القسم الثاني

6 0 00

القسم الثاني

الفصـل الثـالث

ص61-62

}وجاء يوم خروج السلطان إلى " البرّ " مع إخوته وأولاده والمقربات من محظيات هؤلاء.. " والخروج إلى البر " رحلة إلى البادية لا يقرر مدتها سوى السلطان

وانشراحه. رحلة فيها الصيد والمتعة وزوال الكلفة، والرجوع إلى ما كانت عليه الحياة في تلك البلاد منذ مئات السنين...

لست أدري كيف كان يُعدُ في الماضي لمثل هذه الرحلات، بل لا أظن أصلاً أن أحداً كان يقوم بمثلها، إذ لم تكن هنالك قصور في تلك الأزمان ليجنح ساكنوها عنها

طلباً للهواء الطلق، وهرباً من الكلفة.. لعلها لم تكن في الأصل سوى رحلات للصيد، طوّرها السلطان الراحل، فآلت إلى ما هي عليه اليوم من مجال للتباري والتبجح

بما يعدّ لها الأمراء من وسائل اللهو والراحة...

خلاصة القول، جاء موعد الرحيل، فتحركت سيارة السلطان، يتبعها سيل من سيارات الأمراء، بينها ما طليت أجزاؤها بالذهب، وتتبع هذه ناقلات أعدت بالهواء المكيف،

ومن ورائها، شاحنات تحمل المؤونة، وأخرى تحمل المتاع والخيل!..

ما إن وصل الركب إلى الواحة المقصودة، حتى ضربت مئات الخيام الرائعة ونثرت بينها، على الرمال، المئات من بديع الطنافس الفارسية، والصينية، طبقات فوق طبقات،

ثم أسرجت أجمل ما يمكن أن تقع عليه العين من خيل عربية أصيلة، فانطلق من الفرسان عليها الذين أرادوا صيد الغزال، متنكبين بنادق منقوشة بالذهب.. واعتلى

صهواتها من خرجوا لصيد الدرّج، حاملين صقورهم المدربة على أذرعتهم المكسوة بالجلد، تتدلى من خواصرهم سيوفهم المرصعة بالأحجار الكريمة...

لست أدري من أية طينة جبل رجال ذلك العالم ونساؤه!.. ولا أدري ما يحركهم أو كيف يشعر هؤلاء الذين يعيشون تلك الأجواء بواقعهم، إنما أعلم أمراً أكيداً،

وهو أن مضرب هلال لم يكن بعيداً عن مضرب أخيه السلطان، وإن هلالاً، رغم عشرات العيون المحدقات به، تباطأ بعد خروج أخيه للصيد، حتى رأى محظيته " أم جوهر

" تطل من مضربها مكشوفة الوجه!..

كانت هذه أول مرة يلتقيان بها، وجهاً لوجه!..

أعلم علم اليقين أن هلالاً حدجها بنظرة سائلة، ردتها إليه، بغفلة عن رهطها، بمثل ما أتته تلك النظرة من لهفة وإصرار!..

وأعلم أن هلالاً كرر رشق النظرات، وأن أم جوهر كررت ردها بدلال وتحد، حتى اعتلى هلال فرسه، وانطلق نحوها!..

أخبّ فرسه نحو مضرب أخيه، وإذ باتت على بعد أمتار منه، جمحت، فتطاير رهط أم جوهر عنها!.. إلا هي!.. وقفت ثابتة في وجهه، تكاد تتلقى حوافر الفرس على صدرها!..

مال هلال نحوها، كمن يود إصلاح سرجه، ثم همس لها وهو يطير بفرسه من أمامها.. " هذه الليلة.. وراء الكثيب..." !!..

وفي ذلك الليل، ورغم السيوف والبنادق المتأهبة، ورغم احتمال الموت بالرجم، خرجت أم جوهر متسترة مع وصيفتها الحارسة، وعلى مشهد منها، ذاب الإثنان دون أن

ينبس أحدهما بكلمة، كعاشقين ملوّعين، وطوى ذلك الليل ما تبادلاه من نار ووجد{.

* * *

ص63-66

عادت قطرالندى من البر وهي تعلم في قرارتها أن أمراً أفقدها هلالاً !..أحست بأن لها غريمة لا تعرفها، فباتت لا تستعرض في حديثها مع فراس سوى الدلائل التي

تزيد في إدانة هلال، والقرائن التي غدا لاهم لها سوى جمعها لاكتشاف هوية غريمتها!..

ويصدف أن تجتمع المرأتان في دار فراس، فلا تلبث قطر الندى أن تذهب، حتى توافيه سعاد، لهفة بآخر التطورات، أو يسبق مجيء سعاد قدوم قطرالندى، فيخفي فراس

حزنه وحرجه على صديقته، ويحار في كيفية نصحها وإزالة شكوكها... إلى أن كان يوم أطلعته فيه سعاد، وهي تكاد ترتجف من شدة الانفعال، أن هلالاً بات يدخل حريم

أخيه متخفياً، وأنها قامت بنفسها بحراسة الباب على خلوتهما!..

صعق فراس لما سمعه!.. لقد تعود سماع الأشياء الكثيرة، من مغامرات الأمراء، وملاحقة الأميرات للوسماء من شباب العاصمة، لكن، أن يغزو هلال أخاه السلطان..

في عقر داره!.. وأن لا ينشد من مئات نساء حريم أخيه غير محظيته الأولى!.. فهذا تجرؤ يقارب الجنون!!..

سأل سعاد..

_هل جنّت أم جوهر يا سعاد؟.. ألا تهاب السلطان؟.. ألا تخاف أن يفتضح أمرها؟..ألا يكفيها ما حولها من عبيد؟.. ماذا تجد في هلال حتى تركب جميع هذه المخاطر

لمضاجعته؟..

مالت سعاد برأسها إلى الوراء مقهقهةً..

_أم جوهر إفريقية الأصل يا عزيزي... تحب كل ما هو ضخم وأبيض!.. هلال ذو قامة فارعة!.. وعينان سوداوان كبيرتان!.. وفم كبير!.. ويدان كبيرتان!..

ثم تابعت وهي تمسح دموع الضحك من عينيها...

_... وكل ما فيه كبير!!..

هدأ ضحكها وقالت..

_ثم إن السلطان لاهٍ عنها بأمور أخرى!..

سخر فراس في نفسه من قولها، فقال..

_ألا تخاف إذن أن تعلم قطر الندى بالأمر فتخبر السلطان بذلك!..

ابتسمت سعاد بهزء وتحدّ!..

_أم جوهر تخاف قطر الندى؟!.. ثق أن قطر الندى لو علمت بالأمر فإنها لن تجرؤ على تحريك ساكن!.. ألم تخبرك، وهي التي لاتخفي شيئاً عنك، أنها هي الأخرى لم

تضع وقتها سدى في البر؟.. ألم تطلعك على الذي بينها وبين " هداف " شقيق هلال من أمه وأبيه؟..

لا، لم تخبره قطر الندى بذلك.. وتقلص في أحشائه إحساس غريب!..

أيمكن أن يكون ذلك صحيحاً؟..

لو كانت قضية مزاح لأطلعته عليها!.. لماذا لم تخبره إذن؟.. أيمكن أن تكون جادة بذلك؟..

كره اضطرابه، وأزعجه أن مشاكل قطر الندى قد بدأت تستثير أوتاراً حساسة في نفسه.. لماذا يهتم بالأمر؟.. وما علاقته هو بها؟.. ما علاقته بهؤلاء الأشخاص

جميعاً؟..

جاءه صوت سعاد ملحاً..

_هه.. فراس!.. هل تدري أن السلطان كاد يلتقي به وجهاً لوجه في أحد أروقة القصر؟..

_بمن؟..

_بهلال!!..

فغر فاه فراس، واتسعت عيناه من الدهشة. طمأنته سعاد..

_لاتضطرب يا عزيزي، فالسلطان أولاً ضعيف النظر.. لا يصل بصره لأبعد من متر واحد!.. ثم.. مالك تنسى؟.. ألم أذكر لك أنه مشغول بقضية أخرى تقضّ مضجعه؟..

لقد ضبط شاباً كان يدخل إلى الحريم، وبعد الضرب والاستجواب، أقر بأنه على علاقة باثنتين من نسائه!..

_وكيف يدخل الشاب القصر، ويتخطى حراسه وحراس الحريم، رغم بنادقهم وسيوفهم؟..

_كان يدخل بسيارة إحداهن في وضح النهار، متخفياً بزي امرأة، فيقضي الليل في مخدعها، ثم يخرج في صباح اليوم التالي بنفس الزي، في سيارة الأخرى!..

_وماذا كانت ردة فعل السلطان؟.. هل قتلهم؟..

عادت سعاد إلى الضحك..

_السلطان رؤوف يافراس، ولم يعرف عنه يوماً أنه أمر بقطع رأس أحد!!.. لا، لقد اكتفى بجلد المرأتين، بعد جز شعرهما، ثم ألقى بهما في سجن القصر...

_ والشاب؟..

_نقل بعد اعترافه على الفور إلى سيارة، أوغلت به مئات الأميال في قلب البادية، ثم عادت، تاركة إياه تحت لظى شمسها المحرقة، دون قوت أو ماء، ليلقى هناك

العقاب الذي تختاره له السماء!!..

بهت فراس!.. لم يستطع إلا أن يسأل نفسه عن واقع ذلك الشاب، وما دفع به إلى مثل هذا الجنون!..

تذكر أم جوهر، فعاد يسأل سعاداً..

_لاريب أن أم جوهر علمت بهذا الأمر!.. ألم تنذرها تلك الحادثة بما قد ينوبها من جراء ما تفعل؟..

_جميع من في القصر على علم بما جرى!..

تنهدت.. ثم تابعت..

_أم جوهر ساهية.. تقضّ مضجعها غيرة تنهش كبدها!..

دارت رأس فراس لما سمع..

_غيرة؟.. وممن تغار؟.. ألم تقولي إنها غارقة في حب هلال؟..

_غيرتها من إحدى جواريه!!.. جارية قديمة أعتقها وأهداها ﻟ " مبروك " عبده ومربيه.. فهام مبروك حباً بها.. فتزوجها! يظهر أن هلالاً استعاد ذكرى ساعات حلوة

قضاها معها، فطلب استعادتها من مبروك !.. لكن هذا رفض أن يعيدها إلى سيده !.. وإزاء هذا الرفض، أبعده هلال في مهمة، عاد منها مبكراً، وإذ دخل داره على

غير انتظار، وجد زوجته عارية بين ذراعي أميره وربيبه!!..

_وبعد..؟!

_أصابت مبروك نوبة من الصياح والعويل أزعجت هلالاً، فلما عجز عن تهدئته، لم يجد طريقة غير مسدسه لإسكاته به.. فقتله!!..

_لابد أن غيظاً كبيراً قد اجتاحه ليطلق الرصاص على من رباه!!..

_بل لم ينتبْه الغضب قط .. هلال لا يمكن له أن يغضب من أحد عبيده !.. قلت لك.. إنه أراد " إسكاته " فقط !.. وكان المسدس قربه.. فاستعمله!!..

images/clip_image

القسم الثانيالفـصل الـرابع

ص74-78

ازداد الحديث عن ميساء، حتى سرى شعور بأن لقدومها معنى، ولوصولها في ذلك الموعد هدف..

جاء من يسأل فراساً يوماً عن صحة ما يقال بأن ميساء على صلة بأمير من غير هذه البلاد!.. فعجب لذلك، لعلمه أن المطلعين على هذه الصلة قلائل، وأن ميساء،

رغم صداقتهما، لم تطلعه عليها إلا بعد مقدمات طويلة ورجاء حار بأن لا ينوه عنها لأحد!..

ترى من الذي أذاع الخبر؟..

أيمكن أن تكون ميساء هي التي طيرته ليسبقها إلى العاصمة؟..

لئن كان ذلك صحيحاً.. فماذا تهدف من وراء ذلك؟..

سرعان ما أتى اليوم الموعود، وتحرك المستقبلون نحو المطار.

ما إن حطت الطائرة حتى تقدمت السيارات نحوها تتلقف ميساء التي بدت على السلم، وشعرها الذهبي الطويل يتطاير مع الهواء، كأسطورة نسجها خيال الغرب من أغصان

أدغاله، فتاهت، وحطت على هذه الرمال المحرقة، لتحدثها عن سحر الشمال!..

عاد الركب أدراجه.. وقبل أن تتفرق جموع المستقبلين، نظر فراس للمرة الأخيرة، عبر مرآة السيارة، إلى " درة " التي كانت تطوق ميساء بذراعها، وصفعه ما جمع

بين بياض بشرة هذه وسمرة تلك، بين بريق شعرهذه وفحمة سواد تلك، وما قرّب بين جسد ميساء الصغير الغض، ومنكبي درة العريضين وقامتها الممشوقة القاسية!..

تمنى في سره لو أن درة تزيح ذراعها تلك الطويلة التي طوقت بها كتفي صديقتها!.. وبدت له تلك الذراع كأداة لقدر لن يترفق بأحد!..

استأثرت درة بالأختين..

مضت أيام دون أن يراهما، فخيم على حياته سكون غريب.. ازداد يقينه بأن هنالك ما يدبر في الخفاء، ثم ما لبث أن تيقن أنه كان محقاً في توجسه، إذ، جاءت إليه

ميساء وقطر الندى يوماً، وهما على عجلة من أمرهما، تدعوانه إلى مرافقتهما في رحلة إلى المدينة الثانية في تلك البلاد، قالتا إن الأميرة درة دعتهما إليها..

كانت درة في سيارتها تصيح لهما بالإسراع.. فراحتا تستحثانه على القبول. عجب لهذه الدعوة المفاجأة.. وامتعض لوقوفهما أمام الباب..

_ما لكما لا تدخلان الدار؟!..

_ألا ترى كيف تصيح وتؤشر لنا بالإسراع؟!..

تمالك فراس نفسه، وأجاب..

_وماذا نفعل في المدينة؟..

_نلهو.. وتنفسح!..

_وما شأني أنا معكم في بلد لا أعرف فيه أحداً؟.. لابد وأنكن ستستقلن إحدى طائرات السلطان الخاصة.. كيف سأبدو في ركب من الأميرات وصحبهن، في طائرة ليس

فيها أحد من الرجال غيري؟..

_لاعليك يا فراس.. بل إن هذه الرحلة لا يمكن أن تتم دونك!.. فهلال لم يسمح لنا بالسفر وحيدات.. إنه يأتمنك ويثق بك.. فما أن قلنا له إننا سنطلب منك ومن

زوجتك الذهاب معنا حتى وافق!..

تردد طويلاً.. وفي النهاية لم يجد حلاً إزاء إلحاحهما غير القبول..

_ومتى سيكون السفر؟..

_بعد غد..

أتى بعد الغد، وجلس فراس في الطائرة ينظر إلى هرج ومرج لم يتوقعه.. سمع درة، وقد تناولت كأسين أو ثلاثاً من المسكرات، تبعثر النكات الجنسية يميناً ويساراً!..

تُفرغ زجاجات العطر على رؤوس من حولها، ثم تهدد من تتذمر منهن بخنجر استلته من حزامها، فتقهقه ضاحكة لنظرات الرعب على وجوههن، حتى تكاد تقع على الأرض!!..

لم يفهم نظراتها الحمر الوخازة!..

تملكه عجب شديد.. ولولا يقينه بأنها ليست مولعة بالرجال، لظن أن بعض هذه النكات المليئة بالمعاني كان موجهاً إليه!..

وتلا ذلك تنقل في المدينة بين البيوت لم يكن فراس يدري عن أصحابها شيئاً.. اضطر إلى مرافقة صديقتيه ودرة لبعض المقابلات بجو من الكتمان لم يفهم له معنى!..

أخافه هذا التكتم والغموض!.. ولما استفحل الأمر، حين وصل إلى مسامعه أن هنالك من يراقب جميع حركاتهم وسكناتهم، خاف أن يجري السيل من تحت أقدامه، أو أن

تصل أخبارهم إلى مسامع هلال أو السلطان، فتبرم من ذلك الوضع، وأصرّ على أن يحاط علماً بما يدور حوله، أو أن يسمح له بالعودة إلى العاصمة في أقرب وقت!..

ترددت ميساء، لكن قطر الندى آثرت أن توضح له ما خفي عليه، فما أن خرجت ميساء إلى نزهة مع درة حتى كاشفته بأن درة تسعى إلى زواج ميساء من الأمير " البدر

" أحب إخوتها إليها، وأقربهم إلى أبيهم السلطان!..

ذهل في البدء لما سمع..

_وأميرها الآخر؟.. علاقة سنين!..

ضحكت قطر، وقالت..

_وما شأني أنا.. لعلها نسيته!..

استرجع هدوءه وسألها..

_لو كان هذا هو كل ما في الأمر... فعلام التكتم والتستر..؟

_لأن هلالاً وبعضاً من إخوته على خلاف مع أخيهم السلطان!.. يقال إن هنالك بوادر حركة تمرد ضده في العائلة الحاكمة، وأن السلطان يتهم أخاه هلالاً علناً

بتدبيرها، لذلك، لا يمكن أن يوافق هلال على زواج ميساء من ابن أخيه البدر، وهو على حال الخصام هذا مع اخيه السلطان!..

_وماذا سيفعل لو علم بما يجري هنا، ودري بما تقومين به مع درة من تهيئة الأمور لهذا الزواج؟..

ضحكت دون أن تخفي وجلاً تراءى في عينيها..

_لو علم بذلك لكانت الطامة الكبرى، ولصب جام غضبه على رأسي!!..

_ويحك يا قطر!.. مالك ومثل هذه المحاذير ترمين نفسك وقدرك فيها..؟ أتعجبين بعد هذا من هلال إن استشاط غضباً منك؟.. مالك تسعين وراء أمور لا ناقة لك فيها

ولا جمل؟.. أمور تعلمين أنها تسيء إلى زوجك؟..

بدت على وجهها دهشة مصطنعة..

_إنها أختي يا فراس!!.. وهل من أخت لا تريد لأختها زوجاً يحميها ويرعاها؟.. أفلا ترى كيف تسعى درة، بدافع الصداقة، وراء سعادة ميساء؟.. فكيف تطلب مني،

أنا أختها، ألا أحرك ساكناً في هذا السبيل؟!!.

نظر إليها بتمعن..

_هل أنت حقاً عارفة بما تسعى إليه درة من وراء هذا الزواج؟!.. ألا تدرين أن درة إنما تسعى لإبقاء ميساء في هذا البلد!!.. ألا تدرين أنها لا تحلم إلا

بسعادة نفسها؟!..

تباطأت قطر الندى..

_ ربما كان هذا صحيحاً!.. لكن هذا شأنها، وما ضير ميساء من ذلك؟.. ليس هناك أيسر عليها من وضع الحدود، بينها وبين درة بعد الزواج!.. أنت تعلم أن ميساء

أكثر من قادرة على ذلك!!..

_لنفترض أنها قادرة على ذلك، وأنها لاتأبه بأذى قد يحيقه بها آنئذٍ غضب درة، وخيبة أملها.. فمالك يا قطر تسعين وراء قدر لميساء، لطالما تململت أنت منه؟..

هل أنت على هذه السعادة الكبرى مع هلال في هذه البيئة كي تشجعي ميساء على زواج مماثل لزواجك؟..

كان فراس يناقش قطر الندى ظاناً أن الأمور لازالت في بدايتها!.. كيف كان له أن يدري بأن ميساء إنما جاءت لتتم هذه الخطوة، لا لكي تبدأها!..

وكيف له أن يعلم، وهو على صداقته المبكرة معها، بمقدرتها الهائلة على التخطيط للأحداث بجلد ومثابرة وتصميم على بلوغ أهدافها، غير عابئة بما قد يقف دون

أربها، إنساناً كان ما يعيقها أو مبدأ؟..

كيف يمكن لأي إنسان ينظر إلى عينيها الوادعتين، وابتسامتها الحلوة المشرقة، أن يتنسم رائحة ذلك الذكاء اللامع المشوب بالمكر، وراء هذا القناع الغض الجميل؟!..

images/clip_image

القســم الثـانـي الفصل الخامس

نظرت ميساء إلى مرآتها منذ سنوات، وكانت في حيرة من أمر زواجها، فرأت وجهاً جميلاً تتقد فيه عيناها اللتان لم يسبر غورهما إنسان بعد، واللتان تفتحتا منذ

حداثتها على آفاق وأحلام، لئن كان بُعدها عن الواقع يخيفها أحياناً، فإن هذه الأحلام كانت أنيسة وحدتها ورفيقة وسادتها حتى يومها هذا!..

أن تصبح يوماً أميرة، كان أمراً أدرجته على فهرس آمالها، وتوسمت فيه غاية المجد في الماضي!.. لكن، هاهي أختها تزف إلى أمير، ورغم أن أحداً لم يدر آنذاك

ما سيصير إليه هذا الزواج من خلل، فميساء أدركت، منذ اللحظة الأولى، أن الإمارة التي كانت تنشدها لايمكن أن يحققها لها أمثال هلال!.. فجدائلها الذهبية،

لم تنمُ لتذبل تحت وطأة شمس الصحراء المحرقة!.. وثقافتها، لم تجهد أيامها في إتمامها، لترميها فوق الرمال المحرقة!..

وخبا لمعان اللقب في ذهنها فجأة، ليفسح لبريق لقب آخر، أسطع منه وأعظم!..

لماذا لا تصبح ميساء ملكة؟!..

أمجنونة هي؟.. لا!.. ما أتفه الناس!..

"ألا تبدأ الرحلة إلى الصين بخطوة"؟..

"ألا تبدأ كل الرحلات، طويلة كانت أم قصيرة، بخطوة"؟..

"لماذا يخاف الناس التعب سلفاً، فلا يضعون نصب أعينهم سوى القريب من الأهداف"؟..

"ومن يبلغ المجد سوى الذي يجرؤ على سلوك طريقه"؟..

نظرت إلى مرآتها ملياً..

وسألتها كما في الأسطورة.. "من أجمل مني من فتيات الشرق، ومن منهن أهيف"؟..

أجابتها عيناها الزرقاوان المطلتان من المرآة.. "لا أحد"!..

سألت مرآتها.. "ومن لها أنسب من عائلتي مقاماً، وأكرم عزة"؟..

فأجابتها العينان المبتسمتان.. "لا أحد"!..

أخذت المرآة بيدها الأخرى، ورنت إليها.. "ومن أحق مني، من دون فتيات الشرق بالملك، وأجدر"؟..

ومرة أخرى أجابت المرآة "لا أحد"!..

ومن دول الشرق جميعاً، أعدّت ميساء لائحة للدول التي يحكمها ملك.. ومن هؤلاء الملوك، انتقت من لهم أولياء عهد فقط!..

ومن أولياء عهد الشرق جميعاً، انتقت من لم يتزوج منهم بعد!..

ومن بين اثنين من هؤلاء، قارنت بين شهرة هذا وذاك، وبين ما يعرف عن ثقافة هذا وذاك، وقع اختيارها على أحدهما، واسمه "حسان"، علمت أن كبرى شقيقاته تتم

دراستها في باريس، فأزمعت السفر إليها بأقرب وقت!..

لم يكن تنفيذ هذا القرار بالأمر الهين، إذ كان عليها لذلك أن تحصل على موافقة والدة بليدة يرشح البخل من أذيالها!..

حشدت لمساعدتها على إقناع والدتها جميع الأهل والأصدقاء.. ولما لم يُجدﹺهذا، توعدت وهددت بارتكاب أبشع المعاصي وأشنعها، ثم بدأت بتنفيذ وعيدها فعلاً،

فما أن شعرت والدتها بذلك، وأحست أن الفضيحة باتت على الأبواب، حتى لان عنادها وقبلت بتخصيص ما يلزم لها من مال للدراسة!..

ولم تمض أسابيع قليلة، حتى كانت ميساء في باريس، ملتحقة بأحد معاهد الفنون، تسكن نفس دار الطالبات التي تؤمها نائلة، أخت الأمير حسان!.. ولم يكن صعباً

عليها أن تثير اهتمام نائلة، تلك الفتاة التي كانت رغم قوة شكيمتها وتحررها تعاني من وحدة قاتلة، سببها نقص في أنوثتها، وفيض من تصرفات تحاكي تصرفات الرجال!..

سرعان ما نشأت بين الفتاتين علاقة تسارعت الأميرة في الانزلاق إليها!..

لعل نائلة أدركت خطورة ما هي مقبلة عليه، لذلك أحجمت عن كل ما يمكن أن يكشف لميساء عن كنه شعورها نحوها!..

لعلها أحست بأن ميساء، رغم تسامحها الظاهري، لم تكن تميل في قرارتها إلى مثل هذه العلاقات، فزاد ذلك من حذرها!..

لكن، سرعان ما غلبتها الدهشة حين بدأت تستشم من ميساء تصرفات تشجعها على المزيد من الاندفاع إلى مثل هذه المغامرة!.. تصرفات، بدت كمن تقول لنائلة.. "لك

أن تشعري نحوي بما تشائين.. لكن هذا لا يلزمني نحوك بأي التزام"!..

تألمت نائلة بصمت، أحست أن هذه الشقراء اللعوب تريد العبث بقلبها!.. لماذا؟.. أي هدف تنشده؟!..

ما كان على نائلة أن تذكّر نفسها بأنها ابنة أعرق حكام أمتها قاطبة!.. فكل ما فيها يصرخ بالأنفة وعراقة المنبت!.. فلا غرابة إن جاء حزنها كالصخر، وإن

سالت دموعها على وسادتها، بين ليلة وأخرى، باردة كالثلج..

وكان يوم ثار الشرق فيه لإهانة صدرت عن دولة مستعمرة لحقت بوالد نائلة.. فكانت هذه، لميساء فرصة عرفت كيف تستغلها خير استغلال!..

حرضت على الفور جميع الطلبة الشرقيين على الخروج بتظاهرة سياسية احتجاجاً على هذه الإهانة، ومناصرة للباي الوطني!..

وقبيل الموعد المقرر، أعلمت عدداً من الصحفيين الفرنسيين عن موعد خروجها.. فهرعوا ليلتقطوا صوراً ﻟ " ابنة الزعيم الشرقي " تترأس جمهرة الشباب، حاملة

على صدرها صورة الباي الوطني!..

كان لتلك المظاهرة الوقع المطلوب في النفوس، ونشرت صحف باريس هذه الصور على صفحاتها الأولى!!..

وفي المساء، أقبلت نائلة نحوها والسرور يفعم قلبها..

_لقد تأثر والدي جداً حين علم بخبر التظاهرة ياميساء!.. أخبرني بذلك على الهاتف اليوم!.. كان بوده لو يشكر لك بنفسه مشقة ما قمت به!.. و.. أتعلمين أنه

كان يعرف والدك المرحوم؟..

ترقبت ميساء أن تكمل نائلة حديثها، لكن هذه جلست تطالع إحدى المجلات..

حنقت ميساء!.. أحست أن على الناس أن يهرعوا حشوداً إليها، لتهنئتها على ما قامت به!.. أرادت من نائلة، ولو كلمة واحدة، عن هذا الذي أتت باريس من أجله،

وقامت بهذه التظاهرة ليسمع باسمها!.. فما لأخته هذه لا تنبس عنه ببنت شفة؟!.. وترقبت أشياء وأشياء من نائلة، مالها في كل مرة تراوغها لتفلت منها، أو تسبقها،

فتقطع عليها الطريق بحيلة ما!..

ترى هل أدركت نائلة حقيقة ما تسعى إليه؟..

هل شعرت بحدسها وحنكتها بما يجول في خاطرها؟..

لكن، كيف يمكن ذلك وهي لم تتلفظ يوماً باسم حسان أمامها؟..

لعل صمتها بالذات، وتجاهلها لحسان، هما اللذان جعلا نائلة تفطن إلى أن هنالك سراً في الأمر!..

أحست بأن عليها أن تقوم بشيء ما!..

كان عليها أن تحاول قطف ثمار صداقتها في هذه اللحظة بالذات..

جمعت شجاعتها، وسألت نائلة بكل ما أوتيت من عدم مبالاة..

_ألا يأتي أحد من إخوتك لزيارتك؟..

أجابتها نائلة، دون أن ترفع ناظريها عما تقرؤه..

_بل سيأتي أخواي معاً.. غداً في الساعة العاشرة صباحاً..

_... !..

لن يعلم أحد كيف مرّ الليل على ميساء!..

لن يعلم أحد ما دار في مخيلتها، وما هيأته للغد من ألوف الردود والأوضاع والنظرات!..

غداً سيأتي!.. غداً ستراه بلحمه ودمه، وستعلم غداً بحدسها ما إذا كانت ستتربع يوماُ على عرش أم لا!!..

لم تستيقظ ميساء كأية فتاة أخرى في هذه الحال منذ أولى ساعات الفجر، لتذرع الغرفة جيئة وذهاباً!..

نامت ملء جفنيها، ثم قامت قبيل الموعد، بعد أن أراحت بشرة وجهها، فأتمت زينتها، وجلست تنتظر تتابع الأحداث..

لم تكن نائلة قد أوضحت لها ما إذا كانت ستقوم بتعريفها على أخويها أم لا.. لابأس، هناك مئات الطرق لرؤيتهما.. سيضطران للمرور أمام غرفتها، كي يصلا إلى

غرفة نائلة.. أو سينتظران نائلة في البهو..

لابأس، على الحالين متسع طويل من الوقت لتتدبر أمورها..

ماذا؟.. لئن أحوجها الأمر فبإمكانها أن تصرخ مستنجدة، مدعية حلول بلاء ما عليها!..

لاعليها!.. لاعليها!..

نظرت إلى ساعتها.. لم يفت على موعدهما سوى القليل!.. سوى عشر دقائق!.. الوقت يمر!.. سوى ساعة.. لا .. لن تقوم بالخطوة الأولى بعد!.. لن تتعجل الأمور!..

هنالك متسع من الوقت..

وفجأة قرع بابها!..

وقفت.. لم تهرع إلى الباب، بل أصلحت ثوبها.. تمهلت قليلاً.. نظرت إلى وجهها في المرآة.. لامست خصلات شعرها.. بللت شفتيها بلسانها، وزمتهما إلى الأمام،

ثم اتجهت نحو الباب ففتحته..

نظرت خلف نائلة، فرأت شابين.. أحدهما يحمل بيديه باقة هائلة من الورود الحمر!.. لابد أنه ولي العهد! ومن خلفه، وقف شاب طويل.. أخوه الأصغر..

بدا ولي العهد أقصر مما تصورته وأقبح!.. لكن عينيه!.. أدركت من اللحظة الأولى أن في عينيه بريق ذكاء غير اعتيادي!.. أما أخوه.. فطويل ممشوق، أسمر! يالله..

ليته ولي العهد!..

_أخي حسان، ولي العهد.. وهذا أخي الأصغر مراد..

قاطعها ولي العهد..

_جئنا نشكرك يا آنسة.. أرجو ألا نكون قد أعقناك عن عمل ما؟..

أجابته على الفور..

_على العكس!.. على العكس!.. ما أجمل هذه الورود!!.. كنت على وشك الخروج إلى نزهة في الحديقة المقابلة..

ضحك ولي العهد مازحاً..

_في "اللوكسمبورغ" ؟.. إذن لابد أنك على موعد مع رفيق لك!..

نفت ميساء بدلال..

_رفيق لي؟.. ليس عندي رفيق!.. أخرج دوماً إلى النزهة وحدي..

تبسم الأمير..

_فتاة لها مثل مالك من الجمال.. تخرج وحدها في باريس؟.. بئس الشبان!!..

ضحكت ميساء..

_بل بئس نفسي التي لم تجد بعد شاباً يثير اهتمامها!.. بئس الشرق وما علّمنا من تحفظ!..

_لامانع لديك إذن أن نخرج سوية للنزهة؟..

_بل ليس أحب على نفسي من أن أكون برفقة شابين مثلكما.. من ملتي وبلادي!..

قاطعها ولي العهد مبتسماً..

_هل وصلت حدود قوميتك المتدفقة إلى بلادنا؟..

_بلادكم؟.. ألم تكن في غابر الأيام بلادي!.. نحن عائلة واحدة.. متشعبة الأطراف..! أليس جميلاً أن تلملم العائلة أطرافها؟!..

_يتوقف ذلك على من سيكون رب العائلة!..

ضحك الجميع وهم يخرجون من بهو البناء ويتجهون نحو السيارات الملكية..

وجه ولي العهد أمره إلى السائق..

_أوصلني إلى الفندق أولاً، ثم إلى حيث يأمرك الأمير مراد!..

ماذا؟!.. سيذهب حسان عنها؟!..

أحست ميساء بأحشائها تهبط إلى قاع جسدها، تمالكت نفسها، وسألته بشيء من الحيرة لم تستطع إخفاءها..

_ظننت أننا سنكون معاً!..

_ليس ما يسعدني أكثر من ذلك.. لكن.. لدي ارتباط سابق..

وبادرت نائلة للهمس في أذنها..

_إنه حب قديم.. فتاة لا يزال على حبها منذ خمس سنوات!.. حب لاأقوى.. ولاأمتن!..

أحست ميساء بالوهن يجري في عروقها!..

تقول ميساء.. أو هكذا قالت لفراس على الأقل، إنها بدأت تسترعي انتباه الأمير مراد منذ أن نظر إليها ملياً، وهي ملقية برأسها على مقعد السيارة مغمضة العينين،

وجدائلها الذهبية تتلوى فوق مخمله النبيذي!..

واليوم، وبعد أن اكتشف من دهائها ما اكتشف، بات فراس لايدري هل كان ذلك الرأس الجميل، في تلك النزهة، يتقبل حقاً اهتماماً عفوياً من مراد، أم إنه كان

يجهز خطة جديدة للإيقاع به!.. خطة حاكها وهو في غمرة أنينه من فشله في الحصول على التاج!!..

وسيان لدى القدر أكان الأمر هذا أم ذاك!..

فميساء لم تترك مراداً في ذلك اليوم إلا وهي على موعد معه في لقاء آخر!.. موعد.. تلته مواعيد!..

ومواعيد تلتها رسائل، وثقت عرى علاقة مبهمة بين أمير عابث، من سلالة مالكة يرجع تاريخ أول حكم منها إلى مئات السنين، وفتاة دفنت أعز آمالها حين فقدت عرش

أخيه.. فتعلقت بأذياله هو، كغريق يتعلق بآخر قارب نجاة!..

* * *

أنهت ميساء دراستها، ولم يتقدم مراد طالبا يدها للزواج!.. عادت إلى وطنها دون أن تظفر حتى بوعد بالخطوبة!.. لقد اختارت أن تسلك مع مراد طريق الحب الأعمى

عن كل نتيجة مسبقة!.. فمراد من النوع الذي لا يؤخذ بغيرطريق قلبه.. فأعطته قلبها، أو هكذا ادعت أمامه، ودون أن تطالبه بشيء مقابل ذلك!.. فأخذت بلعبتها...

ووجدت نفسها بعيدة عنه في وطنها، مربوطة به، غير قادرة على أن تستحثه للزواج منها.

أكثرت من رسائلها ثم قللت، ولم يغير ذلك شيئاً حتى في مواعيد رسائله إليها!..

كانت كتبه تصلها مرة كل ثلاثة أسابيع، سواء أأغرقته برسائلها أم توقفت عن الكتابة!..

حارت من أمرها وتعثرت..

ماذا ينوي بشأنها؟!.. ماذا يعني موقفه هذا؟!.. لو أنه لايهتم بها لما راسلها على الإطلاق..!..

لعله لا يريد الزواج بها إلا حين يروق له ذلك!.. ولايمكن أن يعني هذا سوى الانتظار سنوات أخرى ريثما يمل اللهو، أو حين يجبره والده على الركون إلى الحياة

العائلية!..

ماذا يمكنها أن تفعل؟..

أتنتظره، وقد بلغت التاسعة والعشرين من عمرها؟..

لقد أخفت عن مراد أنها تكبره بثلاث سنوات!.. فهل يمكنها الانتظار سنين أخرى!؟..

لئن أقسرت نفسها على ذلك، فهل تصمد بشرتها أمام هذا الانتظار؟!..

لا.. وألف لا!!..

عليها أن تفتح جبهة أخرى.. عليها أن تسعى لتهيئة زوج آخر!.. من الذي يضمن لها أن مراداً سيظل على عهده بعد سنين!..

أسرّت لقطر الندى عن مخاوفها، وكانت هذه تستعد للسفر إلى بلاد هلال قبل أن تبتدئ رحلة شهر العسل..

سرت قطر الندى لفكرة ومضت في رأسها..

_تعالي معنا!.. سنمكث في العاصمة أسبوعاً على أكثر تقدير!.. وسيتاح لك التعرف إلى جميع أفراد العائلة المالكة هناك.. ما رأيك؟!..

لمعت عينا ميساء.. يالها من مناسبة!..

ستظهر ميساء أمام هؤلاء الأمراء لا كطالبة زواج، بل كقريبة لهم، كسائحة أتت من الغرب لتتفقد أمورهم من عليائها!!.. نسيبة لأقوى إخوتهم!..

وفي الحفل الذي ضم معظم الأسرة المالكة..

ومن بين جموع المعجبين الذين توافدوا للإحاطة بها..

لم يسترع انتباه ميساء سوى عينين سوداوين جائعتين..

عينا درة.. ابنة السلطان، وأشرس بناته!..

ستفتح لها هاتان العينان الأبواب..

ستجدان لها الطُعم الذي تنشده كي تستدرج مراداً.. وإن ثابر هذا على إهمالها، فلن ترحمهما، حتى توصلاها إلى أمنع أفراد أسرتها.. إلى البدر.. أقوى أبناء

السلطان وأحبهم إلى نفسه!..

ألم تتناقل الشائعات بأن السلطان يسعى إلى توليته الملك من بعده؟.

images/clip_image

القسـم الثـالث الفصـل الأول

ص100-103

{مرة من مئات المرات، استقل فراس سيارته متجهاً نحو قصر قطر الندى..

مرّ في طريقه إليه بقصر آخر، قصر والد الأختين المهجور.. مثل آخر لما يخطط له الإنسان من آمال وأحلام كبيرة، فيقصم القدر ظهور أصحابها، وتبقى شاهداً صلباً

مخيفاً لما كان يعتلج في نفوسهم من تبجح وغرور!..

وعلى الرابية الخضراء المشرفة على المدينة التائهة.. وفي فناء قصر قطر الندى الذي لم يتعود أن يرى فيه غير الحارس المسن.. رأى فراس قوماً سمر الوجوه،

قصار القامة، لايعرفهم!..

تعجب إذ رآهم يعجلون الخطا، خارجين من القصر، ليستقلوا سياراتهم العديدة التي كانت في انتظارهم..

كانت ميساء شاحبة اللون..

وقطر الندى مرتبكة المظهر..

كانتا تلقيان بأوامرهما، بصدد أمور تافهة، بعصبية ظاهرة..

ألقت ميساء إليه بنظرة تائهة، وقالت، بصوت متعب..

_لقد جئت في الوقت المناسب يا فراس.. تعال.. أدخل!..

انتاب فراس شعور بخطر مقبل..

_لماذا؟.. هل من جديد؟..

علت على فم ميساء ابتسامة امرأة وضعت طفلاً بعد إجهاد أيام مديدة..

_ألا تهنئني، وبذلك تكون أول المهنئين؟!..

_أهنئك؟.. بماذا ياميساء؟!..

وبصوت لاهث، تابعت..

_لقد أتممت عقد زواجي على مراد.. وقعت العقد منذ دقائق!..

فغر فراس فمه دهشة!!.. سألها وهو لايصدق ما سمعه..

_الأمير مراد؟.. شقيق حسان، ولي العهد؟!..

_نعم!!..

وسقطت ميساء في مقعدها ملقية رأسها إلى الوراء كعادتها حين تود أن تغيب عن العالم المحيط بها.. وتلقف المقعد ذراعيها اللتين أسندتهما عليه بارتخاء..

غرق الجميع في صمت، كان لصوت رقاص الساعة فيه، ونقر أصابع ميساء المتوتر، وقع قنبلة مؤقتة توشك على الانفجار!..

نظر فراس إلى أصابعها المرتجفة فلاحظ خاتماً ذا حجر ماسي كبير..

رفع رأسه إلى السقف متلهياً.. وقال بصوت جهد في إخفاء نبرة امتعاضه..

_هل أخبرت البدر وصحبه بفسخ الخطوبة؟..

أدركت ميساء ما يجول في خاطره..

_لا.. لم أقم بذلك بعد.. علي أن أتدبر طريقة لإعادة الهدايا التي قدمها لي البدر..

قالت ذلك، ونظرت إلى الحجر الماسي الذي كان ينظر إليه فراس..

_ألا يجدر أن تفعلي ذلك في أقرب وقت ممكن؟.. وتتحاشي ما لا يحسن عقباه؟!..

وكأن ما قامت به في ذلك اليوم كان قد استنزف كل قواها.. فحاولت أن تبعد عنها شبح فسخ خطوبتها على البدر..

أجابته في شيء من العصبية..

_ما لا تحسن عقبى أي شيء يا فراس؟!.. ما بالك تهول الأمور؟!..

كان فراس ينظر إلى الأفق البعيد من النافذة الواسعة التي أمامه، فأجابها بهدوء، دون أن ينظر إليها..

_الأمور من الهول بما يكفي، دون أن أزيد من هولها أنا!.. ألا تجدين غرابة في أنك في هذه اللحظة مخطوبة رسمياً للأمير البدر، وزوجة الأمير مراد الشرعية؟..

لعل ما قمت به هو مجرد توقيع عقد.. لكنك أصبحت، بهذا العقد، الزوجة الشرعية لأمير عقد زواجه عليك بالوكالة، وما زال على آلاف الأميال منك!.. في حين أنك

على مقربة من أمير آخر، رجل متيم بك، تركك البارحة مساء خطيبة رسمية له، محملة بهداياه، يتوقع أن تشاركيه حياته بعد ثلاثة أيام!..

_حسناً!.. حسنا!.. سوف أقوم بإعلام البدرالآن..

قالت ميساء ذلك دون ان تفتح عينيها وكأنها تخضع لقدر غريب سيطر عليها.. لقد تم زواجها منذ لحظات.. زواج كانت تحلم به، وتخطط له منذ سنوات!.. وها هو قد

تم على شكل لم يخطر لها ببال!!..

تم عقد زواجها.. دون وجود زوج!..

أشخاص لاتعرفهم ولايعرفونها، أبرموا عقداً معها، وكأنهم ممثلو إحدى الشركات الأجنبية، قاموا ببيعها بناء ما، أو قاموا بشرائه منها!..

ومع هذا، فقد كان لوجودهم أثناء إبرام العقد وقع غير سيء على نفسها، فهم على الأقل يمثلون مراداً، أميرها ذا الثقافة الغربية!..

أليس في إتمام العقدد بواسطة السفراء صيغة أكثر تمدناً من إبرامه بالطريقة المعتادة، بواسطة قاضي الشرع؟!.. أما كان الجميع يتكلمون بالإفرنسية؟!..

لكنهم ذهبوا الآن!.. ذهبوا جميعاً!.. دفعة واحدة.. وهي الآن وحدها!!..

لقد تم زواجها بأن أدرج اسمها بحذاء " اسم " إنسان،.. رغم أنها مازالت حيث هي، بين أختها وفراس!!..

غريب هذا التطور الذي لم تكن تتوقعه.. والذي لم تحسب له أي حساب!.. لقد جاء السفير يعلمها بأن الأمير مراد أرسل يأمره أن يحول دون زواجها بالبدر بأي ثمن!..

وكلفه، إذا اقتضى الأمر، أن يعقد زواجه عليها بالوكالة!.. فمن أين لها أن تترك هذه الفرصة تمر دون أن تنتهزها؟..

ألم تحرق في هذه الخطوة مرحلتين في الوقت ذاته؟..

ألم تكن تخاف أن يقدم مراد على " خطبته " فقط، ويترك زمناً طويلاً يمر قبل أن يطلب منها أن تزف إليه؟..

إن أية خطبة عرضة للفسخ!.. فمن يضمن لها أن خطبتها لمراد كانت ستسفر عن زواج؟..

إنها الآن " زوجة " مراد، في نظر الشريعة، والقانون!..

أما مراد.. فأين هو الآن؟..

لاعليها!.. ستعرف كيف تأتي به إليها.. ستعرف كيف تتدبر الأمر!..

لقد حققت أكبر انتصار لها في حياتها!.. خلقت قصة البدر من أجل هدف واحد!.. خلقتها لتحريض مراد على الزواج منها!.. وهاهي خطتها تكلل بالنجاح!!..

صحيح أنها كادت أن تصبح زوجة البدر لو تأخر مراد.. لكن.. لا!..

تناست أنها ستقبل راضية بمصيرها مع البدر!.. وكررت على نفسها القول، وهي في غمرة موجة غامرة من الثقة بالنفس، بأنها كانت، منذ البدء، واثقة من أن مراداً

سوف يتحرك لطلبها في آخر لحظة، وأنه ما كان ليتركها تتزوج من أحد غيره{!..

images/clip_image

القسم الثالث الفصـل الثـاني

ص104-106

كان لإعلان نبأ زواج ميساء على الأمير مراد وقع الصاعقة على نفس السلطان وعائلته، ووقع الفضيحة على قوم ميساء..

" الأميرة الجديدة" !..

لملم البدر شتات كرامته المهدورة، وهداياه، وعاد مع صحبه إلى بلاده، ليتلو على مسامع أخته تفاصيل الواقعة.. فثارت درة وجن جنونها!!..

وقفت في بادئ الأمر ترتجف من الغيظ، ووجهها يقطر سماً !!..

ثم ما لبثت أن انتابتها حالة مروعة من الجنون المفاجئ، اتجهت فيها نحو ما تستطيع أن ترفعه بيديها، فأقبلت عليه تقلبه أو تحطمه!..

أسقط في يد البدر!.. وقف عاجزاً، فاغراً فاه، لايجد لما انتاب أخته تدبيراً.. انقلب بطش جنونها على نفسها، إذ سرعان ما بدأت تضرب وجهها، وتمزق شعرها بكل

ما أوتيت من قوة، ثم انقلب صراخها إلى عويل خرج من قاع أحشائها!..

أخذت تزعق " ويلك ياميساء!.." .. " ويلك ياميساء "!..

وردت جدران دارها الفسيح زعيقها.. " ويلك ياميساء "!..

" ويلك ياميساء"!!.

حاول البدر مع أهل الدار أن يهدئوا من روعها.. فلم يفلحوا!..

أفلتت منهم كالذئبة الضارية، تتطاير أذيال ثوبها الممزقة من ورائها، واتجهت نحو الجناح الذي كانت قد أعدته لميساء، فأغلقته على نفسها!.. ولساعات طوال،

لم يعد يسمع في القصر سوى نحيبها المبحوح.. وأناتها الطويلة.. وبين الفينة والفينة، كلام مبهم، لايفهم منه سوى.." ميساء ".. " ميساء ".. يتلوه الشهيق،

والبكاء، ثم العويل!!..

لم يكن البدر ملماً بجميع ملابسات ما قامت به ميساء.. لذلك لم ينقل إلى درة، حين أخبرها بالأمر سوى أن ميساء عدلت عن الزواج به، مؤثرة مراداً عليه.. ولما

لم تجبه درة بغير النحيب، ضاق صدره بما رآه من جنونها، فانصرف..

أمضت درة يومين في سجنها البنفسجي، خرجت منه بعدهما هزيلة شاحبة!..

كان أول ما طلبته، موافاتها بجميع ما نشرته الصحف من أخبار هذه القضية!.. فما أن قرأت في بعضها نبأ " خطوبة " ميساء، وفي بعضها الآخر أنباء عن " زواجها

المقبل "، واستنتجت من ذلك أن مراداً لم يزف إلى ميساء بعد، ثم أضافت إلى ذلك إجماع هذه الصحف على أن مراداً ما زال في بلاده، وأن الظروف لم تجمعه بميساء

منذ سنتين، حتى دار في رأسها أن بارقة الأمل لم تنطفئ بعد!.. وأنها لم تخسر المعركة!!..

انقضّّت على الهاتف طالبة ميساء!.. وإذ تقاعست هذه عن محادثتها، مدعية المرض الشديد، انهالت على قطر الندى بالأسئلة والاستجوابات عن أختها.. وتعالى صوت

هذه على الهاتف، منتحلة الأسى والحزن الشديد..

_ماذا كان بإمكاننا أن نفعل يا درّة؟.. لقد ضحّت ميساء بحبها للبدر، وبسعادتها، إذعاناً لمشيئة هلال!..

وتصيح درة متحدية..

_كيف تذعن لمشيئة هلال؟.. وهلال.. أهو أبوها أو أخوها لتتأثر بما يقول؟!,, وتتقطع الكلمات.. وتنفر العروق من عنق قطر الندى وهي تحاول أن تحفظ لصوتها

طابع الصدق عبر آلاف الأميال..

_لقد هددها يا درة!!.. وتصيح مؤكدة " نعم هددها " !!.. هددها دون علم مني بأنه سيطلقني إن لم ترفض الزواج بالبدر..

فتقطع درة المكالمة، ويتساءل الجميع عمّا سيكون جواب هلال لها حين ستواجهه بما علمته؟..

وتعود درة في اليوم التالي لتتابع الحديث..

_لقد أقسم لي هلال أنه لم يفعل شيئاً من هذا القبيل يا قطر!..

وتجيبها هذه..

_وهل يعقل أن يعترف لك هلال بالأمر؟..

_المهم إذاً أن خطته انكشفت يا قطر!.. قولي لميساء أن تعدل عن خطوبتها لمراد.. إذ أن هلالاً لن يجرؤ على طلاقك بعد اليوم!..

وتعيد قطر الندى محاولة الإفلات من شبكة درة..

_إن ميساء تقول بأن هلالاً كاذب.. وأنه يلعب على الحبلين!..

وتعود درة لقطع المكالمة، ويعود صوتها بعد أيام قاطعاً بالقول..

_لاحبلان ولا ثلاثة حبال بعد اليوم يا قطر!.. لقد أقسم هلال أمام السلطان بأنه لم يوقع أبداً بمثل هذا التهديد على ميساء!.. قولي لها أن تأتي إلينا، لتمثل

بين يدي السلطان، فليس غير كلمتها من دليل على كذب هلال!.. وضمان لمستقبلك يا قطر!.. هلال اليوم يصطنع الغضب لما قامت به ميساء، ويتوعد بأنه سينتقم للسلطان..

إنه لن يتوانى عن طلاقك الآن مدعياً أنها غضبة منه لإهانة عائلتنا!!.. قولي لميساء إن تحضر حالاً، وتكشف بذلك للجميع عن كذب هلال!!..

وتحار قطر الندى كيف تفلت من حصار درة؟!..

وكأن قطر الندى أحست بالشك يتسرب إلى كلمات درة حين أجابتها هذه قائلة..

_وكيف يثبت كذب هلال إن لم تجئ؟..

فإذا بها تجد نفسها مضطرة لأن تختلق مهرباً فتقول..

_لدينا البرهان القاطع على تهديده لها يا درة.. سوف أخبرك عنه مساء الغد!..

أعادت قطر الندى السماعة إلى مكانها، وتمتمت لميساء ولفراس اللذين كانا يساعدانها في الرد على درة..

_ليس هناك أمكر منها امرأة على وجه البسيطة..

ضحكت ميساء..

_إلا نحن..

* * *

ص109-111

درة التي جلست تنتظر هلالاً في بهو قصرها، متسلحة بالدليل القاطع على خيانته، غير تلك التي بكت منذ أيام، وسرت مع الريح أخبار فاجعتها إلى جميع أنحاء

بلادها!!..

درة التي جمعت أشلاء قلب مزقته أظافر بنفسجية اللون، جلست تبلع دموعها في صمت أشم، كاللبوة الجريحة، تنتظر وصول الإنسان الذي أوقع الدهر على كاهله وحده

وزر ما عبثت به أيدي فتاتين لامباليتين على بعد ألوف الأميال!!..

وصل هلال يخطر بقامته المديدة، وبما ولد فيه من نبل المظهر، وما فطم عليه من اعتزاز وثقة بالنفس.. وصل!.. أو قل حط!!.. كنسر شامخ، ضاق ذرعاً بعبث أطفال

يرشقونه بالحصى.. فقرر أن يصل في هذا اللقاء إلى نهاية المهزلة، ونهاية لما يكال إليه من اتهامات!!..

وقفت درة إذ رأته مقبلاً من بعيد.. فكانت على مثل قامته طولاً وانتصاباً!!..

مشت نحوه، فكان لخطاها الثابتة نفس شدة الوقع، ورنين الصدى!!..

وبين جدران سمعت منذ أيام عويل المرأة الثكلى.. قامت معركة بين مخلوقين من فصيلة واحدة.. لم يعد فيها ذكر ولا أنثى!!..

معركة دامت ساعات طوال.. خرج الاثنان منها كأنهما مثخنان بالجراح، مضرجين بالدم!!..

ما أن برح هلال قصرها، حتى أقفلت درة المسجلة التي كانت قد أعدتها، قبل وصول غريمها، وأخفت رأسها اللاقط للصوت في باقة من الزهور!!..

لعلها كانت تعلم في قرارة نفسها أن ميساء خرجت مختارة، لا مجبرة من حياتها، وأنها خرجت إلى غير رجعة!.. لكن إحساساً لا شعورياً كان يحرضها للوصول إلى

نتيجة تُثبت أن يداً ظالمة اختطفت ميساء منها، وأن حبها كان سيثمر لولا يد أثيمة لعبت ضدها في الخفاء!.. أرادت مجرماً، غير ميساء، تنسب إليه فجيعتها،

فكان لها في هلال ذلك الغريم!..

ومن ذلك الشريط الذي احتوى على ما لاحصر له من فضائح، ونيل، وشتم، ووعيد، وتجريح بكل من كانت له صلة بهذا القضية، أعادت درة تسجيل ما اختص قطر الندى وحدها،

وحمّلته إليها مع مبعوثتها الخاصة، مظهرة لها بذلك ما ورد في هذا التسجيل من برهان قاطع على أن هلالاً ينوي طلاقها لا محالة!.. آملة بذلك أن تعمل قطر

الندى بدورها على النيل منه والانتقام!!..

أما ما بقي من الشريط، فاحتفظت به، لتشهره أمام السلطان متى أرادت!.. وتجهز على هلال في الوقت المناسب!..

* * *

في قصرها.. وعلى أرض غرفة نومها الفسيحة المكسوة بالطنافس الوردية اللون.. جلست قطر الندى، مسندة رأسها براحتي يديها، تستمع إلى صوت زوجها على شريط التسجيل

الذي بعثت به درة إليها..

كم عدد المرات التي أعادت على مسمعها قوله فيه " نعم أحببتها في الماضي!.. لكن هذا شيء انتهى!.. نويت أن أطلقها منذ كنا في أوروبا!.. لكني تمهلت عندما

أخبرتني أنها حامل"..

" نعم أحببتها ".. " نعم أحببتها ".. " نعم أحببتها "..

لقد أحبها في يوم من الأيام!.. أحبها كرجل!!..

طاف في ذهنها خاطر أذهلها!!.. هلال إذن رجل!.. هلال ليس سوى رجل!!.. هو ليس ذلك المتعنت القاسي!.. ولا ذلك الأمير المتعجرف الذي كانت تراه!!.. لقد أحبها

كامرأة!.. أحبها كما يحب أي رجل أي امرأة أخرى!!..

لئن ولد هلال أميراً، فالإمارة كانت صفة من صفاته، لا ذنباً عليه أن يكفّر عنه!!.. ولئن كانت الإمارة صفة تخيف بعض الناس، أو تثيرإعجاب بعضهم الآخر، فهي

لم تكن بالنسبة له سوى شيء ولد معه، كما تولد مع الطفل أطرافه، فتعوّد استخدامها، كما يتعود الطفل استخدام جميع ما ولد معه من أعضاء وأطراف!..

ترى هل أحبته؟.. هل أحبته في يوم من الأيام كرجل؟!.. من أين لها أن تدري، وهي حتى قبل أن تراه، لم تسمع باسمه إلا مقروناً بلقبه!!..

لطالما ساءلت نفسها هذا السؤال إلى ما بعد الزواج، حين كانت تراه في ثياب النوم.. ثم في ظلام الليل.. وهو يحضنها!..

كيف كان لها أن تزيح الوعي عن إحساسات جسدها، لتدرك في تلك اللحظات معنى أن يذوب جسدها في جسد آخر؟..

كان ينعتها بالبرود والجفاف..

ألم تحاول جاهدة أن تشعر بالدفء معه، دون جدوى؟..

لماذا كانت تطفح بذلك الدفء مع ذاك الذي أحبته في طفولتها؟.. ثم تخونها أنوثتها، حين تود أن تكون كأبسط النساء، لزوج، إن لم تكن متدلهة في حبه، فهي على

الأقل لم تضمر له الكراهية قط، بل على العكس، كانت كثيراً ما تجده وسيماً!..

قضي الأمر، وفاتها قطار هلال إلى الأبد!..

لئن بهر عينيها الثراء ولقب الإمارة، وأعجزها في البداية أن ترى في طالب يدها صفة الرجل، فهي اليوم ترى فيه، بعد أن قرر الرحيل عنها، جميع صفاته الحقيقة!..

أبدلت قطر الندى ذلك الشريط بشريط آخر..

ومع الناي الحزين، أحست وكأن حباً جديداً حزيناً تفطر في صدرها، فراح قلبها ينبض مع أنغام أغنية شرقية والهة، يكرر فيها الصوت، بعد الآهات الطوال.. "

أنت الذي بدأ الملامة والظنون"!..

وفاجأها في تلك اللحظة دخول فراس وميساء عليها..

تعجبت ميساء..

_لقد تركناك وأنت تستمعين إلى شريط درة.. ماهذا التغيير المفاجئ؟..

لم تحر قطر جواباً.. ظلت على إطراقها، حتى إذا اقتربا منها، رفعت رأسها إليهما، فشاهدا بقايا دموع انهمرت على خديها..

وجلت ميساء، وسألها فراس بهدوء..

_ماذا دهاك يا قطر؟.. ألم تتعودي فكرة بعدك عن هلال بعد؟.. لم يخيل لي يوماً بأنك قد أحببته!..

ورفعت إليه قطر الندى عينين مخضبتين، أحس لأول مرة بمدى ما يمكن أن يكون لهما عليه من تأثير..

_أريد منك مساعدتي في أمر يا فراس!..

_وهل يساورك شك في أنني قد أبخل عليك في أي شيء تطلبينه؟..

_إذن فاسمع!.. أريد منك مساعدتي على قتل هلال!!..

images/clip_image

القسم الثالث الفصـل الثـالث

مرت أسابيع طويلة، طار فراس بعدها إلى الغرب.. طار متعللاً بسبب بسيط، هارباً من جو ضاق بشدة تعقيده، مبتعداً عن زوجة، بدأ اهتمامه الزائد بصديقتيها يثير

في نفسها قلقاً جديداً أقض مضجعها، وأثار في حياته الغبار والهموم!..

عاد فراس إلى باريس عودة المهاجر إلى وطنه..

عاد يتفقد باعة اعتاد رؤيتهم، وألف وجوههم، يبحث عن أصدقاء طال غيابه عنهم. مشى في أزقة أحبها وأحبته.. عرفها وعرفته.. وراح يحاول استعادة طمأنينة داخلية،

أقلقه أنه بدأ يفتقدها..

وبعيد ظهيرة أحد أيام شتاء باريس القاسية، جلسنا في أحد مقاهي الحي اللاتيني المكتظة بالناس، نرتشف النبيذ الأحمر الساخن، ونستعيد ذكرى صداقات مضت، وأيام

خلت..

سألت متردداً، كمن يطرق باب دارٍ لا يريد أن يوقظ أهلها..

_هل حاولت أن تتصل بصديقتك " لويز "؟..

_لا..

_لا أخالك أحجمت عن ذلك إخلاصاً لزوجتك!..

ابتسم.. ثم تجهم بعض الشيء..

_إني في الواقع حائر في أمر زوجتي وزواجي!.. لقد كرهت الحياة إلى جانبها، كرهت اندلاع غيرتها أمام كل من تشاء الظروف أن يكون له احتكاك بي!.. كرهت قذارة

لسانها!.. لقد مررنا بأزمات كنت أشعر في قرارة نفسي أن الطلاق خير منفرج لها!..

_ لماذا لم تقم بذلك؟..

أجاب، والمرارة في صوته..

_لاأتذكر يا صديقي ما قاله " نيتشة " عن المرأة ودموعها؟.. لعلك لا تذكر ذلك.. أما أنا فلقد أدركت معنى أن تلقي المرأة بجسدها العاري على عتبة الدار!!..

سألته متردداً، حزيناً..

_وهل لا تزال مشاكلكما قائمة؟..

_إنها اليوم تعذب نفسها لسبب جديد!.. غيرة تقتلها من صداقتنا المشتركة بقطر الندى وميساء!.. لا تنام من الليل إلا ساعات قلائل، تنتحب وتشهق، لاعنة الأقدار

التي خلقتها قبيحة، ذات أنف مدبب، بينما أعطت لقطر الندى وميساء ما أعطتهما من جمال!..

_وهل حاولت قطع هذه الصداقة، أو تعكيرها؟..

_لا.. بل على العكس!.. لقد حرت حقاً في فهمها.. فهي، رغم غيرتها، إما أنها تثق ثقة عمياء ببراءة صداقتنا، أو أنها تحاول، بدافع لا شعوري من كبريائها،

ألا تشك فعلاً بهذه الصداقة، كي لا تنهار ثقتها بنفسها كلياً!..

كان دخان اللفائف قد تلبد في جو المقهى..

خرجنا نبحث عن الهواء الطلق، مبتعدين عن ضجيج أثاره فتية وفتيات، أداروا الحاكي، وبدؤوا الرقص والتلوي على إيقاع تأوهات ملحة انبعثت منه..

سرعان ما لفحنا البرد..

دخلنا نطلب الدفء في مقهى صغير على طريق جانبية هادئة، وما إن هدأنا إلى إحدى زواياه، حتى فوجئت بفراس يقول لي..

_أتدري بأن قطر الندى طلبت مني مساعدتها في قتل زوجها؟..

نظرت إليه حائراً.. لابد أن وجهي أنبأه أنني لم أدرك معنى ما سمعت..

أعاد ما قاله مرة أخرى، فسألته..

_وهل هي جادة؟..

_لست أدري!.. كانت تبدو لي تارة كأن لا هم لها سوى تنفيذ هذا الأمر، وتارة أخرى، تحدثني عنه، وهي تتفحصني، وكأنها تود أن تستشف من أعماقي حقيقة موقفي

منه.. أو من أمر آخر لا أفهمه تماماً..

شعرت وكأنه يتحاشى ترديد كلمة " القتل ".. فسألته مقاطعاً، لأضع النقاط على الحروف..

_موقفك من أي أمر؟.. أمن القتل؟..

_نعم، من القتل!.. كان ينتابني شعور غامض، وهي تحدثني عنه، بأنها إنما كانت تسعى في حديثها هذا إلى كشف خفايا شعور أحدنا نحو الآخر.. كان القتل يتردد

على لسانها ببساطة مذهلة!.. بساطة إنسان تعوده، حتى غدا عنده موضوعاً غير ذي بال.. أو بساطة إنسان لا يعي معنى ما يقول، ولا يمكن له أن يفكر جدياً بالقيام

بأمر كهذا..

_وبالطبع.. ليست قطر تلك القاتلة المحترفة!..

_ولا تلك الساذجة التي لا تعي ما تقول!.. كانت تتحدث عن القتل وكأنها تعرفه.. ثم تُطور الحديث بشكل تفقد الجريمة فيه، بعد هنيهة، صفة الهدف، وتصبح وسيلة

للقاء غير طبيعي بين إنسانين غريبي الأطوار!..

أثارتني غرابة ما تطرق إليه، فسألته..

_وهل تعني شيئاً آخر غير لقاء هذين الشخصين، بعد قتل الإنسان الذي يفصل بينهما؟..

_تماماً.. كان يعتريني شعور بأن قصدها من الحديث عن الجريمة كان شيئاً آخر، غير هدف الانتقام، أو إزاحة عائق من طريقها بقتله.. كنت أشعر أنها تسعى إلى

هدف لا يمكنها أن تصل إليه إلا بالتحدث عن قتل إنسان آخر!.. هدف يمكنها أن تصل إليه بمجرد الحديث عن القتل!!..

وبعد شرود، تابع بصوت بعيد..

_يخيل إلي أنها كانت تجد في الحديث عن القتل صلاة إلى قوى خفية كامنة في نفسها، وكأنها كانت تسعى، واعية لذلك أو لا، وراء من يشاركها تلك الصلاة.. وكأن

في هذه المشاركة رباطاً سحرياً أسود، يجمعهما عنوة بهذا الإنسان..

تاه فراس برهة أخرى.. ثم تابع هامساً..

_كان الحديث عن القتل سرير أرادت أن نركن إليه كلانا!..

كان في لهجته ما أشعرني بأنه لن يزيدني إيضاحاً لو أصررت على فهمه.. فسألته، موجهاً الحديث نحو مدار آخر..

_هل كانت ميساء على علم بما يجري بينكما؟..

كانت تستمع إلينا، وتشترك أحياناً، نصف مازحة، في تدبير التفاصيل اللازمة لتنفيذ القتل، فتقترح أساليب، قرأت عنها، أو شاهدتها بأفلام السينما..

صمت فراس قليلاً، ثم تابع..

_كنت أظن قطر الندى وميساء متفقتان، من حيث الجوهر على الأقل، حول جميع ما تقومان به أو تسعيان وراءه من آمال.. كانت وحدة الهدف تطغى على الصورة التي

لهما في مخيلتي، فتضمهما في إطار واحد، لتلقي الأحداث عليهما كمية واحدة من الظل والنور، حتى غلب علي الظن بأن هذه اللوحة قد تفقد تماسكها لو مسحت عنها

صورة إحدى هاتين الشخصيتين، فبتّ أرى فيهما، وجهين مختلفين لإنسان واحد..

_ألم يكن الأمر كذلك؟..

_قلما كانت الظروف تسنح لي بأن أرى الاختلاف الشاسع بين طبيعتيهما.. ذلك أنّ وحدة الهدف هذه قد بدأت فعلاً في محو الفوارق الباطنية بينهما.. حتى جاء يوم..

أذكر أن ميساء عادت فيه من نزهة في سيارتها، دخلت البهو الذي كنا فيه مرحة، طربة لأمر جرى لها في المدينة، وإذ طالعتها أختها، وكانت قابعة في ثياب النوم،

تستمع إلى أغنية، وتكرر سماع مقطع منها يقول " لن أعود إليك ".. قالت لها، وكأنها تود مباغتتها " ومن الذي يطلب منك العودة العودة إليه يا قطر؟.. "

".. بهتنا من قولها هذا!.. .. وكأن مسحة السخرية التي أفلتت من ميساء، مع هذا القول فاجأت، أول ما فاجأت، ميساء نفسها!.."

" أدركت ميساء، من الألم الذي ارتسم على وجه أختها، مدى قسوة قولها.. فحاولت تدارك الموقف، لكن دافعاً خفياً آخر أرغمها على المتابعة.. " تدعين محاولة

هجر إنسان.. وتدعين أنك تحبينه.. ثم تدعين في الوقت ذاته أنك تودين التخلص منه بقتله!.. جميعها ادعاءات.. ما هدف هذه الأدوار التي تمثلينها؟!.." !!

"

" لعلها لم تعن ما قالته، بدت وكأن الكلمات أفلتت منها لسبب لا تعرفه، فأدارت ظهرها مرتبكة، وشرعت تنظر من النافذة إلى الأفق البعيد.."!!

سألت فراس بتلهف..

_وماذا كان من أمر أختها؟..

لم يعط لإنسان أن يصف مدى الحزن، والعجب، والقسوة، التي ارتسمت على وجهها وهي تنظر إلى ميساء التي أدارت لها ظهرها!.. فما كان مني إلا أن قلت وأنا أكاد

أضمها إلى صدري.. " إن ميساء يا قطر وجلة عليك.. تراك تغرقين نفسك في أسف على ماض لا طائل وراءه.. لعلها قست عليك بالكلام، لكنها لا تضمر لك سوى الخير،

وأنت تعرفين ذلك!.." فأتاني صوت قطر عميقاً متهدجاً " أعلم ذلك يا فراس.. آمل ألا تؤول الأيام بميساء إلى ما انتهيت إليه اليوم ".. حاولت أن أشدّ من عزمها،

واصفاً لها الجانب المشرق من حياتها، وإذا بميساء تقاطعني بصوت علا عليه صوت الموسيقى، فلم تسمعه قطر الندى.. قالت بحزم وبرود " أنا لست قطر الندى،

يا فراس، كي أنتهي إلى مثل هذا المصير!.." !!

وكأن القدر أراد أن يقلم أظافر غلواء ميساء، فجابهها بمشكلة لم تكن في حسبانها! لم يأت مراد في طلبها!..

ظلت رسائله تأتيها بانتظام دون أن تذكر شيئاً عن موعد قدومه، وعادت ميساء بعد أشهر من الرسائل المفعمة بالحب إلى لهجة التململ والتساؤل عن مصيرها!..

أحست برعدة إذ جال في ذهنها أن القدر ربما يخبئ لها ضربة أكبر من التي أصابت أختها!.. فهذه زفت إلى زوجها كما تزف أية عروس، وحملت منه، فإن كانت الآن

على وشك الطلاق، فكل هذه أمور تدور بفلك الزواج الطبيعي!.. أما هي.. فكيف تفسر ما حدث لها؟..

عُقد صك زواجها على رجل لم تره منذ سنين!..

أمير، لكثرة تجواله، قلما تعرف أين تكتب له.. وهاهي الآن أسيرة هذا العقد!..

زوجة لرجل مضى على زواجها منه بالوكالة ثلاثة أشهر دون أن يأتي لزيارتها.. فلا هي حرة لتبحث عن غيره.. ولا تملك إمكانية اللحاق به!.. وإنها إن تمكنت من

ذلك، فإن كرامتها لا تسمح لها بأن تجري وراءه بهذا الشكل المهين..

لماذا عقد قرانه عليها وأهملها بهذا الشكل؟..

أكان ذلك انتقاماً منه لتلك المزاودة التي طرحت نفسها على بساطها حين استدرجت البدر لخطبتها؟.. أهو انتقامه منها، حين نالت منه، ولاكت موقفه في الصحف،

فاتهمته بالتخاذل والجمود؟!..

لهوت عن فراس بالجو الذي نقلني إليه..

كنت أنظر إليه، جالساً أمامي، وأراه في مخيلتي، حائراً بين ثلاث نساء، لو أمعن النظر إليهن لما وجد فيهن سوى وجوه مختلفة للمرأة في بلاده!..

ميساء، يحركها طموحها، وتستخدم للوصول إلى أهدافها كل ما أوتيت مما أعطته الطبيعة للمرأة من صبر وحنكة في استغلال أنوثتها!..

وقطر الندى، تجري وراء قدر يخططه لها جمالها وأنوثتها الطاغية، لاتذكر أن لها عقلاً، فتلجأ إليه، إلا بعد استفحال المصيبة وفوات الأوان على استدراكها!..

أما زوجته، فامرأة عادية باهتة، دونما جمال تفخر به، أو عقل تلجأ إليه، تتوهم أنه لا ينقصها سوى ثياب قطر الندى وحليها كي تصبح على جمالها.. وتتقفى آثار

ميساء بالكلام والتصرفات، ظانة بذلك أنها ستبلغ هي الأخرى، ما بلغته ميساء من علو في الشأن، والسيطرة على من يدور في فلكها!!..

نظرت إلى صديقي مليا، وعجبت في خاطري مما تشكله النسوة في أذهانهن من صورة له!.. تراه كل في منظارها الخاص، مختلفاً عما تراه الأخرى، بمقدار الخير الذي

يشغله من عالمها.

فإن كانت ميساء لا ترى فيه سوى الذكاء، وفي صداقته المطية السائغة لتحقيق مآربها.. فإن قطر الندى كانت ترى منه هذه الأشياء نفسها، مضافاً إليها أن فراساً

رجل، وأنوثتها لا تستطيع أن تمر على ذلك مر الكرام!..

أما زوجته، فجهلها أخافها من ذكائه، وزادت عقدها وكبتها الجنسي من تعقيد نظرتها له، فباتت لا تراه إلا من خلال هذا المنظار.. إنساناً معقداً شبقاً.. يود

لو يضاجع جميع من يحتك بهن!..

جال في خاطري وأنا أنظر إلى صديقي، وأحاول فهمه وتفسير تصرفاته، أني أنا الآخر أستعمل منظاري الخاص ومفاهيمي الخاصة.. من هو فراس؟!..

قد يزيد إدراكي أو ينقص، قد تزداد نظرتي شمولاً لخفايا الإنسان أو تنقص، لكنها دائماً وأبداً ستظل نظرتي الخاصة!.. أليس في كونها نظرتي الخاصة نقص لكمال

مدلولها؟..

لم أشأ أن أزج فراساً في نقاش أحسست أنه بعيد عن جوه، وأنني لو فعلت، ألن يجيبني بأن الخطأ لا يقع في تعدد وجهات النظر بل يكمن في بحثي أنا عن كمال المعرفة؟!..

ألن يضحك مني ويقول: الكمال " مفهوم " لا واقع له؟!..

هل من المستحيل إذن على الإنسان أن يفهم حقيقة إنسان آخر؟..

لئن كان سبب الإبهام هو استعمال كلمة " حقيقة " أو " موضوعية "، وحذفنا هاتين الكلمتين، فماذا يبقى؟..

هل من المستحيل إذن على الإنسان أن يفهم حقيقة إنسان آخر؟!..

في تلك الليلة.. رأيت فراساً مقبلاً نحوي، وكنت أنتظر وصوله أمام مدخل دار الأوبرا الفسيح، وإذ أشرت إليه ملوحاً بيدي، أسرع، مرتقياً مدرجه العريض، فتطايرت

جوانب ثوب أسود عريض، ملقى على اكتافه، اتسعت أرجاؤه، فبدا بثيابه هذه مقبلاً علي من قرن مضى..

أسرعنا إلى مقصورتنا في الطابق الأول، فمررنا بقاعات وأعمدة المرمر الوردية والخضراء، بتماثيل البرونز، وبثريات الكريستال التي لا حصر لها، ركنّا إلى

مقاعدنا المخملية الحمراء، وسط ألوف انعكاسات الأضواء على التماثيل، والحفر، والنقوش الذهبية التي تزين جدران وسقف قاعة هي من أجمل وأعرق قاعات الدنيا!..

إذ ضاقت أعين النور، وخبا أجيج الجمال، بدا نيف وثمانون عازفاً تحت عتبة المسرح يحضرون آلاتهم، فتنبعث منها نغمات حائرة خافتة تصدر لا على التعيين، تسبق

كل حفل، فتهدأ لها الروح، وتتهيأ لصلاة تجوب فيها النفس أرجاء عوالم الخيال والحس النقي..

أخذ فراس كعادته في مثل هذا الحفل، يبحث بمنظاره الصغير بين الحاضرين عن شيء.. كانت الموسيقى ستنقله إلى عالم الشعور والحب، فكيف له أن يتيه في طياته

وحيداً؟..

.. وإذ وجد ضالته في عينين تائهتين تعكسان عطش روح بدت له لهفة، تبحث هي الأخرى عن غدير ماء صاف لتعب منه..

.. وإذ وجد شفتين تتفتحان مع شفتيه كلما علا الموج بعاطفة Peleasse ، وأنّ له صوتMelisande قائلة.. " أنت قربي في الظلام ليت يدي تمس يدك "..

وإذ وجد هذه الروح التي تبحث هي الأخرى عن كتف تستقر عليه كلما صاح الطفلIqnolde " ما أثقل هذه الصخرة!.. إنها أثقل من العالم أجمع!.. وذراعي الصغير

لا تستطيع أن تزيحها"..

.. صاح لهما، صاح لهاتين العينين اللتين تبحثان عن عينيه هو!.... حتى إذا علا مد الموسيقى الهادئ ليغمر الكون.. غاص في المقعد.. وانساب في عالم لا يعرفه

أحد سواه..

images/clip_image