ـ 1 ـ
ـ بدر الدين أفندي أريد أن أذهب معكم .
ـ إلى أين ؟
ـ إستنبول .
ـ أنت يا جبر مجنون !!
الحذر والترقب انتشرا في المكان ، بلغ الخوف مداه ، وكل جانب يوشك على الهجوم ، هبت ريح رطبة من جهة الشمال ، أما في الغرب حيث لا يبتعد البحر ، تبقّعت الســماء بلون أرجواني ، بعد أن مالت الشمس كثيراً حتى صارت قريبة من السقوط في لجة الماء ، تشـابكت قتـامة الأشجار بريش العصافير وصدور الغربان ، الطيور عائدة إلى أعشاشها ، حفيف الأغصان يرتفع وهي تصك بعضها في تناغم مثير ، موحش ، يتردد صداه في امتداد الأرض المزروعة إلى حافة الوادي ، يغوص الصوت في جرف الوادي الذي تسيّجه أشجار التين الشّوكي ، فكأنها رءوس الشياطين تمتد على الجانبين "كلما مال قرص الشمس ازداد عمق التناقض بين الثبات في الحفرة ومغادرتها ، ولم يكن تسلّل البعض من الحفر زاحفين في الّليل إلا هروباً من قدر إلى قدر ، فالهارب له الموت ، والرابض له الموت ، بين نارين ينتظرون ، وبين تناقضين يؤدون التحية العسكريّة ، في البرهة بين موت وموت كيف يمكن أن تنتزع الروح وتنجو بها ، تلك أقدار ، وقدرة لا يقدر عليها إلا صاحب حظ عظيم ، ومن أين يأتي الحظ في الحفرة ، والعيون تستمر في تمشيط المسافات أمامها ، تستطلع ، وتحاول أن ترى ، بأمعاء خاوية ، ورؤية توشك أن تصبح قرينة العشى الّليلي بعد أن طال الانتظار " .
يستمّر المساء في الإظلام مصحوباً بصرير غير مفهوم ، من حشرات معروفة وغير معروفة ، السماء الأرجوانية تتحول شيئاً فشيئاً إلى لون رمادي ، ثم تبدأ خيوط العتمة بطمسه خيطاً فخيطاً . سقطت الشمس ، تبدّلت سحب الأرجوان وانتهت السحب الرمادية ، خيّمت على الأرض عباءة ليل دامس ، لم يبقَ في الحفر إلا مَعِدَات يسدّ جوعها بعض البقسماط ، ولفائف تبغ تضطر مُشعلها إلى الاستعانة بزملائه ويديه كي يُخفي اتّـقادها ، في الحفرة عينان إلى الغرب ، عينان إلى الجنوب ، وعينان تدوران خشية المباغتة .
ارتفع نباح الكلاب ، وأحياناً عواء الذئاب ، المكان مرتفع لكن أحداً لم يستطع رصد شيء غير عادي ، رغم أنهم باتوا يتوقعون أن حدثاً كبيراً سينقضّ مرة واحدة " اشتباكات الليالي الفائتة أنهكت المقاتلين ، وقضت على كثير من عتادهم ، أوشك الطعام على النفاد، والذخيرة المتبقية تكفي لليلتين ، الإشارات تقول إن المدد قادم ، أُقنع جنودي أنه سيصل الّليلة أو التي تليها على الأكثر ، أرسلتهم في النهار إلى القرى المجاورة وراء الخطوط الخلفية ، لجلب الطعام من الأهالي منة وبقوة السلاح ، الكل جائع وجوع الجنود كافر ، لا بدَّ من توفير ما يسدّ رمقهم حتى يصل المدد ، قطار الإمداد قد يصل الّليلة من "اسكودار" مغادراً محطة حيدر باشا ، ماراً ببيروت وحيفا ، رغم أن اليأس دبّ في نفوس الجند وقنطوا من وصوله ، ولم تعد كلماتي ذات معنى بعد أن صارت وجبات الطعام نصف وجبة في الضحى ، وأُخرى بعد المساء .
التراجع بدأ من أيام ، من حفرة إلى حفرة خلفية ، ما بين الحفرة والحفرة هروب جند ، نقص طعام ، ندرة سجائر ، وأوامر أكثر شدة، أطلقت النار قبل يومين على أحدهم ، شاهدته يزحف تاركاً حفرته بعد أن تخفّف من كل أحماله ، انتبهت له بعد أن زحف أكثر من عشرين متراً خارج الحفرة ، وبمجرد أن وقف ليطلق ساقيه للريح بين الأشجار الكثيفة ، كانت يدي أسرع منه ، أطلقت عليه طلقتين ، ولما وصلته أمرت جندياً بالإجهاز عليه بطلقة ثالثة فأرداه قتيلاً ، الجنود صاروا يخشون تكرار المحاولة ، تجدّد الاشتباك في تلك الّليلة فرد الجنود دون تبذير مخزون الرصاص ، سقط منهم من سقط ، وظل الأزيز وصوت الدانات متواصلاً ، ولمّا ساد الصمت عند الفجر ، ضاعفنا التحصينات ، دفنّا مَن سقط ، ومكثنا في انتظار المدد " .
القائد بدر الدين حكمت تفقّد الجنود والمكان ، هرب بفكره بين بصاطيرهم المعفّرة بالطين "من فينا يدرك أنّه قد ينهزم عند المغامرة ؟ ذاك الجندي غامر بالفرار لينجو . كل المغامرين يعتقدون أنّهم سينجحون ، لذا يغامرون ، وينتهون . من يغامر مرة وينجح , يعشق ذاته ، يمجّد نفسه ، تعلو عنده روح القدرة ، يهزأ من فكرة الخوف والجبن فيعاود الكرّة بعزيمة أوهن ، وحذر أقل ، وانتباه أدنى، تتزين السهولة في عينيه ، فيغترّ . وَيُـقْدِم على مغامرة جديدة فينهزم ، ويسقط أبشع سقوط " .
اكتشفوا في الصباح أنّ القطار لم يصل تلك الّليلة ، انتظروه في النهار التالي دون جدوى ، تمكّن منهم يأس شديد ، قلق عميق ، خوف أكبر من المجهول ، أن يُتْرَكوا هكذا دون مدد . لم يكن بإمكانهم سماع صوت القطار أو صافرته ، لكنّ أخباره لو وصل ما كانت ستتأخر كثيراً عنهم ، عيونهم ترقب الجهة التي يتوقعون وصول خبر القطار منها ، إلا أنه لم يأتهم منها إلا بعض الخبز والماء والزيتون والملح من الأهالي الفقراء في غزة والقرى المجاورة ، جلبها العسكر بالقوة والتخويف ، وأحيانا سلباً ونهباً باسم دولة الباب العالي .
استمرّ هدوء الّليلة ، لم يحاول أحد إطلاق رصاصة ، الأنظار تتابع ما يجري في الجهة المقابلة حيث انتشرت استحكامات العدو ، لكنّها كانت متابعة يائسة في انتظار حلول معجزة أو كارثة ، كل منهم استشعر تفوّق العدو من أيام ، لكنها الأوامر ، ومصير مخالف الأوامر هو مصير الجندي الذي حاول النجاة بالفرار ففشل ، يتجوّل القائد في المكان ساهماً " إلى متى ينتظر المقاتل اليائس ؟ أيّنتظر صدفة تنقذه ؟ أم يحاول الإفلات علّه ينجو بنفسه ؟ سؤال الحياة والموت يقلق المنتظرين الذين راهنوا على العتاد والذخائر ، ننتظر وصولها وما وصلت ، ولم تهب النجدات لنجدتنا ، لا من إستنبول ، ولا من الشام ، لا من البحر ، ولا من البرّ ، كأننا في هذه الحفر على أبواب المجهول ، في قبور مفتوحة لا نعرف متى تردم فوق جثثنا ، الغثيان وصل مداه ، النفوس المشحونة بالغضب والجوع والقلق أنهكت تفكيرنا " .
وحده القائد يتجوّل بينهم ، يراقبهم ، يتأمّلهم ، لا يبتسم ولا يغضب، ولا تبدو على ملامح وجهه أيّة تعبيرات يمكن قراءتها ، أو الاستنتاج منها ، وجهه لوح خشب ، قطعة من جدار ، ليس فيه سوى عينين ثاقبتين زرقاوين تدوران في محجريهما ، كأنه آلة تتحرك ، يصدر التعليمات ثم ينكفئ على ذاته بين مساعديه الثلاثة في خندق من خنادق المقدمة ، لا يدري ما تخبئه الأيام القادمة ، الآن لا يرى جنود العدو ، فإذا ما جَنّ الّليل تغطت الأشجار بالظلام ، وانتُزعت الألوان من الوجوه فتغدو لوناً واحداً . الأرض مكسوّة بعشب كثيف وطري ، يحاول بدر الدين الاسترخاء بالتمدد علّه يريح أعضاءه ، يتمتم بلغة غير مفهومة لمعظم عساكره من الجنود العرب ، الذين جمعهم من القرى والمدن خلال زحفه من الشمال إلى الجنوب ، وفي كل يوم كان يعرف أن عدداً من جنوده فرّوا ، في كل قرية ومدينة عربية يفرّ المجندون الإجباريون من أبنائها ، الأهالي يشعرون بالغضب من الترك الذين جوّعوهم وأهملوهم وأفقروهم وسلبوهم كل شيء ، ودفعوهم لمحاربة الإنجليز الذين جاءوا لإسقاط دولة الخلافة والاستيلاء على تركتها ، أُجبروا على ترك بيوتهم ، ومزارعهم ، وقراهم ، ومدنهم ، وتوجهوا جنوباً نحو الجبهة لصد القوات الإنجليزية ، جلبوهم لحرب لا يعلمون عنها وعن ظروفها شيء ، كلّ ما عرفوه ، أن عليهم محاربة الإنجليز حتى الموت والشهادة ، وصمتوا خوفاً على سلب أرزاقهم ، كلمة "فرار" تدرج أمام اسم كل من يترك موقعه ، ولم تنج القرى من تفتيش متواصل بحثاً عن الفارّين لإعادتهم عنوة إلى مواقعهم ، شدّة الفقر جعلت الفلاحين يتركون أراضيهم بوراً ، فهم لا يستطيعون دفع ضرائبها ، ولا توفير البذور لزراعتها ، يفرّون خوف الجلد أو السجن ، يتساءلون كلما رأوا الأتراك يُصَـلّون في مواعيد الصلاة .."كيف يقوم الأتراك المسلمون بهذه الأعمال ضدّ مسلمين مثلهم ؟ حتى جباة الضرائب يُصَـلّون في مواعيد الصّلاة ويجلدون في مواعيد الجلد " .
الصمت والسكون يلفّان عتمة الّليل ، لم يحاول أحد إطلاق رصاصة .
ـ ممنوع إطلاق النار .
ـ حاضر أفندم .
أمرَ القائد بدر الدين رغبة في كسب الوقت ، حتى يصل قطار النجدة محمّلاً بالجنود والعتاد والذخائر ، اقتيد بعض الفارين بعد إلقاء القبض عليهم إلى الجبهة ، وهم الذين اقتنعوا أنهم يحاربون معركة ليس لهم فيها مصلحة ، بعد أن بلغ بهم الجوع حدّ البحث عن بقايا الحبوب في روث البهائم ، سخّر الترك كل شيء للحرب ، ساقوا الناس معهم بالحديد والكرباج والمشانق ، ولم تعد دولة الخلافة في نظر المقاتلين العرب هي التي تمثلهم ؛ لأنها لم تنصفهم ، فكانوا ينتظرون أيّة فرصة للخلاص منها ، كل ما أرادوه من الحرب الخلاص من الجلد والحبس ودفع الضرائب .
القائد بدر الدين حكمت يتأمل مساحة الظلام حوله ، حيث يتخندق جنوده في مواقعهم .." أعرف الآن أن عزيمة جنودي صارت في الحضيض ، وكل الكلام عن الجنّة والنار ، الجهاد والاستشهاد ، الهزيمة والانتصار ، صار مجرد كلام بلا معنى ، تفجّرت الأوضاع ضدّنا في الشام ، الإمدادات لم تصل ، وقطار النجدة الذي وعدوني به لم يأت ، ازداد الفارون ، ومجموعة الجنود التي تقدمت تستطلع ما يدور في جانب العدو أبلغتني الليلة أن الإنجليز وصلتهم قوات جديدة وذخائر وعتاد ، وحفروا خنادق جديدة ، أبرز ما لاحظه المستطلعون كثرة الخيول .. أما نحن فإذا كنا لا نستطيع أن نجد طعاماً للجنود ، فكيف بعلف الخيول ؟! تُحوّم داخلي أفكار عديدة، أنا وضباط القيادة الذين معي على الجبهة نعرف أن الخيول ليست مجرد خيول ، إنما خيول تجرّ مدافع الحرب ، الآن يبدو الموت في الثبات والفرار , في الحرب والاستسلام . لا مفرّ من الموت ، فكيف أنتزع الحياة لي ولجنودي ؟ أريد فكرة تنقذ الموقف ، وكيف للأفكار أن تصفو وأنا في هذا التوتر والقلق ؟! لا تأتيني النجدة .. والذخيرة توشك على النفاد ، ولا أرى حلاً في الأفق " .
القائد بدر الدين حكمت القادم من ضواحي إستنبول ، يدرك كيف بدأت دولة الخلافة تتراجع بفعل الحروب والنزاعات ، يتساءل .." مَنْ يستطيع أن يقف كما وقف السلطان عبد الحميد ليقول بالفم المليان لا لهجرة اليهود إلى فلسطين رغم كل الضغوط عليه . وإذا كانت دولة الخلافة أُنهكت ، وينتظر الفرصة كثيرون ، فلماذا يتشدّد سلطاننا عبد الحميد ؟ وها هو جمال باشا قائد الجيش الرابع يثير بمشانقه في الشام الحقد والكراهية ، على إستنبول والباب العالي فيها " .
استشعر الترك رغبـة العرب في الاستقلال ، لم تنشأ هذه الرغبة إلا بعد الانقلاب العثماني الذي حدث سنة 1908 ، والهدف الحرية والإخاء والمساواة بين الترك والعرب ، والأرمن ، واليونان ، والأكراد ، والألبان ، لكنّ أنصار حزب "تركيا الفتاة" بذلوا جهودهم لتقدم العنصر التركي على غيرهم ، عملاً بالفكر القومي ، فدبّ الخلاف بين العرب والترك ، وتطلّع العرب للاستقلال ، فنشأت تجمعات في مدن عربية عديدة تطالب بالاستقلال ، وأقيمت في القدس فروع لبعضها ، ارتفعت الأصوات المطالبة بالإصلاح الإداري ، ومُنِح العرب بعض الامتيازات ، ولمّا تأكدوا من مخادعة الترك لهم نادوا بالاستقلال ، غضب الترك وساندوا جمال باشا لكسر شوكة العرب في الشام ، فأقام في جبل لبنان ديواناً عسكرياً عُرف بديوان "عاليه" . وساق من قبض عليهم من رجال الحركة العربية إلى هذا الديوان العسكري ، فحكم على بعضهم بالسجن أو النفي ، ونُفذّ حكم الإعدام شنقاً بعدد من قادة العرب في بيروت والشام والقدس ، وأُعدم أربعة من الفلسطينيين : علي النشاشيبي من القدس، وأحمد عارف الحسيني وولده مصطفى من غزة ، وسليم عبد الهادي من نابلس . وفرض جمال باشا على البلاد العربية حصاراً اقتصادياً فانقطع القمح ، وتردت أحوال الناس خاصة وأن المواد الغذائية كانت تأتي من الخارج . " كيف الخلاص ؟ لو وصلت الإمدادات والذخائر ، لبدأتُ الّليلة الهجوم الكبير ، لكن والحال هكذا فلا بدّ من الانتظار ، لو كنتُ ذا القرنين لحشرتهم بين تلّة المنطار ووادي غزة وساحل البحر، وَغَلّقْتُ عليهم المنافذ بالجنود والرصاص ، فلا يتمكنون من الفرار . وتلا بصوت خفيض : " بسم الله الرحمن الرحيم .. قالوا يا ذا القرنين إنّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خَرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سدّاً . قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً . ءاتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال ءاتوني أُفرغ عليه قطر . فما اسطعوا أن يظهروه وما استطعوا له نقباً . قال هذه رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقاً " . " آه لو أن الله يرسل عليهم طيراً أبابيل تتخطّف أرواحهم واحداً واحداً لا يُفَـلّت منهم روحٌ ، سأنتظر الّليلة ، قد يأتي الفجر القادم بالقطار ، اللعنة على هذا القطار الذي لم تهل بشائره حتى الآن ، كأنّي بـ "توب كابي سراي" بإستنبول قد حدث فيه ما زلزله ، فنسي ساكنوه أبناءهم هنا بين تلّة المنطار ، ووادي غزة والبحر ، في مواجهة عدو يتأهّب كل ساعة للانقضاض ، يا الله، لو يأتي المدد ونباغتهم ! ترى هل تحدث المعجزة ! الساعات القادمة تقرّر ذلك ، فإما أن أعود إلى "كليوس" حيث أسرتي وأطفالي وأمي وأبي ، أو أدفن بجوار شجرة من أشجار الزيتون هذه ، أو تتخطّف لحمي جوارح الطير . اشتقت لأخذ أطفالي وزوجتي إلى شاطئ البحر ، يٌغطّسون أقدامهم في مائه ، ويدفنونها في رمال شواطئه ، وأحقق وعدي لأبي باصطحابه للصلاة يوم الجمعة في جامع السلطان أحمد .
حين تسلّمت الأمر بأن أكون على قيادة الجند في جنوب غزة ، فهمت أن الأمر خطير بعد الهزائم التي حدثت ، حارب جيشنا الإنجليز ، والروس ، والفرنسيين ، في جبهات القفقاس ، والدردنيل ، والعراق ، ورومانيا ، وتراجعنا على هذه الجبهات ، خسرنا معظم ما كان بأيدينا من أراض ، وها نحن عند وادي غزة في فلسطين ، فإذا تقدم الإنجليز سيضيع منا بيت المقدس . تعوّل القيادة عليّ لصدّهم ، زودتني بكل شيء ثم انقطع كل شيء ، أتلقى وعوداً وأنتظر سراباً ، والرجال لا يقاتلون دون خبز وذخائر إلا في الأحلام ، العرب الذين نجبرهم على التطوع معنا لم ندربهم على فنون القتال ، أتينا بهم من المزارع والحقول مباشرة إلى الجبهة ، تدريبات خفيفة ثم يحملون بنادقهم ويتولّون الحرب والحراسة . ساخطون علينا ، فما من واحد منهم إلا وترك وراءه أسرة تتضوّر جوعاً ، أرى زوجتي جان سو وقد غادرتْ المدينة إلى بيت والدي في الريف ، تقف في فتحة الباب المطلّ على حقل والدي المزروع بأشجار التّين ، يتنطط أطفالي على العشب ، يطاردون الفراشات الملوّنة يحاولون اصطيادها . وأنا هنا أحاول اصطياد فكرة لإنقاذ الموقف ، لا بدّ أن والدي ووالدتي يصليان الآن في جوف الّليل من أجل سلامتي ، وتداري أمي دموعها كلّما رأت أطفالي ، أما زوجتي ؛ فقبل مغادرتي حين انتزعوني منها إلى الجبهة ، ثبّـتت صورتي على الجدار في مواجهة سرير نومها ، ذكرتني بأيام زواجنا الأولى ، وتمتعنا على شاطئ البحر عند المضيق ، وفي الحقول الخضراء حيث يقع حقل والدي ، والأسواق الشعبية التي زرناها في إستنبول ، قالت : عندما تعود سنذهب لشراء العطور والملابس من سوق "قبالي تشارشي" ، ونعبر المضيق بالبابور ، همست والدموع تترقرق في عينيها : ستظل معي في كل لحظة حتى تعود ، وحشرج صوتها " .
خنقه تذكر زوجته وأطفاله ووالديه فخرج من الخندق ، يدور على الجنود يطمئن إلى انتباههم وتيقظهم ، لاحظ فراغ بعض الخنادق .. " فارون آخرون كالعادة ، في هدوء الّليل وعتمته يزحفون إلى الأرض القريبة المزروعة بأشجار الزّيتون ويطلقون سيقانهم للريح ، يأخذون معهم كل عتادهم فيبيعونه ، ويعودون إلى قراهم لشراء الشعير وطحنه وخبزه لإطعام أطفالهم وأسرهم ، كأنهم بفرارهم يحسمون نتيجة المعركة ، الجنود يقرّرون والقادة يستسلمون لقدرهم ، وها أنا أحاول ألا أستسلم ، إذ يؤازرني قليل من الجنود الذين لا يفرقون بين الموت والحياة ، وينتظرون الفرصة لتحقيق الانتصار . أرى معظم الموجودين في خنادقهم من جنود الترك والعرب من القرى والمدن البعيدة ، يفضّلون البقاء حتى النهاية ، وكلنا لا نعرف متى ؟ ولا كيف ؟ ستكون النهاية " .
مرّت الّليلة على أقسى ما يكون القلق ، وفي النهار التالي بدا الانتظار قطعة من النّار ، مرّ بطيئاً ثقيلاً ، تسارق الجنود فيه بالتناوب بعض الطعام والنوم ، الّليل يخيّم ، القائد بدر الدين حكمت بدأ يفقد حكمته وصبره قبل أن تبدأ الحرب ، خذلته قيادته ولم ترسل له شيئاً ، رتّب جنوده ، خندقهم في الحفر ، ووفّر لهم من الطعام ما استطاع من المناطق المجاورة ، ورغم أنه لم يبد لهم ما أهمه ، إلا أن قلقه وفقدان صبره ظهرا على وجهه ، فالذين جلبوا الطعام من المناطق المجاورة ، نقلوا أخباراً سيئة عن التراجع على كل الجبهات، وتجرّأ بعضهم للتلميح إلى أن البقاء هنا لا مبرر له على الإطلاق .
وجّه كلامه إلى جندي طالما أُعجب به وقف إلى جواره :
ـ من أيّة قرية يا جبر ؟
ـ من بيت دراس أفندم .
ـ بعيدة عن هنا ؟
ـ شّرق أسدود .
ـ وأسدود بعيدة ؟
ـ على طريق يافا ؟
ـ لك أرض ؟
أجابه بتردد :
ـ كبيرة لكنّها ..
ـ أعرف .. أعرف .. لا تُغلّ طعاماً ، فكيف بالضرائب !
ـ مضبوط أفندم .
ـ والقدس ؟
ـ مسافة نهار عن قريتنا .
ـ صلّيت في القدس ؟
ـ صلّيت فيها ثلاث مرات .
قال مستصغراً العدد :
ـ ثلاث مرات ؟!
ـ بعيدة وليس لنا فيها عمل أفندم .
ـ وأنا دخلتها يا جبر .
ـ بدر الدين أفندي احكي لنا عن إستنبول وجوامعها وبحرها وبوابيرها .
ـ أنت مجنون يا جبر ! هذا وقت حكايات عن إستنبول ؟!
ـ آه .. معك حق أفندم .. بعد الحرب .
ـ بعد الحرب يا جبر .
ارتفع صرير الحشرات من تحت الصخر وشقوق الأرض ، ووصل وميض النجوم بعد الثلث الأوّل من الّليل خافتاً فوق رءوس الجنود ، والخنادق ، وأغصان الشجر ، فلم يستطع فضّ زحام العتمة، ولا حتى تبديد أقلّها ، والنسمات الّليلية الرطبة تتسلّل بين ملابس الجنود وجلودهم ، تمرّ في فوهات البنادق ، ومواسير المدافع، تداعب النظرات الساهرة ، تنداح على المكان وترتدّ في فشل واضح ، يصبح التسمّع عملاً لا مفرّ منه " أيّن جان سو في هذا الوقت المتأخر من الّليل ، هل لا تزال يقظة تتفحص صورتي بالملابس العسكريّة على الجدار ، أيّ أثواب نومها ترتدي ؟ الأبيض الذي ارتدته ليلة العرس ، أم اختارت لوناً أرجوانياً يلائم بشرتها البيضاء ؟ حين تسلّمتُ الأمر بالتوجّه لقيادة قواتنا جنوب فلسطين تدحرجت من عينيها لآلئ كثيرة ، همست بتوجع .. أعرف أن ليس بمقدورك أن تصحبني معك ، أنا واثقة من عودتك سالماً منتصراً . خرجتُ وأطفالي في فراش نومهم ، كيف أستطيع أن أعود لهم في هذا الظرف العصيب ؟! سالماً !! هذا أمر تقرره الإرادة الإلهية ، أما الانتصار ، فلا أرى دلائل عليه ، يحتاج إلى مفاجأة أو معجزة ، ولسنا في زمن المعجزات ، أما المفاجآت فالأمل في حدوثها ضعيف .. إذ من يقرّر الانتصار المدفع القديم أم الحديث ؟! الجندي الجائع أم الممتلئ ؟! الذي يتواصل خط إمداده أم المنقطع إلا من فتات يجلبها الجنود عنوة من الأهالي ؟! ذخيرة متواصلة أم ذخيرة لا تكاد تكفي ؟! أما الإيمان فليس بالإيمان وحده تحارب الجيوش ، في طريقي إلى غزة مررت بالقدس ، ونفذت وصيّة والدي بالصّلاة في الأقصى ، شاهدت قبّة الصخرة الذهبيّة الرائعة ، صليت ركعات كثيرة دعوت الله أن يكتب ثوابها في سجّل والديّ ، وتضرّعت إليه أن أتمكّن في طريق عودتي منتصراً المرور بالقدس ، والصّلاة في المسجد ثانية " .
انتبه من شروده على أصوات جلبة عالية ، سرعان ما تحوّلت إلى أصوات انفجارات ، التصق بالأرض ، زحف إلى أقرب خندق مشهراً سلاحه جهة الجنوب " الجنود تلقوا مني أمراً صارماً بعدم إطلاق الرصاص إلا إذا شاهدوا زحف جنود العدو ، حتى لا تضيع الذخائر عبثاً .. كل الجنود ذخّروا بنادقهم وصوّبوها ، ثبّـتوا أنظارهم في محاولة لاختراق العتمة ، تسمّعتْ آذانهم أيّة أصوات تدلّ على زحف العدو نحوهم ، تواصلت الانفجارات ، علا صراخ بعض الجرحى ، ولمّا ازداد القصف بدأت مدافعنا تردّ ، نخشى أن يظنوا أننا تركنا مواقعنا فيندفعون تجاهنا ، نحاول أن نكسب مزيداً من الوقت عسى أن تصل الإمدادات والذخائر ، لسنا في وضع نبدّد فيه الطلقات ، لكنّ الردّ الآن على القصف بات ضرورياً وإلا اجتاحونا " .
ازداد تبادل القصف وطال أمده ، مرّ الوقت دون أن يبدو أن الجانب الآخر ينوي التوقف ، الجرحى تمّ إخلاؤهم إلى الخلف " زحفتُ إلى الخنادق المجاورة ، بعضها خاو ، استغلّ كثيرون القصف والانشغال بالردّ عليه ففروا ، تشجّع الجنود لمّا رأوني ، شكواهم أن قصف العدو متواصل ، ولا يستطيعون مجاراته في كثافة النيران ، طلبت منهم الصمود حتى الفجر ، العادة كانت أن القصف يتوقف عند الفجر . عدت زاحفاً إلى حيث الخندق الذي يتواجد فيه جبر ، وجدته لا يزال مكانه ، كنت أظنه سيفرّ كالآخرين ، ربت على كتفه ، قال :
ـ لن أترك الخندق إلا منتصراً أو إلى القبر .
ـ عفارم عليك يا جبر ..
جبر رجل صلب ، عنيد ، قوّي القلب ، لا يرهب الموت ، جرأته تصل حد التهوّر . هو والجنود لا يعلمون أن انتصارنا مرتين على الإنجليز جعلهم يغيّرون خططهم ، لذا تغلّبوا علينا في بئر السبع ، قطّعوا خطوط إمداداتنا ، ويريدون الآن هزيمتنا لتفتح أمامهم الطرق نحو الشام " .
واصل بدر الدين حكمت التنقل بين الجنود ، اشتدّ القصف ، ردّ جبهته توانى ، حتى بدا كأنه همد ، التفت حولّه ، لم يعد يسمع صوتاً . هبط صمت مفاجئ ، انتابته عصبية شديدة ، انفلت إلى الخنادق التي تمكّن من الوصول إليها ، لم يعد فيها مقاتلون ، جبر وعدد من الجنود والضباط نظروا إليه بثبات ، سألوه بحزم :
ـ ماذا نفعل أيّها القائد ؟
ـ . . . . . . .
صَمتْ .
قال أحد الضباط بعسكريّة واضحة :
ـ علينا ترك المكان فوراً .
ردّ جبر :
ـ لن أترك المكان . أعطوني ذخيرة .
" صمتنا . لم تعد فائدة من البقاء ، الضجة تقترب ، الاجتياح بدأ ، لم يتركني المساعدون أفكر طويلاً ، صرخوا في آخر المتبقين :
ـ إلى الخلف .. إلى الخلف بسرعة ..
تشبث جبر ببندقيته يرفض الانسحاب ، حذرته :
ـ ستموت إن بقيت .
أجاب بلا مبالاة :
ـ لا يهم .. أعطوني ذخائر .
ـ أنت مجنون !! آمرك أن تنسحب إلى الخلف .
لم أنتظر ردّه ، جذبته من ملابسه للخلف بقوّة ، أمرته أن يجري أمامي والباقون وراءنا ، تعبّـأنا في حقول الزيتون ، وتفرّق الجنود شمالاً ، عند الفجر ساد الصمت . سكنت الضجّة . هدأت الجلبة . توقفت الانفجارات . صرنا بعيدين عن الوادي ، تركنا غزة وراءنا ، دورها ، شوارعها ، أزقّتها ، حواريها ، حواكيرها ، زيتونها ، ناسها ، مآذنها ، فقرها ، جرونها ، خوابيها ، دجاجها ، صياح ديوكها، رجالها ، صباياها ، عجائزها ، مقابرها ، حقولها ، سهولها ، منطارها ، بحرها ، رمالها ، حمامها ، واديها ، لم نعد فريقاً واحداً ، ولا جماعة واحدة ، ولم نكن قائداً وجنوده ، كنا منهزمين ، كلما مررنا على قرية تناقص عددنا ، وعاد كل واحد من المجندين العرب إلى قريته التي نصل إليها أو قريباً منها ، لم ندخل المدن ولا القرى، نمرّ بجوارها وعلى أطرافها ، بين الحقول والحواكير والشجر والأرض الفلاة ، فهذا حال المنكسرين على الدوام ، أما المنتصرون فيمرّون طوابير منتشيّة ، حتى لو كانوا منهكي القوى ، خائري العزائم ، ممزقين من الجروح ؛ كي تصفّق لهم العامة .
توزّعنا في الدروب ، كل مجموعة ائتلفت سارت متجاورة ، ثمّ تمزّقت الجماعات ، وصارت كل جماعة متقاربة في أماكن سكناها تمضي في طريقها ، علينا أن نصل إلى مواقعنا في القدس والشام ، وإذا كان حال هذه المواقع هو حالنا .. ترى فما الحال في إستنبول إذن ؟ أين نحن وأين إستنبول ! ستمرّ أيام وليالٍ من المشي حتى نصل ، لا طعام ولا ماء ، تفرّقنا ، صرنا لا نتجاوز العشرة عرباً وتركاً ، أبقيت معي ثلاثة من الضباط ، أما الآخرون فتوجّهوا شمالاً للالتحاق بجنودنا في يافا والقدس ، جبر ظلّ معنا .. يُشعرني بدوام قيادتي عليه حتى بعد ما حدث ، بل أراه يشعر الآن برباط أقوى يربطه بنا ، ويربطنا به ، ونحن بعد لم نصل إلى قريته ليفارقنا إليها " .
هتف جبر بفرح :
ـ اقتربنا من " بطن الهوى " .
ـ " بطن الهوى " قريتكم ؟
ـ " بطن الهوى " أيّها القائد أرض على الأطراف الجنوبية لقريتنا .
ـ وما اسم قريتكم يا جبر ؟
ـ بيت دراس أيّها القائد .
" تقدمنا جبر ، وصل بنا أطراف الكروم في " بطن الهوى " . جلسنا على مرتفع من الأرض ، تحجبنا الأشجار من الجنوب والغرب والشرق ، نطلّ شمالاً على صروف الصبار ، والجرن الواسع عند أطراف القرية . بدت لنا البيوت الطينيّة متلاصقة ، تخيّم الكآبة على كل شيء ، اشتدّ بنا الجوع والتعب ، نظر الجنود إلى بعضهم ، تفحّصت وجوههم ، كانوا بادي القلق والتوتر ، لا يدرون ما يفعلون ، وجدنا بعض الطعام في طريقنا بصعوبة ، وتناقص عددنا في كل مرّة استرحنا فيها ، لم يسألني أحد من الجنود ماذا يفعل ، ولم أسأل أحداً عن شيء ، ليس لديّ أخبار ولا معلومات كافية عن سير الحرب ، ولا أعرف ماذا يحدث على الجبهات الأخرى ، سألت عن أسماء القرى والأماكن التي نمرّ بها ، هل اقتربنا من القدس أو يافا ؟ السؤال الذي أردده كلما توقفنا في مكان ، ينظرون إليّ ، في عيونهم كلام لا يجرؤون على النطق به ، يعرفون أن قواتنا موجودة في يافا ، نظراتهم تشي بشكّهم أن يكون لها أدنى تأثير بعدما شاهدوه في وادي غزة من حشود العدو وكثافة نيرانه ، أما قواتنا في القدس فهي كبيرة ، بادرت بسؤال جبر :
ـ ما القرى المجاورة لقريتكم يا جبر ؟
أشار إلى الجنود الجالسين معنا :
ـ هؤلاء الثلاثة من أسدود .
نظرت إلى الجنود الثلاثة وأمرتهم :
ـ اذهبوا إلى قريتكم .
ـ وأنت أيّها القائد ؟
ـ لا شأن لكم بي .. اذهبوا إلى بيوتكم . الحرب هنا انتهت .
واصل جبر :
ـ وهذا من جولس .
وأشار بيده جهة الجنوب .
ـ ما اسمك ؟
ـ عبد الهادي .
ـ وأنت يا عبد الهادي معهم .. عد إلى بيتك .
التفت جبر إلى الأخير :
ـ وخليل من السوافير .
ـ أهي بعيدة يا جبر ؟
ـ لأ .. ساعة مشياً على الأقدام .
ـ إذن .. مع السلامة يا خليل .
ـ أحب أن أبقى معك أيّها القائد .
ـ ......
لم يتحرك أحد منهم ، نظرتُ إليهم نظرة غضب ، ممزوجة بالانكسار والإعياء .. وقد وضح لي أنهم لم يقدّروا فداحة ما حدث ، ولا حجم الهزيمة ، هتفت بهم آمراً :
ـ يا الله .. إلى قراكم وإن شاء الله نراكم قريباً عندما يأتي قطار الإمداد ، ونهزمهم عند القدس ويافا .
وقفت . وقفوا . امتدّت يدي تصافحهم . صافحوني بحرارة . وانسلّوا إلى قراهم ، تابعتهم حتى تواروا بين الشجر ، وبعد الاطمئنان عليهم جلست ثانية ، تمدّدنا على الأرض للراحة ، سألت جبر :
ـ هل يمكن أن تحضر لنا بعض الخبز من قريتكم ؟
ـ أمرك أيّها القائد .
ـ منذ الآن قل يا بدر الدين .. تركنا الحرب والقيادة عند وادي غزة .
ـ حاضر .
ـ نحن ننتظرك .. سنرتاح حتى تعود .
افترشوا الأرض ومضى جبر تجاه القرية .
نسمة شماليّة ، مسائيّة ، محمّلة برائحة طينيّة خفيفة ، وبعبق الشجر ، تتعبّأ في منخريه ، ملأ صدره ورئتيه بالهواء فترطّب قلبه لمرأى قريته ، وهو يُمني نفسه برؤية إستنبول .. " القائد يحبني . لا شكّ سيصحبني معه ، منذ أن رآني وهو يحرص على أن يُقربني منه ، أمر المجندين بالانصراف إلا أنا ، فهل شجاعتي وتماسكي هما السبب ؟ إذن لماذا يقول أهل القرية بأن لي عقلاً ناشفاً ؟! وعناداً يصل حدّ التشدّد مع الآخرين ، وصدّ أقرب الناس إليّ ؟! لا أعتدي على أحد . ولا أتهاون مع من يعتدي عليّ ولو بكلمة ، حتى أولاد العائلات الكبيرة يهابونني " .
ترك جبر المنصور "بطن الهوى" وراءه ، اخترق الكروم . أرض "الخروبة" ، حواكير الصبّار ، الجرن القبلي ، سار في أزقّة القرية بين البيوت التي تفوح منها روائح شتى ، البهائم ، الطّين ، العطن ، الوقت عشاء حين دقّ الباب وانتظر ، فتحت زوجته عينيها بتثاقل وهرولت تفتح غير مصدّقة ، ارتفع الصرير فتقلّب النائمون في فراشهم ، صافحته وقبّلت يده ، دخل ، ذبالة السراج ترسل نوراً خافتاً ، يبدّد بعض الظّلام وكثيراً من الوحشة ، الأولاد نائمون ، خلع حذاءه وجلس على الحصير ، أرخى قدميه يريحهما ، سأل بخفوت حتى لا يوقظ الصغار :
ـ عندك خبز ؟
ـ موجود .
ـ أريد خبزاً يكفي أربعة .
ـ معك ضيوف ! أين هم ؟
ـ معي القائد .
ـ القائد ؟!
ـ بدر الدين حكمت القائد التركي وأصحابه .
بهتت الزوجة ، تأمّلته وهي لا تفهم ما يعنيه ، قال بعصبيّة :
ـ ليس الآن وقت حكي هاتي الخبز .
ـ لماذا لم يدخلوا معك ! تركتهم عند الباب ؟
ـ ينتظرون في "بطن الهوى" .
مضت إلى الداخل ، وبعد قليل وضعت أمامه الّلبن وإبريق الماء ، وقالت :
ـ سأخبز بسرعة ما يكفيهم .
خرجت إلى الطابون تُشعل النار ، وتُجهز الخبز ، صياح الديكة في القرية يتعالى ، أهل القرية يُسمّون صياح أوّل الّليل "صياح الفرارة" ، فهو دعوة لكل من هو خارج بيته للعودة إليه ؛ فقد حان وقت النوم .
حين نضج الخبز رأت جبر ينام متوسداً ذراعه ، ترددت في إيقاظه ، فهي قد تتعرض إلى تعنيف شديد إذا لم تقدر الأمور تقديراً يلائم ما يريد هو لا هي ، احتارت في أمرها ؛ إذا أيقظته خشيت غضبه ، وإذا تركته نائماً خشيت غضبه أيضاً ، وقفت تفكر لا تدري ماذا تفعل ، جال في ذهنها أنه سيأخذ الطعام للقائد ثمّ يعود إليها بعد غيبته الطويلة " أيّ قائد هذا الذي يريدنا أن نطعمه هو وجنوده ؟! في الصباح إذا ما شاع الخبر سيصبح حديث رجال القرية في جلساتهم المسائيّة ، ودواوين الحارات ، وحديث نسائها عند بئر الماء ، وأثناء جلوسهن عند عتبات البيوت ، سيقولون جبر وزوجته أطعما قائد الجيش التركي ، سيخاف منا الجميع ، لكنّ الأهم من ذلك ، أنه ربما يتجرّأ على الادّعاء بأنه يتساوى الآن مع أخي المختار محمود الصالحي ، وسيقول لي هل أطعم أخوك المختار القائد التركي مثلي؟ زوجي وأنا أعرفه أكثر من غيري " .
صرخ طفلها فانتبهت من تأملها وتفكيرها ، تعالى الصراخ ، هبّ جبر من نومه واعتدل ، فرك عينيه بيديه وتطلّع حوله ، نظر إليها متعجلاً :
ـ الخبز يا وليّة ؟
ـ جاهز .. جاهز يا أبو رباح .
ـ هاتيه بسرعة .
ـ راجعين معك ؟
ـ لأ .. أنا رايح معهم على إستنبول .
ـ وما لنا في إستنبول ؟
ـ مع القائد .
ـ صرت شاويشاً ؟
ـ يحترمني أكثر من بعض ضباطه .
ـ رجال الضريبة سألوا عنك .
ـ إذا رجعوا قولوا لهم راح مع القائد إلى إستنبول .
ـ الحرب صارت في إستنبول ؟
ـ لأ يا وليّة نريد أن نعرف لماذا تأخر قطار النجدة .
ـ .......
صمتت فهي لا تفهم في الحرب . " سؤال آخر ربما يدفعه لضربي بصرّة الطعام ، أو إبريق الماء ، ومَن مِن نساء القرية لا يضربها زوجها .. لكن ضرب عن ضرب يفرق .. وضرب جبر لا رحمة فيه " .
انتعل حذاءه القذر ، حمل صرّة الطعام والّلبن وإبريق الماء وخرج . الّليلة مقمرة ، مرّ بين الأزقة في طريقه إلى "بطن الهوى" . طوال الطريق لم ينقطع النباح والعواء ، ولا صرير الحشرات وأزيزها ، غمر البيوت والحقول ضوء قمريّ ، أزال بشاعة العتمة وكشف سترها ، صارت الموجودات مكعبات ومثلثات ومتوازيات من الحجوم الغاطسة في غلالة من الضوء على أرض دهماء ، تُعرّش الأفكار في ذهن جبر .. الشاويش جبر يرى أن القائد بدر الدين يحترمه أكثر من بعض ضباطه ومساعديه " منذ وقت طويل أُمني نفسي بدخول إستنبول .. حدّثني عنها بدر الدين طويلاً .. وها قد سنحت الفرصة " .
مضى خلال أزقّة تربّى فيها ، وحواري قضى فيها طفولته وصباه، كل الحكايات عن مخاوف العتمة والّليل يتجاهلها ، ويرى أنها ضرب من خفة العقل وضعف القلب ، و "ضعف القلب" تعبير دارج عند أهل القرية كناية عن التردد والخوف .. لم يحترم إلا الشيخ فهد والشيخ خميس الزين ، والدراويش الذين يدقون الطبل ، وينقرون على الدّف ، وينشدون الأشعار والمدائح النبويّة ، ويتطاعنون بالشيش ، فلا تسيل دماؤهم ببركة مشايخهم ، ويرفعون عاليّاً الأعلام الخضراء في المواسم الدينيّة ، وعند تشييع جنازة فرد من جماعتهم أو وفاة أحد وجهاء القرية . لم يجرؤ جبر وغيره على ذكر الدراويش إلا بالخير ، ويُعقّب على ذلك مثل كل أهل القرية "الله ينفعنا ببركتهم" .
كان يتبارى مع أقرانه فيمن يقطع المقبرة من جانبها الغربي إلى جانبها الشّرقي ليلاً ، ويتخير لمبارزاته تلك أحلك الّليالي التي لا يرى فيها المتبارزون أصابعهم ولو وضعوها أمام أنوفهم ، فيتراجعون ، ويؤجّلون ذلك ليلة وراء ليلة ، ويستمر التسويف حتى تأتي ليلة مقمرة كهذه الّليلة ، ورغم ذلك كان هو الوحيد الذي يخترق المقبرة من غربها إلى شرقها ، ويعود إليهم فيتفحصون جسمه ، أطرافه ، لون شعره ، ظنّاً منهم بأنّ الخوف الذي يلاقيه هو الذي يبيّض مزيداً من شعرات رأسه ، بل إنّ بعضهم يعتقدون أن كثرةّ الشعر الأبيض في رأسه سببه انتهاكه حرمة المقبرة في الّليل ، لم يكترث لتأويلاتهم، واتهمهم في كل مرّة بالخوف ، و "ضعف القلب" ، حتى أنّه عرض عليهم ذات مرة أن يصطحب أحدهم معه في اختراق المقبرة ، من أولها إلى آخرها ، فبدت عليهم علامات الارتياح لفكرته ، ورأى بعضهم أنّه يمكن أن يقوم بهذه التجربة ؛ اعتماداً على شجاعة جبر ، فقد رأوه في كل مرّة يمتنعون فيها عن مبارزته ، يدخل ويخرج سالماً ، لكن من منهم يجرؤ على ذلك !! أما الآن وقد عرض عليهم أن يصحبه أحد منهم فالفكرة هينة ، قال لهم بعنجهية :
ـ من يذهب معي ؟
ـ .........
ـ ما من أحد يحب أن يجرب ؟
ـ .........
ـ لا تنظروا في وجوه بعضكم هكذا .. الأمر سهل ..
يتطلعون إلى بعضهم البعض ، لكنّ الشجاعة لم تهبط على أحد منهم ..
ـ لا يوجد فيكم رجل .. اخص ..
انفلت بعضهم يريدون عراكه ، ينقصونه شجاعة وينقصهم جسماً، فهو ليس غليظ الذراعين ، ولا مندفع الصدر ، ولا مملوء الكرش ، صاحب بناء لحمي عادي ، وحتى ما اعتاد عليه أصحاب القرى المجاورة ، بنعت أهالي القرية بأنّ رءوسهم كبيرة على غير عادة رجال القرى المجاورة ، فقد كان هذا النعت أبعد من أن يكون له نصيب فيه ، إذ كان صغير الرأس ، لا يشارك أهل القرية ولا أقرانه في هذه الصفة ، التي رأى فيها أهالي القرى المجاورة السبب في شجاعة أبناء هذه القرية ، وسرعة استجابتهم في النزاعات وحمل النبابيت وضرب العصي .
أراد جبر أن يملص من معاركيه بحيلة طرحها عليهم قبل أن تصل إليه قبضاتهم :
ـ ما رأيكم أن نختار أكبركم عمراً ؟
ردّ أكبرهم عمراً :
ـ ومن قال لكم أن الأكبر عمراً أكثر شجاعة !!
ـ إذن الأضخم جسماً .
قال أضخمهم :
ـ الأضخم جسماً عند الأزمات لا يستطيع الفرار .
ـ فليكن أصغركم .
أصغرهم متهكماً :
ـ الناس يقولون يا صغار وله يا كبار !!
ـ معك حق .
قال أحدهم :
ـ ما الحل إذن ؟
قال جبر :
ـ ما رأيكم أن نعمل قرعة ؟
توقفوا وتأملوه . ثم بدا على وجوههم الرضا باقتراحه .
ـ موافقون .
ـ كم واحداً منكم تريدون أن يصحبني ؟
ـ يكفي في المرة الأولى شخص واحد .
ـ موافق .
ـ كيف ستكون القرعة ؟
ـ هذه مهمتكم ، قوموا بها بعيداً عني .
سار خطوات بعيداً عنهم ، تجمعوا ، التفوا حول بعضهم البعض ، رفض أيّ منهم أن يقترح شيئاً ، فغضب أحدهم وقال :
ـ أنا أذهب بدون قرعة .
تنفسوا الصعداء ، لم ينبس أحد منهم بكلمة ، وانسلّ من بينهم ، متّجهاً إلى جبر فتبعه الباقون ، سمعوه يقول له :
ـ أنا سأدخل معك ولكن لي شرط واحد .
ـ اشترط .
ـ أن تبقي يدك مشبوكة مع يدي .
أيّد أحد الواقفين :
ـ صحيح .
ووضّح آخر يدّعي النباهة :
ـ حتى إذا خاف أحدكما وأراد الفرار لا يستطيع دون الآخر .
اقترح أحدهم :
ـ إذن اربطا يد جبر بيده ربطاً محكماً بحبل .
أضاف آخر :
ـ أو بهذه الحطة .
ونزع كوفيته وبدأ يربط دون انتظار موافقة أيّ منهما .
تحلقوا حولهما .. ساروا حتى باب المقبرة ، أحسّ كلّ منهم أنّ شعر رأسه وقف كإبر القنفذ فتراجعوا ، وتقدم الاثنان ، عيون الجميع تلاحق الظلّين وهما يخطوان ببطء شديد بين القبور . الظّلان يتطاولان كلما ابتعدا ، ويزدادان سواداً وقتامة كلما توغلا داخل المقبرة ، ثم اختلط ظلاهما بظلال شواهد القبور ، أشجار الصّبار وأوراقها العريضة بدت لهم أكف سوداء ضارعة مرفوعة إلى السماء ، ولم يستطع النور الخفيف للقمر الذي انتشر فوق المقابر ، وفوق رءوس الناظرين ، أن يخلع الوحشة من نفوسهم ، إذ عمّقها تشابك الظلال ، وارتفاع صدى الهسيس المتصاعد من المقبرة ، ومن الأشجار المجاورة ، من حشرات معروفة بالقرص والّلسع والقرض .
تناقصا كثيراً .. تقاصرت أطوالهما ، امتزجا بعتمة بعيدة تغطي أفق المسافة ، في آخر حدود التلاقي بين الضوء القمريّ الشاحب ـ الذي بدا يبهت أكثر ـ والعتمة في نهاية الطرف الآخر ، حيث تطاولت أشياء كثيرة ، وتشكلت ظلال رءوس وأذرع ، وتحدد الظلام بأشكال مرعبة حقيقية وغير حقيقية ، مرت فترة صمت ، وجيب القلوب يرتفع في الصدور ، لم يعد أحد منهم يشاهد ظلاً ولا ظلين ، إذ غاب جبر والشاب الآخر تماماً ، مضى الوقت ثقيلاً جداً ، مال فيه نصف القمر ، مالت طلوع الصبّار داخل المقبرة ، انحنت الشواهد عن مراكزها ، ثار في الجوّ شيء خانق . ارتفعت الدقات في الصدور، زاغت النظرات ، تلاصقت أجسام الواقفين ، شخصت أبصارهم مع ارتفاع صرخة طير في السماء طخت أسماعهم ، ثم ظهر ظلان من بعيد ، اقتربا حتى صارا وسط المسافة ، استطالا ، حتى كادا يصلان المشرق بالمغرب ، وأثناء انحباس الأنفاس سمع الجميع صوتاً قوياً ، انقسم الظّلان ، هرولا في اتجاهين متضادين، ثم تقدم أحد الظّلين جهتهم وتوقف الظّل الآخر . بدا واضحاً أنّ الظّل يقترب منهم ويتطاول كلما اقترب ، وما كاد يصل إليهم حتى جرى الظّل الآخر وراءه ، بهتوا ، وقف شعر رءوسهم ، تراجعوا للخلف ، أول من خرج من المقبرة كان ظلاً يشبه الكلب أو الذئب ، شيئاً يشبه حيواناً غير معروف الأبعاد ، يجري وراءه ظل ، ووراء الظل ظل آخر ، فروا من المكان إذ بلغت القلوب الحناجر ، انقطعت أنفاسَهم وارتفع لهاثهم وهم يعدون ، لم يجرؤ أحد منهم على الوقوف أو النظر إلى الخلف ، أطلقوا سيقانهم للريح ، وحين وصلوا جرن القرية القبلي ، التفت أحدهم فلم ير شيئاً ، وقف يزفر ويشهق عميقاً ، ووقفوا تعلو صدورهم وتهبط ، نظروا جهة المقبرة حيث ارتفع عواء كلاب عديدة ، أما جبر والشّاب الآخر فلم يُعثر لهما على أثر ..
تذكر تلك الحادثة وهو يمضي حاملاً الطعام إلى "بطن الهوى" ، ضحك في سره ، إذ لم يعرف أحد من أولئك الشباب "ضعيفي القلوب" ، إلا بعد شهر من الصّمت ، أنّهما بمجرد أن ابتعدا عنهم داخل المقبرة ، اتّفق مع الشاب على حل الرّباط ، وأن يقوما بالتمويه على الناظرين وتخويفهم ، ورأى الشاب أن لا شيء مخيف في المقبرة ، فالكلّ هادئ ساكن ، حتى السوابح التي لاحظ أنّها تفرّ هنا وهناك هي ذات السوابح في الحقل والجرن ، وحين عثرا على كلب بين القبور طارداه إلى باب المقبرة ، مما أخاف الشباب الذين ينتظرونهما ، فهربوا حتى وصلوا جرن القرية ، يتهيأ لهم أنّ عفاريت ووحوشاً خرجت من المقبرة ، أو أمواتاً خرجوا من قبورهم في هيئات مختلفة ، وحين التقوا مرة ثانية ، أخفى جبر والشاب عنهم كلّ شيء ، وكلما جلسوا مجتمعين ، ينظرون في شعر الشاب الذي دخل المقبرة معه يتفحصون لونه ، ولما رأوا بضع شعرات بيضاء لم يشاهدونها من قبل ، عرفوا كم هي الجرأة التي يحتاجونها لخوض هذه التجربة .. وأقروا بأنّ جبر الذي لا يمكن لأيّ واحد منهم أن يجاريه في جرأته ، ليس مجرد شجاع قويّ القلب ، بل متهور أيضاً . ومن بعدها ما إن تأت سيرة السّهر قريباً من المقبرة ، إلا ويفضل الشباب السّهر عند الكرم القريب من جرن القرية ، منعاً للتهيؤات والمراهنات .
مرّت هذه الحادثة في ذهنه ، وهو في الطريق الطيني بين الأراضي المزروعة ، حتى وصل "بطن الهوى" ، حيث ترك القائد بدر الدين ومساعديه ، يحمل لهم صرّة الطعام ، الّلبن ، إبريق الماء ، وحلم بدخول إستنبول معهم . وصلهم بعد انتصاف الّليل ، نادى قبل أن يقترب منهم وقد لاحظ من يحرسهم .. أنا جبر .. أنا جبر .. هرع إليه الحارس الواقف ، أشار له بالصّمت ، فالقائد ينام مع مساعديه وهو يحرسهم ، ولا يريد إيقاظهم ، وضع صرّة الطّعام وما يحمله على الأرض بالقرب منهم ، جلس هامساً للحارس :
ـ يمكنك أن تنام قليلاً ، لا داعي للحراسة .
ردّ الحارس :
ـ هذا أمر القائد .
ـ منذ خرجت من بيتي ، لم يصادفني في الطريق لا إنس ولا جان ، إلا نباح الكلاب وطنين الحشرات .
ـ الحراسة أمر .. والحذر واجب .
ـ فعلاً الحذر واجب ، وحياة القائد غالية .
تململ القائد وتقلّب في نومه ، فتح عينيه ، اعتدل ونظر حوله :
ـ عدت يا جبر ؟
ـ تحت أمرك أيّها القائد .
ـ قلت لك لا تكرر كلمة القائد .
ـ حاضر بدر أفندم .
ـ عفارم جبر .
أيقظ مساعديه من نومهم ، افترشوا الأرض ، َووُضِعت صرّة الطّعام والّلبن وإبريق الماء أمامهم ، بدأوا الأكل بنهم ، قال أحدهم :
ـ لم ننم جيداً .
ردّ آخر :
ـ الجائع لا ينام .
ـ نمنا تعباً .
ووجه أحدهم كلامه إلى جبر :
ـ لماذا لا تأكل ؟
ـ أكلت في الدار .
ـ شبعت ؟
ـ شبعت .
قال متهكماً :
ـ أنت دفعت ويركو ؟
ـ السنة ما قدرت أدفع لا ويركو ولا عُشر ، كنت معكم لا زرعت ولا فلحت .. زوجتي هي التي زرعت وفلحت .
ـ لا تدفع . انتهى كل شيء جبر أفندم .
ـ لا يوجد عندي ما أدفعه .
أكلوا الطّعام كلّه ، شربوا الماء والّلبن ، استلقوا مرة ثانية ، ظهرت نجمات الميزان في السماء ، مالت غرباً ، بدأ صوت مؤذن القرية يلعلع في الفضاء مسبّحاً ، يخترق المزارع ، الحقول ، المقبرة ، السهل ، الوادي ، البيوت ، الجرون ، الأشجار ، يخترق أرض "بطن الهوى" و "الخروبة" ، يلعلع الصوت النّدي للشّيخ سلامة .. سبحان من أصبح الصباح .. سبحان العزيز الفتاح .. سبحان من أذهب الّليل وأتانا بالصباح .. الله أكبر .. الله أكبر . أذن الشيخ سلامة . وبعد الأذان ران على المكان هدوء دثر كلّ الكائنات، حتى بدأ الفجر يغزل أول خيوطه البيضاء وينسل خيوط الّليل . هبت على المكان لحظات سكون شفافة ، ندّية ، تثلج الوجوه ، وتجلي الصدور .
وقف القائد فجأة ، حمل بارودته وأشياءه وهتف بمساعديه :
ـ هيّا ..
فعلوا مثله ، ثم امتدت يده إلى جبر :
ـ مع السلامة .
تطلّع إليه جبر فاغراً فاه :
ـ إلى أين !!
ـ يافا .. القدس .. أو إستنبول .
ـ وأنا معكم .
قالها بنظرة فيها مزيج من حزن ، وتوسل ، ورجاء .
ـ أنت مجنون يا جبر !!
ـ بدر الدين أفندم أريد أن أذهب معكم .
ـ إلى أين ؟
ـ إستنبول .
ـ أنت مجنون جبر أفندم .
ـ أريد رؤية إستنبول .
ـ جبر .. منذ تركنا مواقعنا جنوب غزة ، وأنت ترى كلّما وصلنا إلى قرية ، أو اقتربنا من مدينة ، يتركنا الجنود العرب ويعودون إلى قراهم ومدنهم ، ألم تفهم حتى الآن ما جرى !!
ـ لا أريد أن أفهم .
ـ قواتنا خسرت وتراجعت ، ونحن نريد أن نلتحق بقواتنا في يافا أو القدس ، وربما عدنا إلى إستنبول ، وأنت الآن في بلدك فلماذا تريد أن تأتي معنا .. مجنون أنت !!
ـ لا أصدق أن القوات خسرت وتراجعت وانكسرت ، المصيبة جاءتنا ممن يجمع الويركو ، والعُشر ، والضرائب ، ويجلد الناس ، ويحبسهم .
قال بدر الدين بألم :
ـ اطمئن لن يجمع أحد شيئاً بعد اليوم ، لا ويركو ، ولا عُشر ، ولا ضرائب . الآن لا فائدة من الكلام .. عليك أن تعود إلى أهلك .. لك أهل أم لا ؟
ـ . . . . . .
تطلع جبر باستغراب صامتاً .
ـ عُد إليهم ، وأعدك إذا عدنا أن أُرسل في طلبك .
ـ ولكن ..
أوقفته نظرة قاسية من القائد فصمت برهة ثم قال برجاء :
ـ لا تنساني أيها القائد .
ـ لن أنساك يا جبر ، ولن أنسى شجاعتك وكرمك . والآن دلّنا على أسهل الطرق إلى يافا .
ـ إذن لي رجاء أخير .
ـ لا تذكر إستنبول وقل ما تريد .
ـ أن أصحبكم إلى أوّل طريق يافا .
ـ أهو بعيد عنا ؟
ـ على بُعد ساعة .
ـ هيّا تقدمنا .
ساروا مبتعدين جهة الشّمال الغربي ، يتقدمهم جبر بخطوات واثقة، يؤدي واجباً أخيراً نحو قائده ، تاركاً قريته بيت دراس تهبط عليها أولى حزم شمس الصّباح الباكر ، تطرد تكاثف النّدى عن بيوتها ، وكرومها ، وحقولها ، وحواكيرها ، وسياجها ، ويرتفع غناء العصافير في أوكارها ، وعلى أشجارها .