الفصل الأول

11 0 00

الفصل الأول

ساد الفراغ والـهدوء بعد رحيل الضيوف، وظل المصباحان الجداريان على جانبي المرآة منارين في غرفة الدخول، ولم تكن قد أُطفئت بعد الثريات في الغرف، وألقت قبة المصباح القائم البنفسجية بظلـها الرقيق فوق الأريكة، وفاحت رائحة دخان السجائر والعطور الغريبة من كل شيء، وعم قليل من الحزن بسبب من مشهد الأرائك المزاحة، وصحون السجائر المليئة بالأعقاب، وعيدان الثقاب المحروقة على السجادة، والكؤوس غير المرفوعة والماصات البارزة من بقايا الكوكتيل فيها، وجبال الصحون في المطبخ ـ ما أثار ذكرى فوضى خراب محزن لا ينتهي في الشقة.

ربط فاسيلييف الذي أنهكته الأحاديث المستمرة عن الفن، والتزلف والابتسامات العذبة، مئزر المطبخ بارتياح بعد أن رافق آخر ضيوف زوجته حتى المصعد، وشرع يزيل الأواني من غرفة الطعام على نحو حثيث يفوق العادة. غير أن ماريا أوقفته بعينين متوسلتين ("لا لزوم لـهذا الآن....")، وجلست على الأريكة حاضنة كتفيها، وأشاحت ساهمة نحو النافذة، التي ازرقت خلفها على نحو كثيف ليلة من ليالي شهر شباط.

قالت: "ـ الحمد للـه، أخيراً. لم تعد قدماي قادرتين على حملي".

سألـها قلقاً: "ـ هل تعلمين كم الوقت؟.. تجاوزت الواحدة... ياللـهول. حسن أنك لم تكشفي عن سر الاحتفال، وإلا ما كانت ثمة نهاية أو حد للأنخاب حتى الصباح. كيف أهنئك يا ماشا() ـ هل بعيد الملاك؟ أم بعيد الشفيع؟"...

ردت وهي تشعل سيجارة وتبتسم لـه ابتسامة عابرة: "ـ إنني متعبة جداً. أشكرك يا عزيزي.... لن نخوض في هذه الأمور، فهي جزئيات غير مهمة، ولا تستحق العناء... تصبح على خير. سأجلس وحدي قليلاً، اذهب ونم من فضلك...".

شعر بعدم صدق كلماتها، وبدت هذه الـ"لا تستحق العناء"، غير المتكلفة ـ الكلاسيكية، وهذه الـ"أشكرك يا عزيزي"، التي تتردد في الصالونات الراقية، وكأنهما تحجبانها، مبعدتين إياها بتصنع غريب عن طبعها في أيام غير أيام الخلاف، التي كانت قليلة سابقاً، والتي سرعان ما كانت تصيبه بزعزعة مديرة للرأس مثلما يفعل جسر متأرجح.

كررت ماريا بإلحاح متعب بعد أن أسندت سيجارتها المدخنة على حافة صحن السجائر، وصبت لنفسها نبيذاً أحمر: "نعم يا فولوديا()، اذهب من فضلك، اذهب، وإذا رغبت في أن تقول لي شيئاً ما جديا عن ضيوفي فلا داعي لذلك الآن ـ لا أرغب....".

"ـ أنا قليل المعرفة بأي من ضيوفك يا ماشا.".

"ـ وربما لـهذا السبب كنت لطيفاً جداً. لقد سحرت النساء كلـهن.".

اجترعت جرعة، ورأى كيف انزاحت حنجرتها، وبقي شريط رطب مائل إلى الحمرة على شفتيها، اللتين يعرف طعمهما الحميم والرقيق جيداً.

"ـ عم تتحدثين يا ماشا؟ نساء؟ سحرتهن؟ لم أدرك ذلك".

"ـ أتوسل إليك ـ فلنصمت...".

لا، إنه لا يذكر أنها جلست من قبل على الأريكة بعد رحيل الضيوف وحيدةً هكذا، واضعةً ساقاً فوق ساق، وراحت تشرب مشتتة، وتمج الدخان مهمومةً، هازةً طرف حذائها الضيق ـ كان سيحسب هذا قبل أربعة أشهر تلاعباً مرحاً، موجهاً لـه (من أجل تسلية مشاكسة)، ومأخوذاً من فيلم أجنبي بذيء، أو مسرحية هزلية تافهة ترجمتها لصالح لجنة الشراء من أجل مشاهدتها في الرئاسة، وكان على استعداد لأن يسمع، كما كان يحدث أحياناً، صوتها الضاحك الممطوط: "وهكذا، موسيو، ودعنا الضيوف. رحل المشاهير، ياللراحة. ماذا علينا أن نفعل؟.. هل ستذهب إلى المرسم؟ أم ستبقى مع زوجك؟"... ماكان ينتظر الآن مثل هذه الجملة، بل نظر فقط مهموماً بعض الشيء إلى ماريا وهي ترشف النبيذ من الكأس بين مجات الدخان، غير أن الحزم لم يكفه لسبب ما كي يدهش من رغبتها هذه، الشبيهة بالنزوة أو التحدي، لذلك، قال مازحاً على نحو أخرق:

"ـ ألم تفرطي في التسلية كثيراً يا ماشا؟... ألم يحدث شيء؟"...

أغمضت عينيها كما لو أنها تتغلب على ألم ما، ورأى رموشها مثقلةً بالدموع:

"ـ يا إلـهي. أيعقل أنك لا تفهم أبسط الأمور ـ أرغب في أن أبقى وحدي. افهمني من فضلك، أريد أن أرتاح وحدي من كل شيء في الدنيا....".

قال شاعراً بالذنب: "ـ عفوك يا ماشا.".

وخرج من الغرفة.

كان المصباحان الجداريان الطائشان والساهدان الشبيهان بالشمعتين لا يزالان ينيران الدهليز وغرفة الدخول، انعكس فراغ فضي على صفحة المرآة قرب منضدة الـهاتف، ألقى فاسيلييف نظرة خاطفة على وجهه العابس والمصفر تعباً ("أفضل شيء أن أرحل الآن إلى المرسم". ثم أطفأ النور، هذه الزينة الكهربائية المتأخرة، قرب المرآة، التي صارت حالاً عاتمةً على نحو غامض. أطال وقت ارتداء معطفه القصير الدافئ، الذي يحبه، والذي يسافر فيه شتاء للرسم في الطبيعة، ثم أطال الانشغال "بسحابي"، حذائه الفرائي، وراح يفكر بالوقت المتأخر، إذ لا معنى للذهاب إلى المرسم، لكن ماريا ظلت صامتة، ولم توقفه، ولم تخرج إلى غرفة الدخول كي تودعه حتى الباب، وتقدم لـه خدها من أجل القبلة، كما كان متعارفاً عليه بينهما.

"ـ أنا ذاهب يا ماشا".

قال هذا جاهداً كي يتكلم على نحو عادي، موحياً لنفسه أن أي شيء جدي لم يحدث.

"ـ سأتمشى لأستنشق الـهواء. تصبحين على خير".

ردت ماريا من غرفة الضيوف بلـهجة مجاملة ولطيفة تقريباً:

"ـ إلى اللقاء يا فولوديا. سأتصل صباحاً".

وخرج إلى فسحة السلم، وأقفل الباب بمفتاحه.

سمع، وهو ينتظر المصعد تحت المصباح الأصفر في الطبقة الثامنة من البناء النائم متعدد الطبقات، ضحكاً مكبوتاً يتخللـه همس. أمال نظره نحو النافذة، حيث وقف قرب مشعات التدفئة (كما يحدث كثيراً)، شاب وفتاة، ولحظ شيئاً ما مألوفاً في هيئة الفتاة، وهنا ناداه بوضوح صوت ابنته الرنان رنيناً مدهشاً: "ـ إلى أين يا أبي؟! ولماذا؟!...".

لم يكن ممتعاً جداً لـه أن يرى في مثل هذه الساعة قرب ابنته الممثل الطويل سفيتوزاروف، الذي تخطى سن الشباب، والوسيم وسامةً كاوية، وراوي النكات العربيد، ومحب المقالب، المتزوج مرتين والمطلق مرتين، والذي يسلك سلوك متزلف نساء من مسرحية غنائية، وشعر فاسيلييف بالبرودة اللاذعة، والمهينة من قلة خبرة ابنته الساذجة، وقلة ذوقها التي فاقت الحدود.

قال فاسيلييف، وهو يتفحص سفيتوزاروف بفضول صادق: "ـ لقد حان وقت عودتك يا فيكا() على الأرجح. وحان الوقت أيها الشاب ذو الـهيئة الخارجية التي لا تقاوم كي تطلق الطالبة السوفييتية، التي عليها أن تستيقظ في السابعة للذهاب إلى محاضراتها".

نطق سفيتوزاروف بصوت جهوري عميق، مصطنعاً الطاعة المتعقلة: "ـ عليك يا فيكتوريا أن تطيعي من هم أكبر منك سناً. تكرم وسامحني يا فلاديمير أليكسييفيتش على التأخير غير المتوقع إلى ما بعد منتصف الليل... أنا مستعد لأن أذهب إلى الدير كي أكفر عن خطاياي، لو كان لدي عنوان ولودير عاملٍ واحد. ليس ثمة مكان للتوبة".

ـ "تفضل معي إلى المصعد عوضاً عن الدير، وسأشرح لك كيف ستتصرف....".

عارضت فيكتوريا ضاحكةً: "- كُفَّ عن هذا يا أبي، ستبدأ الآن النصائح والمواعظ. يروي لي أناتولي قصصاً مضحكةً فأقهقه. لقد سمعت عن التدريبات في المسرح الأكاديمي الموسوكوبي؟... وعن ماسالسكي ويرشوف؟ لا؟ وكيف يقفزان على السدة في أثناء المسرحية بعد إشارة "بريك"؟

قال فاسيلييف، وهو يوجه حديثه متهكماً لسفيتوزاروف، الذي اصطنع في لمح البصر اهتمام الولد المنزلي المطيع: "ـ ياللأسف والأسى لم أسمع. ألم تتعب يا أناتولي من التمطق بلسانك؟ أنظر إلى الساعة يا محب الأديرة الساحر. لم يعد الوقت لائقاً".

صعق سفيتوزاروف باحترام: "ـ التمطق؟ ها ـ ها. كيف، كيف؟ لم أعِ الفكرة يا فلاديمير ألكسييفيتش لظلاميتي. مم لم أتعب؟"...

"ـ من الثرثرة من غير التقاط النفس".

"ـ أنت تسيء إلي. ما السبب؟... لا أستحق هذا.... مذنب بغير ذنب".

"ـ آسف جدَّاً".

"ما هذا الذي يحدث لي؟ لماذا أهتاج حين عليَّ أن أتماسك؟"...

اقترب المصعد المنار، وقد فاحت منه على نحو موحش رائحة الثياب المتجلدة، ورائحة الشتاء القارس، وكان ثمة ثلج مداس على أرضه. عبس فاسيلييف وهو يهبط في هذه القمرة الميكانيكية المريحة من القرن العشرين، التي حملته إلى أسفل محاذيةً شقق الآخرين الصامتة، التي هدأها النوم. أغمض عينيه، وراح يفكر بالوقت المهدور، وانعدام المغزى تماماً من كل ما فعلـه، وقالـه طوال المساء في المنزل. لقد تعب من معارضة ضيوفه، الذين لم يترددوا في التأكيد بغطرسة على مقولات خاصة في الفن، و، طبعاً، في الفن التشكيلي، والذين تجاوزوا في محاكماتهم (من أجل السكينة)، بصلابة منعطفات حياتية خارقة الحكمة ـ وشعر فجاءةً أنه عانى في الفترة الأخيرة أكثر من مرة من رغبة، استولت على روحه على نحو غامض ومفرح، في السفر من موسكو في ساعة من الساعات، لوقت طويل، لبضعة أشهر، لسنة، لخمس سنوات، ينطلق من المنزل أو المرسم، من غير أن يلتفت إلى شيء، ويقيم في مكان ما عند بحيرات فولوغدا، فيتمعن غير مستعجل في كل ماهو طبيعي وأصيل، يعيش مع صيادي السمك، ويأكل الطعام القروي البسيط، ويرسم المناظر الطبيعية الشمالية الغائمة، ووجوه الصيادين القاسية، وقسماتها التي أحرقتها الشمس والفودكا...

لم يقدر على العمل قرابة الشهرين، كان يستلقي في المرسم ساعات عديدة على الأريكة القديمة، ذات صرير النوابض المألوف، ويقرأ "يوميات" تولستوي في آخر سني حياته، فيتشبع بألم اعتراف هذا الإنسان العظيم. لكن همة فاسيلييف كانت تبرد، ويثوب إلى رشده شاعراً بالريبة، وتأنيب الضمير، وبخداع نزعة التبسيط القسرية وتناقضها المعاصر، ويصير بعد التفكير السليم الملجأ، الذي انتقاه في مخيلته، والبعيد عن موسكو وعن الضجيج والبهرجة مكاناً مهدئاً للرسم في الـهواء الطلق، إما سياحياً أو منتجعاً، يشغلـه إنسان مشهور في عالم الفن فترة محددة. كان واضحاً لـه أن أية فكرةٍ طموحةٍ لا توجهه في عامه الرابع والخمسين (كما كانت توجهه قبل بضعة أعوام فقط) ما عدا هاجسين لا يتغيران ـ حبِّه لجمال الطبيعة الأزلي والفظ والرقيق، ووفاؤه الجنوني لعملـه، هذا المنفى الاختياري العذب، الذي كان سيفقد لولاه كل مغزى لوجوده.

في تلك الأيام والشهور، حين تجافيه الرغبة في العمل ويكون كل شيء خامداً فيه كما لو أنه يغط في النوم، كان في مقدوره أن يصدق بسهولة أن موهبته (إن وجدت من قبل) قد ماتت، وضاعت، فتبدو لـه، في مثل هذه الفترات الرمادية، الألقاب السامية المعتادة ومقالات الإطراء ضحلةً وكاذبةً على نحو مزوق، وتبدو المشاركة في المعرض الدوري ("يجب أن تكون أعمالك أيضاً هناك لزاماً") بغير فائدة. أما الأسفار إلى الخارج، إلى حيث صاروا يدعونه عن طيب خاطر منذ خمسة عشر عاماً، فما عادت تنقضي بافتتاح معرض في جامعة ما أو صالون خاص مليء عن آخره بالنقاد السامين والصحفيين عديمي الحياء، بقدر ما تنقضي بالنقاشات الحامضة المتفننة عن " التقليدية" و"الحداثة"، فيأخذ يلتهب فيه تدريجاً، وهو يستمع ويحتسي الكوكتيل، غيظ مرح من هذه الثرثرة "المثقفة"، ويبدأ يجادل نصف جاد، مفنداً فن "الكوللاج"() والـ"بوب ـ أرت"()، والـ"دادائية"()، المملة إلى حد لا يوصف واضعاً إياها عمداً في تضاد مع السوريالية، وليس الواقعية، ثم يشرع يراقب بفضول منحى النقاش الجديد، إذ تسود فوضى بلاغية، شبيهة بفوضى الفن التشكيلي المعاصر في العالمين القديم والجديد، لم تشكل هذه المناقشات، طبعاً، سباقاً ثابتاً نحو الحقيقة (من يتجاسر على قولـها في قرن الشكوك)، بل كانت ضرباً من لعبة، أو تسلية، أو أرجوحة فكرية، أو قتل وقت فراغ، أو مهنة مربحة لأناس كبار في السن، متعبين من الحضارة، لا يطيقون الرسامين ومغرمين بهم. لم يكن الاتصال بهم خالياً من المتعة لفاسيلييف حتى اكتشف التكرار المضني: الأحاديث ذاتها والأسئلة ذاتها، والفنادق التي يشبه واحدها الآخر، ووجبات الفطور الإنكليزية المتأخرة، وسحنات موظفي الاستقبال وعمال البارات المتماثلة.

صار فاسيلييف يرفض الدعوات، وكف عن السفر إلى الخارج، ومرة سمع مصادفةً في مطعم النادي جملة مفعمةً بالشهوة: "أخيراً، سأستقل غداً قمرة مستقلة من عربة المنامة وأستلقي على السرير المرتب، وأنام كما ينبغي، وسأكون بعد غد في باريس". بعد أن سمع هذه الجملة المليئة بشهوة الأمل المتحقق المضنية التفت مستفهماً إلى المنضدة المجاورة، ورأى هناك وسط مجموعة من الزملاء رسام اللوحات المائية المحترم، غير الصاحي تماماً، وقد وضع كفه بعذوبة كالمغرفة تحت خده القرمزي السمين، معبراً على هذا النحو عن شوق لا يقاوم إلى الراحة التي تمنحها عربة القطار، وشعر في جملة الرسام هذه، وفي تعابير وجهه، لا بحلم بالراحة في قمرة مستقلة من عربة المنامة، بل، ببساطة، بانجذاب إلى الخارج ـ إلى الحشود المختلطة في البولفارات الخضراء المشمسة المعتنى بها جيداً، إلى الأديرة القديمة ذات القباب المدببة في الساحات القروسطية ذات الحجارة المصقولة، وإلى الدفء والـهواء الطري، وإلى بريق الواجهات المصنوعة من المرايا وضجيج اكتظاظ الناس في الشوارع التجارية، وإلى الأنوار الحمراء، وإعلانات النوادي الليلية، وإلى دور العرض الصغيرة، نصف الممتلئة، والمريحة، حيث يسمحون بالتدخين ـ أي إلى كل ما كان يجذبه هو أيضاً قبل عامين.

التقط الرسام المائي نظرة فاسيلييف بانتباه، ورفع حاجبيه المشعثين مستعداً للغضب والاستياء (العياذ باللـه من عصبيتي القرن العشرين)، لكن فاسيلييف قال بثبات مسالم: "ـ أتعاطف معك". ـ سألـه زميلـه وقد احمر احمراراً كثيفاً، ورفع حاجبيه غير المنتظمين إلى أعلى أكثر: "ـ على ماذا تتعاطف معي؟". رد فاسيلييف: "ـ على عنائك". من غير أن يعتبر مهماً أن يشرح أن العناء عشية أي سفر إلى الخارج مرتبط دائماً بترقب رحلة ممتعة، و، طبعاً، تحولات مفرحة دائماً: محطات القطار الأوروبية والمطارات، والقهوة التي لا تتغير في البار، والشد على الأيادي، ورفع القبعات، وابتسامات المجاملة، "ماذا تريد أن تشرب؟"، ألا نذهب مساءً إلى الفيلم غير اللائق، الذي أثار ضجة؟". والعطر الكيميائي من الصابون الزهري في الحمام، ورائحة جهاز الأوزون في المرحاض، وبريق البلاط الأبيض، وحلاقة الذقن الحثيثة أمام المرآة المنارة، والقمصان الباردة المنعشة في الصباح، والياقات الضيقة الضاغطة على الرقبة في الاستقبالات المسائية، ولعبة الترحاب الكاذبة بالأعين، والدهشة الساذجة من وجود فن في روسيا على الرغم من كل شيء، ووجود خياطين جيدين ومراسلي صحف جريئة، منتشرين في كل مكان، منتظرين، أسيري العادة، في أبهية الفنادق وراء المناضد مع عصير البرتقال، الأسئلة المبتذلة، "غير الاستفزازية"، التي تطرح عشرات المرات في مختلف بلدان العالم..... أكمل فاسيلييف من غير تعبير قائلاً:"ـ أواسيك على همومك لا أكثر". أما زميلـه، المضرج كلـه بحمرة كحمرة الكونياك فأطلق قهقهة قسرية غير طبيعية، وقال متأنفاً: "- إما أنك متكبر يا فاسيلييف وإما حاسد.".قال فاسيلييف : "ـ هذا وذاك معاً. "لكنه راح يفكر على الفور بحزن وأسف في أنه شبع، أكل حتى التخمة، حتى الغثيان، من هذه الأسفار إلى الخارج، تعب، وأرضى فضولـه الأشعث، وليس ثمة أي شيء مغرٍ يربطه بباريس وبنيويورك وباستوكهولم وبالمدن الجاذبة والآسرة من بعيد والعادية والمملة عن قرب. لم يكن في مقدوره أن يركز فيها، ولم تثر فيه ذلك الاهتياج المسكر الخفيف والإقدام الطموح، اللذين يسبقان أحياناً الرغبة في الشروع بالعمل. لم يجلب معه من الخارج أي عمل كامل، وظلت المخطوطات والرسومات العجولة في دفتر مفكراته مثل صوت نغمة أو ذكرى، مثل ضوء منعكس بعيد لحلم منفلت، ومع ذلك فقد اعتبر فينيسا استثناء، إذ زارها مرتين سائحاً، وكانت المرة الثالثة مع ماريا الخريف الماضي بدعوة من جمعية الرسامين الإيطاليين، بعد أن صار يعرف جيداً سحر هذه المدينة العائمة على الماء، ويذكر أسماء الأزقة والضفاف والجسور فوق القنوات، وأسماء المطاعم البشوشة قرب القصر وساحة القديس مارك...

لم يرسم شيئاً هنا أيضاً، خوفاً من أن يصير ناسخاً، وكان على قناعة بأن في مقدور أسوأ رسام أن "يخط" منظراً طبيعياً لفينيسيا، التي استوعبت في نفسها عبر القرون فكرة الدنيا والمزاج وفيض الجمال الغزير.

هنا، في سفرته الأخيرة إلى فينيسيا شعر فاسيلييف أول مرة جدياً بإرهاقه المؤلم، واعتلالـه الذي عقَّده خصامه الصامت الغريب مع ماريا. لم يشبه هذا الخصام بشيء خلافاتهما السابقة، العابرة مثل مطر صيفي مائل، متخلل أشعة الشمس.

*****