك الحين لا أرضى بالزواج، وأن جاءني من أمير!..
_لماذا؟.. ألأنك كنت مغرمة بصديق دراستك؟..
_طبعاً.. ولأني كنت في ذلك الحين أعيش في الأحلام!.. لم أكن قد أدركت بعد قيمة المادة وفاائدة الثراء في هذه الحياة..
كانت ميساء ما زالت تضحك لقصة جعفر.. توقفت قليلاً ثم قالت..
_ليس فيما ترويه أي جديد بالنسبة لنا يا فراس.. لقد كنت أنتظر أن يقوم جعفر بخطوة من هذا القبيل.. لكني كنت في حيرة من أمر الباب الذي سوف يطرقه!..
وعادت إلى الضحك، شأنها في ذلك شأن أختها، ثم تابعت..
_لقد اختار أسلم الطرق، وأكثرها شرعية.. إنك الذكر الوحيد بيننا.. واختار أن يطرق بابك أولاً.. أتعلم أنه تتبعني بسيارته منذ أيام وأنا عائدة إلى القصر؟..
_لحق بك أنت يا ميساء؟.. وماذا فعلت؟..
_نعم أنا.. تعمدت عدم الاهتمام به، ثم أوقفت سيارتي إلى جانب الطريق، فأوقف سيارته إزاء سيارتي ونزل منها ليحدثني..
_ودار بينكما حديث؟..
_لم أدر ما قاله لي في بادئ الأمر، تكلم بلهجته الغريبة بعض الشيء، وحين لم أجبه، أزاح شعرة تائهة على كتفي.. وسألني بلطف زائد لماذا لا أجيب.. فأفهمته
بأن طريقته هذه في تتبعي بسيارته ليست خير الطرق لإثارة إعجابي به!..
_وبماذا أجابك؟..
_فوجئ كثيراً في بادئ الأمر!.. خجل، ثم قال.. " حسناً.. سأجد طريقة أخرى!.. "
وقال فراس، وكأنما أسقط في يده..
_وكنت أنا طريقه المناسبة!.. لكن.. هنالك شيء لا أفهمه!.. أيسعى جعفر وراءك أنت أم وراء قطر الندى؟..
ضحكت الأختان.. وأجابت ميساء وكأنها تجيب عن أختها في الوقت ذاته..
_لا أهمية لأيةٍ منا يسعى جعفر وراءها !.. المهم يا صديقي.. هو أنه يسعى!!..
وأضافت قطر الندى بشيء من المرارة والحزن..
_المهم.. هو أن هنالك رجلاً يسعى..!! القسـم الـرابع الفـصل الأول
ص155-159
يجول في ذهن فراس قول لفاليري.. " ويقول له عفريت.. أعطني دليلاً على أنك ما زلت الإنسان الذي كنت" !..
راح ينظر من نافذة الطائرة، ثم يمعن النظر بقطر الندى التي جلست قربه وغاصت مؤخرة رأسها في وسادة المقعد، مغمضة عينيها، مستسلمة إلى نعاس هادئ..
لم يبق لديه شك في طبيعة المشاعر التي تتنازعه نحوها!.. مشاعر بدأت، وهي تتكشف عارية أمام عينيه، تخلق بدورها، وإزاء نفسها، مشاعر أخرى في نفسه!..
أحس وكأن هواء جافاً غريباً قد عصف في أعماقه.. فأخذ قاعها يجف عن رواسب بدأت تتبلور وتتبدى عن أشكال ظهرت غريبة أمام عينيه..
لم يكن يدري أن للعاطفة أقنية ومتاهات مرسومة في نفسه.. لا علم له بها!..
أقلقته هذه الكهوف!.. يحس، مهما يُشحْ بوجهه عنها، أنه مرغم على السير فيها.. مرغم على تخطيها!..
لم يشأ أن يحرك ذراعه التي كانت تلامس ذراع قطر على مسند مقعديهما المشترك.. لم يشأ أن يقوم بأية حركة قد تنبهها من نومها..
راح ينظر بإمعان إلى وجهها، وقد استدار نحوه، وود لو يستطيع أن يلامس بشفتيه جفنيها المغلقين..
لم يكن قد رأى جفنيها بعد..
ما أطهر هذا الوجه حين يستكين، وما أشد نعومة بشرته!..
رفع ذراعه الطليقة بهدوء، وأقفل مفتاح الهواء البارد الذي كان يتحدر برفق على وجهيهما..
كان ذلك الهواء حاجزاً بينهما، فأزاحه، وراح يتابع أنفاسها ، حتى خيل إليه أنه يسمعها فوق هدهدة المحركات..
تنفست قطر بعمق، ففتح صدره لأنفاسها، وراح يعبّ منها..
تنهدت، ثم فتحت جفنيها عن عينين حائرتين لم تدهشا إذ رأتا عينيه في انتظارهما.. تبسّمت كطفلة حائرة، وسألته..
_هل أطلت النوم؟..
نظر إليها بمجامع نفسه..
تمهل، ثم قال..
_قطر !.. أنت لا تنوين أمراً تخفينه عني بشأن جعفر.. أليس كذلك!؟..
تابعت النظر إليه بصمت، ثم ابتسمت بعد أن زمت شفتيها بكسل..
_أتظنني قادرة هذا؟..
أطلق لهفة مكبوتة..
_لم تردّي عن سؤالي!.. قد تكونين، أو قد لا تكونين قادرة على ذلك، فالذي أود معرفته هو.. أثمة ما تخفينه عني ؟.. بحق صداقتنا يا قطر.. إن كنت تنوين أمراً
من هذا القبيل.. فأطلعيني عليه الآن!..
قاطعته مازحة بدلال..
_ما الذي يتغير في الأمر لو أطلعتك عليه.. أو أخفيته عنك؟!..
_أهذا جوابك الأخير؟..
ضحكت بهدوء، دون أن تزيح رأسها الغارق في الوسادة..
همست في أذنه، مطمئنة..
_هدئ من روعك!.. لم أفعل مثل هذه الأمور في الماضي.. ولن أفعلها في المستقبل!.. القصة كلها مزاح!.. هنالك بالطبع من لن يفهم هذا.. لكن الأمر واضح بالنسبة
للجميع!..
إزاء دهشة فراس وصمته، تابعت..
_مالك تعجب؟!.. هنالك من النساء من يستسلمن للرجل رضوخاً لإرادته وإصراره، لا حباً أو إعجاباً به!.. وهنالك من يبعن أنفسهن بالقليل أوالكثير من المال..
والبيع واحد.. ولواختلف الثمن!.. أما أنا، فلا علاقة عندي بين المال والجنس.. وأنت أدرى الناس بذلك!.. لا حاجة لي بأن أذكرك أني لم أقو على بيع نفسي
لهلال، رغم إغراء ثرائه!.. قد يكون في قبول دعوة جعفر طيش منا واستهزاء بالعواقب، وبأقاويل الناس!.. وقد يكون في قبول هذا المبلغ الزهيد منه أمر تقطب
له ظاهرياً حواجب الأكثرية الساحقة من الناس!.. لكن، سيان عندي!.. صحيح أن هلالاً لم يترك لي مالاً ألهو به، إلا أنّي لست في ضيق حقيقي!.. فأنا أملك بين
قصري وحليي ما تزيد قيمته على المليونين!.. أتظنني كنت أقبل هذه الدعوة لو كنت وحدي!؟.. إن كوننا أربعة.. وشعوري بالاطمئنان التام، بين أختي وأصدقائي،
هو الذي شجعني على قبولها!.. إنها لعبة نلعبها يا فراس، لا أكثر ولا أقل!.. كنا نلعب " الضيفة والضيوف " ونحن صغار.. وأرانا اليوم أمام لعبة تشبهها!..
ثق أن جعفراً ليس أكثر منا جدية في هذا الأمر!..
_أواثقة أنت من قصد جعفر!؟..
_وماذا في قصد جعفر من تعقيد؟.. ألأنه معجب بي؟.. ألأنه يسعى إلى مغازلتي؟!..إني أعرف هؤلاء القوم حق المعرفة.. جميعهم سواء!.. لا يعرفون سوى الجنس والمال!..
فلا غرابة أن يحاول الرجل منهم السعي وراء ما يتيسر له من النساء، ولا غرابة أن تقبل نساؤهم مضاجعة من يتيسر لهن!!.. هل نسيت أمر درة وأخيها!؟.. هل نسيت
حب درة لميساء؟..
قاطعها فراس، مفاجئاً..
_إذن أنت تعلمين بالأمر.. وتعترفين به!..
_أبعشق درة لأخيها ولميساء معاً؟.. طبعاً!!.. لهذا أقول لك إنني لا أجد غضاضة في ملاحقة جعفر لي بغزل قد تجده جريئاً لو قارنته بطرق الغزل التي نعرفها
نحن!.. لكن ذلك شأنه.. وقبولي أو رفضي لهذا الغزل شأني أنا!..
_لكن قبولنا الدعوة يا قطر.. وقبول المال بهذه السهولة!..
قاطعته متنهدة، صابرة على ما لم يفهمه بعد..
_قلت لك إن أمر جعفر يختلف عن، لنقل، إنسان مثلك!.. إن مثل هذه الدعوة لا تعني الشيء الكبير بالنسبة له.. وقبولي لها، لا يعني أنني أسلمت قيادي له!!..
لو قلت له " إن سيارتك جميلة يا جعفر، لو أن لي مثلها " لأعطاكها على الفور!.. هذه مفاهيم لا يهضمها من على مثل مفاهيمك الغربية!!..
تنهد فراس بدوره..
_إذن.. إن أي تطور في علاقتكما يتوقف على ما ستسمحين له به أنت؟!..
_بالطبع!..
_وتقولين إنك لن تسمحي له حتى برفع الكلفة بينكما؟!..
ضحكت في دلال محبب، وقالت وهي تشيح النظر عنه..
_هذا.. إذا استطعت مقاومة إغراء عينيه الخضراوين!!..
كانت ميساء تجلس إلى جانب زوجة فراس، في الطرف الآخر، وعلى امتداد مقعدي فراس وقطر الندى..
وإذ انتبهت إلى ما يدور من همس بين أختها وفراس، اقتربت منهما وعلقت مازحة!..
_ألا تكفان عن الهمس وتدبير المؤامرات؟!.. هل تنويان الإيقاع بمسكين جديد؟!..
أجابتها قطر الندى، ضاحكة، متظلمة..
_ليتك تدرين بحديثنا!.. أن فراساً قد تغير يا ميساء.. وكأنه إنسان آخر!..
سألتها أختها، مازحة متعجبة..
_وهل يمكن تحديد ما هو فراس.. كي يمكنك القول بأنه تغير؟!..
_بل تغير بالفعل يا ميساء!!.. إنه الآن يخاف أن أقع في هوى جعفر!.. أين خوفه هذا مما كان يحرضنا عليه في الماضي من حب للحياة والحرية الفردية؟ّ!.. يقول..
قاطعها فراس مبتسماً..
_بل أنصحها بالتروي.. هذا كل ما في الأمر!..
اصطنعت ميساء التعجب.. ثم قالت ضاحكة..
_اسمع!.. لم نقم بهذه الرحلة كي نسمع النصح بالتروي!.. قمنا بها كي نلهو ونمرح.. لقد مللنا الركود والحياة الرتيبة!..
وأضافت قطر الندى ضاحكة كأنها في جوقة تشترك فيها مع أختها..
_.. ونود أن نغازل جميع من يروق لنا من الرجال!..
_ ونود أن نتيه في الطرقات حيث لا يعرفنا أحد!..
_.. ونجلس بلفافة.. ننتظر من يشعلها لنا من " دون جوانات " باريس!!..
تقاربت رؤوسهم وهم يردّدون هذا الكلام، وكانوا يخرجون من مقاعدهم!.. علا همسهم، ثم ضحكهم، حتى أثاروا انتباه بقية المسافرين!..
لم يكن في تصرفاتهم، وإن بالغوا، ما يحيد عن اللياقة.. لقد تعودوا إثارة انتباه الناس عن غير ما قصد.. وتعودوا أن يقابلوا دوماً بالابتسامات المحببة من
أناس لا يعرفونهم..
كان في تقاطيع وجوههم ما يوحي بعراقة المنبت، وفي أناقة مظهرهم ما يدل على الثراء، وما يوحي بأجواء بيئة مترفة، يسمع عنها الناس، ولا تسمح ظروفهم بأن
يخالطوها، عن قرب، أو عن بعد..
أربعة، وكأنهم خلقوا للسعادة، لحياة لا تعرف الهموم..
images/clip_image
القسم الرابع الفصـل الثانـي
ص167-173
}ندت عنه ضحكة استهزاء، وقال..
_أتعرف القصر؟..
_" قصرالأفراح " ؟.. لا.. مالك تهزأ؟.. لكنني رأيت صوراً خارجية له في شتى المجلات.. إنه في ظني أجمل ما بني من قصور عصر ما بعد النهضة!..
_أنا لا أهزأ من القصر!.. أنا الآخر دهشت لروعة تصميمه.. بل أخذت بأناقة أبراجه الشامخة المرهفة..
_مم تهزأ إذن؟..
_مهلاً!..
صمت قليلاً.. ثم تابع..
_كنا قد وصلنا في الصباح الباكر.. وكان الضباب لا يزال مخيماً على أرجاء البحيرة.. كيف أصف لك شموخ ذلك القصر وكبرياءه؟.. كان لقيامه على قمة تلك التلة
الخضراء المتحدرة نحو البحيرة، إطلالة أمير أوروبي من القرن الثامن عشر، يستعرض على صهوة جواد أصيل، شروق الشمس على زرقة مياه البحيرة، وخضرة الغابات
المحيطة بها.. غريب كيف لا يمكنني التخلي عن إطلاق أوصاف إنسانية على مثل هذه المباني!.. ولا يقل داخل القصر روعة عن خارجه.. لن أطيل عليك وصف جمال حفر
أبوابه، ودقة تصفيف أرضه الخشبية، المهم في الأمر هو أننا حين دخلنا البهو الكبير، فوجئت بقطع كبيرة من " النايلون " تكسو معظم جدرانه!.. مستطيلات شاسعة
من " النايلون " الرخيص، تغطي سطوحاً كبيرة، وتحيط بهذه المساحات أطر جميلة الزخرف والحفر!.. ظننتها مساحات في دور التهيئة لنقش أو رسم.. فلم أسأل جعفراً
عنها إلى أن نظرت إلى الأعلى، فأدهشني ما جمّل به السقف من مشاهد لفتية، وفتيات، يلهون مرحين في غابات مشرقة شبه منسقة، لونت على طريقة مدرسة " فونتنبلو
"، ترى حرير أثواب الفتيات فيها، رغم قدم الرسوم، لا يزال يعكس نور النهار وكأنه أوشحة حقيقية لصقت على السقف!.. لا بد وأن هذا القصر كان بحيازة قوم يعشقونه..
عجبت لماذا تخلى عنه أصحابه؟.. أحباً في الربح؟.. ضائقة مالية؟.. كيف اهتدى جعفر إليه؟.. كنت أعلم أن جعفراً وأمثاله لا يميلون إلى ما هو من الطراز القديم
أو الكلاسيكي.. كنت مرتاحاً لهذا، أرى دراهمهم لا تمس سوى الجديد والتجاري من الأشياء، بل والقبيح منها في معظم الأحيان!.. لأول مرة، بدأت أحسد جعفراً
وأنا أتجول في أرجاء ذلك القصر!.. هل تنبه إلى فساد ذوق قومه، فأراد بهذا القصر أن يبرهن على ذوق جديد؟..
تابع فراس بصوت حزين..
_عدت إلى الجدران أتفحصها.. إلى أن وجدتني أسأله، مستطلعاً، أمر هذه السطوح المكسوة بالنايلون.. أتعلم ماذا كان جوابه لي؟..
أجبته على الفور..
_لابد وأنهم كانوا يرممون ما عتق من الرسوم القديمة على الجدران..
هز رأسه، وأجابني..
_لم يكن شيئاً من هذا القبيل!.. أجابني جعفر بالحرف الواحد: " آه!.. هذه؟.. كانت صوراً لنساء عاريات.. وحيوانات.. وغير ذلك مما حرمه الدين!.. حاولنا
خلعها عبثاً!.. يظهر أنها رسمت مباشرة على الحائط.. فقشرناها!.. قشرناها بما لدينا من أدوات، فبات منظر الحائط قبيحاً!.. فسترناه بالنايلون الذي تراه!!..
ما رأيك؟!.."
_قشروا " الفريسك " ؟!.. أمعقول هذا؟!..
_أقسم لك بأن هذا هو ما شاهدته بأم عيني وسمعته من جعفر!.. هرعت أستكشف بقية ردهات القصر، فوجدت جميع جدرانها قد لاقت نفس المصير!!.. انتابتني غصة مؤلمة
في حنجرتي .. أقسم لك مرة أخرى أنني كدت أبكي!.. فطنت إلى أمر آخر، فعدت إلى جعفر أسأله ما إذا كانت هنالك تحف أو تماثيل فنية في القصر حين ابتاعوه!..
فأجابني.. " طبعاً، طبعاً!.. كانت هنالك تماثيل وأصنام كثيرة!!.. من الرخام والمعدن والخشب!.. وصور صغيرة الحجم تملأ الجدران ".. فازدادت ضربات قلبي وأنا
أسأله خائفاً، متردداً.. " أين هي؟!.. " فإذ به يقول..
_لقد حطمناها جميعاً، طبعاً!.. وأحرقنا القابل للحرق منها!!..".....
لاريب أنه رأى نظرة غريبة، مروعة، وأنا أسأله في محاولة أخيرة.. " لكن.. إن كنتم لا تريدونها في القصر.. أفلا تعلمون أنها أشياء ذات قيمة بالنسبة لغيركم
من الناس؟!.. لماذا لم تتخلصوا منها بإعطائها لمن يحبها.. أو لماذا لم تطرحوها للبيع؟!.." أتدري بماذا أجابني؟..
_بماذا؟!..
_قال.. " نفرق الحرام على الناس؟!.. ماذا دهاك يا فراس؟.. نبيعها؟!.. ونأخذ بذلك مالاً قذرا ً"!!..
عاد فراس إلى الصمت.. وأغرقت أنا الآخر أقلب ما رواه لي، ساهياً عن كل ما عداه.. ناسياً هدف طلبي للقائه!..
سألته بعد حين..
_هل مكثتم طويلاً في القصر؟..
_لا.. نصف ساعة على الأكثر.. خرجنا بعدها نتنزه في حديقته المنحدرة نحو البحيرة..
ضحك لأمر جال في ذهنه..
_أتعرف ماذا وجدنا في الحديقة؟..
_...؟
_ماعز!!.. استرعى انتباهنا صوتها.. كانت مربوطة إلى الشجرة الوحيدة في الحديقة..
_ماعز؟.. وماذا كانت تفعل ماعز في حديقة ذلك القصر؟..
_سألت جعفراً عنها.. فأجابني بأن الشيخ الكبير، صاحب القصر، لا يثق بحليب الأسواق.. لذلك استحضر هذه الماعز من بلاده كي توفر له الحليب الطازج!..
_القصر إذن ليس ملك جعفر!..
_لا.. بل ملك شيخ بلاده، كنت أنا الآخر في شك من ذلك، حتى علمت أخيراً أن جعفراً، بوصفه من أقوى عائلات تلك البلاد، يشغل لدى الشيخ مكانة الحاجب لدى
الخليفة، ولهذا المنصب أهمية قصوى!.. إذ لا تنفذ مشيئة من مشيئات الشيخ إلا عن طريقه..
تبادرت قطر إلى ذهني، فسألته..
_وقطر الندى؟.. ماذا تم من أمر غرام جعفر المتأجج؟!..
_لاشيء!..
قال ذلك بحدّة، وما عوّدني التكلم عن هذا الموضوع سوى ببساطة ولامبالاة!..
أشاح بوجهه، كأنه يمنعني أن أستوضحه الأمر..
أطرقت أحاول تفسير امتعاضه.. لابد أن هنالك جديداً لم يخبرني عنه!.. أكان هذا هو الدافع وراء تلكئه في مقابلتي؟!..
عجبت لحدته وارتباكه.. أين فراس الذي يضحك من الحب، ويهزأ من القيم!.. أين مقدرته على الخوض في لجج العاطفة دون أن يفقد تجرده في الحكم على تجربته؟!..
كم سمعت منه أقوالاً مثل " ما أسخف غرامي وأوهاه!.. ومع هذا، فأنا غارق فيه، سعيد، أشرب منه حتى الثمالة"!..
ما باله اليوم ينطوي على نفسه، متحفظاً في سره بما يشعر به نحو قطر الندى؟.. أهي عفة منه إزاء هذه العاطفة المفاجئة؟!..
لا أظن!.. فأنا لا أعرف موضوعاً يمكن له إثارة الحرج بيننا!..
لم يبخل عليّ يوماً بتفاصيل علاقة نسائية.. فما باله يكتم مشاعره الآن؟!..
ما الذي يحرقه؟.. أهي علاقة جعفر بها!.. وليس في علاقة جعفر بها قضية غيرة فحسب.. إذ لو كان ذلك هو السبب لحدثني عن هذه الغيرة ببساطة!
لابد أنه أمر أعمق..
أحسست وكأن فراساً يواجه مشكلة جذرية.. مشكلة إعادة تقييم أمور ظنّ أنه فرغ من تقييمها!..
لم أشأ، رغم متانة معرفتي به، أن أتسرع في الحكم..
أحسست بأنني بحاجة إلى المزيد من الأدلة كي لا أخطئ فهمه..
سألته متريثاً.. محاولاً تبسيط الأمور..
_أللأمر علاقة بجعفر؟.. أتقلقك غيرتك منه؟..
_لا.. لاشيء من هذا القبيل..
تبسم، ثم تابع..
_إنها ليست قضية غيرة، أو قلق على نفسي من إحساسي بالغيرة.. إنه شعور ينتابني تجاه ما أحس به من عاطفة نحو قطر الندى..
_لم أفهم بالضبط..
_أعرف أنك لن تتركني وشأني.. اسمع.. لايكفي أن يعلم الإنسان بأن لا قبح هنالك ولا جمال، وأن هذه ليست سوى مفاهيم نسبية!.. لا يكفي أن يعلم المرء أن معرفته
هذه تتيح له أن ينعم بما يريد، ما دام مصغياً في قرارته إلى صوت يذكره دوماً بأن إحساسه بالجمال، أو القبح، وإن كان أكيداً، فإن ما يحرك هذا الإحساس
ليس سوى عوامل نسبية!.. ظننت أن باستطاعتي أن أتوقف عند هذا الحد.. أحب وأكره ما يروق لي، مطلقاً العنان لنفسي فيما تتذوقه، مستنداً إلى معرفتي أصلاً
ببطلان قيم ثابتة للجمال والذوق!.. بكلمة أخرى.. كنت قانعاً بما وضعته من فاصل بين المعرفة والشعور، سعيداً بما حررت به نطاق الشعور عندي من قيود المعرفة!..
سمعت ضربات قلبي تعلو وأنا أستمع إليه يقترب من عالمي..
سألته كابتاً لهفتي..
_والآن؟.. ماذا تبدل في الأمر؟!..
_يتفق للإنسان أن يقف أمام أمر يثير في نفسه فيضاً من الحس الجمالي، فيود لو باستطاعة هذا الحس أن يغلّف معرفته ويحتويها!.. يود لو تكون لما يهزه من
شعور قيمة ثابتة، تقف صلبة، لا تفككها المعرفة، ولا يبطلها العقل!.. قيمة مطلقة يود في قرارته لو أن شعوره، لا عقله، هو الطريق إليها!..
باغتني ما سمعت!.. لم أفهم ما الذي اعتمل في نفسي وأنا أسمعه يردد ما طالما تمنيت سماعه منه!.. فوجئت بما كنت أتطلع إليه.. لم أفهم لماذا كرهت هذا التحول
المفاجئ بدل أن أرحب به!..
لست أدري ما الذي انتابني، لكني وجدت نفسي أقول بلهجة ساخرة..
_أهو الحب.. يا فراس!؟..
تغاضى عن سخريتي.. وأجاب..
_ربما!.. لست أدري..
_لم يخيل لي أن حبك لقطر الندى من القوة بما يدفعك لمراجعة مفاهيمك!..
_وماذا كنت تظنني؟.. حصناً منيعاً من البرود وعدم المبالاة؟!.. فتعجب كيف يوشك هذا الحصن على الانهيار أمام تجربة لا تؤمن بأبعادها؟!..
سألته بدوري مستغرباً..
_أأنا الذي لا يؤمن بالحب يا فراس.. أم أنت..؟!
ثم تابعت مستفسراً..
_.. وتجربتك.. أمن العنف بهذا المكان؟..
_ليس هنالك تجربة عنيفة بحد ذاتها!.. قوة التجربة تعكس قوة صاحبها.. وعنفها يقاس بمقدار عنف توتره الداخلي!.. أن تجربتي مع قطر لم تصل إلى هذا العمق ولن
تصل.. بل إنها على عكس ما تقول تماماً.. فلا عنف هنالك ولا عواطف متأججة! لا ريب في أنني في مأمن من مثل هذه التجارب المستعرة، لانعدام هذه التوترات
الداخلية في نفسي!.. ليس بيني وبين قطر كلمة حب واحدة.. ولا شك عندي أننا لو تبادلنا مثل هذه الكلمات لأغرق كلانا في الضحك مما نقول!.. إن ما أشعر به
نحوها هو مشاركة من نوع آخر..
_أأذكرك يا فراس بقولك.. " إن الحب شهوة طويلة، والشهوة حب قصير"!..
_.. لكني لا أتحدث عن هذا الحب.. أو عن " الحب " إطلاقاً!..
أطرق ساهماً، ثم تابع..
_.. لعل كل إنسان، إذ يحب، يظن أن حبه يختلف عن حب من عداه من الناس.. من يدري.. لعل كل إنسان محق في محاولة الخروج عن تصانيف الحب المعروفة.. لا ريب
أن هنالك من أنواع الحب ما يعادل عدد من يخوضون هذه التجربة من بشر.. ومع ذلك، فإن ما بيني و بين قطرالندى أقرب ما يكون إلى القلة النادرة! ثق أنني لو
حاولت أن أجد ركيزة لعلاقتنا، لأعياني الأمر.. فلا شهوة جنسية عارمة تدفعني نحوها.. ولا حب بالتملك أشعره تجاهها.. ولا إعجاب أعمى أحسه بجمالها!.. سأقول
ما قد يضحك.. لعل علاقتنا لا تستمد قوتها سوى من نقصان جميع هذه العوامل بالذات!!..
سهوت عن كلامه.. أهذا " فراس " الذي يكلمني؟!..
أهذا هو فراس الذي عرفت لسنوات طويلة؟!..
ماالذي يجري بيننا الآن؟ ولماذا أرفض في سري أن يلعب فراس دور المحب؟! ألم أسع في الماضي جاهداً في البحث عن عاطفته؟.. ألست ممن ينادون بربط الشعور بالمعرفة؟!..
أحسست بضيق مفاجئ!..
هل كان فراس حقاً ذلك المارد العقلاني.. وهل كنت حقاً ذلك الإنسان الحائر الذي يرفض عقلانيته الباردة؟!..
جعفر!.. قطر الندى!.. ميساء!.. هلال!.. ودرة.. والبدر وسلاطين وملوك.. وحياة مغامرات ومؤامرات لها أول، وليس لها آخر!!.. أيمكن أن ينشأ حب في مثل هذه
الدوامة؟! أم أن هذه الأحداث نفسها دفعت قطر الندى وفراساً أحدهما إلى الآخر؟!{
images/clip_image