ـ 2 ـ
الشارع طويل ممتدّ إلى الشمال والجنوب ، تمرّ عليه العربات والحافلات الذاهبة شمالاً إلى يافا وحيفا وعكا وبيروت وإستنبول ، وجنوباً إلى المجدل وغزة ومصر ، افترق جبر المنصور عن بدر الدين حكمت وجنوده الذين ركبوا حافلة انطلقت بهم إلى يافا ، الوداع قصير وسريع وحزين ، وظلّ يلوّح لهم بيده حتى غابت الحافلة ، وتقاطعت الطريق مع الأشجار والأفق شمالاً .
استدار عائداً إلى القرية بهدوء ثقيل ، وسكينة غير معتادة ، سار على الطريق الطيني ، فزعت منـه أسراب العصافير التي هبطت تلتقط رزقها ، وطارت إلى بطون الأشجار والأسـيجة الشـوكية ..
" منذ تركت بدر الدين حكمت وجنوده بعد ركوبهم الحافلة إلى يافا وعدت إلى القرية ، لم تفارقني صورة بدر الدين وكلامه ، وعدني أن يتّصل بي إذا عاد ، رنّة الحزن تبدو واضحة في نبرات صوته ، وفي عينيه انكسار الكبير حين تفاجئه مصيبة كبيرة ، فينقلب من حال إلى حال ، رغم ذلك لا يعترف بالوقائع الجديدة ، ويتطلّع إلى الحاضر بعين الماضي ، أكد بدر الدين أن كل شيء تمام ، وأنها أيام عصيبة وتنقضي ، سيتّصل بي وأعود للالتحاق به ، أُصدّقه أم أُكذّبه ؟! لا أدري . ربّما في الأمر شيء لا أعرفه ، لكن ما الذي يدعوه للكذب عليّ وهو القائد الكبير ؟! ومَن أكون حتى يكذب عليّ ، العسكريّة ليس فيها كذب ، فيها أوامر وحاضر يا أفندم ، وأنا واحد من مئات الجنود تحت إمرته ، عندما أروي ما حدث للمختار محمود الصالحي وللحضور عنده ، سيقول أيّ واحد منهم أن ما حدث هزيمة، وإلا ما معنى تركنا لمواقعنا وزحف الإنجليز ودخولهم غزة! حتى أن بدر الدين لم يأمرنا بالتوجّه معه إلى يافا ، حيث الحامية التركية التي تحدث عنها ، كلامه الأخير ليس فيه حرارة ، وقطار النجدة أين هو ؟! هل حقيقة يمكن أن ينهزم الترك ؟! ما الذي جرى إذن ؟! لو يحدث ذلك سنتوقف عن دفع العُشر والضرائب ، بدر الدين قال ذلك ، وسيتوقف أصحاب الأراضي عن الفرار كلما جاء محصّل الضريبة مع رجاله الغلاظ القساة ؛ الذين يمضون وقتهم في تقليب أوراق السجلاّت ، وجلد الفلاحين وحبسهم . في العام الفائت ترك الرجال القرية واختبأوا في الحواكير ، وخلف صروف الصبّار، آلمهم وخز الشوك ، بحث المحصّل والجنود عنهم وكل من قبضوا عليه جلدوه
أحد الرجال اختبأ وراء الطابون في حوش للحطب ، وحين دقّ محصّل الضريبة باب الدار فتحت لهم الزوجة ، دخلوا ، فتّشوا ، قلّبوا كل شيء حتى قبضوا عليه ، ولمّا لم يستطع الدفع جلدوه أمام زوجته وأولاده ، ثم أمام أهل القرية في الساحة أمام دار المختار ، لم يجد أحداً ينقذه من الجلد بتسليفه المبلغ أو جزءاً منه ، مرض بعدها من الكمد مرضاً أقعده ، لم يتعاف منه حتى الآن . تحمّلت زوجته أعباء جديدة فوق أعبائها السابقة لتتدبر أمر معيشة الصغار ، أما أنا فاستدنت من صهري المختار محمود الصالحي ، خاف على سمعته لو جلدوني أو حبسوني ، فهي المرة الأولى التي لا أستطيع فيها الدفع ، قلت له يومها : "لك والله كريم" .
سرت في الطريق ، أرض "غياضة" و "حميد" و "مجارد" مزروعة بالذرة والسمسم ، الحواكير والحقول تمتدّ حتى مقبرة القرية ، تحيط بها صروف التين الشوكي . تسقط العصافير على الأشجار ، تطوي جناحيها بلا صوت ، الشمس تلسع الأرض بحرارتها ، تتعفّر قدماي بطين الطريق ، تظهر أوراق الصبّار الخضراء ، العريضة ، ساكنة بلا حراك . تنتصب أعواد الذرة ، الطريق ميت لا صدى لقدميّ عليه ، الصمت يحط على المكان كله ، ويهبط على المقبرة التي أصبحتُ في مواجهتها ، تنتشر الأشجار الإبريّة غير المثمرة بين القبور ، وترتفع أعواد خضراء مدببة الأطراف كالسهام ، وبين جذورها مخابئ لزواحف شتى .
أمرُّ عن المقبرة في طريقي إلى الدار ، أتذكر حادثة دخولها مع الشاب تلك الّليلة ، أصل بئر البلد ، أقطع الحواري ماراً بحارة "أبو زعل" ، عبرت في هدوء الأزقة إلى حارتنا ، الشمس تسقط على الجدران وفوق البيوت ، دخلت حوش الدار الواسع ، تحت ظلّ شجرة التوت في ساحته جلست ، وضعتْ زوجتي الطعام أمامي ، أكلت ونمت .
أمضيت أياماً أتوقّع كل يوم أن يأتي جند الترك لاستدعائي للحرب مرّة ثانية ، وأُمني النفس بلقاء بدر الدين . في المساء ، في ديوان المختار ، عرفت أن جند الترك لم يعودوا إلى إستنبول ، وصلوا يافا ، قوات الإنجليز تتبعهم ، عدد من التجار الذين أتوا من المجدل تحدّثوا عن انتصار الإنجليز على الترك واحتلالهم بئر السبع وغزة ، وسقوط يافا والرّملة بأيديهم ، أخبرونا أن جميع عسكر الترك تراجعوا داخل أسوار القدس وحولها ، الأخبار حيّرت المختار ، ساورته الشكوك ، فهمنا منه أنه منذ أسبوعين أو ثلاثة لم تصله رسالة ولا خبر ، ولا جاء جنود الترك يبحثون عن الفارين ، بدا عليه أنه ارتاح من تقديم الطعام لعسكر الحكومة ، كل الضيوف الذين ينزلون في ضيافته يكرمهم ، يمنحونه الزهو الذي لا يشعر به عند حضور عسكر الحكومة .
بعد صلاة العشاء ، بدأت تخبو الجمرات حول إبريق القهوة ، تصايحت الدّيكة ، فغادرنا الديوان إلى بيوتنا ، الظلام لا يحدّد الأزقّة فتبدو واسعة ، ولا يُظهر السطوح فتبدو متّصلة ، تلتحف القرية بمساحة واسعة سوداء غطّت كل الألوان والأشياء ، في الّليل تصبح قريتنا كتلة واحدة ، معالمها السوداء تطبق على كل الموجودات والأنحاء والأبعاد ، تصبح مكاناً لا يمكنك أن تُحكم قبضتك عليه ، تضيع أبعاده كما هي ضائعة شخوصه ، لا معالم محددة ، لا أرى أوّلها ، ولا آخرها ، غطست ببيوتها ، أشجارها ، أزقّتها ، نساؤها ، أطفالها ، رجالها ، في ظلام لا صخب فيه ولا حركة ، إلا وشوشات متأخرة لحشرات الحقول الموشكة على الصمت والسكينة في آخر الّليل ، كل الذين اجتمعوا في الديوان همّهم السمر ، نسيان الفقر وتعب النهار ، شرب القهوة وإعطاء فرصة لأطفالهم للنوم ، استعراض العنتريات ، والتبكيش على فلان أو علاّن ، فتل مؤخرات شواربهم ، والحديث عن زواج أخت بأخت ، أو بنت بأخت ، لا طموح خارج حدود القرية ، ولا حلم لأحد منهم بالوصول إلى إستنبول كما أحلم ، وأنتظر .
بعد ثلاثة أسابيع حضر إلى الديوان أحد أصدقاء المختار ضيفاً عليه من غزة ، حيث اعتاد زيارته بين الحين والآخر ، يمضي ليلة أو ليلتين في ضيافته ، يتفقّد فيها أراضيه التي اشتراها في القرية ، وأعطاها للمزارعين لفلاحتها مقابل حصص معروفة ، وما إن يسمع أهل القرية بقدوم حمد الراضي ـ الأفندي ـ كما اعتادوا تسميته ـ حتى يذهبوا للسلام عليه ، وفي المساء عندما يقترب نضوج الطعام ، يرسل المختار لدعوة عدد من وجهاء القرية ، فنشهد الوليمة ، نأكل المفتول والقرع بلحم الصيصان أو العجول حسب تيسر الأحوال ، وكنت دوماً من الحاضرين .. فأنا في ديوان المختار من أهل البيت ، ولم لا .. ألست زوج أخته !!
بعد الطعام دارت أحاديث شتى ، حكى الضيف حكاية عجيبة ، لها علاقة بحلمي في الوصول إلى إستنبول ، وانتظاري لأخبار بدر الدين حكمت ، أخبرنا الضيف أن القائد الإنجليزي اللورد اللنبي بعد أن احتل بئر السبع وغزة ، وانسحاب الترك ، واصل التقدم وقام باحتلال يافا والرّملة ، وضعت يدي على قلبي .. أين ذهب بدر الدين حكمت إذن ؟! قتل ؟! أم تراه غادر إلى إستنبول ؟!
قال الضيف ـ الذي بدا عارفاً بما يدور في الحرب أكثر مني وأنا الجندي المحارب ـ أن القائد الإنجليزي توجه إلى القدس من طريقين "اللطرون ـ باب الواد" و "اللطرون ـ رام الله" ، وأنه في الطريق احتلّ بعض القرى حول القدس ، وبعد دخول الإنجليز لقرية "النبي صمويل" لم يستطع المعتدون التقدم شبراً واحداً ، بسبب قوة وعناد جنود الترك المدافعين عن المنطقة ، تغلّبوا على فرقة الفرسان الإنجليز التي كانت تحاول الوصول إلى "بيتونيا" ، وأمام هذا الإصرار من الترك على المقاومة فشل الهجوم الأول على القدس ، وتوقف الإنجليز حتى تأتيهم النجدة ، وبعد ثلاثة أيام حاولوا مرّة ثانية ولم ينجحوا ، رغم وصول النجدات إليهم من غزة وبئر السبع ، فغيّر الإنجليز خطتهم في القتال ، وأخطأ الترك خلال الأيام الأخيرة التي سبقت احتلال القدس ، حين قاموا بغارات وهجمات مضادة ، رداً على غارات الإنجليز عليهم ، فكان لتحركهم من مواقعهم وشعورهم باليأس ، بسبب الجوع والمرض وقلّة الذخائر والمؤن ، أثراً على معنوياتهم وقدراتهم ، فاستغلّ الإنجليز الفرصة ، وجلبوا نجدات جديدة ومدافع ، احتلوا "بيت اكسا" والتلال من حولها ، واحتلوا "دير ياسين" ومواقع أخرى شرق "وادي الصرار" ، ووصلت مقدمة قواتهم إلى "بيت لحم" و "عين كارم" ، وضربت مدافعهم القدس من ثلاث جهات ، الشمال والغرب والجنوب ، فأيقن الترك أنهم خسروا المعركة ، وأن القدس ستسقط في أيدي الإنجليز ، فنادى المتصرف التركي عزة بك عدداً من التجار وأعيان المدينة ووجهائها ، أخبرهم بخسارة الترك للمعركة ، وسلّمهم رسالة للقيادة الإنجليزية فيها دعوة لإيقاف القصف حماية للسكان العزل ، وللأماكن الدينية والأثرية بالقدس ، ولما انسحب الأتراك من القدس ، دخلها الإنجليز صباح اليوم التالي .
الحضور ينصتون للضيف حمد الراضي الذي بدا لهم أنه يعرف كل شيء ، المختار ينصت باهتمام ، وأنا لا أصدق ما أسمع ، قلت للضيف متسائلاً :
ـ وبدر الدين حكمت أين ذهب ؟
ـ من يكون بدر الدين هذا ؟
ـ القائد التركي الذي انسحب من وادي غزة .
ـ لا أعرف شيئاً عنه .
ـ إلى أين انسحب الأتراك إذن ؟
ـ بعضهم انسحب عن طريق أريحا . وآخرون عن طريق نابلس وتوجّهوا إلى الشام ، ولما دخل الإنجليز القدس كانت المدينة يلفّها السكون ، ويجلّلها الحزن ، والسماء ماطرة ، تبكي لهزيمة الترك الذين وقفوا في وجه هجرة اليهود إلى فلسطين ، وبعد دخول القوات الإنجليزية بيومين دخل اللورد اللنبي القدس منتصراً .
صمت الضيف ، وتفاجأ الحاضرون ، لم يسأل أحد منهم عن شيء ، وأمّن المختار على صحة الحكاية بقوله :
ـ لهذا إذن لم يحضر عسكر السلطان منذ ثلاثة أسابيع .
تهلّل أحد الجالسين :
ـ إذن لن يجمعوا ويركو ولا عُشر ولن يجلدونا بعد اليوم ..
أحسست بشيء انقبض داخلي ، طوفان غطى على كل أحلامي وانتظاري ، ما أخبار بدر الدين ؟! أين ذهب ؟ وقطار الإمدادات الذي ضاعت أخباره ؟ والحلم بزيارة إستنبول ؟! ترى هل يعود بدر الدين إلينا ؟ يطلب نجدة وطعاماً ويسترجع الشام مرّة ثانية؟! إن فعلها لن أتركه هذه المرة يغادر وحده أبداً .
خرجتُ . الأشجار نائمة ، البيوت نائمة ، الجدران نائمة ، الأزقّة نائمة ، الحشرات نائمة ، نباح الكلاب نائم ، وأنا متيقّظ أتذكّر كلمات شيخ الجامع يحدثنا عن يأجوج ومأجوج ، رأيت ذا القرنين في منامي وسط القومين ، بين جبلين مرتفعين وقف ، وكل جنوده ينقلون إليه الحديد وأنواع المعادن ، يشعلون النيران تحتها بأمره ، ويسعّرونها حتى تتسعّر ، وتصهر كلّ شيء ، تذيب الحديد فيصبح ماء ناريّاً ، ينفخ عليه ذو القرنين ، يدعو الله فيستجيب له ، ويرسل ريحاً ثلجيّة تطفئ النار ، وتجمّد المعدن المنصهر ، فيصبح سداً حديدياً ، يتحوّل المنصهر إلى منجمد معدني لا تخترقه السهام وقصف الرعود ، وطلقات البارود ، وضرب المدافع ، يصبح أقوى من كل سدود الدنيا ، يفصل بين قومين إلى يوم الدين ، "وما أدراك ما يوم الدين" ، كلنا ننتظر الآتي ، والمختار أوّل المنتظرين . انتبهت من شرودي على صوت مؤذن القرية .
بعد أيام من مغادرة الضيف ونحن نجلس عصراً في الجرن ، حيث تمرّ بالمكان نسمات غربيّة ، محمّلة بأريج الأعشاب والخضرة والكروم ، سمعنا أصواتاً وجلبة عالية قادمة من الغرب ، مجموعة من الخيّالة تثير وراءها غباراً طينياً يكاد يغطيها ، فررنا من ساحة الجرن إلى بيوتنا وكرومنا ، هرب البعض إلى الكروم والأسيجة ، تلصصنا لنعرف ما يجري ، تساءل بعضنا .. هل عاد الترك لجمع العُشر ؟ اختبأ الرجال خوف القبض عليهم ، معظمهم لم يستطع دفع الضرائب حتى تراكمت عليهم ، تجربة السجن والجلد ماثلة أمام أعينهم ، لا يجدون ما يأكلونه فكيف بما يدفعونه ؟! في هذه السنة لم يجد الأهالي بذوراً لزراعتها ، وتبيّن أن الترك كانوا يشترون أو يصادرون الحبوب المخزّنة لزراعتها ، بحجة تموين الجنود في الجبهات ، وقام جمال باشا بفرض حصار على الشام لتجويع الناس ، فأخفى الأهالي ما عندهم من حبوب ، ولمّا اشتدّ الجوع طحنوها وخبزوها في الّليل ، حتى لم يعد معظم الناس يجدون حباً بعد أن قضوا على مخزون القمح ، ثم الشعير ، مات الأهالي بالطاعون وبأمراض مختلفة ، قال لي المختار محمود الصالحي بعد عودتي من وداع بدر الدين : " وأنـت مع التـرك في وادي غـزة ، كنـا نحـمل الميـت إلى المقبرة ، وما إن نعود إلى القـرية بعد دفنـه حتى نـسمع عن مـيت آخر ، هلك كثيرون ، عشـنا في رعب شديـد ، حتى خاف الناس من انتـشار الطاعون وتخلّـفوا عن تشيـيع الجنـازات " .
أيام أن كنت على الجبهة عند وادي غزة مع بدر الدين حكمت ، مات جنود كثيرون من القصف ، والبعض الآخر كنت أظن أنهم يموتون من الخوف كلما اشتدّ قصف المدافع ، لكن الآن وبعد كلام المختار ، فهمت أن أمراضاً كثيرة قضت على الناس والجنود ، وفتك الطاعون الذي وصفه الناس "موت أسود" بعشرات الأهالي كباراً وصغاراً .
النسوة وقفن في فرجات الأبواب الواسعة التي تطلّ على ساحة دار المختار ، يستطلعن أسباب قدوم الخيّالة .. أمسك الأطفال بجلابيب أمهاتهم ، اختفيت أنا فوق السطح ، تمدّدت ووضعتْ زوجتي أكواماً من أعواد الذرة اليابسة فوقي ، وأغصاناً من الشجر التي نجفّفها لإشعال النار لإنضاج الخبز ، ومن مكاني راقبت الساحة التي وقف فيها الخيّالة . رؤيتهم لا ترعبني ، الذي يرعبني دفع العُشر ، ولا أُريد في كل مرة الاستدانة ، لو قبضوا عليّ فليس أمامي إلا الجلد على مرأى من النساء والأطفال في ساحة القرية ، الأمر الذي أفضّل عليه الموت .
وقفوا في الساحة بين البيوت ، فبدت مهجورة تماماً ، لم يبق أحد إلا واختبأ ، تلاشى الغبار فظهرت وجوه القادمين ، الخيّالة يرتدون ملابسَ مختلفة عن ملابس الجنود الترك ، ملامح وجوههم مختلفة ، لم تظهر معهم سجلاّت وأوراق وكرابيج ، بنادقهم معلّقة على أكتافهم ، يمسكون بسروج خيولهم ، سألوا عن ديوان المختار ، الذي ما إن سمع الجلبة حتى خرج إليهم بهمّة ، تفاجأ عندما رآهم ، وجوه جديدة ، سلاح جديد ، لغة جديدة ، ومعهم شرطة من العرب ، عيون لا تُحصى تراقب المكان عن السطوح ، والفرجات ، وشقوق الأبواب، وفتحات الجدران ، الكل يتلصّص على الساحة ، نزل الجنود ودخلوا الديوان ، ربطت الخيول ، علّق مرافق الجنود حول رقابها مخالي الشعير ، بعد قليل خرج أحد الرجال من الديوان مهرولاً ، فجمع مخاتير العائلات ، وبعد حين من التوجس ، والترقب ، والانتظار ، نادى منادي القرية الضرير :
" يا أهل بيت دراس .. يقول المختار لا تخافوا .. انكسرت تركيا ، وانتصرت بريطانيا العظمى ، بعد اليوم ما في ضرائب ، ولا حبس، ولا جَلد ، اطمئنوا .. عودوا إلى بيوتكم وكرومكم .. لا تخافوا .. يا أهل بيت دراس يقول المختـ .. "
بريطانيا العظمى لا يعرف المختار شيئاً عن عظمتها ، فهو لم يحارب مثلي في وادي غزة ، ولم ير الموت هناك ، وهو الآن لا يرى إلا وجوهاً شقراء ، وعيوناً زرقاء ، وأسلحة جديدة ، وخيولاً علفها موجود ، ومن يوفّر العلف للخيول في زمن الحرب والقحط فهو عظيم . فهمنا من النداء أن الجنود وعدوا بالأمان ، ودعوا الناس للهدوء ومواصلة أعمالهم في الحقول والكروم ، كان كلامهم واضحاً للمختار محمود الصالحي .. أنهم خلّصونا من ظلم الأتراك . وسيوفّرون لنا العمل ، شربوا القهوة في الديوان ، وأصرّ عليهم المختار بعد أن اطمأن إلى استمرار سيادته على القرية ، أن يأكلوا عنده ، فذبح لهم دجاجاً وطيوراً ، بعضها من بيته ، وبعضها الآخر قدّمه أهالي القرية .
***