الفصل الثاني
.
سمعت الطبيبة من نساء الريف وقائع مفجعة.
علق الصحفي الكهل قائلا:
-"هاته الحيات لابد أنها أخطر من الألغام التي تركها جيش الاحتلال."
بدا أن الطبيبة أصابتها تلك الريح ، فدافعت بحماس أذهل المسؤولين عن جدوى مشروع عيادة في الريف.قالت إنها "تدرك معنى أن البادية لم تعد بلا إغراء،وأنه بعمل هادف ومتواصل يمكن تحسيس سكانها بأهميتهم في الإنماء ،كما في إضفاء سمات جديدة على بيئتهم ،لاتقل جمالا على تلك التي تهافت عليها الناس في مدن الاسمنت،والصخب، والجريمة."
عندما نظرأعضاء اللجنة الولائية في مشروع العيادة الذي عرضته الطبيبة،لم يملك رئيس اللجنة الا الموافقة على إطلاق اسم بن صوشة على العيادة المقترحة ،مبررا ذلك بقوله:
-(تناهى إلى سمعي اسم الفارس،غريب المظهر،أليف الطبع ،طيب القلب ،وقد حدثنا عنه كبار القوم هنا. لا أخفي عليكم أني حمد ت الله أنه تعافى من وعكته،ووعدت معارفه بإقامة مأدبة يوم تسليمه مفاتيح السكن الجديد .عرفت أنه عاشر الموتى سنين طويلة، قبل أن يرحل لفترة، ثم يعود هرما. )
لم تمض سوى أيام قليلة حتى أبلغوا الطبيبة بموافقة الإدارة على ملف عيادة بن صوشة. أول مشروع ترعاه منظمة الصحة العالمية في ريف الحضنة.شرف عظيم لها، و راحت تتابع مراحل إنجازه، منذ أن وضعت بيديها حجر الأساس في مكان قريب من مدرسة برع معلموها في تعليم أبناء القرية الآمنة والنائية على نحو استحقت معه رضا التلاميذ،وتكريم القائمين بشؤون التعليم من الجيل المعجزة.
تذكروا كيف بدأوا مهنتهم فيها وأقسامها بلا سبورات، ولا زجاج نوافذ.أنشأوا قربها مسجدا.
قال مدير التربية في نهاية السنة الدراسية:
- يوجد في النهر ما لايوجد في البحر.
بكت الطبيبة لما رأت كهلا قارب الستين من عمره ينام على كيس ملئ بأصناف من الأعشاب، قال إنه تركها له عمه بعد وفاته،ولم يبع منها سوى النزر اليسير، لجهله بأسمائها، وفوائدها.
مثل هذا الحرج يعقد مهمة الطبيبة التي أبلغوها رسالة تحمل ختم الولاية.
تهالكت على أريكة بمكتبها، قالت في نفسها:
ليكن هذا عذري أمام الوالي إن استدعاني ...
لم تستفق من النوم الاضطراري إلا بعد أن كسروا الباب بعنف، ودخلوا صائحين:
-"هيا انهضي، المدير يطلبك حالا. هذا يومك الأخير في المستشفى."
مذعورة ردت:
-جاهزة،خلوا المكتب،سأحضر بعد لحظات.
بعد لحظات، استجمعت قوتها، هتفت:
-الرجاء حجز التذكرة لأقرب موعد، سآتي بعد حين.
راودتني أحلام الرحلة ليل نهار، كأنما قدري أن أعيش بين الحقائب والمحطات مدة أطول من الحلم. دهشت أمس لما استوقفني شخص واحتضنني ناطقا بكنيتي أيام المدرسة: "صاحب الريشة الحمراء".عجبت كيف تبدلت بعض ملامح صديقي المعلم تحت كثافة انشغالاته بتربية أبنائه وأبناء الشعب ، لكن عينيه النّيّرتين دلتا على فطنة مبكرة، اعتقد ت أنها يسرت له إعالة أسرة الشهيد، وهيأته لتقديم تضحيات لاتتأتى إلا لرحّال بين المهن، والمدن، وفصول النجاح في المدرسة.
نصحني، بعد أن بحت له بهواجسي الجديدة قائلا:
"في الصحافة،تلزمك جرأة في الميدان ."
بعد خروجي من المقهى، كان قرار السفر قد أنضجته شجاعة القلب.لم أصدق عيني عندما نظرت صوب سيارة مركونة في الساحة المحاذية. ناداني شخص كان بانتظاري.
في الطريق إلى المطار، أفرغ السائق شحنة شوقه للحديث مع لم أتذكر اسم زميل الدراسةالثانوية، بعد فراق ناهز عشرين سنة.ركبت سيارته الصفراء ،واستقبلت أولى عباراته :
-"كنت دائما تحلم بالصحافة، هل أنت راض الآن، وقد حققت حلمك؟"
-نصف الرضا لأني مراسل فقط.
أجبته،وبادلته السؤال:
- وأنت؟
ضحك ورد:
- أعرف، نسيت اسمي وصورتي .
-لكني لم أنس صوتك الشبيه بصوت سائق سيارة أجرة معروف في المدينة.
طمأنته، واقترحت عليه الاتجاه.
في الطريق ، أفرغ السائق شحنة شوقه،وهالني ما سمعت من شكوى تبدل أحوال الناس والبلد .زفرقائلا:
-" استغرب كيف صارت الهجرة، بأي وسيلة ولأي وجهة،تسيطر على تفكيرالشباب، وقد عاد آباؤهم من أوروبا يلعنون غربتها،وغرابة منطقها. "
عند الوصول ،أبى السائق الصديق القديم أن يأخذ المقابل ، ملحا في النصح :
الصبر، رفيق السفر..
تذكرت، وأنا أخطو خطواتي نحو مدخل المطار، أصداء، مكالمة البارحة مع الطبيبة التي ضاقت ذرعا بظروف عملها.
-(الصحة مثل البلاد مريضة. ألا ترى أن المرضى لايجدون من يداويهم،بعض الأطباء يقول أنهم مرضوا بهذا الوضع . قابض حافلة خاصة يتقاضى أفضل من طبيب.؟)
أكدت كذلك أنها لن تندم إن غادرت المستشفى.
سألتها :
-ماالحل؟
توقفت قليلا ثم أجابت ضاحكة:
-الأجدربي أن أجتهد في التقرب من صحفي يضاهيني غضبا، ويحلم ببناءشر اكة ، ولو خارج البلد."
استغرب كيف صارت الهجرة، بأي وسيلة ولأي وجهة،تسيطر على تفكير غالبية البشر.ثم ارتأى أن يستأنف الكلام مع صديقه: أرأيت كيف بارأغلب النساء،حتى ذوات المستوى الرفيع؟
ركز السائق قواه ليتجنب الاصطدام بشاحنة أطلت فجأة من تلة، ليخاطب مرافقه:
-اسمع ، سألتني :لماذا لاتتزوج كثرة نساء المدينة؟ ما بك؟ نجوت من الموت، لتبحث عن امرأة.هل تريد الموت عدة مرات في اليوم، والليلة؟
دون أن يستغرق في الشعور بالانزعاج من تدهور أرضية المطار. انتبه لمفكرة الجيب، وألبوم الصور، وقد أوشكا أن يقعا أرضا ، لملمها في الحقيبة، متمتما :
-"يكفي من الدوران والتدوير. يبدو أن المطار هجرته الطائرات من زمن بعيد."
ثم رفع رأسه ليجيب مسافرة سألته:" هل صحيح أخروا موعد الرحلة؟"
- لأ اعرف بالضبط."
لم تقتنع الشابة، ذات الثلاثين سنة بإجابة بدت لها مرتجلة، فأردفت:- متى تفتح شبابيك الإدارة لنتأكد من عمل الشركة؟
كاتما بصعوبة غضبه من إلحاحها، رد عليها بسؤال:
-" متأكد ة أنت من وجود طيارين ؟"
لم أٍر طائرة بالأرضية .يخيل إلي أنهم في إضراب.
أجابت وهي تشير بإصبعها إلى صورة غطتها نصف بلاطة في الأرضية المهترئة.
"شكرا، شكرا." قال،
و التقط بسرعة صورة ونصف صورة، دون إمعان نظر،دسهما في جيب الحقيبة، مختلسا نظرة إلى البدلة البيضاء، التي كانت ترتديها رفيقة السفر المحتملة.
ربما لأنه قدر الخدمة التي قدمتها له بأن لفتت انتباهه إلى شيء مفقود من الماضي، أو لأن الصورة تثير في نفسه ذلك الشعور الودي الذي يدفعه إلى مكافأة غيره بود أكبر أو مماثل، أو لأمر آخر. غير أنه لم يكن يعرف اسمها كي يناديها، ولا حالتها الشخصية كي يجاملها: سيدة أم آنسة.
فضّل التعليق على المكان مبتسما:
-"هذا مطار مهجور، بقي لنا انتظار دخول عصافير الحقول من إطار النافذة التي بلا زجاج."
صحيح، مطار قديم استرجعته الإدارة، بعد انسحاب الجيش من مزارع المنطقة.
علقت بجدية.
في هذا الوقت من بدء الضحى،انقشع الغمام قليلا ليتسلل ضوء الشمس من إطار النافذة، فتسطع عيناها تجذبان فضول من كانوا مترهلين من الضجر من طول الانتظار،رؤوس البعض عند أقدام الآخرين.صورة متحركة على الأرض تتقاطع في بؤسها مع تلك النائمة برأسه..
قرأفي وجوه أفراد العائلة، الذين وصلوا مبللي الثياب،فصول معاناة تهجّاها طفلا وشابا بين أسرته .لاشك في أن ألم الفقراء واحد، مهما اختلفت تسمية المكان.
تحركت جثة متعبة، وطلب صاحبها الكهل بعض الطعام.من الوارد أنه لم يجد ما يأكل هذا الصباح.أسرع إليه موظف الشباك بقطعة خبز :
- "هذا ما لدي الآن ،يفرج ر بي فيما بعد."
وأضاف بصوت متأثر:
-"أعرف من أي حوش جاء،غير بعيد من هنا."
صدقت ما كتبته صحيفة اليوم من أن كثيرا من شباب تلك القرية، وبعض كهولها هجروا دورهم القديمة، وماتبقى من أشجار البرتقال عقب فيضان النهر، الذي تكرر في الفترة الأخيرة، غامرا أغلب الحقول ، ومتسببا في ردم المسالك، وتدهور حواف الطرق المزفتة من زمن طويل.
بقامتها البيضاء تحركت في حنو لتطمئن على حال العجوز التي أنهكتها نوبة سعال: -"تشعرين بضيق التنفس ؟"
في الأثناء، مد الحفيد ذو الشعر الكث يده إلى الجبهة شديدة التقطب، تحتها عين مغمضة، وأخرى نصف مفتوحة:
-" استيقظي جدتي. جاءت كالممرضة.
يساقط فتات خبزمن صدرها، إذ تحاول النهوض من على البلاط الرطب.
كان رفيق العمر المتعب بتقدم السن يقضم قطعة الخبز، غير منتبه لذلك.
لاشك أنه اضطر ،هذه المرة، كذلك ليتخذ جسدها مائدة سفر.الأمر الذي حزّ في نفس المسافرة الشابة الوحيدة،ذات البدلة البيضاء. وجلست تتحسس بالسماعة نبض العجوز: -«لحسن حظها.بقايا سعال جاف، جراء تعرضها للسعات برد، يلزمها قليل من شراب السكر."
قالت وهي تدنو منه :
-"لو سمحت أعطني تلك القارورة."
أدركت شدة انتباهها لما في جيب الحقيبة الخارجي، وفي سرّي كان السؤال ينمو:
- تراها طبيبة حقا؟ تسافر وحيدة؟
أخذتها من يدي في أدب ،وشكرتني :
-"صحيت خويا."
رأتني على تلك الحال، واحتارت كيف قضيت بعض الوقت زائغ البصر كأنما كنت أفتش عن شيء اختفى بين الحقائب القديمة.
أشرت عليها، لإزالة حيرتها :
-" ضعي مكان المشط والسبحة معجون الأسنان والمناديل الورقية."
-سأفعل هذا حالا.
ردت
وسارت نحو العجوزالراحلة التي عاودها السعال الجاف.
لملمت أغراضي سائرا باتجاه موظف الشباك الذي أشار إلي بالدخول إلى مكتب صغير وقديم.عطست مرات متتابعة بعد أن زكمت أنفي رطوبة المكان.، شاهدت مشدوها: أوراق نقدية وقصاصات صحف قديمة، كانت مخبأة في جيب قميص قطني، فوقه جوارب مثقوبة عند حافر القدم، قد نتأت منها أنصاف أعواد من السواك.
انتبهت لوقع علب فيها بقايا تبغ للمضغ:
- كيف نجت هاته الأشياء "الأثرية" من عبث الحشرات طيلة السنوات التي لجأت فيها الأسرة إلى هنا ؟
أحسست، تلك اللحظة، كأن والدي غمرني ، بذلك الحنو، الذي ألفته منه طوال السنين التي عشتها معه. قلت والأسى يعصر جوانحي:
-" عجيب أمرهذا التبغ،في البدء كان والدي يتناوله على غرار أكثرية الناس ،ثم صار مورد رزقه في سنوات عمره الأخيرة."
بلغت هاته الكلمات قلب الموظف،ذرف هو الآخر دموعا حرى، بينما امتدت أصابع يديها تلملم ما بقي من تبغ، وحزن قديم .ثم هم بغلق الباب مرتجفا،وأخبرني :
-"آويتهم البارحة عند اشتداد غزارة المطر،دون علم المسؤول.أخشى أن يأتي في أي وقت."
خرجت منفطرة الفؤاد لأتيه في قاعة الانتظار.هناك كانت صاحبة البذلة البيضاء ترقب عبر إطار النافذة مزن المطر المنهمر، محدثا صوتا يثير القشعريرة..استيقظت في نفسي، تحت دوي الرعد، مخاوف قديمة كانت ، لزمن طويل، قدر أسرتي الباحثة عن فترة استقرار، وكيف أني تعلمت الصبر على أكثر من تهديد:
انهيار وشيك للسقف المتضرر بمياه الأمطار الفيضانية، التي لم تتوقف إلا لماما، أثناء أيام الشتاء المزمجرة رعدا، ولياليه الغارقة في الظلام، الذي خلفه انقطاع متواتر لتيار الكهرباء.سقوط الجدران المتصدعة بفعل التقادم.انفجار قارورة الغاز، التي تنسى الوالدة المسنّة غلقها، بعد أن تفرغ من تسخين بعض الطعام.ناهيك على أن يطلب أحد الورثة حقهم في منزل والدهم.
-"من يعترض على هذا الحق؟"
: تساءل مع كامل العرفان والتقدير لمسار ، صاحب المنزل
كيف لا،وهو أحق أن يتذكر مقدار الثمن الذي دفعه زوج خالتي.
اشتغل طويلا في شبابه بحفرالآبارفي أرض سبخية،وبمقايضة التمر بالتين المستجلب من سفوح الجبال المحيطة بالبلدة، ،كما اشتغل بتسيير أملاك المغتربين من أقاربه ليضطر،قبيل اشتعال فتيل الكفاح الشعبي، للهجرة خارج الوطن المحتل.
فكرت في مأساة العائلة اللاجئة في المطار، وحمدت الله أن أباه لم يوافق على العمل في المزارع القريبة من هنا عند تلقي اقتراح بهذا الشأن، ذات عام. حسبت أني حدست كل الويلات، التي عاشها فيما بعد المقيمون والنازحون إلى هذا المحيط، الذي استعصت فلاحته.
اعتصرقلبي ألما لرؤية تلك الأسرة اللاجئة عندما دوي رعد قوي أثاره، فحجبت الصورة،ولم أملك إلا الصياح، دون أن أقصد لفت انتباه الطبيبة:
-( مازالت البيئة هنا قاسية جدا على المرضى وعائلاتهم.)
سارع موظف الشباك إلى فتح الباب في الطابق الأرضي، دخل مسلحان قالا إنهما مكلفان بحماية المطار ومن فيه."ألزموا أماكنكم" بهدوء قال أحدهما بنبرة الواثق.في الأثناء، انشغلت الطبيبة بتحسس نبض العجوز، التي بدا عليها الذعر.وهي ترى بأم عينيها زوجها يصرخ كالمجنون:
-"جاؤوا لإخراجنا إلى أين نذهب؟"
رأيته آخر مرة في سوق الخميس أمام بائع الأعشاب الطبية. كان متعبا، يجرجر عمامته، وقد غطت اللحية البيضاء الكثة وجهه، حتى لاترى له شفتين، ولا عينين.كان يلقي السلام على من يعرف ومن لايعرف .
سأل سائل :
-كيف حال أولاد ماضي؟
ا لتفت مسنون للسؤال ،ثم انتبه بعضهم لما سمع البقية:
-"في هذي الدنيا ما اشبع أولاد سيدي ابراهيم ، ما جاع أولاد ماضي ."
عرفه البائع من خلال صوته الأجش يجلجل كلمات، وقال سمعتها منه، وهو في الأربعين من عمره.
التفت بن صوشة، ورد على السائل، ضاحكا:
- كان الأحرى أن تسأل أين الفرس؟)
وحدهم رعاة المقابريعرفون صاحب الفرس،وإن ندر ظهور ه في الفترة الأخيرة. الكبار منهم يكونون قد سألوا عن غيابه، لأنهم حتما حنّوا لحارس "ذراع الحاجّة" تلك الهضبة، التي اشتهرت في الماضي البعيد بأنواع نادرة من الفطروالطين الصالح لصنع القرميد.
رجل وجهه بلون القمح ،أشعث أغبر،يرتدي قميص الصلاة وقد امّحى من البلي، فجرد،فوق رأسه عمامة حجازية،لا تراه طوال السنة إلا محتذيا سوقاء. عرفه من أقاموا الولائم أوقات اليسرضيفا خفيف الظل، واضح المقصد مما يحتاجه من طعام لسد المسغبة، وقليل من زاد السفريضعه في كيس من وبر.أهل النهى اعترفوا أنهم يجهلون متى ينتفخ نايه بالريح ،فيربط فرسه،ويدور حول نفسه دورات ،صامتا كأن به مسّا من الجن، إلى أن يسقط أرضا مغمض العينين، لايفتحهما مقهقها إلا وقد أمطرت سحابة من صحن السماء. عندها ينهض مزهوا مغنيا:
بري وين انا والنّو فايتين
الوعد من ربي واللوم من ذوك الجاهلين
عودي والسرج من الرهبان
في النهار فرسان، وفي الليل مع الديّان
اصحابنا سكنوا لقبور، وناس الدنيا ماعندي بهم قصة،
خاطي طاس ماء وقرصة، واحنا عايشين.
لما أفاق بن صوشة، فتح عينيه على رجل أسمر،طويل القامة والأطراف، عريض المنكبين . ارتجت رؤيا البارحة في مخيلة عامر،لمح في طرفة عينه اليمنى جناح سمانة.تماسك قائلا بصوت الواثق: ستكون ضيفي الليلة.
أجلس عامر ضيفه إلى جانبه في المقعد الأمامي للسيارة،وقادها عبر السهل قبل التوجه للمنزل لتناول مأدبة العشاء نزولا عند طلب بن صوشة. كان،كلما وقع بصره على شئ ناتئ من الأرض، فتح عينيه جيدا، ثم أغلقهما دون أن يبنس ببنت شفة .
عند إحضار مائدة العشاء،سأل عامر ضيفه فيما إذا كان يريد قضاء الصلاة الفائتة. لكن خربيط طلب فتح النافذة لتخرج سمانة من تحت عمامته، التي كان نزعها للتو،معتذرا عن تأخيرتأدية صلاة العشاء،وتناول في الحين طعام العشاء.عندما فرغ من إكرام الإناء،أعاد وضع العمامة فوق رأسه،وراح يغني في هستيريا،وبيده كيس من وبر:
بري وين ،أنا وعامرخاوة من هذوك السنين..
أدرك عامر من نوبة الهذار تلك التي أجهزت على ضيفه أنه البارحة رأى رؤيا، وليس أضغاث أحلام.متيقنا بأن الفارس لا يعاني محذورا سوى الخوف، ثم أخرج من الكيس رداء، غطى به خربيط الذي استسلم للنوم ،متخذا من عتبة الباب وسادا. بينما قضى عامر ساعات الليل في خدر. بات عامر يسأل نفسه:
من يجرؤ على الإيقاع بفارس الملح و الحلم ، بطائر الفلاة، وهو من نجا من الغرق في الساحل ، و من رفاق السوء بالجبل من السقوط بمنزلقات السهل، وهو من نقرته الأيام و الليالي، وحاولت سنونو أن تتقوّت من مخّه. غير أنه سايرها بشق النفس، وتجشم في أمرها كل أصناف العناء؟
لم يتحرك بن صوشة في منامه إلا مرة واحدة عند الفجر،حين نهض ،وضع الرداء في الكيس، وخرج .
طرق أحد بالباب.نهض مسرعا، وفتح الباب، فإذا هوعامريقول بصوت جهوري:
- عدت يابطل. أين صاحبك؟
خرجت ، و عامر إلى المقهى.
سألته:
- هل تعرف رجلا اسمه بن صوشة؟
سكت عامرمن الذهول ثم أجاب:
- أعرف أنه من معارف النيغاتيف، وأنه كان يستضيفه أياماخلال شهر رمضان قبل إنجاز أنبوب الغاز المار بمحاذاة ذراع الحاجّة.
فجأة توقفت سيارة النيغاتيف أمام المقهى،وسمع صوته :
-كيف وجدت أمّك يااسماعيل؟
رفعت عيني ورددت:
- لابأس .أنا قلق على مصير بن صوشة.
نزل الراهب ضاحكا من السيارة، ودخل المقهى مسلما على من فيها. قام عامر فاحتضنه:
-اشتقت إليك النيغاتيف. جئت هنا أسأل عن أخبارك، ففا جأني عباس بقلقه عن خربيط. ما حكايته؟
طلب النيغاتيف كوب ماء، قبل أن يجيب سائله:
( المسكين أصيب بذبحة صدرية ألزمته الفراش.وجدته اليوم في دار العجزة يهذي صائحا: "أخذواحصاني.سيخرج الموتى في احتجاج. أين عمامتي ؟" .... وكلام آخر لم أتبينه.
جاء الطبيب وقتها، وحقنه بمنوم. )
أحس بملوحة الماء،تجرع الكوب دفعة، وتابع كلامه:
(..قالوا لي مضت أيام قليلة على عودته من شط ريغة .أرجح أنه زاراليتيم الذي سبق وأن وجهه هذه الوجهة وفاء لروح جده بوجملين ، صديق الطفولة .أعرف أن شيخ البلدية أمره بإخلاء الكوخ، ووعد بمنحه مسكنا لائقا بعد تسييج المقبرة، إذ لن يكون داع لحراستها.
قلت في قرارة نفسي:
ماذا لو تسمع نادية بهذا المسكين .هل ترى أنها ستمانع في علاجه في مصحة الريف؟
سكت النيغاتيف قليلا قبل أن يضيف :
(خل الحال على حالو.ما نجزع ،ما انقول ما عندي والو. الأدهم نركبو،ولي فضل الله بكمالو..)
عاد يوما عامر إلى الدهاهنة لحضور وليمة ابراهيم لتعافيه بعد نقاهة،وسمع أن خربيط لم يتزوج قط،غير أنه كان يحنو على الأطفال والشيوخ . يعطيهم، إن صادفهم، شيئا من كيسه : تمرا،كسرة، ثمارا، أو حلوى تركية.
(ذكرلي إبراهيم، وقد كان أشجع الفرسان في شبابه، أن جد بن صوشة من أشراف الساقية الحمراء،جاء إلى الجنوب قبل الأتراك، وترك ذرية ،بعضها في الحضنة كحال خربيط، الذي كفلته عجوز فقيرة، توفي زوجها الضرير في فيضان الوادي زمن الحرب العالمية الثانية.رعى في صباه الماعز، و عمل في شبابه في قطف النبق،والبحث عن الفطورفي الأحراش، قبل أن يتعلم الحدادة، وشحذ المدى في القرى الجبلية القريبة.لم يدخل الجامع، ولا المدرسة.
لكن لاأحد يعرف أين ولا كيف حفظ أحزابا من القرآن الكريم ،وتعلم النطق ببعض العبارات باللغةالعربية الفصحى.لكنه يرتجل كلاما، كما يرتجل أسفاره وأطوار حياته.)
نظربن صوشة في سقف البيت، وتمتم كلمات لم يسمعها أحد.
لم يعبأ عامربذلك،بل قام رفقة ابنيه وخرجوا تاركين كهلا أصم يقاسم الضيف ما علق من بيض مسلوق في الصحن المصنوع من طين .طرق بن صوشة الصحن طرقا ليسمع صاحب البيت أن الضيف يريد تتمة طعام.
ثم ما لبث أن ضحك فرحا بمغادرة منافسه المكان دون أن يسمع طرقا، ولا أن يفهم قصد بن صوشة.
في الأثناء، دخل ابن عامر الأكبر، وتوجه ناحية الوسادة .أخذ خفية شيئاما، وخرج مسرعااستلم البعلي كيسا، وحسب المبلغ المالي:
-ما هذا يابني؟ المبلغ لايكفي لنصف قطعة الغيار.معناه أني سأدفع الباقي من جيبي
غضب المراهق،واحتج بصوت مرتفع:
-أنا لم أطلب من الزبونين ثمن وجبات يوم ونصف اليوم.واكتفيت بما ادخره خربيط من عرس الجيران.
لم يدعه يكمل الحديث،ورد والبصاق يتطاير من فمه:
-عيب عليك تطمع في مسكين، وفي أصم تأخذ مالهما غصبا .هل حولت الكوخ إلى مطعم تجاري، ياخارج الطريق؟
تتمة للمأدبة،أحضرت ربة البيت ما بقي من طعام البارحة، بعد أن سخنته على سخان، تم إصلاح أسلاكه قبل يومين في محل يسيره، ويعمل به شاب تخرج حديثا من مركز التدريب المهني.
تذوق الضيف القنوع، وأثنى على كل ما قدم له، حتى بدا لعامر أن صاحبه سجين قديم، استفاد من عفوحديثا،فلم يشأ أن يسأله فيما إذا كان قد رأى أحسن من طعامه، لاعتقاده أنه لم يأكل شيئا يذكر، منذ فترة ليست بالقصيرة، كما ظهر له من سرعة ازدراد قطع من اللحم العصي على المضغ، وأجزاء من خضار نادر، يعتقد الناس أنه بري.
ثم تخيل الأسوأ، على نحو أن ضيفه المولع بتقليد الدراويش، يكون قد أتى على جلد حذاء قديم، تركه راع في محيط المقبرة،أو قضم أطراف يربوع، يكون قد وقع في شراك أطفال يتامى، قصدوا اصطياده، وتقديمه إلى الأهل، بغرض طهيه، إذا حل بهم ضيف طارئ من طينة بن صوشة.
كأن هذا الفارس الذي لايشق له غبار، علم مادار في نفس عامر،نطق دون مقدمة :
- طعامكم لذيذ ،لكن رائحة نار تدل على قدم الإناء الذي سخن فيه
ضحك عامر لطرتفة الملاحظة وقام فأحضر السخان متسائلا :
- تقصد هذا؟
- أواني سوق الخردة أكثرها مسروق .لذلك لا طعم فيما يوضع فيها ، ولا بركة
أجاب خربيط،وأخرج من جيبه أسلاكا بلون الفضة، قال إنه جلبها من بلاد القبائل،حيث يستخدمها صانعو الفخارفي حرفتهم، التي يعادل دخلها، أو يفوق أحيانا دخل سائق سيارةأجرة.
أخذ عامر سلكا وتأمله برهة ليعلق قائلا:
-إذا كنت تقدرني، فأجرتي لاتقارن إلا ببائع البيض.أما النيغاتيف فيتقاضى أكثر من راتب عون الحرس البلدي لقاء رحلاته نحو الحدود
نظربن صوشة في سقف البيت، وتمتم كلمات لم يسمعها أحد
أبصرت من خلال النافذة أناسا يتراكضون,للوصول إلى المصلى قبل آذان المغرب.وسمعت الإمام يذكرهم بعد الصلاة بفضل كل من رغب في سنة الجماعة بلا عداوة و لا حرج. وكان يصلي الترا ويح مع زهاء خمسمائة رجل ، يؤدونها على أديم بقيع أشهب غاية في الإستواء، ونعومة الملمس، و في إثارة الحنين لما كانت عليه السبخة، قبل أن يتبخر ملحها.
ذكر بن صوشة أن السبخة كانت تروب صيفا ،وكان بخارها تحت أشعة الشمس سرابا يشرح الصدور الضائقة ، ويؤنس قلوب الغرباء.
بعد عودة الوالي إلى دار الضياف في الليلة الخامسة من رمضان، كان ضوء قنديل الزيت قد أخذ في الخفوت، وسكنته، من جراء ذلك، وحشة سرت في أوصاله، لفه رهبوت السؤال:
-" متى يعود خبراء المنظمة العالمية للصحة ؟..."
ثم جلس القرفصا ء، و بكى طويلا...كيف حرم نفسه من رعاية شجر الرمان طيلة المدة المنقضية.
غنّت طيور الأنبياء، وجواري الملوك التي بين العروش، وغنت اللغات. صمت القمر طويلا، وكذلك فعل وجه السماء، وبعض الساهرين قليلي الخبرة بحيل العصر.
مرت صلوات، ، وثمار وأعياد.
طيلة الدعاء، و الخوف والشوق، ظل فؤاد الرهبان يرتجف من معجزة تلك الليلة.التقوا دون موعد.
سهر يسأل السؤال تلو السؤال من نحو:
- لماذاأخفوا حصان بن صوشة وعمامته؟
ويسأل النيغاتيف سؤاله:
- من صاحب الغنيمة ؟
عندما خرجوا من دار الضيافة، لاح تحت ضوء القمر بياض الملح .تشمم بن صوشة رائحة السبخة، أما نورالدين فقد عاودت أنفه رائحة ذلك المحلول.عطس، وتنهد من الأعماق:
ما أشهى الحنين إلى بخار الصيف البعيد.
انهال النادم على نادية حكاية يسترضيها كي لا يعييها السهاد.
قال لها:
أما بلغك أن زوجة اللبلابي عانت الربو أغلب سنوات عمرها. تفاقمت نوباتها في آخر حياتها، حيث كان صدرها يضيق ذرعا بضنك العيش،فتنقطع أنفاسها. استعملت كل ما صادفها من توابل للتخفيف من ضيق النفس الذي حرمها النوم أياما وليالي.أما ضيق العيش، فكانت تقول لابنتها المطلقة إلى أن تزوجت:
- إنه امتحان الصبرعلى الحياة.
تزوجت بنتها البكر أول مرة من فلاح كان يسكن قرب ذراع الحاجّة،كابدت ويلات غيابه عن المنزل أياما وأياما، لم تجد خلالها ما تقيم به أودها،واشتكته أهله ذلك عدة مرات.لكن الزوج حلف باغلظ الأيمان أنه كان يتدرب على سياقة شاحنة لنقل الرمل على أمل بيعه .
رد إمام الجماعة التي الـتأمت للنظرفي أمره :
-كنت أسعى جاهدالشراءمحرك قصد استخدامه في استخراج الماء من البئر، التي بات نضوبها يهددنا بالعطش.كان صاحب الشاحنة صديق الطفولة . رعينا معا الماعزفي الأحراش، أثناء طفولتنا.حضرنا واقعة انفجار لغم أودى بحياة ابن الطالب بالتبني ،ذات صيف.
اقترضت بعض المال من عم صاحبي، وأنا بصدد تسديده عن طريق القيام بأعمال في الزراعة، ورعي المواشي .لذلك،كنت أغيب طويلا عن أهلي.
اجتمعت الجماعة بعدها مرات للتداول مليا في حال بنت اللبلابي، التي لم تبخل بمشاركة زوجها في سقي حقل البطيخ والذرة بعد أن سدد دينه، واقتنى عتاد عمله. من حين لآخر، كان زوجها يسوق شاحنة مستعارة أمام شباب القرية وكهولها،وقد صاروا ينظرون إليه بعين التقدير،متغاضين عن مناوشاته العائلية، التي تسللت أصداؤها إلى أبعد من العائلة.
طلبت منه زوجته ذات يوم أن يبني لها مسكنا جديدا على أنقاض منزل أبيه، الذي رحل للعمل في مشروع زراعي مع أقاربه في قرية مجاورة .رحب الزوج بالاقتراح، ولبي رغبة زوجته عرفانا بصبرها الجميل، وعملها الجليل .
عاد أبوه يوما لأخذ قيد من حديد تركه في مخزن البيت . احتاج إليه في زريبة البهائم الجديدة. فوجئ بالبناء.ثارت ثائرته في غياب ابنه،وشتم زوجة ابنه، التي أطفات بالصمت سعار أسئلته الملحّة:
-من أوحى له بالفكرة؟ لمن ينوي بيع المسكن ؟بكم اشترى الشاحنة من صاحبه؟
ذكرت لجارتها :
- الكلمات تحولت إلى ردة انفجارأحسسته قريبا جدا من موطأ قدمي . ثم غشيتني موجة حرارة عالية، لم أفطن إثرها إلا وأنا إلى جانب أمي . سمعت حشرجات صدرها، وهي تعاني نوبة ربو.
قال لها أيضا:
-أما بلغك أنه بعد تطليق ابنته الكبرى، قدر للبلابي أن يزوج ابنته الثانية من قريب له يتيم، مقابل مهر زهيد.سمح له بزراعة حقل صغير من الفلفل، والطماطم.
مر عامان على الزواج اكتسب خلالهما الزوج دراجة هوائية، واشترى لوازم الحفر، والبناء للانطلاق في أشغال مأجورة من قبل بعض سكان القرية المجاورة، الذين قرروا الاستقرار بعد فتح مدرسة لأبنائهم. أصبح صهر اللبلابي محل تقدير الناس لهدوء طبعه، وإتقان صنعه، حتى أنهم عدوه من الأقارب، وصاروايدعونه لحضورحفلات الختانة والزفاف، وقد دل تكاثرها في فصل الصيف على بدء تعمير الضاحية كلها، واتساع التعارف، والتعاون بين ساكنيها الأصليين، والوافدين.
ذات شتاء، دعي لحضوروليمةأقامها صاحب منزل وفد من الجنوب للعيش في الضاحية، والعمل كصباغ الصوف في البلدة القريبة.أثناء المأدبة، عبر المضيف عن حاجته لبناء، فاتجهت أنظارالضيوف إلى صهر اللبلابي. تجرأ أحدهم من الفرح قائلا:
بيننا يوجدأحسن بنائي المنطقة. سيكمل لك البناء، على أن تزوجه من صحراوية يبني لها أجمل مسكن.
ابتسم المضيف وأجاب:
-فليكن. عندي شقيقة اشتغلت ممرضة، وهي حاليا في عطلة مرضية. سئمت من جو المركز الصحي.
فهم الصهرأنه مقصود بالعرض المغري.لكنه، من خجله، فضل السكوت.
محاولا رفع الحرج عنه، قال المضيف:
بعد ساعتين، بلغه نبأ مفجع لكنه بدا له، لأول وهلة، مبشرا بتنفيذ الصفقة.
توفيت زوجة صهر اللبلابي قبل وصولهاإلى قسم الاستعجالات الطبية.
قيل سكت قلبها.
-هل علمت أن الصهرتزوج من بنت اللبلابي الكبرى،المطلقة.
تنهدت نادية،وسألت:
-أما ترى أن بناء مصحة في كل قرية يظل هدفا إنسانيا كبيرا؟
وغادرت هي، أياما بعد ذلك اللقاء.
قلت في قرارة نفسي:
ماذا لو تسمع نادية بهذا المسكين .هل ترى أنها ستمانع في علاجه في مصحة الريف؟
علم عامربكل ذلك، وهو في طريق عودته من سوق سيدي عيسى، حيث نسي وثائقه في مقهى صغير . تذكرتفاصيل التقائه بقريبه العائد من المهجر،لكنه أصر على تغيير مساره نحو زاوية الهامل،أين وجد نادية مغشى عليها، وقيم الزاوية يحضر لها رقية.
روى عامر:
هالنى ازرقاق وجهها ودوران عينيها كأن بها مسا من الشيطان.بلّل اللعاب، الذي سال من فيها، الوسادة القديمة المصنوعة من وبر، التي تقاطعت في وسطها خطوط ملونة بالأصفر، والأسود، والأبيض. قلت لابد أنها اقتنيت من سوق الحراش، كونها تشيرإلى العلامة الرياضية لفريق الاتحاد العريق.
بعد لحظات، دخل الراقي بلباسه الرمادي ،عاري الرأس ، حليق الشعر،بيده دواة فيها أخلاط غيرت لون الصمغ.أمر القيم الذي كان عند رأس منال بإحضار إناء فيه ماء زمزم، وحدد له موضعه خارج المسكن.
اقترب الراقي من الطبيبة الممدة على جوخ، غطى حصيرا سميكة،متمتما بصوت غير مسموع كلاما. حركت منالها رأسها حين دنا منها، وحدق في جهها لتفتح في اللحظة عينيها، متأوهة:
-آه،ياربي...
أخذ الراقي ،في سن الخمسين،ملعقة من الخليط الذي ملأ الدواة،وطلب منا أن تأكل منه ملعقة.لكنها أبت، وبكت ثم وضعت رأسها على الحصير ، بعد أن أزاحت برجلها الجوخ المهترئ.ظل الراقي يرقب حركة أطرافها في صمت إلى أن أحضر القيم ماء زمزم.
رشّ الراقي بقطرات من الماء قدمي نادية، التي استسلمت لحظات صامتة، مبحلقة في سقف دار الضياف المشيد من جريد، أسندته قطع خشب من صنوبر الغابة،قبل أن تنهض لتمسح العرق المتصبب من وجهها ورقبتها بخرقة من كتان زرقاء اللون ناولها إياها الراقي الذي أسرع خارجا إلى غرفة مجاورة.في الأثناء،دخلت والدتها وصاحت باكية:
- يارب العزة استربنتي..
طلبت منال أن أذهب بها إلى مستشفى بوسعادة،بعد أن وافقت والدتها على ذلك.حاولت المشي لكنها تعثرت، أعنتها والقيم الشاب على الخروج .قبل أن تجلس في مقعد سيارتي،جاءنا الراقي متوسلا أن نصبر قليلا من الوقت ريثما تطهى عصيدة نشاء.لكن نادية استعجلت المغادرة.
رأيت ذات ليلة مقمرة رهبانا رأسه في سيدي عيسى، وقدماه في أولاد سيدى احمد. ناداني ليعطيني شيئا كان بيده، لكني كنت في عجلة من أمري، فواصلت ركضي دون أن التفت. أعدت ما رأيت لوالدتي، فتأسفت قائلة:
-" ذلك حظك تركته وراءك.. ستبقى راكضا إلى أن تلقاه ثانية."
ذكر النيغاتيف أنه عندما طال ركضه في البرية دون طائل ،نصحه رجل من أولاد سيدي احمد بالتوطن .قال لي: المنزل في المحيا بمثابة القبر في الممات.الزوجة عماد البيت وزينة الحياة.
.. عندما هممت بالأمر، كان ا لجفاف انحسر بعد مواسم طويلة. باشرت حفرالبئرمرة في الأسبوع. واظبت على الحفر سبعة أشهر، لم يتبين في نهايتها ما يدل على وجود الماء في باطن الأرض الواقعة في ملكية الزاوية فأخذت حماستي تفتر، وساورني ريب في أن تكون المرأة غيرمبروكة .قالوا لي من تزوج من عائلةالحوامد ظفر بمتاع الدنيا وبركة الدين. لكن الحامدية التي اقترحها علي حفيد قيم الزاوية لم تظهر بشائرها.
توقفت عن الحفرقرابة الشهرين، صار المكان اثناءهما مأوى للكلاب الضالة، ومقبرة للدجاج الذي كانت تفترسه القطط البرية فتأكل لحمه، وترمي قوائمه ورؤوسه المنهوشة في حواف الحفرة التي، إذا هبت زوبعة، ملأت بما حملت تجويفها البالغ في بطن الأرض قرابة أربعين مترا، وإذا نزل الغيث ابتلت كومة التبن، وأعواد الحطب، وغيرها من خشاش الأرض، وقد كاد ذلك كله أن يملأ الحفرة برمتها،وسقطت فيها مرات عديدة بهائم تاه في البحث عنها أصحابها مدة من الزمن إلى أن تفطن أعيان القبيلة للخطر الداهم يوم أن أوشك راع أن يردى في دركها عند عودته بماعز القرية، وقت المغرب ، فسيجوا الموقع بأوتاد، وطين، وحجارة. بدوري، جمعت أغراضي، التي كانت في دار الضياف المتبقية من مبنى المسجد، ورحلت .
في مطلع شهر شعبان من ذلك العام، انتابت روحي مشاعر جياشة للسفر والمغامرة. اشتريت سيارة جديدة . نزعت فراملها،لم أخش حادثا مميتا ،قدر خوفي من زلاّت اللسان، ومن غضب الرهبان . وكنت عزمت على التوجه نحو تونس في تلك الأيام المشحونة بالحرص على صلاة الجماعة.
ذات يوم، بعد تأدية صلاة العصر، جاءني الإمام، وأمرني بإرجاع قفة التمرالذي كانت تحته كمية من الذهب،قائلا:
-"ادعى صبية أنهم رأوك تخرج متأخرا من الجامع بعد صلاة الظهر.إذا كنت أخذتها أعدها قبل صلاة العشاء، وإلا فستحلف على المصحف أمام الملأ."
لم أفزع ولم أجزع. لكني سألته :
-لمن القفة؟
أجابني:
- أعدها، وستعرف صاحبها .
-أقسم بالله ما رأيت القفة،ولا صليت هنا ظهر ذلك اليوم.
-أين كنت إذن؟
-شيعت جنازة قريبيمات وحيدا في مخزن تبن قرب الشط.
-يرحمه الله.
هل أنت مستعد للقسم بكتاب الله أمام حضور الجمعة القادمة؟
في تلك الأثناء، رأيت أحدا ركب سيارتي في اتجاه مسلك فرعي.فتشت في جيوبي عن المفاتيح. لم أجد شيئا. طلبت من الإما م أن يشهد الواقعة .
اعترف الإمام أن الأمر التبس عليه:
-(قيل لي أنك صهرالسحمدي القائم بالزاوية. تغرس نبات التبغ المحظور،وتسقي حقول الذرة والفلفل الحار،وترعى قطيع القبيلة من الغنم والماعز.لكن يابني، ما خلت سحنتك خالطها الحرام. يبدو قلبك على لسانك.أنت متعب من طول العناء،والله أعلم بحالك.)
ضحك النيغاتيف وعلّق:
- ألم يقولوا أن أحدا يريد تزويجي مقابل حفر قبر؟
في الحين، جاء شاب شديد السمرة، وهمس كلاما في أذن الإمام . فجأة اهتزت فرائص هذا الأخير،وزمجر غاضبا:
-لعنه الله. أين هو الآن؟
اضطرب الشاب ورد:
-انقلبت سيارته وهو يعاني كسورا في الرقبة.
لامست فكر النيغاتيف خواطر من زمن الدهيمي، وبادوش رحمهما الله، لكنه انصت بوقار وذهول لمقال الإمام:
-نجاك الله من هذا الظالم. لقد اعترف للشاب أن صاحب القفة نفى تركها في جامعنا،وأنه استعار سيارة لاسترجاعها فور بلوغه أن أحدا وجد شيئا ثمينا في مسجد العثامين.غير أن السيارة انقلبت.
قهقه النيغاتيف:
- ساق سارق سيارة بلا فرامل.
في المساء،عدت متعب النفس من جو المستشفى ،وحاولت أن أخبر نورالدين با لواقعة.لكن النعاس غلبني،فلم استيقظ في الصباح إلا على صوت عباس :
-جئت أعلمك بما وقع لنادية المسكينة.هيا بنا إلى بوسعادة.
استبد بي الخوف من أن تكون قد تدهورت صحتها،وسألته:
-أين هي الآن؟
مر وقت لم يزر فيه أي مسؤول ذراع الحاجّة. المقبرة التي وعد المسؤولون بأن يهيئوا مساحة منها يقام عليهامشفى أكبر من العيادة التي حلمت بهاطبيبة الريف ، منذ أن كانت طلبة في كلية الطب، ولاقت في سبيلها ألوانا من العنت، قالت إنها لم تعد قادرة على استذكارها، كما كانت تفعل في بداية مسارها المهني. في آخرلقاء أسرت لي:
-( أصدقك التعبير عن شعوري بصدمة الواقع، إلى درجة أن رسائل التشجيع، التي لم تنفك تصلها من أعضاء المنظمة العالمية لم تعد تشجعني إلا على الكف عن أحلام اليقظة.)
اعترفت والدتها أن نادية تعبت بفعل الشعور بالإحباط:
-"إنها لا تحلم هاته الأيام سوى بالالتحاق بالعاصمة، عسى أن تجد من يواسيها، ويعيدها إلى ذكريات مدرجات الجامعة، وأقسام التربص بالمستشفيات."
تغيرت أحاسيس الناس، كماتغيرت أشياء الحياةوطقوس الموت .
حتى المقبرة انقطع ذكرها بين الناس، بعد أن حولت الإدارة مكان دفن موتاهم.
توقع اللبلابي، قبل أن يبتلى بكسر في فخذه أقعده ثمانية أعوام في منزله،أن يأتي زمن لايجد فيه القرويون أين يقبرون الميت.وهاهي القرية لم تعد جديرة بهذه التسمية:
زفتت ا لمسالك،وأحيط مركز الغاز بأسلاك،واختفي أي أثر للأنبوب القادم من الصحراء،بحيث لااحد يتوجس خيفة من أن يعبث به أحد الرعاة كما كان الأمر قبل عقود من الزمن .ثم هل بقي راع واحد تراه رأي العين ؟سألت رجلا كهلا أنيق اللباس وجدته في موقف الحافلة ،أمامه حقيبة جديدة، وضعها على أديم مائل لونه إلى الأخضر.سرعان ما جلس عليها، و تفرس وجهي، ربما بدوت أنا الغريب عن المنطقة.
نزع حذاءه وقال:
-أما تعبت؟
-"كثيرا ."
أجبته.
التفت يمينا وشمالا ،ثم سألني إن كنت انتظر الحافلة ليضيف:
-من يسكن المكان الآن؟
بعد وقت قصير،توقفت سيارة عامر.نظر الرجل الأنيق مليا في وجه عامر.من الدهشة،نزل عامروركض كا لطفل صائحا:
_آه ياربي.من أتى بالصحفي هنا.ياللمفاجأة السارة.
بينما غرق الرجل الأنيق في الضحك،ومشى نحو السيارة،فتح الباب وجلس خلف المقود،مرددا بصوت خنقه التأثر:
-إلى المقبرة ماشي.
هزتني قشعريرة،ركبتني جنية .أخذت مكاني في المقعد الخلفي،وشاهدت إنساناآخر لم أعرف متى سكن جثمان عامر،لكني لمحت الشيب، وقد زال من مقدمة رأسه، وهو يقبل الرجل الأنيق، الذي انخرط في بكاء لم ينقطع مسافة طويلة .بكيت أنا وقتا، لم أحسبه،وتخيلت ،لاأدري كيف، صورة رشيد يغني جذلان:
(طريق الآخرة ماشي حرشة.امشاتها المشينة والكار
أنا من الدنيا مليت، لكن قلبي من الفرحة طار..)
كان ،بين الفينة إلى الفينة، يلتفت نحو جليس المقعد الأمامي بجانبه، ويسأل في هستيريا:
-واش بيك يا بن ذياب، من تونس وليت؟
يضحك الرجل الأنيق،يبكي ويرد متلعثم اللسان:
ركز في السياقة. نصل بخيرأولا، وسأحدثك .
احترت كيف اختار عامر المغامرة بمركبته في مسالك ترابية، وحجرية، تلتوي كا الأفعى بين أدغال وأحراش، وسدر،نبت في كل شبر على نحو يشي بفوضى، طالما عكستها حياة من بقي بالمنطقة.
عانق بن ذياب الشرطي على رصيف طريق خلت من المارة، ومن السيارات،باكيا على ما أضاع من صحبة الماضي :
(كان حفيد بوجملين صبيا،لم يكن قد ابتلي باليتم عندما حزت على شهادة الأهلية،
وأهديته بعد أيام من ذلك قميصا وسروالا . رأيت شقيقه أشهرا قبل سفري للعمل بتونس،وأخبرني يومها أن حفيد بوجملين يوشك أن يعود من عمله ببلاد البركان.عرفته من ذلك السروال، الذي كان مر على إهدائه لعمرأكثرمن خمسة عشر عاما. أجمل سروال اقتنيته في شبابي، سرني أن يرتديه ذلك اليتيم.)
في تلك الأثناء،ملأت فراغ المكان سيارة أجرة كان سائقها يعلن بمكبر صوت :
-الاجتماع القادم بذراع الحاجّة.حضور الجميع ضروري وأكيد.
ضحك رئيس البلدية وتوجه نحو الرجلين لتحيتهما قبل دخول مكتبه،قائلا :
-سنلتقي في الموعد المحدد.
رد عليه الشرطي باحترام:
-نعم سيادة الرئيس.
وطمأن بن ذياب :
-هناك ستلتقي حفيد بوجملين،والآخرين.
لكن الواقفين انتبهوا لمرورسيارة مسرعة قادتها جنية وسرعان ماصرخ عامر:
-تبا لها،تقودها بلافرامل.
وركض من الفزع على طول الطريق كأنه يبحث عن دواسة .