القسم الرابع
الفصـل الثـالث
كانوا في لهف للوصول إلى باريس، لذلك جهدوا ألا يقضوا برفقة جعفر سوى أيام قلائل..
لم يبق لوجوده بينهم، بعد أن قاموا بزيارة القصر، سوى مبرر واحد، وهو سيارة " الفراري "، فما أن أطلعهم على حظيرة سياراته، وأبدوا إعجابهم بمحتوياتها
كما لو كانت خيولاً أصيلة تعب في تربيتها، حتى زال من نفوسهم آخر سبب لاستبقائه بينهم، وكادوا ، لولا بقية من كياسة، أن يكاشفوه عن تبرمهم به!..
انكبوا، عشية اليوم المقرر للسفر، يحزمون به حقائبهم من أمتعة.. أمضوا معظم الليل يلهون ويتسامرون، يضحكون من ولائم جعفر التي فرض عليهم تناول الطعام
فيها في غرف النوم، خوفاً من أعين المراقبين!.. ولائم، لم يتنوع الطعام فيها أبداً.. خروف محشي بالأرز.. طبق كبير يحتوي من الطعام على ما يكفي لعشرين
شخصاً، يوضع في وسط المائدة، ليتناول كل منهم كفايته منه!..
وفي كل وليمة.. يعيد جعفر على مسمعهم قصة المشقة التي عاناها طاهي الفندق لاستحضار السمن العربي والأرز الهندي، ويكررون في كل وليمة تقديرهم لهذه المشقة،
كأن لاهمّ لهم في جنيف سوى أكل الأرز الهندي واللحم المطبوخ بالسمن العربي!..
تذكروا اللعب بالورق.. فأغرقوا في ضحك سالت له دموعهم!..
كان جعفر، كلما انتهوا من تناول الطعام، يطلب إحضار القهوة، ويردد نفس القول..
_ماذا نفعل الآن؟.. لا يمكننا السهر .. ولا الخروج من الفندق، كي لا يرانا أحد!.. ما رأيكم فيما لو نلعب لعبة " أبو الفول " ؟..
ثم يجلس الجميع على الأرض، بعد أن يكون جعفر قد جمع كل ما في الغرفة من وسائد، وهيأها لراحة قطر الندى!..
كان يجلس إلى جابنها مظهراً إغراقه في اللعب.. ينظر إلى أوراق قطر الندى، ليعرف ما تحتاج إليه من مساعدة، وكلما جاء دورها لانتقاء ورقة من أوراقه، وأراد
أن يجنبها ما قد يضرها منها، يقول..
_.. ما أحلك الليل!.. انظروا إلى ظلمة السماء!!..
فينظر الجميع من النافذة، تاركين له عمداً فرصة القيام بما يريده من حيل!..
كان يوجه أوراقه خلسة نحو قطر الندى، رافعاً كتفيه، مقطباً حاجبيه، كالقط إذا أحس بالخطر، فإذا تنبه إلى أن أحدهم يوشك أن يوجه نظره نحوه، نهره بعينيه،
أو كرر عليه القول بأن الليل مظلم حالك!.. فما له لا ينظر إليه!!..
وتتكرر الحيل.. وتتكرر المحاولات، حتى يعييه اختلاق الأعذار.. فتبادر ميساء إلى نجدته!.. كأن تطلب من فراس أن يأتيها بحاجة، أو يقوم هذا مدعياً أنه سمع
قرعاً على الباب، فيسرع جعفر إلى إنقاذ ما يظن أن قطر قد وقعت فيه من مأزق في اللعب!.. وتدّعي هذه السرور والامتنان لمساعدته.. فينظر إليها نظرة الذي
أعياه تنفيذ مهمة شاقة!.. ثم يعود بالنظر إليهم، متسائلاً عما إذا كان هنالك أمر قد لفت انتباههم!..
تذكروا هذه الولائم.. وهذه الجلسات.. فأفرغوا، في آخر ليلة لهم في " جنيف "، جميع ما كبتوه من ضحك، على جعفر، وعلى أنفسهم، بسبب هذه المواقف التي فرضت
عليهم من جراء ما زجوا به أنفسهم..
تنفسوا الصعداء إذ أحسوا أن الغد سينقلهم إلى باريس، وارتاحوا إلى فكرة أنهم سيعودون بعد ذلك إلى ديارهم.. فيسدل الستار نهائياً على هذه المهزلة القصيرة
الأمد!..
وفي صبيحة اليوم التالي استقلوا سيارتهم باتجاه باريس، يقودها سائقهم الأشقر، تتبعهم سيارة أخرى.. خصصت لحقائبهم العديدة..
أحسوا بتعب من سهرة الليلة الفائتة، فاسترخوا في مقاعدهم ينتابهم نعاس ملحّ تهيؤوا للاستسلام إليه..
أدار فراس مذياع السيارة إلى موسيقى هادئة، فراح كل منهم، وكأنه على موعد مع أحلامه، ينتقل سلفاً بين أحياء باريس، ويستبق في ذهنه ما سيقوم به هناك من
مغامرات..
راحت قطر الندى تستعيد نظرات جعفر المفتونة، وكلمات الغزل التي كان يغرقها بها كلما سنحت لهما الظروف لقضاء دقائق على انفراد..
ابتسمت في سرها إذ تذكرت محاولات للإمساك بيدها تحت مائدة الطعام!.. لا شك في أنه مستعد لبذل الغالي والرخيص للوصول إليها!..
أحست براحة واسترخاء إذ جال في خاطرها أن هنالك من يشتهيها إلى هذا الحد!.. يداه الكبيرتان الجميلتان.. أوتار أصابعه الظاهرة.. وعروق الدم النافرة من
تحت الجلد..
هل ستسمح لهاتين اليدين بمغازلتها؟.. ماذا ستحس لو جالتا بأصابعهما القوية على صدرها.. وأنحاء جسدها؟..
ضحكت من هذا الخاطر في سرها..
هزأت، إذ تذكرت ما كان يقوم به جعفر من حركات صبيانية أثناء اللعب بالورق!.. حدث!.. مراهق!..
ما بالها تفكر به.. وهي التي تبحث عن رجولة عارمة تغرق بها أنوثتها؟!..
ومع ذلك، فإنها تود أن تنتقي الرجل، وتشتهيه هي، لا أن ينتقيها الرجل، ليغرقها بأحاسيس لم تطلبها منه!..
صحيح أنه لمما يرضيها أن يدور في فلكها عشيق مثل جعفر.. لكن، ليس في هذا ما يسعدها..
طار خيالها نحو هلال.. هل ستجده في باريس؟..
هل تحاول أن تسترضيه إن وجدته؟..
وماذا عن أم جوهر؟.. ألا يزال على حبه لها؟..
أحست بغصة إذ جال في ذهنها أن قصته مع أم جوهر لا بد باتت على ألسنة الجميع؟..
كيف تنتقم لكرامتها من هلال؟..
كم تود لو تستطيع أن تمرغ كرامته بالتراب!!..
_قطر!.. مالك تقطبين هكذا؟!..
فتحت عينيها.. وضحكت من سؤال ميساء..
_لاشيء.. لاشيء.. كنت أفكر بولدي..
" ولدها!! ".. " ولدها!؟.."
أغمضت ميساء عينيها
أطلقت لأفكارها العنان، لا لتحلق.. كتلك السحب البيض المتقطعة.. بل لتنساب بصمت وأناة كانسياب السيارة الدافئة التي تقلهم عبر ثلوج تلك الطريق الجبلية
الملتوية..
هزأت مما سمعته من قطر.. " ولدها "!.. متى كانت تفكر قطر بولدها؟!..
لا شك أن أختها رتبت خطة تنوي أن تنفذها بصدد جعفر، وإلا لما تجرأت على قبول ذلك المبلغ الإضافي منه!..
ألم يعطها حقاً سوى عشرة آلاف في " جنيف "؟!..
ماذا سيظن بهما فراس وزوجته لو علما بالأمر.. ماذا سيقولان إن علما بأن قطراً قد قبلت ذلك المبلغ منه، وأنها أعطتها نصفه لتبتاع به ما يلزمها من ثياب
لحفل زفافها على مراد؟!..
تعجبت.. كيف جرت هذه الأمور أمامها دون أن تشعر بها!..
لابد أنها حصلت تحت سمعها وبصرها!..
لكنها لم تفارق أختها لحظة منذ أن حطتا في جنيف!..
متى دبرت قطر الندى ذلك؟!..
ألا يجدر بها بعد اليوم أن تكف عن الاستخفاف بمقدرة أختها على حياكة المؤامرات في الخفاء؟..
لكن، لا.. فقطر قد برهنت مراراً على أنها غير قادرة على التنبؤ بالعواقب البعيدة للأمور!.. وإلا، فكيف تزج نفسها بمثل هذه العلاقة مع جعفر؟.. وما قيمة
هذا المبلغ حتى تقبله خفية عنهم جميعاً.. وبهذا الشكل؟!..
صحيح أنها حاكت مع أختها هذه الرحلة منذ البدء.. وصحيح أنها بحاجة إلى ما أخذته من أختها من المال.. لكنها لم تخاطر بشيء!..
ستقوم بعملية التجميل.. ثم.. وهذا سر لم تخبر عنه أحداً بعد.. إن هدفها الأول من هذه الرحلة هو مقابلة مراد!!.. لقد أبرقت إليه بأنها ستكون في باريس بعد
يومين.. وأجابها بأنه سيأتي لمقابلتها هناك!!..
انتابتها غصة حين تذكرت بأنها قد أبرقت إليه كي يوافيها في جنيف، وأنها بدل أن تجده، وجدت باقة من الورود في غرفتها، وعلمت من إدارة الفندق أنه ترك جنيف
في اليوم السابق لوصولها!..
دار في ذهنها خاطر بعث في نفسها غصة أقوى من الأولى!..
ما لها تكذب على نفسها؟!..
وضعت يدها على جبينها كي تخفي دموعاً أوشكت أن تنهمر من عينيها..
فتحت جفنيها قليلاً لترى ما إذا كان أحد قد انتبه إلى حالتها.. فوجدت الجميع إما نائمين أو شبه نيام..
عادت إلى أفكارها.. تتمشى بينها بصدق وخوف!..
إنها لم تبرق إليه كي يوافيها في جنيف.. لقد كان فعلاً في جنيف.. وكانت تعلم أنه هناك، حين أرسلت إليه ببرقيتها!..
جّلّ ما طلبته منه في تلك البرقية هو أن ينتظر قدومها يوماً أو يومين!!.. أكثير هذا يا مراد؟!..
لم تخبر فراساً أو أختها، بأن مراداً كان في جنيف.. أو أنها أبرقت إليه كي ينتظرها!.. أرادت أن تجعل من تلك المصادفة مفاجأة لهم.. أرادت أن تتوهم بأن
مراداً جاء خصيصاً لمقابلتها في جنيف!!..
تذكرت خيبتها حين قيل لها إنه ترك الفندق، ثم فرحها حين وجدت الورود في غرفتها!..
ظنت بلا شك أنه ذهب إلى " لوزان"..
لقد ترك الفندق في اليوم السابق.. وهذه الورود مرسلة اليوم!.. أيقنت أنه لازال موجوداً في البلاد، في لوزان، حيث له مقر محبب إلى نفسه.. على بعد كيلومترات
منها!..
ظنت أنه يختبر ذكاءها!.. أرادت أن تظن ذلك!..
أرادت أن تقنع نفسها أنه كان يستدرجها بطرق شاعرية إلى ذلك المقر.. فأسرعت إلى فراس تخبره بذلك.. وطلبت منه أن يرافقها إلى لوزان!..
تساقطت الدموع من عينيها حين تذكرت كيف لم يتعرف إليها حارس المقر.. وحين علمت منه أن مراداً كان في ذلك المقر فعلاً، وأنه لم يمض فيه سوى ليلة واحدة!
تذكرت ابتسامة الهزء التي قابلها بها ذلك الحارس المسن.. وقوله لها..
_.. الأمير مراد؟.. لا يا آنستي، لقد ذهب..
.. ثم كيف حنا ظهره، وقام بحركة سريعة بأصابعه تدل على الركض، وكيف تابع مقطباً حاجبيه الكثيفين، مبتسماً لها بسخرية..
_.. عليك اللحاق به!.. لقد ذهب بعيداً.. إلى باريس.. أو ربما عاد إلى بلاده!!..
تذكرت مفاجأته، وتلعثمه، حين نهره فراس لمخاطبته " الأميرة ميساء.. زوجة الأمير مراد ".. بهذه اللهجة النابية!!..
_.. آه.. آه، معذرة يا سيدي!.. أرجو المعذرة!.. ماذا تريدان.. ليست هذه أول مرة تسأل فيها حسناء عن الأمير مراد!.. تدعي جميعهن بأنهن خطيباته!!..
تذكرت كيف أقبل يفتح باب سور الحديقة الحديدي، يدعوهما باحترام شديد للدخول وهو يكرر عبارات الاعتذار..
_آمل أن تكون الورود قد نالت رضا صاحبة السمو!.. لقد قمت بنفسي بطلبها من " انترفلورا " وأصررت عليهم ألا تكون قد تفتحت بعد.. ليت صاحب السمو أطلعتي
أن هذه الباقة كانت معدة لسموك!.. ظننت أن " الأميرة ميساء " اسم إحدى أميرات العائلة المالكة، من قريباته.. ما أغباني.. كيف لم أدرك أنها لزوجة الأمير
بذاتها!.. آه.. كم يحب صاحب السمو المفاجآت..
وتذكرت كيف تلعثمت هي الأخرى، وأجابته..
_أوه.. لابأس، فصاحب السمو لم يكن يتوقع قدومي إلى لوزان!..
لطالما علمت بأن " صاحب السمو " يحب المفاجآت!!.. وأن لا بأس لديه أن تحط هذه الفاجآت من كرامة الآخرين!!..
" صاحب السمو" لا يعلم أصلاً أن لدى الآخرين شيئاً يلقب بالكرامة!!..
آه لو تستطيع تلقينه درسين أو ثلاثة!!..
لابأس!.. ستصبح زوجته الفعلية إن عاجلاً أو آجلاً!!.. وستعرف كيف تجعله يدفع ثمن هذه الإهانات!!..
كانت زوجة فراس تجلس بين الأختين في المقعد الخلفي.. وإذ راحت ترقبهما بصمت، شعرت بضيق شديد لسهوهما عنها!..
كان الكلام جسراً يربطها بصديقتيها.. وكانت بحاجة مستديمة لتحسس ذلك الجسر كي تستوثق من الرباط الذي يجمعهما إليها!..
لطالما أحست بأن الصداقة لا تكفي لتخطي ما بينها وبينهما من فوارق!.. وهذا زوجها.. إنه أقرب إليهما منه إليها، لا في لون البشرة، وتشكيل تقاطيع الوجه
فحسب، بل في المظهر العام، في الطباع، والثقة بالنفس الظاهرة في جميع تصرفاته!..
كانت تعلم أن في علاقة فراس بالأختين شيئاً أعمق وأوثق من العلاقات التي تحتاج للمسامرة والحديث لدعمها!..
أليست هي زوجة فراس؟.. أليس من الطبيعي لها أن تتقفى أثره، وأن تحاول أحياناً أن تخذ من طريقته قدوة لعلاقتها بصديقتيها؟.. فإن سكتوا عن الكلام ركنت إلى
السكوت، متظاهرة بأنها تفكر هي الأخرى بأمور تشغلها عن الكلام! لكن شعورها بأنها إنما تقلد الآخرين في ذلك كان يعذبها!..
لم تكن من النوع الذي يقبل راضياً بالمقام الثاني!.. وعلاوة على ذلك، فإن هنالك أمراً آخر لا تفهمه.. فما أن يحل الصمت بينهم حتى تشعر بأن ثلاثتهم قد
أجمعوا على إهمالها!..
فراس زوجها، وفي ذلك ما يطمئنها بأنه مهما حلّق بعيداً عنها فإن بينهما خيطاً يصلهما.. يمكنها بواسطته أن تجذبه إليها!..
لكن صمت الصديقتين !.. صمت زوجها والصديقتين!.. كان في صمت هؤلاء الثلاثة ما يشعرها بأن هنالك اتفاقاً مدبراً لإهمالها!!..
لطالما رددت على نفسها بأنها حجر الأساس في صداقة زوجها بالأختين، ولولاها لما جمعت الظروف فراساً بقطر الندى وميساء!..
لكن الحوادث التي تخطتها.. وشعورها بأنها الأساس في هذه الصداقة بدأ يوهن ويبهت!..
فمن الظاهر أن ما يجمع بين زوجها بهما لهو أقوى من أن تفككه سراً، وأن تتصدى له علانية!..
لم يبق لديها سوى وسيلة واحدة.. أن تشد ما يربط بينها وبين الأختين إلى أبعد ما تستطيع.. أن تصبح أقرب إليهما من فراس!!..
وجاءتها الفرصة المناسبة حين كانوا في زيارة القصر في جنيف!..
ضحكت في سرها حين تذكرت نظرات جعفر إليها وهي تفاجئه بقولها..
_إن قطراً تود منك أمراً تخجل من أن تصارحك به!..
ما الذي أوحى إليها بهذه الفكرة؟.. كيف اختلقتها؟..
تعجب من جرأتها حين ادعت أن قطراً تود أن تبتاع بعض الحاجيات، وأنها نسيت أن تحضر معها دفتر شيكاتها إلى جنيف!.. هزأت من هذا العذر السخيف، وخشيت أن تعلم
قطر بأنها هي التي بادهت جعفراً بهذا الطلب، فأصرت على جعفر ألا يوسّط غيرها، وأن يعطيها المبلغ، فتفاجئ قطراً به صباح ذهابهم إلى باريس، على أنه هدية
لا ذيول لها!..
نظرت إلى قطر التي كانت ما تزال تحلم مغمضة العينين..
".. ما أغباك من أميرة!...."
عاد إلى ذهنها كيف أسرّت إلى قطر، حين عادوا إلى الفندق، بأن جعفراً يلتمس الأذن في أمر هدية يتردد في تقديمها!..
كم ضحكت قطر للأمر.. وما أسهل ما انطلت عليها الحيلة!.. كم سارعت في القبول حيث تأكدت أن فراساً لن يعلم بأمر هذه الهدية!..
سألت زوجة فراس نفسها.. " لماذا خشيت قطر أن يعلم فراس!؟ ".. تعجبت من نفسها.. ما الذي يهم قطر من أمر زوجها!؟..
نظرت إلى زوجها.. وكان يتأمل أشجار السنديان الباسقة المحملة بالثلج.. ما أغباه.. هو الآخر!..
أيظن أنه يحيط علماً بجميع ما يدور حوله؟!.. ما أقل فطنة الرجال!.. ماذا لو علم أنها أخذت عشرين ألفاً من جعفر في السر، على أن تسلمها لقطر الندى، يوم
سفرها إلى باريس، وأن هذه أعطتها ثلاثة آلاف منها، ثم أعطت خمسة آلاف لأختها مدعية أمامها بأنها لم تأخذ من جعفر سوى عشرة آلاف!!.. مؤكدة لها بأن لا
علم لفراس وزوجته بالأمر!..
ألم تضرب بذلك عصفورين بحجر واحد!..
ألا تشترك الآن مع قطر في سر لم تطلعا ميساء سوى على جزء منه، ومن ثم، اشتركت مع الأختين في كتمان نصف هذا السر عن فراس!..
ثم.. وهذا هو ما يثلج صدرها الآن، أليس فيما قامت به ما يساعد قطر على الانزلاق؟..
ألم تدفع بقطر، عمداً، إلى أحضان جعفر؟!..
فليعجب فراس بقطر ما شاء!.. ولينظر إليها بحنان ما شاء!.. أيظنها عمياء عما يجري بينهما؟!..
ستعرف كيف تجعل من قطر عشيقة لجعفر!!..
تنبه فراس من نومه.. نظر إلى الخلف، فوجد زوجته وصديقتيه مغرقتين في نوم عميق..
سأل السائق..
_أين نحن؟..
_لقد اجتزنا جبال الألب السويسرية، يا صاحب السمو.. نحن الآن في اﻟJuras، في فرنسا..
تبسّم لوقع " صاحب السمو " !..
عاد إلى إغلاق جفنيه.. وتنفس بعمق كأنه يعب من عبق الغابات الكثيفة الممتدة أمامه..
تذكر " باتريس "، صديق حداثته في باريس، وكيف كان يحدثه بإسهاب عن جمال هذه الغابات.. حقاً.. إنها كما وصفها صديقه، وأجمل!..
شاهد من بعيد قصراً قديم البناء..
أيكون هذا هو القصر الذي كان صديقه يصفه له، مسقط رأس أسلافه من قرون طويلة؟..
أتكون هذه القلعة التي ولد فيها صديقه؟..
لابد أنها هي.. إنها القصر الوحيد في المنطقة..
لطالما حدثه " باتريس " عن حجراته القديمة الواسعة.. وعن طفولته السعيدة، التعيسة، التي أمضاها، يلعب مع أخيه بين جدرانه القديمة.. كانت الحرب على أشدها..
والدهما أسير لدى النازيين، وأمهما الورعة لاهية عنهما بالصلاة أوبتدبير الطعام.. انقضى عامان على آخر لقاء له بصديقه.. ست سنوات من صداقة متصلة لم يشبها
من سوء تفاهم واحد.. سيتصل به، حال وصوله إلى باريس..
كم ستكون مفاجأة باتريس كبيرة!..
سيصيح على الهاتف: " مكسيم!!.. أهذا أنت حقاً!!.. " ابتسم، وخفق قلبه لهذه الصورة..
عاد فراس بخياله من اﻟ Juras ، إلى باريس، وحلق فوقها ليلتقط لها صورة شاملة في ذهنه!..
تضاعفت أصوات السيارات التي كانت تمر بالاتجاه المعاكس لهم..
تحول، في خياله، ومض الأعمدة الكهربائية المتطاير أمامه، إلى أنوار السيارات الكاشفة المتسابقة في شوارع باريس الواسعة التي كاد يحس أنه يحلق فوقها!..
اقترب من سقوف الأبنية التي كان يحلق فوقها في ذهنه، ثم راح يتغلغل في أزقتها، وبين أبنيتها القديمة، حتى كاد يشم رائحتها!..
وجّه مخيلته نحو غابة " فانسين "، نحو داره القديمة فيها.. نحو بحيرة الغاب، وسار على الطريق المؤدية نحو المصحّ..
ألا تزال " لورا " في ذلك المصحّ؟..
لقد قطع اتصاله بها منذ زواجه..
ألا يزال ذلك الجسد الواهي أسير ذلك السرير؟..
ألا تزال مشكلة الموت تحرق تلك النفس النبيلة؟..
لم تبرح " لورا " سريرها منذ انتهاء الحرب!.. خمسة عشر عاماً قضتها مكبلة إلى ذلك السرير، لا تبرحه سوى لحاجة ملحة، أو لتمضية بضع دقائق في حديقة ذلك
المصحّ!..
" لورا ".. يا آخر أعرق سلالة ملكية في أوربا!..
ليس مكانك هذا المصح.. ولا زمانك هذا العصر!..
كانت زوجته على علم بأن له في باريس صديقة اسمها " لورا ".. فظنت أنها فتاة في مقتبل العمر.. فتاة لعوب، على علاقة غرامية به!..
لابد أنها لم تصدقه حين شرح لها الأمر!..
تذكر كيف هزت رأسها صامتة حين أطلعها أن لورا سيدة جليلة قد ناهزت الستين من عمرها!..
أحس بفيض من المحبة يملأ صدره.. سيفاجئ صديقته بوصوله إلى باريس!..
سيذهب لزيارتها حالما يتسنى له ذلك..
سيضمها إلى صدره برفق، ويربت على كتفها، ويمسح بيده على شعرها الأبيض.. تبسم في نفسه.. فهو يعلم أنه لن يفعل ذلك!..
لو فعل ذلك لأجهشت لورا ببكاء قد تفيض روحها معه!..
لئن كانت نفس لورا لا تزال في الثامنة عشرة من العمر، فإن جسدها المريض قد تجاوز الثمانين!..
كانا حريصين على تذكر ذلك.. يعلمان أنه لو حدث ما يطلق العنان لعاطفتها المكبلة لتهاوى جسدها، ولما استطاع أن يتحمل شباب نفسها المكبوت، سوى لدقائق معدودات!..
images/clip_image
القسم الرابع الفصـل الرابـع
" ديجون ".. " لاروش ".. " سانس ".. " مانتيرو ".. " مولان ".. " فيل نوف " " فونتنبلو" الأشجار الباسقة.. مدخل باريس.. الأتوستراد، بأروقته الثمانية..
سيل السيارات الزاحف.. " باب إيطاليا ".. تمثال "أسد دانفير" المهيب..
الشوارع الواسعة..
أنوار ساحة " كونكورد " المتلألئة..
رذاذ النوافير..
الأحلام المضاءة..
مصابيح الغاز المتوهجة..
الإيقاع المتصاعد لحركة المرور..
دخلوا باريس مثقلين بما حمّلوا رؤوسهم من صور وأحلام..
هاهو الخيال يتبعثر أمام الصور الحقيقية.. وها هي حقيقة باريس تحتل المكان الذي ملأته أفكارهم عنها!..
حلّ النور مكان صور الخيال عن النور.. وأزاح الضجيج هدير أحلامهم عنها!..
خفّ السعاة إليهم، أمام باب الفندق، ينقلون حقائبهم.. بينما ترجلوا من السيارة، وتقدموا نحو مندوب الإدارة الذي هرع لاستقبالهم..
لم تبق في رؤوسهم بعد لحظات سوى فكرة واحدة.. أن يخرجوا من الفندق بأسرع وقت.. ليضيعوا في أرجاء المدينة..
كانت إدارة الفندق على علم بقدوم موكب الأميرات.. فهيأت له جناحين متصلين، سرّوا بأثاثهما الفخم وفوجئوا بباقات الورود المنشورة في أرجائهما!..
لم يسألوا عن مصدر الورود.. من غير جعفر يدفع ما يزيد عن الألفين ثمناً لهذه الورود الحمر في شتاء باريس القارص؟!..
تعجب فراس لأمر..
_أتشمون ما أشم؟..
ضحكت قطر الندى، وهزت رأسها موافقة..
_.. إنه عطري الذي أستعمله!!..
وأضافت هازئة..
_.. لابد أن أحدهم كسر زجاجة منه في هذه الغرفة!..
لم ينتبهوا إلى أنهم كانوا، كعادتهم، يتكلمون بالإفرنسية، لغة مندوب الإدارة، وعلى مسمع منه..
ابتسم المندوب بحرج، وقال متردداً..
_أرجو المعذرة.. ليس هذا إهمالاً منا!.. بل الأوامر التي تلقيناها من " جنيف"!..
سارعت قطر إلى سؤاله متعجبة..
_..أوامر؟.. أية أوامر!؟..
_.. الزهور.. يا صاحبة السمو!.. لقد طلب صاحب السمو.. أو صاحب الجلالة، آه.. أرجو المعذرة!.. إن الذي أوصل إلينا الأوامر هو وكيله في جنيف.. ولم أستوثق
منه إذا كان ينوب عن " صاحب السمو " أو " صاحب الجلالة"!..
قال هذا وتوقف عن الكلام علّ أحداً يزوده بما ينقصه من معلومات!.. وإذ وجدهم يتابعون النظر إليه ببرود، ارتبك، وحار فيما يقول!..
_حسن!.. وبعد؟!..
تدارك نفسه.. وأجاب..
_آه.. لقد أمرنا بأن نوزع تسعاً وعشرين باقة، أرجو المعذرة.. لقد قيل لي إن هذا هو سن سمو الأميرة!.. وأن نضع في كل باقة تسعاً وعشرين وردة حمراء.. ثماني
مئة وردة ونيفاً!!.. جميل!.. يا له من خيال شاعري!!.. إنه الشرق يا سيدتي!.. من الذي يفكر بهذه الأمور من أمراء الغرب اليوم؟!..
ثم تابع متداركا..ً
_.. آه.. لقد نسيت!.. لقد طلب منا كذلك أن نفرغ تسعاً وعشرين زجاجة عطر " جولي مدام"!!..
_تفرغونها؟.. أين؟..
_.. على الأثاث.. على الأسرة.. وعلى الأرض..
ثم تابع مسرعاً..
_.. وحيثما اتفق.. ماذا؟.. هل أخطأنا؟!.. ألسيت هذه عادات مألوفة في بلاد سموكم؟!..
نظروا في بادئ الأمر إلى بعضهم غير مصدقين!!..
كادوا ينساقون مع حاجة ملحة بالضحك.. لكن فراساً استدرك الموقف بأن أعطى مندوب الإدارة قطعة نقود كبيرة، من الظاهر أن هذا كان في انتظارها..
_.. بل لقد أحسنتم الصنع!.. إنها عاداتنا بالفعل!.. لكنكم لابد نسيتم ان تفرغوا بعضاً من هذه الزجاجات في دورة المياه!!..
بهت المندوب لما سمع.. وانطلق خارجاً من الجناح، دون أن يجيب..
كانت ميساء في الغرفة المجاورة..
عادت محتقنة الوجه، تلمع على شفتها العليا حبيبات صغيرة من العرق!..
وقفت بينهم صامتة لبرهة.. كان واضحاً أنها تحت تأثير انفعال قوي تحاول جاهدة أن تزيل معالمه عن وجهها..
انفرجت أساريرها عن ابتسامة منتصرة، وتمتمت..
_إنه آت.. سوف يأتي بعد قليل..
سألتها قطر الندى بدهشة..
_من الذي سيأتي؟.. مراد؟!..
_.. نعم.. كنت أكلمه على الهاتف.. سيكون هنا بعد عشر دقائق!..
قالت هذا، وهرعت إلى غرفتها تهيئ زينتها..
سارع كل منهم إلى غرفته.. ثم عاد فراس إلى البهو يفتح النوافذ ليخفف عن الجو وطأة رائحة العطر!..
كان أول من استعاد سكينته بينهم.. فجلس يستحثهن على الإسراع في إنهاء زينتهن، يصيح لهن، بين الفينة والأخرى، مازحاً..
_..ها هو قد أقبل!.. لقد وصل!.. لقد قرع الباب!..
عادت ميساء بعد أن بدلت ثوبها وأنهت ترتيب جدائلها..
لم تشأ أن تكون عند الباب لدى وصول مراد!.. رجت فراساً أن يقوم باستقباله، وأن يدع بضع دقائق تمر قبل أن يناديها!..
ما كادت تنهي كلامها حتى سمع قرع على الباب، فأسرعت عائدة إلى غرفتها.. بينما تقدم فراس ليستقبل الزائر..
مضت لحظات قبل أن يتكلم أحدهما!..
وقف الشابان يتفحصان بعضهما، تعلو وجه كل منهما ابتسامة هادئة..
أخفى كل منهما دهشته عن الآخر!..
ما هكذا وصفت ميساء فراساً، لمراد.. ولا هكذا وصفت مراداً، لفراس!..
رأى فراس أمامه شاباً يصغره بخمس سنوات على الأقل.. طويل القامة، شديد السمرة.. وسيماً.. بارز تقاطيع الوجه، أول ما يلفت فيه هو أناقته، يزيد في تأكيدها
استعداد قامته النحيلة لإبراز هذه الأناقة..
قال مراد بلطف محبب..
_أنت فراس!.. أميساء هنا؟..
ضحك فراس..
_طبعاً.. تفضل، ستخرج بعد لحظات!..
دخل مراد ببط، يمشي وهو ينظر إلى فراس..
جلس على أحد المقاعد، وتابع، وهو لا يزال يبتسم..
_..كانت لدي فكرة تختلف تماماً عنك في الواقع!..
فوجئ فراس بقوله.. لم يكن يعرف أن مراداً يعلم بوجوده أصلاً!..
استوضحه الأمر، فأجاب مراد..
_.. لقد حدثتني ميساء مراراً عنك.. في رسائلها طبعاً.. عن صداقتكما المتينة، ومعرفتك القديمة بعائلتها، إنها تأخذ بنصحك في كثير من الأحيان.. أليس كذلك؟..
ازداد عجبه.. وضحك في سره..
يا لها من فتاة فطنة!..
لا ريب أنها حدثت مراداً عنه، مدعية هذه المعرفة القديمة بعائلتها، كي تبرر صداقتهما، ورفقتهما المتصلة!..
كان مراد ينظر إليه وفي عينيه عجب بادٍ لم يحاول أن يخفيه..
_.. كنت أظنك كبير السن!!.. على أبواب الشيخوخة!..
_حقاً؟.. وماذا وجدت؟!..
ضحك مراد..
_.. وجدت شاباً في مثل سني!!.. أصحيح أنك متزوج؟..
صمت مراد برهة، وغير مجرى الحديث، سائلاً..
_.. ما بالك ترتكز على هذه العصا؟.. أهنالك ما يؤلم ساقك؟..
قال ذلك بشيء من اللهفة كمن يهمه حقاً هذا الأمر!..
وإذ أوضح له فراس أنه يعاني من ألم في إصبع قدمه، بدأ يشعر به منذ أسابيع، سارع مراد إلى إبداء النصح، وأصر عليه أن يراجع طبيبه الخاص في باريس!..
أبدى من الاهتمام بعلته ما لم يستطع فراس إزاءه سوى أن يتساءل عن دوافع هذا الاهتمام!..
حار في العثور على جواب شاف، لم يزح هذا السؤال من ذهنه قبل أن يكرر على نفسه القول بأن ميساء كانت جد مخطئة في فهمها لمراد!.. إذ رغم أنه لم تمر دقائق
بعد على معرفتهما ببعض، فمن الظاهر أن مراداً ليس ذلك الأناني المتعجرف الذي لا يرى في الكون وفي الآخرين سوى مكان وأدوات لتحقيق نزواته!..
نهض فراس يعلن لميساء حضور زوجها، فدخلت هذه ببساطة واتزان، وتبعتها قطر الندى، ثم زوجته..
عادوا إلى الجلوس، بعد أن أزاحوا من المقاعد ما هيأ لهم جلسة دائرية، وبدأت ميساء حديثاً وجهته إلى مراد، اشتركت بدورها فيه قطر الندى، ثم زوجة فراس..
بينما راح فراس ينظر إليهن، ويتسلى بصورة تمر في خياله، يزيح فيها مراداً من مقعده ليضع فيه هلالاً، فلا يتبدل في الجلسة الدائرية شيء، سوى لهجة هلال،
والمواضيع التي تهمه، تتناولها هؤلاء النسوة الثلاث بنفس الاهتمام ونفس الدلال!.. ثم يزيح هلالاً من ذلك المقعد، ليضع جعفراً مكانه، ومرة أخرى، لا يتغير
إلا اللهجة، وموضوع الحديث، ويبقى اهتمام النسوة على ما هو عليه.. فلا يتبدل التصنع ولا يخف الدلال!..
كان فراس ساهماً يحرك مقبض عصاه الفضية على خده..
شعر أن مراداً يحدق فيه لسبب خفي عليه..
أحس بحرج إذ انتبه إلى أن طرف المقبض بات بين شفتيه، وأن مراداً ينظر إليه بإلحاح وهو على هذا الوضع..
اجتاحه حرج طفولي.. كأنه ضبط وإصبعه في أنفه..
لم يشأ أن يغير وضع العصا، بل تابع تحريكها بين شفتيه بإصرار!.. ماذا في الأمر؟!.. أليست عصاه هو؟!.. ومقبضها نظيف.. ومن الفضة الخالصة؟!.. ما لمراد يحدق
به وكأنه يقوم بأمر مشين؟!..
أمر، قام به مراد، بقي في ذهن فراس دون تفسير!..
وجّه سؤالاً لميساء، وفي الوقت ذاته، مد يده نحو فراس، مشيراً إلى أنه يود منه أن يعطيه العصا..
فوجئ فراس بذلك.. وناوله إياها، وإذا بمراد، في الوقت الذي كان يصغي فيه إلى جواب ميساء، يمسك بالعصا أمامه، مثلما كان فراس ممسكاً بها، ودون أن يمسح
البلل عن مقبضها، يضعه بين شفتيه، ويحركه كما كان يحركه فراس!..
أخفى فراس عجبه.. نظر إلى ميساء مستطلعاً، فأجابته بإشارة من حاجبيها كمن تقول له إن حركة مراد صبيانية، لا يجب الانتباه إليها!..
لكنَ عجباً بقي في ذهنه إثر تلك الحادثة..
تساؤل، لم يفارقه لمدة طويلة!..
كان على مراد أن يترك باريس لأمر هام في اليوم التالي، أو هكذا ادعى، فأصرَ في دعوتهم لقضاء السهرة معه في مربع ليلي محبب إليه.
لم تكن ميساء بحاجة لهذا الإصرار!..
قبلت دعوته على الفور.. وكان على الجميع أن يقبلوها إسوة بميساء، ونزولاً عند رغبة الأمير، زوجها!..
كان الوقت قد تجاوز التاسعة مساءً.. فتركهم مراد على أن يعود بعد ساعة ليقلهم إلى مكان السهرة..
ما كاد يخرج من البهو.. حتى هرعت النساء إلى غرفهن مرة أخرى!..
ميساء.. تتذمر لضيق ما تركه لها مراد من وقت.. ولشعورها بالتعب من جراء رحلتهم الطويلة..
قطر.. تتحسر على ما سهت عن إحضاره من مجوهرات يليق إظهارها أمام الجميع في مثل هذه السهرة!..
أما زوجة فراس، فغابت في غرفتها دقائق، ثم عادت إلى البهو، حيث كان فراس لا يزال غارقاً في تأملاته..
طالعته قائلة والدموع في عينيها..
_فراس!.. لن أذهب معكم إلى هذه السهرة!..
سألها عن السبب، فدهش إذ سمعها تقول متذمرة..
_.. تود أن تعرف لماذا؟.. لأن ميساء، وقطراً سترتديان أجمل ما لديهما من ثياب!!..
سألها حائراً متعجباً..
_وماذا يضير؟.. ألا تجدين أن هذا أمر طبيعي؟..
_وما الذي أقتنيه من ثياب السهرة؟..
_.. إن ما عندك لا يقل أناقة عما لديهما!..
بادرته بما كان يحرقها منذ البدء..
_.. ها!.. سترتدي قطر معطف " الفيزون "!.. وستعطي فروها الرمادي لميساء!.. ستتحليان بأغلى المجوهرات!!..
وتابعت، وقد أجهشت فجأة بالبكاء..
_ما الذي عندي من فراء أو مجوهرات ثمينة؟!.. سأبدو كخادمة بينهما!!..
امتعض فراس من بكائها.. واشمأز من وجهها المتلوي..
تذكرذلك الوجه يوم أعطاها ساعة جعفر الماسية!.. تذكر انفراج فمها العريض.. وتحديق عينيها!..
ماذا تود؟.. أن تخدع نفسها.. أم الآخرين؟!..
ألم يعد في هذا الجسد القصير المترهل نفس تحترم ذاتها؟!..
دخلت قطر الندى البهو في تلك الأثناء وتساءلت متعجبة عن سبب دموع زوجته، فلما أخبرها، ضحكت منهما..
_أهذه هي المشكلة؟.. تعالي، إن عندي ما سيصلح كل شيء!..
ولما نظر إليها فراس مستنكراً، ضحكت منه..
_..كفاكما صبيانية!.. أتود تعقيد الأمور أم تبسيطها؟!..
دخلتا غرفة قطر مسرعتين.. ولما خرجتا منها، كانت زوجته تحيط كتفيها بفرو ثمين بني اللون، ويتدلى من أذنيها قرطان ماسيّان لم تكن قطر بحاجة إليهما لتلك
السهرة!..
نظرت زوجته إليه، والزهو يملأ عينيها..
_.. ألا أبدو جميلة هكذا؟..
قالت ذلك، وتبخترت أمامه يمنة ويسرة!..
ودّ لو يقول لها.. " قد تبدين أكثر أناقة وثراء من السابق.. لكنك لن تصبحي جميلة مهما حاولت!!.."
لئن كان في النفس أحياناً ما يعوض عن نقصٍ في جمال الوجه.. فنفس زوجته، لم تكن غير قادرة على مثل هذا التعويض فقط، بل كانت تزداد قبحاً يوماً بعد يوم!..
* * *
أمضوا سهرة، لعل زوجة فراس كانت الوحيدة التي استمتعت بها!..
عادوا إلى الفندق واجمين..
ما هكذا كان فراس يود أن يقضي أول ليلة له في باريس بعد غيابه الطويل عنها!..
تذكر كيف دخل الملهى، برفقة مراد، يتبعهما زوجتيهما وقطر الندى، وكيف فوجئ بوجود مدعوين آخرين، رفاقٍ لمراد، كانوا في انتظارهم في ذلك الملهى..
كان من بين المدعوين ثلاثة سيدات إفرنسيات ما إن تقدمن لاستقبالهم، حتى بانت رشاقة أجسامهن وأناقة ملابسهن البسيطة، فأظهرن تكلف صحبه بما كنّ قد تلفحن
به من فراء!..
سارعت ميساء إلى رفع فروها، كي تظهر ثوبها الأنيق..
لحقتها بذلك قطر الندى، كي تكشف ما حمّلت به صدرها من مجوهرات..
أما زوجة فراس، فأصرت على أن تظل ملفوفة بفروها، مدعية البرد، رغم دفء الملهى، كي لا يلاحظ الحاضرون أن ليس لها ما لقطر الندى من مجوهرات، أو أن ثوب ميساء
أكثر أناقة من ثوبها!..
لم يجلس مراد بينهم.. بل تابع سيره نحو الراقصين برفقة إحدى مدعواته الإفرنسيات، وما إن توسط حلبة الرقص، التي لم تكن قد اكتظت بعد، حتى بدأ يتلوى مع
رفيقته على أنغام إيقاع الموسيقى الصاخب!..
امتعضت ميساء في بادئ الأمر.. لكنها، ما إن رأته مندفعاً في الرقص، ورأت إجادة رفيقته في متابعته، والاستجابة لما كان يبتكره من حركات، حتى شكرت حظها
الذي أعفاها من هذه التجربة!..
كانت، رغم ذلك، تتحرق لأن تكون مكان هذه التي يراقصها مراد!..
شردت قليلاً.. كم كانت تود لو أن باستطاعتها أن تقف وسط الحلبة وحيدة وتصعق جميع الحاضرين بتلويها!.. تبذهم الواحد تلو الآخر، ثم تخرج من الحلبة، لا بصحبة
مراد، بل برفقة أجمل شباب باريس!.. برفقة هذا الزنجي الذي يتصبب عرقاً.. بل بصحبة ثلاثة منهم إن لزم الأمر!.. يصيح مراد " أين تذهبين ".. فتنظر إليه
شزراً، وتقول له بسخريتها التي تجيدها.. " وما شأنك أنت؟..اذهب وتعلم الرقص"!!..
طالت الموسيقى..
تتابعت الرقصات ومراد على حاله مع رفيقته في مرح ولهو!..
وبعد سلسلة طويلة من الأنغام الصاخبة، هدأت الموسيقى، وعلا صوت لحن محبب قديم..
توقف الكثيرون عن الرقص وعادوا إلى مقاعدهم، مترنحين، ليحل مكانهم على الحلبة هواة الرقص الحالم.. يتسابقون ليحتضنوا بعضهم لفترة دافئة حالمة..
أقبل مراد نحوهم ضاحكاً..
أوصل رفيقته إلى مقعدها، ثم تقدم إلى حيث كانت تجلس ميساء وأصحابها..
خفق قلب ميساء!..
سيطلبها إلى الرقص لا محالة!..
لاريب أنه انتظر هذا اللحن الشاعري كي يراقصها على نغماته.. وستعرف كيف تستجيب إلى خطواته!..
تناول مراد مقعداً شاغراً..
ألقى إلى ميساء بابتسامة عابرة.. ثم جلس على ذلك المقعد قرب فراس!..
لحظات، وشرع معه في حديث وفكاهات عن عازفي الجوقة الذين كان يعرفهم شخصياً، والذين طالما تابع السهر برفقتهم بعد انتهاء ساعات العمل..
بان امتعاض ميساء واضحاً على وجهها.. وشاركتها قطر الندى هذا الامتعاض!.. لم يكن هنالك ما يمكن أن تقوم به الأختان للأخذ بزمام الموقف!..
بدأت قطر الندى بإشارات خفية لفراس، تومئ له فيها أن يكف عن محادثة مراد، ليتيح له طلب ميساء للرقص..
حاول فراس أن يفهمها أنه لا يتكلم مع مراد، بل يصغي إليه فقط!..
لم تأبه لإشاراته!.. لابد أن ميساء تظن أنه يلهي مراد عنها!..
ضاق بوضعه.. وحار فيما يفعل..
أحس بحرج شديد لم يجد إزاءه مخرجاً سوى أن يقول لمراد ضاحكاً..
_ياله من نغم جميل.. هل تجيد الرقص البطيء؟..
_..طبعاً!..
ونهض مراد على الفور، يطلب الفتاة الإفرنسية مرة أخرى، ليظهر لفراس براعته في الرقص على ذلك الإيقاع الحديث!..
لعل زوجة فراس كانت واعية لما خيم على الآخرين حولها من حرج.. لابد أنها انتبهت إلى ما يدور بينهم من إشارات!.. لكنها جلست غير عابئة لما يجري حولها!..
أشار مراد إلى فراس بالرقص مع مدعوته الإفرنسية الأخرى!.. وكانت هذه قد لاحظت إشارة مراد، فنهضت، تلبية لإيماءة الأمير، تنظر نحو فراس، وتنتظر أن يتقدم
لطلبها!..
لم يجد فراس بداً من الذهاب إليها!..
لحظات.. وكان هو الآخر يتهادى على الحلبة، ويحس، رغم البعد، بنظرات زوجته وصديقتيه وقد أضحت نقمتها عليه دون مراد!..
ما إن فرغوا من الرقص وأعاد رفيقته إلى مقعدها حتى أشارت إليه ميساء بأن صداعاً شديداً قد ألم بها.. وطلبت أن تعود على الفور إلى الفندق!!..
دخل فراس غرفته مرتاحاً إلى أن السهرة لم تطل، سعيداً بأن مراداً رافقهم حتى الفندق، وبذلك لم تتح لصديقتيه الفرصة كي تفرغا أمامه ما في جعبتيهما من انتقادات..
كانت الساعة قد قاربت الواحدة صباحاً..
كان سريره في غرفة منفردة تتصل بغرفة زوجته، فما إن أغلق بابه، واستلقى على الفراش، حتى تناول الهاتف الذي بجانبه، وأدار رقم المصحّ، حيث تقيم صديقته
" لورا"..
images/clip_image