الفصل الثالث

9 0 00

الفصل الثالث

وصل القطار إلى فينيسيا في وقت متأخر من المساء. انساب الضباب الكثيف على امتداد الرصيف المقفر، الذي راحت تقترب عليه من القطار، واحدة تلو الأخرى، عربات العتالين، الذين كان همهم الوحيد الصراخ بأصواتهم الجهورية. أما من النوافذ المفتوحة في القطار شبه الفارغ فلم تبرز سوى وجوه قليلة، أتعبها الانتظار، وراحت تنظر إلى هذه العربات وإلى الرصيف المبلل، الذي راح يلمع تحت الأنوار، وإلى حشد المسافرين غير الكبير، الممتد من عربات القطار الأمامية حتى بناء المحطة البلورية الملفوفة كلـها بظلام رمادي.

هبطا برفقة العتال الرشيق على الدرجات الملساء إلى الساحة المجاورة للمحطة، وهناك اشتما على الفور رائحة الخريف الضاربة إلى المرارة، والحجر المبلل، والماء القريب. لقد غرق كل ما حولـهم في غبش ضبابي كثيف، حتى لم يعد مرئياً سوى جزء من الساحة الصغيرة، انبثقت من خلفه بقع مصابيح خافتة جداً، وراحت تسبح. أما في الأعلى، في الفراغ المدخن، فبدا المخروط الأحمر القاتم لدعاية "كولا ـ كولا".

قالت ماريا، وهي تلف رقبتها بياقة المعطف: -"كم الجو رطب. أين هي فينيسياك المحمودة؟... لا بل فينيسياك المحبوبة كما يخيل لي؟ لا أرى أبعد من أنفي".

أجاب فاسيلييف: "ـ مساءً يعم الضباب في هذا الوقت يا ماشا. لكن الطقس يصير مشمساً في الصباح، وسترين كل شيء".

أدارت جنبها نحوه، ونظرت غاضبة قليلاً إلى الظلمة الرطبة، غير النفوذة، التي تخفي المدينة المشهورة بأنوار فنادقها وقصورها، والجسور فوق قنواتها وبكل حياتها المسائية، التي تبدو وكأنها مخنوقة بغشاوة سميكة ومنتشرة في كل مكان، ويكاد الضوء لا ينفذ منها.

بعد أن التقط العتال الحقائب على عجل، وساعدهما بمهارة وحذر عجول على الجلوس في الزورق، وبعد أن جلسا على المقعدين الجلديين الباردين في الصالة المنارة إنارة خافتة بمصباحين معتمين، وأشعلت ماريا سيجارة، وهي تنظر إلى الزجاج، الذي راحت طبقات من المياه القاتمة تنزلق عليه، وتتمدد وتتبخر، اشتغل محرك الزورق، وضج مرتجفاً، ثم استدار متماوجاً، وانطلق بهما نحو الضباب جانب الملامح المبهمة للقصور المرتفعة من الماء، وجانب المراسي المظلمة التي لا تحصى، والتي تبرز قربها صواري اليخوت العارية، الزوارق ذات المحركات والجنادل.

سأل فاسيلييف :" ـ ألا تريدين أن تنظري من السطح يا ماشا؟... أريد أن ألقي نظرة".

قالت مشتتة: "ـ لا..".

فصعد وحده على السلم من الصالة.

غير أن الضباب في الأعلى لسعه على وجهه، وسدت الرطوبة الخريفية أنفاسه حتى بدا الوقوف هنا، في الـهواء المتدفق وضد هذا الكدر المشؤوم، المتهافت والمنساب والمتأرجح من اليمين واليسار، غير ممتع، وجعلـه يشعر بالبرد. ومع ذلك، وبعد أن وقف خمس دقائق تقريباً، نزل إلى الصالة التي صارت الآن دافئة جداً بعد الرطوبة الشديدة، وفاحت منها على نحو مريح روائح عطرة ضعيفة ورائحة الأرائك المنجدة بأقمشة تركيبية. جلست ماريا على الأريكة، واضعة ساقاً فوق ساق، وراحت تتحدث مبتسمة مع الشاب الإيطالي بوتساريللي، الناقد الفني والضليع بالفن التشكيلي، الذي استقبلـهما في محطة القطار. لحظ فاسيلييف البقع الزهرية على عظمي وجنتيه، ولحظ كيف راح يشد لحيته السوداء المرتبة بأصابعه الرقيقة مثل أصابع كاهن، حارفاً ناظريه المخمليين نحو ركبة ماريا المستديرة الرائعة، التي انكشفت لانزلاق معطفها المطري القصير. سابقاً، كان فاسيلييف لا يعير انتباهه إلا لماماً إلى أن ماريا، في سنها هذا (تجاوزت الثامنة عشرة منذ زمن كما كانت تقول هي نفسها مازحةً)، ما زالت قادرة على جذب اهتمام الرجال، وجرهم إلى التورط في سلوك مشاكس خفيف، وإلى نشر أذيالـهم كالمراوح، والنظر إليها مدة أطول مما يتطلبه وضع وشائج الصداقة الأسروية السابقة، لكن هذا كان أول الأمر لا يثير فيه إلا شعوراً خفيفاً بزهو رجولي، يسخن فيه حبه لزوجه. لم يتملك فاسيلييف في ما مضى الفضول أبداً تقريباً تجاه مثابرتها على الاهتمام بالعطور والوسائل المختلفة، المأخوذة من الطبيعة ذاتها، والتي ساعدت في الحفاظ، حتى في أيام روما القديمة، على أنوثة الجسم والأناقة في كل شيء، ولـهذا السبب صعقه فجاءة منظر جسم زوجته البني كالشوكولا الصيف الماضي على شاطئ في القرم، بعد أن غمرته شمس الظهيرة، ورأى كم هو فتيٌّ وآسرٌ ومتينٌ، وقويٌّ ببطنها المشدود كجسم رياضية. في ذلك اليوم نظر إلى ماريا متفحصاً إياها خلسةً، على نحو خاص، وسمع جيداً جرس صوتها، محاولاً، وفي الوقت نفسه، غير راغب في العثور على دلائل على أنه صار يلحظ بعد خمسة وأربعين عاماً، ولو بنظرة خاطفة إلى نفسه في المرآة، شبح تجاعيد حول عينيه وشيباً على صدغيه وظلال تعب على وجهه. لا، لم تفقد عيناها الرماديتان القاتمتان بريقهما الدافئ والغامض، وابتسمت شفتاها بمرونة مرسومة، ولم يكن ثمة تجاعيد زائدة منبئة بيأس النساء بغير رحمة ـ كانت تبدو، طبعاً، أصغر من سنها بكثير، وقد أرجع ذلك إلى التمارين الصباحية والتنس والتزلج، التي كانت تمارسها، لاحباً بالرياضة، بل بسبب من نفورها من بشاعة البدانة، ومن ضرورة الحفاظ على طلعة الشباب التي تحتاج إليها. خصلة شيباء وحيدة برزت قليلاً ببياضها الدقيق في شعر زوجه الأشقر، مؤكدة على نحو مثير للتساؤل السنوات المنقضية، التي لم يكن كل شيء فيها هادئاً وخالياً من الحماسة.

راح بوتساريللي الخجول يتحدث إلى ماريا، وكان يلقي من وقت إلى آخر، والبقع الوردية تعلو وجهه، نظرة إلى ساقيها المستقيمتين الطويلتين (ساقي صوفيا لورين؟)، أما هي فابتسمت بلطف عارفة جيداً سحرهما، وتابعت سؤالـها عن الـ"بوب ـ آرت" و"الكوللاج"، في الفن الإيطالي. مج بوتساريللي دخان السيجارة بنهم بشفتيه الفاقعتين، ثم راح يفهق لسبب ما، ويتلعثم ويعتصر الجمل المتقطعة مخرجاً إياها من داخلـه. وحين رأى فاسيلييف قفز متنازلاً بلطف عن المكان قرب ماريا. فكر فاسيلييف على الفور، وهو يحاول أن يجعل مزاجه مرحاً: "لماذا تريد أن تعجب بهذا الولد الغريب؟ أم أنها غريزة النساء ـ اختبار امرأة خبيرة لأسلحة الفتنة المغطرسة لديها؟"

قال بوتساريللي، الذي تعلم اللغة الروسية بمفرده لحبه دوستويفسكي وكاندينسكي وماليفيتش: "ـ مؤسف جـ ـ جداً". وأشار بسيجارته إلى النافذة في الصالة، معبراً بوجهه عن خيبة أمل لا حدود لـها.

سألـه فاسيلييف مهتماً: "ـ ما المؤسف يا سينيور بوتساريللي؟ ألا يعجبك الضباب؟ أظن أن فينيسيا الخريفية لا مثيل لـها أيضاً".

"ـ ا.. لـ... ط.. قـ.. س".

نطق بوتساريللي لافظاً الحروف حرفاً حرفاً، واعتذر بضم كتفيه وكأنه مذنب.

عارضه فاسيلييف: "ـ أرى أنه طقس رائع. انظري يا ماريا، أية جدائل شعثاء شيطانية امتدت حول المصابيح. أترين؟ مثل هذه المناظر الكونية لا توجد نهاراً في الشمس كما أظن".

توجه إليها محاولاً أن ينقل إليها عدوى الإحساس بالوصول إلى مدينة خاصة، يحبها هو. أراد أن يرى بريقاً خفيفاً يفيض من عينيها، ويذكره بيوم صيفي مشمس. أراد أن يثير فيها فضولاً وإحساساً ممتعاً بالجديد المنتظر وبالمجهول الغامض والمفرح. أردف قائلاً: "ـ أتعلمين يا ماريا أننا وقعنا على خريف حقيقي في فينيسيا. أين يمكننا أيضاً أن نرى مثل هذا الضباب؟"...

نظرت ماريا ببطء إلى زجاج الصالة، الذي سبحت قربه، محاذية لـه، بقع الضوء ذات الجدائل الشعثاء ولم تجب بشيء. وبدا لفاسيلييف أنه رأى في نظرتها المتزنة شتاءً وثلجاً، فأحس بموجة برد مضنية كما كان يحدث لـه أحياناً في ساعات الوحدة.

فكر:"إنها تخفي غيظها مني؟... ماذا يحدث لـها؟ هي تصمت وأنا لا أسأل، وهذا مؤلم....".

شعر لحظة بقلق خانق، ببرود خطير تجاه كل ما أغواه وجذبه، وكل ما أبدت ماريا تجاهه لا مبالاتها غير المفهومة، ماريا، التي تتقن الصمت على هذا النحو المؤلم مع أن أي سبب للخلاف بينهما لم يكن موجوداً.

****

.... رسا الزورق بعد قرابة عشر دقائق قرب شرفة حجرية منارة بنور باهتٍ في الضباب، وقرب درجاتها الزلقة، المغطاة بالعفن، اللامعة تحت المصابيح المنخفضة، وفي الأعلى ـ خلف الشرفة ـ أنير المدخل القديم للفندق، الذي يخترق مستطيل الدهليز الكهربائي الأبيض عبر طبقات سميكة.

بعد صوت المحرك وارتجاج الأرض تحت الأقدام والرطوبة اللاسعة، التي تكثفت قطراتٍ على أكمام المعاطف المطرية، بدا البهو الصغير في الفندق الصغير هادئاً هدوءاً خاصاً، وساكناً وجافاً ومشبعاً بدفء الخشب القديم ورائحة السجائر. أما موظف الاستقبال الوسيم جداً، وذو القوام الأنثوي بزيه الأسود وشعره اللامع، الممشط على نحو مستوٍ، فقد ابتسم بود (بوناسيرا، بوناسيرا)()، وتناول جوازي السفر، وأخرج فوراً، وبإصبعين كالساحر، المفاتيح من الكوة ورماها، والابتسامة لا تفارق وجهه، في راحة الولد ذي العينين الغامقتين الممدودة، الذي اعتمر قبعة بريشة حمراء، والذي التقط الحقائب بحركة انسيابية استعراضية، وحملـها مبتسماً أيضاً، وركض من غير ضجة على السلم اللولبي الضيق ذي الدرابزون المخرم تخريماً دقيقاً، والمفروش بسجادة حمراء تذيب صوت وقع الخطوات.

بعد أن دخلا في الطبقة الثانية غرفتهما الكبيرة ذات الأثاث الذي يحاكي القديم، وقد فاحت منها رائحة الخمة الحادة، ورائحة العفونة لقرب المياه من نوافذها، وكان فيها سرير كبير مزدوج، ومرآة للتبرج ومقعد مخملي ملحق بها، وصور محفورة قاتمة على الجدران، وبعد أن وضع الولد الحقائب بحذلقة على ركائز خشبية واستلم إكراميته بمرح واختفى في الدهليز المعتم أغلق فاسيلييف الباب خلفه، وشعر على الفور، حين بقي وحده مع ماريا، بالـهدوء التام. علقت معطفها المطري غير مبالية، وفتحت مصراع الخزانة، الذي راح يصر، لكنها لم تخرج الأشياء من الحقائب لسبب ما، بل راحت تدخن صامتة، وأدارت لـه ظهرها.

عرف فاسيلييف أنها ستصمت، أو سترد بتحفظ وعدم مبالاة على أسئلته (هذا ما بدا لـه، وهذا ماكان لا يطاق في علاقتهما)، ثم أحس فجاءة بخوف من برودة هذا الاضطراب، الذي تسلل إلى حياتهما على نحو غير ملحوظ، وفكر مستاء ومتضايقاً من هذا العذاب الذي لا سبب لـه والمستمر منذ بضعة أيام: " لِمَ هذا العقاب لنا نحن الاثنين في فينيسيا؟... الخلاف في نهاية الأمر أسهل في المنزل...".

اقترب منها من الوراء وقال بلين، وهيئته تدل على رجل يقترح حلاً مريحاً: "ـ ماشا، ليس لدينا ما يشغلنا مساء. يمكننا أن نجلس في مطعم ما قرب ساحة القديس مرقس. سنطلب شيئاً ما إيطالياً خارقاً. لكننا نستطيع أن نذهب إلى دار العرض. لقد نصحوني في روما، من باب الفضول، بأن أشاهد فيلماً إنكليزياً جديداً، إنه مفاجأة غير متوقعة. أظن أن عنوانه "الاثنان" أو "الثلاثة"...

لحظ حركة حاجبيها الساخرة الخفيفة، فأضاف غير حازم:"ـ ومع ذلك، فربما المطعم؟.... كيف ترين؟"...

قالت: "ـ لا أريد، لقد مللت على نحو مخيف. لقد مللت حتى الرعب من المطاعم، ومن هذه البيتزات والسباكيتي. أنا شبعة حتى أجل طويل. هل تفهم؟"...

عارض بضعف: "ـ لكن علينا أن نتعشى يا ماشا".

أطفأت سيجارتها في صحن السجائر وأجابت غير مبالية:

"- سأتدبر أمري اليوم على نحو ممتاز من غير عشاء".

لقد فهمت، على ما يبدو، كم صار صعباً عليهما عدم التوافق البارد الناشئ بينهما في الأيام الأخيرة، أما فاسيلييف فلم يشأ أن يصعِّد أي شيء في الحديث مع ماريا، خوفاً من أن لا يحتمل الآن أبداً خلافاً آخر، فتضيع في الحال كل متعة رحلتهما إلى فينيسيا، التي أفسد نصفها استياء أحدهما من الآخر.

لذلك قال بإذعان ممازح: "ـ أنا موافق على كل شيء يا ماشا".

"ـ موافق ؟ على كل شيء؟"...

كررت ماريا سؤالـه مستغربة، وهي ترميه بنظرة براقة اخترقته بنفوذية مؤلمة وغير مفهومة:

"ـ موافق؟... هل قلت: "على كل شيء؟"... ربي وإلـهي. كم صارت الكلمات رخيصة في زمننا..."موافق على كل شيء. "نعم، نعم. لنذهب إلى دار العرض مادام الأمر كذلك". ـ قالت ذلك مستعجلة وجلست على مقعد مرآة التبرج، وراحت تلقي نظرات عابرة على وجهها في المرآة: "ـ حسناً، لنذهب إلى دار العرض، إلى المفاجأة الإنكليزية. وإذا لم يكن صعباً عليك فاتصل بالسينيور بوتساريللي، وادعه. ستكون حالنا معه أفضل، فهو يعرف المدينة جيداً".

قال فاسيلييف غير واثق: "ـ أنا أيضاً أعرف فينيسيا قليلاً، وسنجد دار العرض، هذا أمر بسيط جداً".

"ـ لا، لا. ادع من فضلك ناقدنا العزيز".

كان الفيلم قد بدأ في صالة العرض الضئيلة التي أنارتها الشاشة إنارة خافتة، وقد فاحت فيها رائحة المعاطف المقبضة، حين قادتهم مراقبة البطاقات خلفها على عجل، بعد أن سلطت ضوء مصباحها على بطاقاتهم، وأجلستهم في منتصف الصف الخامس، الذي انبسط أمامه وحتى الشاشة نفسها فراغ أغبش لم يشغلـه سوى رأسين أشعثين في الامام وإلى اليمين، حيث احمر طرفا سيجارتين كنقطتين، وتضافرت لوالب الدخان المتصلة، التي اخترقتها إنارة الشاشة الضاربة إلى الزرقة.

أشعرهم خلو المكان أمامهم بشيء من الراحة، وبعد خمس دقائق بدا لفاسيلييف أن ماريا تنظر إليه مستفهمة، وشعر برغبة في أن يجد يدها على مسند المرفق، فيشد بلطف على معصمها الدقيق، ويقول لـها صاغراً ومسالما: "لقد غرنا الشيطان بالمجيء إلى هذه المفاجأة الإنكليزية. فلنرحل من هنا. آ؟"، وشعر، ولما يحزم أمره على النهوض بعد، بتوترها قربه، وبنخير السينيور بوتساريللي الحذر من الجانب.

جلست إلى يساره مسندة ذقنها إلى يدها، وكانت قد كفت عن النظر إلى الشاشة، بل مطت شفتها السفلى هازئة، وراحت تراقب الشاب والشابة ذوي الرأسين الأشعثين، اللذين راحا يتعانقان مصدرين نشيجاً وأنيناً ممطوطاً وخواراً في الصف الرابع، وهما يدخنان بنهم بين القبلات الطويلة.

أما هناك على الشاشة، حيث كان كل شيء خاطئاً ومترفاً على نحو سام، فلم يستطع المحامي الشاب المغرم، وحسن التربية، والمتحدر من أسرة غنية ومعروفة، والذي أصابه الـهم والقلق بعد زواجه من شقراء وديعة وهشة، أن يفهم سبب أساها الدائم وعدم مبالاتها الزوجية، ونفورها، الذي لم تحسن إخفاءه جيداً، من مقاربته في شهر العسل. لكنه، مرة، وبعد أن عاد إلى المنزل في غير موعده وجد زوجه الشابة سعيدة، ومستثارة برفقة صديقتها في الكلية(هي ذاتها التي راحت تبكي بغير عزاء في الكنيسة ساعة الزفاف)، وقد انشغلتا بلعبة ارتداء الملابس الذكورية تارة والنسائية تارة أخرى، وبعد شرح عاصف بينهم يوافق أخيراً البطل المكتئب والمشتت على اقتراح الصديقة النبيهة بأن يجربوا العيش معاً هم الثلاثة، وتصير تفاصيل هذه الحياة الزوجية الثلاثة تدريجاً ـ في غرفة النوم في المدينة وفي فيللا في الضواحي وفي غرفة في الفندق، وعلى شاطئ البحر المشمس ـ حب المحامي الشاب الجديد وشغفه، وتولد فيه غيرة تمزقه عليهما هما الاثنتين....

قالت ماريا: "ـ أكملا من فضلكما مشاهدة الفيلم. سأنتظركما في الشارع". ونهضت واتجهت نحو المخرج، حيث أضاء مصباح أحمر كالشرارة فوق ستار الباب.

سأل فاسيلييف: "ـ كيف أنت يا سينيور بوتساريللي؟ ما عاد لدي صبر".

ونهض خلفها أيضاً.

هز بوتساريللي رأسه موافقاً، ونهض مسرعاً، معبراً عن استعداده للذهاب فوراً مع السينيور المحترم فاسيلييف إلى أي مكان:

"ـ معكما، معكما، معكما".

ساد الضباب في المدينة وتضافر كالسابق مساءً، ولف الأنوار وواجهات المحلات المغلقة، التي أبرزتها وأنارتها أضواء النيونات، مذكرة بخشبات المسارح الخاوية، التي نادراً ما تتحرك قربها أشكال المارة. أخمدت الأزقة الضيقة، التي امتلأت بسديم متمايل حتى أطرافها، وقعَ الخطوات، لكن المكان كان أقل ظلمة قليلاً في الساحات، حيث كانت تظهر من وقت إلى آخر أبنية المعابد الضخمة المغسولة (كان بريق الشموع الكهربائية في نوافذها المحمية بالشِباك يتدفأ متورداً فوق الأرض) ومن ثم ممرات الشوارع الضبابية مرة أخرى، التي تخترقها نيونات الواجهات، ومرة أخرى ظلال الجسور نصف الدائرية المتأرجحة فوق القنوات غير المرئية، حيث يعصف فيها الـهواء في الأسفل ناشراً البرد، وتفوح عندها رائحة الحجر المتعفن المغسول بالماء.

ساروا صامتين زمناً طويلاً.

نطقت ماريا فجاءة وهي تدس يديها في جيبي معطفها، وجسمها يقشعر:

"ـ لا أفهم. لقد جن العالم كلـه. يبحثون عن الحقيقة في الشذوذ المقرف، ويريدون الإيحاء للناس أن يشمئزوا من أنفسهم. ما الغاية؟ لم؟ هل في مقدورك أن تشرح لي يا سينيور بوتساريللي؟ هل تعلم؟ لا رغبة في النظر لا إلى الرجال ولا إلى النساء بعد هذا الفيلم".

ابتسم السينيور بوتساريللي محذراً، وكان بادياً من وجهه أن السؤال لم يكن مفهوماً كفاية، لذلك رجاها مضطرباً:

"ـ ممكن بالإيطالية يا سينيورة ماريا؟"...

قالت متنهدة: "ـ سأجرب، حسناً، بالإيطالية".

كررت السؤال، فأجاب بوتساريللي بالروسية مع شيء من الثأثأة:

"ـ أظن أن الإباحية ظهرت كتأكيد من أهل الفكر لذاتهم أيتها السينيورة ماريا. يعتبرونهم... أي أهل الفكر، عاجزين جنسياً تماماً. حينئذٍ، استشاطوا غضباً، وأقاموا... كيف أسمي ذلك..... ثورة جنسية، لكن.... كيف يمكن أن يقال ذلك؟... ظلوا عاجزين جنسياً كما في السابق". ولمس لحيته المنتظمة كما لو كان فزعاً: "ـ هذا ما أظنه أيتها السينيورة ماريا".

قالت، وقد رفعت حاجبيها مفكرة: "-شرح غريب. هل تؤمن بأسطورتك الساخرة. هل كل شيء واضح لك؟... أنت محظوظ مادمت تتصالح مع نفسك بهذه السهولة....".

تمتم فاسيلييف، وقد أصابه ضجر لا حدود لـه: "ـ أرى أيها السينيور بوتساريللي أن تاجراً ماجناً قد ابتكر هذا النوع من الجنس، وهو ذاته ـ سياسي محنك ـ بضاعة كأية بضاعة، لاصق طبي ومانع صواعق...".

سألته ماريا بشيء من الاهتياج: "ـ لماذا ترجع كل شيء إلى السياسة؟"...

" كم أرغب في أن لا تتحدث عن هذا...." فكر فاسيلييف بهذا وهو يشعر بالغيرة عليها الآن من ما عرفته بطبيعة عملـها، غير مرة، وربما أكثر منه هو، من قراءتها الروايات الإيطالية والفرنسية لتترجمها.

"ـ ليس إلى السياسة فقط يا ماشا"...

قالت ماريا: "ـ ليس كل شيء في السياسة يا عزيزي فولوديا. فالفاشية وكل انحراف في الإنسان مثل عصية كوخ، وإلا لما سرنا ونظرنا إلى كل هراء كهذا".

هتف بوتساريللي موافقاً، وقد برقت عيناه المخمليتان بإعجاب حار: "ـ أوه، نعم أيتها السينيورة ماريا. أوه، نعم. الطلب يولد العرض. إذا لم يكن ثمة طلب فإن ـ ن..... لا يوجد عرض. لقد درست الأخلاق، وأعرف أن الروس لا يحبون الإباحية جداً، لكنني أريد أن أقول، إنها..... هذه الإباحية، مهما كان هي ظاهرة من ظواهر الحرية الإبداعية، غير الموجودة في المطلق.... هنا بداية المأساة...".

تمتمت ماريا مستغربة: "ـ بداية؟... لكن ما الشيء المشترك بين الفن وعلم الأمراض؟"...

هتف بوتساريللي بصوت عتب غير محق: "ـ أوه، سينيورة ماريا. أليست الحضارة المعاصرة علم أمراض؟ المخدرات؟ العنف؟ تصاعد الجنس؟ التحرك من اللا مكان إلى اللا مكان؟ انظري إلى الشوارع في روما، ميلانو، باريس. إلى أين تسير السيارات؟ والناس المختلفون فيها؟... نعم، أظن أنهم من اللامكان إلى اللامكان. العالم متعب جداً، وهذا الـ"ريميك".. الإنكليزي ـ أديرة الصمت: يذهب أهل الفكر الإنكليزي إليها ويصمتون أشهراً، مثل الخرسان. والـ"ريترو" ـ العودة إلى الماضي.... و..... الـ"مارغريج"....".

"ـ مارغريج؟"...

ـ سأشرحه. إنه... السعي الجماعي إلى الموت السريع..... يحدث هذا بين الشبان الـهيبيين. ماذا على الفن أن يفعل هنا؟"...قالت ماريا مطرقة،و غارقة أكثر في ياقة معطفها المرفوعة: "ـ كم كل هذا محزن. محزن على نحو مخيف. ماذا سيحدث للناس بعد عشرين عاماً؟ إلى أين يسيرون؟ إلى الـهلاك؟"... أكد بوتساريللي : "ـ محزن جداً". ـ ونطق مرة أخرى بحمية مقنعة: "ـ لا يحتاج أحد في العالم إلى الإنسان الآن، ولا يتحدث عن روح الإنسان إلا مجموعة من أهل الفكر. إنهم يريدون شيئاً ما، ويخافون، لذلك يثرثرون عن الإنسانية، وموت الحضارة على الأرض المسمومة، لكن خوفهم هذا يا سينيورة ماريا على أنفسهم، وعلى الثقافة العالمية، وليس على الإنسان، فهم غير مبالين به".

ساروا في العتمة الرطبة عبر الأزقة الحجرية الضيقة، وكانوا أحياناً يصعدون الدرجات إلى الجسور الضيقة المبنية على شكل أقواس فوق القنوات، فيقعون في الأسفل، في الشقوق المبيضة في الجسر، على الرقرقة المائية للمصابيح النادرة، وهنا، على الجسور خصوصاً، نفذت إلى عظامهم الرطوبة الخريفية لجدران الأبنية القاتمة. نامت المدينة منذ زمن، وطرد سوء الطقس في هذا المساء التشريني السياح القليلين في مثل هذه الفترة، ولم يكن في مقدور أحد أن يرى نفساً واحدة. كان الضباب هو السيد في كل مكان، فالتصق بأغوار الواجهات المنارة كالفراديس، والتي لا يحتاج إليها أحد الآن، وانضغط متسللاً إلى نوافذ البارات الليلية الضاربة إلى الحمرة.

جاء فاسيلييف إلى فينسيا مرتين ربيعاً، فحفظها في ذاكرته مشمسة، غاصة بالناس، أما فينيسيا هذه فخريفية معتمة، خالية من الناس وكئيبة: رائحة العفونة القديمة، فيلم ممل، وحديث غير ممتع مع بوتساريللي في الطريق إلى الفندق ـ في كل شيء مذاق الفشل والخداع، وقد بدا صعباً عليه أن يتنفس رطوبة الـهواء.

فكر فاسيلييف : "ـ ماذا يقلقني الآن؟ هل أنا غير معافى حقاً؟"

قالت ماريا وهي تنتفض وتضغط ياقة معطفها على ذقنها: "ـ يا إلـهي، كم أرغب في التدخين. أية رطوبة مرعبة هنا".

تمتم بوتساريللي: "ـ هل قلت؟ أرجوك يا سينيورة ماريا؟"...وخطا نحوها خطوة، ومد لـها السجائر وهو ينحني، لكنها ابتسمت، وردته شاكرة:

"ـ شكراً، لا أدخن في الشارع".

تكلم فاسيلييف متماسكاً قدر الإمكان، وشاعراً بخجل لأنه على استعداد لأن يشتعل:

"ـ أعارضك أيها السينيور بوتساريللي، لقد فُهت ببكلمات مرة بحق أهل الفكر. أما أنا فأحبهم بنقائصهم كلـها. لولاهم لكانت الحياة مملة جداً، وآلة للمنفعة. لقد تحدثت كناقد، والنقد في زمننا يا للأسف إما دعاية عديمة الحياء، وإما إعدام للموهبة على مرأى الجميع، لاسيما وأن الآلـهة فقط هم القادرون على قتل من هم آلـهة مثلـهم، وليس الملائكة الساقطون. اعذرني، لست راغباً في الإساءة أبداً، لكن النقاد جميعهم تقريباً ملائكة ساقطون... واحتكاماً إلى أنك لم تتكلم على أهل الفكر بحب فإنني فهمت أنك أيضاً....".

لمعت أسنان بوتساريللي الراضي الفتية على وجهه الشاحب والنحيل كوجه كاهن:

"ـ سينيور فاسيلييف. لم أذكر معرضك في روما بسوء. لم أقتلك. بل على العكس، ثمة أشياء تعجبني جداً. "الثلج"..."الوداع"، "المرأة في اللباس الأحمر"، "بورتريه"... لقد حددتُ منهجك. إنه ليس واقعية اشتراكية بل واقعية الاشتراكية".

عبس فاسيلييف: "-وهل المشكلة في المصطلحات؟... الضرب على الجبين كالضرب في الجبين. هل سمعت بهذه العبارة الروسية؟"...

هز بوتساريللي ذقنه مستحياً:"ـ في الجبين، على الجبين. سأتكلم هكذا. الناقد في الفن المعاصر هو مومس راقية، وعليه أن يحب الجميع. لكنني لا أحب الكثيرين. مأساتي في أنني أكره بعض الفنانيين، وعلي أن أحبهم، أي أن أصور الحب لـهم كالساقطة".

قال فاسيلييف بحدة:"ـ وهذا، يا للأسف، في العالم كلـه. ياللأسف، لأن الحياة البشرية ما هي إلا حجة للفن، أما الإبداع فهو شخصية، تعبير عنها. فليذهب إلى الشيطان سلوك الساقطين في الفن يا سينيور بوتساريللي".

قالت ماريا بصوت منخفض، وهي تنظر تحت قدميها: "ـ أنت لا تراقب نفسك. لا لزوم لـهذا يا فولوديا. أنت تسيء إليه بنبرتك...".

هتف بوتساريللي بطيبة صريحة، وراح يعبر بحركة يديه الرقيقتين عن عدم استيائه: "ـ لا أشعر بالاستياء. طبعاً، كونك موهبة مستقلة لا يمكنك أن تكوّن علاقة جدية بمهنة الساقطة. أنا نفسي قل ما أصبر على مهنتي، لكن ليس لدي مهنة أخرى. أفهم جيداً أن أي إبداع هو شذوذ بارز، وعملية فهمه عمل طبيب نفساني.... وليس عمل ناقد صعلوك"...

"ـ لم المبالغة؟"...

"ـ أليس شذوذاً إنشاء عالم غير موجود على قطعة قماش، بالألوان أو بالكلمات على الورق؟...حتى واقعيتك ياسينيور فاسيلييف.... كيف هذا؟ ليس عكساً للواقع، بل مرآة لذاتك، لـ"أناك" الخاصة. هل مثل هذا العمل هو ممارسة أناس طبيعيين؟... هل طبيعي اللـه الذي خلق عالمنا؟ عاش يرونيم بوسخ في القرن الخامس عشر، لكنه أنشأ في مخيلته عالم البشاعة المعاصر المخيف. لوحته "حمل الصليب"ـ من يحيط بيسوع؟... وجوه قاسية، سادية، تمثل كما بيّن التاريخ غالبية البشر. ليس القادمون من كواكب أخرى، بل أناس قساة صلبوا غريب الأطوار المفعم بالحب. اعذراني، لقد ابتعدت جداً، جداً عن الحديث، لكنني أفكر دوماً: ماذا على موهبة الفنان أن تفعل... هل عليها أن تغفر للبشرية خطاياها الدموية والحروب والقتل أم عليها أن تغضب منها؟ الحب أم الحقد؟"

"ـ تغفر ولا تغفر. تحب وتحقد". "تمتم فاسيلييف بذلك شاعراً بالأسف على عدم تماسكه غير المبرر، ثم أكمل حديثه على نحو معتدل: "ـ أنا واثق من أن الفن هو وعي البشرية لذاتها، وعقابها لذاتها".

سألـه بوتساريللي، وقد دور عينيه المتنبهتين إعجاباً، كما لو أنه التقط فكرة أساسية ضرورية لـه:

"ـ ماذا قلت يا سينيور فاسيلييف؟ عقابها لذاتها؟... هل لـهذا علاقة ما بالمازوخية؟"....

"ـ أي شيطان يدفعك لتُرجع كل شيء إلى أمر واحد، عفوك. ليست ثمة أية علاقة. تعذيب الذات بمعنى الإحساس تاريخياً بالذنب على الدم المراق كلـه، والآلام كلـها. تعذيب الذات ضروري كي تحافظ البشرية على نفسها. هل فهمتني يا سينيور بوتساريللي؟... الفن مدعو للحفاظ على الإنساني في الإنسان، من غير أيٍّ من أولئك الدوساديين والمازوخيين الجدد والفرويديين المملين حتى الشيطان".

قالت ماريا وهي تضغط كتفيها: "ـ لماذا أنت غاضب هكذا؟... أنت فظ يا فولوديا".

تمتم فاسيلييف بنصف صوته: "ـ حقاً؟... لم أشأ ذلك".

وفكر، من غير أن يفهم سبب هذا الاهتياج الشائك والضاغط في صدره ضد ذلك الفيلم غير المعقول وضد رطوبة الضباب الخانقة في فينيسياه الحبيبة، وضد هذا الإيطالي الناقد، غير الغبي والمسرف في الثرثرة، والذي يشبه الكاهن بيديه الرقيقتين، ونحول وجهه وضآلة لحيته: "نعم، لست على ما يرام، ومادمت لست قادراً على أن أتماسك، فلماذا علي أن أبدو لـهذا الصبي، السينيور بوتساريللي، روسياً مهذباً وأنموذجياً لا يفوه في مجاملاته الدنيوية إلا بكلمتين لطيفتين: "إطلاقاً"، و"للغاية"؟ فلتذهب هذه المعايير إلى الجحيم. ليأخذها الشيطان، وليأخذها الشيطان. الأحاسيس مرة أخرى؟ لو أنني أوهب فكراً لا قلب لـه ـ لَنَعُمَ كل شيء بالـهدوء، ولصار كل شيء في العالم قانونياً، ولكنت راضياً على نحو لم يسمع به أحد، لأنني في فينيسيا ثالث مرة، ولأن الصبح سينبلج قريباً، وسأرى الشمس فوق القنوات. لكنْ ثمة شيء يحدث لي، لست على ما يرام. كأنني أرغب في البكاء. لم يحدث لي هذا قط....".

قال فاسيلييف بصوت منتعش،وهو يخفي بصعوبة المسحة المزيفة في نبرته: "ـ كل شيء، كل شيء رائع عموماً. " ثم تابع حديثه مرحاً، وهو يعي أنه يقول شيئاً بذيئاً: "ـ لحسن الحظ بقينا أحياء بعد هذا الفيلم الغبي، ولـهذا فإن الأمر يستحق الآن أن نتناول شيئاً ونشرب كأساً".

"ـ عم تتحدث؟... الثانية عشرة ليلاً. أنا متعبة على نحو لا يحتمل، لكنني لن أعيقك. افعل ما يحلو لك".

نظرت إليه ماريا شزراً، والتقط في نظرتها القصيرة بريقاً شتوياً خاطفاً، فضاق نَفَسه مرة أخرى، كما لو أن اضطراب خفقان قلبه أو دموعه غير المذروفة يعيقانه. سيطر على نفسه شاعراً بالغضب من هذا الوضع غير الطبيعي، المهين لـه، كما بدا لـه، ولأنه كان قادراً، ومن غير أسباب خاصة على أن ينفلت من عقالـه، ويشتعل حنقاً في أية لحظة.

تمتم فاسيلييف : "ـ لا تتذمر يا سينيور بوتساريللي. آسف حقاً لأنني أكثرت من التفوه بالكلام الجارح، الذي لا يفيد في نهاية الأمر مطلقاً".

****

كان النور مطفأ في بهو الفندق، اقترب موظف الاستقبال الشاب والوسيم، الذي كان يتصفح مجلة مصورة في ضوء مصباح المنضدة، من رفوف المفاتيح وهو يبتسم ابتسامة بشوشة ("بوناسيرا")، وأعطى فاسيلييف مفتاح غرفته مع ظرف ممتلئ وطويل، كتب عليه بالإنكليزية بحروف كبيرة مائلة: "مدام فاسيلييفا"، وقد سطر تحتها خطان.

قال فاسيلييف: "ـ لك يا ماشا".

ورأى كيف أضيئت عيناها بفزع وهي تمر بناظريها على ما كتب في الظرف، وكيف راحت الورقة تهتز في يدها بعد أن تنحت جانباً قليلاً، وقرأت بسرعة الرسالة، التي كانت مؤلفة من بضعة أسطر على الأرجح.

تمتمت وهي تدسها في حقيبتها كيفما اتفق: "ـ إنها لي". لكن صوتها كان مشدوداً جداً، ولـهذا السبب على الأرجح سعت إلى أن تبتسم للسينيور بوتساريللي ابتسامة رقيقة ضبابية: "ـ ليلة هادئة، إلى الغد. Arrivederci..()

حتى أنها تأبطت ذراع فاسيلييف في طريقها إلى السلم.

وما إن دخلا الغرفة، وأشعلا النور حتى التفتت نحوه بحدة، من غير أن تخلع المعطف، وراحت تنظر إلى عينيه نظرتها الكامدة و الخائفة ذاتها، ثم همست قائلة: "ـ يا إلـهي". ورمت حقيبتها على منضدة التبرج، وراحت تسير في الغرفة مطرقة الرأس، ومغرقة ذقنها في ياقة معطفها المرفوعة. أما هو فتابعها بصمت شاعراً أن الأمر الذي خاف منه، ولم يرغب فيه، والذي كان ينتظره في الوقت نفسه كأمر حتمي، يجب أن يحدث في هذه اللحظات.

نطقت وهي تدخن مستعجلة، ولا تزال تسير في الغرفة: "ـ لا أعرف ماذا أقول لك عن هذا الأمر. لم أعرف، ولا أعرف كيف أقول لك كل هذا".

سألـها: "ـ عم تتحدثين؟".

وفكر بوضوح حاد مفاجئ حل عليه: "هاهو الآن.....".

كررت وقد علت وجهها تصعيرة دلت على نفاد صبرها:"ـ لا أعرف كيف أحدثك بمن التقيت في روما. عموماً أقرأ رسالته بنفسك. إنها معنونة لي، لكنها موجهة لك".

"ـ الآن.... كل شيء يحدث الآن تحديداً.... وهي تريد ذلك. كأنها تريد التخلص من شيء ما سري يعذبها....".

سألـها هادئاً قدر الإمان: "ـ ممن؟" ثم تناول الظرف الذي أخرجته من حقيبتها، وتمتم بسخرية بدت أنها أنقذته على نحو لم يتوقعه هو نفسه: "ـ وهل يستحق الأمر يا ماشا أن أقرأ رسائل ليست لي؟ هل أملك الحق في ذلك؟...".

صاحت بهمس آمر: "ـ اقرأ، اقرأ"، وقد غيرت تصعيرة نفاد الصبر وجهها وجعلته بشعاً ومنعزلاً ومتألماً.

فض الورقة المصقولة والمروسة بشعار الفندق آلياً، وقرأ بضع جمل مكتوبة بالروسية بخط عصبي مائل.

"إلى ماشا الغالية وفائقة الاحترام.

اعذريني كرمى للـه لأنني أستغل الجزء المتبقي من العلاقة الطيبة نحوي. لا أريد للقائي بفلاديمير أن يتم على نحو مفاجئ، فمثل هذا الأمر غير المتوقع سيكون منفراً وغير ممتع كما أفترض، تماماً كلقائي بك في روما، الذي أفزعك أيتها المسكينة حتى كاد يفقدك الوعي. بلغيه كرمى لكل ماهو مقدس أنني سأنتظره في مطعم فندقكم غداً من الثامنة وحتى العاشرة صباحاً. إذا لم يحضر حتى العاشرة فليكن اللـه قاضيه، ولن أفهم عدم حضوره كعقاب أو كره تجاهي.

إيليا".

"ـ إيليا؟"...

قرأ الرسالة مرة أخرى فأدير شيء ما مبهم في داخلـه، ولمع في ذهنه إحساس مقلق ولا يدرَك بالماضي، لكن سرعان ما بدا لـه، ليس هذا الإحساس، بل حتى التلميح، إلى شيء ما بعيد وماض استحالةً، ووهماً في ذاكرته حول زمن اختفى في اللا وجود.

سأل فاسيلييف، بعد أن رمى خارج وعيه ظل هذا التلميح، وهذا الاستذكار الضعيف الخالي من أي أمل: "ـ إيليا؟... من هذا الإيليا؟..."ثم تمتم فاصلاً بين الكلمات:"ـ ليس من بين معارفي على ما أظن من اسمه إيليا، فمن هو؟ وعم يريد أن يتحدث معي؟"...

صاحت ماريا، وقداقتربت من النافذة، وجذبت لسبب ما الستارة الثقيلة: تكاثف الضباب فوق القناة، واخترقته في بعض الأماكن بقع المصابيح الضاربة إلى البياض:"ـ إنه هو، هو، هل تفهم؟...هو.... إنه هو، إيليا، إيليا تحديداً. إنه حي، ويعيش في روما. لقد حضر معرضك، وهو الآن يعرف كل شيء عنك."رددت ذلك وهي تكاد تبكي، ومن غير أن تتحول عن النافذة: "ـ نعم، في مقدورنا أن ندهش، أن لا نصدق. لكنه هو. إيليا رامزين، ويريد لقاءك. هذا لا يعجبني إطلاقاً، على الرغم من أن حديثاً جرى بيننا في روما. إذا أردت أن تعرف رأيي فلا تلتقه، أنتما مختلفان، وكل هذا لا معنى لـه. لا معنى لـه إطلاقاً...".

تمتم فاسيلييف بكلام متقطع، وأشاح بيده غير مصدق تماماً على الرغم من كل شيء:

"ـ هذا غير ممكن. إيليا رامزين؟ يعيش في روما؟ أي هراء. هذا وهم. استشهد إيليا في أوكراينيا عام ثلاثة وأربعين. لقد حاربنا معاً في بطارية واحدة. قدنا فصيلتين. إيليا رامزين؟ هو ذاته؟ إيليا؟ التقاك في روما؟ لا يمكن أن يحدث مالا يمكن حدوثه".

قاطعته غاضبة، وهي تتحول عن النافذة:

"ـ لماذا تقول بإصرار إن هذا لا يمكن أن يحدث؟ آمل أنك لا تظن أنني أنا التي كتبت لنفسي هذه الرسالة. نعم، التقيت به مرة في روما حين كنتَ في حفل الاستقبال في استديو سبينيلي، وتحدثت إليه، هو الحي، خلل ساعة، ليس ثمة أي تزوير يا فولوديا. "ثم أضافت عن قناعة مرة: "ـ تصور، لم يكن أي سحر أو أي أشكال شمعية من متحف مدام تيوسو. لقد تحدثت إلى إيليا، الحي، الحي والحقيقي. في مقدورك أن تتأكد من ذلك غداً، لكنني لا أريد أن تتقابلا. لا أريد أبداً. أعطني عود ثقاب من فضلك. أُطفئت السيجارة..." ثم قالت: وقد تعثر صوتها وارتجف:"ـ يا إلـهي، يا إلـهي، كم أنا موسوسة. إنه يفكر بكلينا الآن. التعس....".

"إيليا؟ هل معنى هذا أنه حي؟ لكن كيف وصل إلى هنا؟ الأسر؟ هل ظل بين الأحياء؟ أيعقل أنه إيليا؟ آخر مرة رأيته عام ثلاثة وأربعين.... بحثوا عنه بعد الحرب. كانت الأجوبة التي وصلت إلى أمه: "لم يُسجَّل بين الأحياء"، "ضاع بغير أثر"...... لم يسمع أحد عنه خبراً واحداً طوال ثلاثين عاماً. وحتى الآن.... لا، ثمة أشياء لا يمكن تصديقها....".

كرر فاسيلييف سؤالـه وهو يفتش عن أعواد الثقاب في جيوبه: "ـ التعس؟ قولي لي كيف يبدو؟... هل عرفته؟... هل أمكن معرفته؟... أظن أنك رأيته آخر مرة عام واحد وأربعين. أليس كذلك؟"...

"ـ أظن في السادس عشر أو السابع عشر من تشرين الأول، حين كانت موسكو تعيش الأيام المرعبة... لقد عدتما حينئذٍ من ضواحي موجايسك...".

راح يشعل عود الثقاب لتشعل سيجارتها، لكنه كسره، فنظرت إليه نافدة الصبر من فوق ياقة المعطف المرفوعة بعينين رماديتين غامقتين، واقتربت وانتزعت علبة أعواد الثقاب من بين أصابعه.

تمتمت ماريا مستعجلة: "ـ علينا في زمننا هذا يا فولوديا أن لا ندهش على الرغم من غرابة كل شيء... حسناً، يمكن معرفة إيليا بقليل من الجهد لولا شعره الأشيب.... ولولا شيء غريب ما في بزته وعينيه... أو ربما في إيماءاته....".

"ـ هل قلتِ" "التعس"؟"...

جذبت كتفيها كما لو أنها شعرت بالبرد عند النافذة المغطاة بالضباب.

"ـ لأنه... لأنه كان يأمل أن يرى الماضي فينا. يبدو أنني محمومة... إذا لم آخذ الآن حماماً ساخناً فسأمرض بعد رطوبة فينيسيا هذه".

عضت شفتيها، وخلعت المعطف بسرعة، وأخرجت لباساً ليلياً من الحقيبة المفتوحة، وذهبت إلى حمام الغرفة. أما هو ففكر في الحال أنها لم تكمل حديثها، وأنها تخفي شيئاً ما مرتبطاً بلقائها غير المعقول هذا مع إيليا في روما، والذي ليس في الإمكان شرحه منطقياً، فإيليا الشهيد أو المفقود، الملازم رامزين، زميلـه في الصف، وصديق طفولته وشبابه، حي، وهو لسبب ما لا يبحث عن لقاء معه في روما حيث افتتح معرضه، بل هنا في فينيسيا.

لم تكن حركات ماريا مسموعة خلف باب الحمام، وكانت المياه المتدفقة من الصنابير تصدر ضجيجاً بعيداً ومنتظماً. جعلـه صوت ارتطام الماء الرتيب والموحي باليتم يشعر بالوحشة والوحدة في الغرفة، فشرع فاسيلييف يسير من غير أن ينعم بالسكينة، داساً يديه في جيبيه، ثم قال أخيراً قرب باب الحمام:

"ـ أنا ذاهب إلى البار يا ماشا لأشتري السجائر. سأعود قريبا".

*****