قرب الشط
رواية عبد الحميد مغيش
انتابني، تلك الأيام هوس للتنقل من المدينة،فرارابأمنية العمر،بذرتها في الصبا الباكر حرفا،ورعيتها في الشباب ورقة مجنونة قاومت عصف الزوابع،خطّت عليها أنامل القلب رسم القلعة التي حلمت أن تشيّدني منارة تهدي أسراب التائهين خلف الحجب، وما بين ذرات الملح الهائم بالسراب.
طالت بي ليالي الأرق،وأيام البحث عن مخرج من أنفاق القلق،في وقت رأيت فيه معارفي كأنهم في القرن الأول مشغولين بأمور الدين، وأكثرأصدقائي مثل عصافير همّت بتحصيل الرزق، وبناء العش الأمين.
داومت على احتمال الأذى بالصبر والرضا على ما جرت به الأقدار.غير أني ما طبت نفسا، ولا رأيت سبيلا للنجاةمن طوق الملل، سوى بطرق باب الهجر الجميل.
كان لا مفرمن السعي للاتصال بصديق جمعتني به أوهام الشباب،وغالبنا سويا شجون الدراسة.كنا في الغياب ،كلانا بحث عن جنّة فوق التراب،والتقينابالصدفة أو بموعد القدر. صارصديقي في نهاية الأمر سائق سيارة أجرة حاذق ، ذاشهرة بين زملائه لخفة روحه، وسلوكه اللائق.
غذّتْ الأيام المتعاقبة بلا شبه في تقاسيمها شعوري الملح بزحف عمران المدينة الهاربة على أحلامي القديمة،وفتحتُ عيني على وجوه نديّة لأناس لم يغب الأمان من عيونهم رغم زوابع الخوف التي عصفت في كل أوردة القلب الوطني في بداية مرحلة حاسمة من طموحه الجياش.
قال لي صديقي :
-مساكين بعض أهل العاصمة نزحوا إلى هنا
انتبهتُ إلى هدوئهم وطمأنته:
-إنهم في جنّة عدن كما وصفها شاعرأندلسي
لكن غبار الأيام حمل أوزارا ناءت بها البلدة التي عُدّتْ إلى عهد قريب وديعة وآمنة وسال فيها الدم، بدلا من الماء الذي ظل اسمها العبقري قرونا طويلة.
من حيث لم أحتسب،فاجأني يوما صديقي في حي ضاقت سماؤه بابراج العمارات التي آوت عوائل وعازبين تركوا حضارة أحالها المغول بحرا أحمر من الأحزان بعد أن كان أبيض من البهجة والأمان:
-أرأيت كيف صارت المسيلة ملاذ القريب والبعيد؟
أبهرني طيب الكلام الذي فاح مبدّدا أي شعور بالنفور، أو الخوف عند المقيم والوافد على السواء. وسألتُ نفسي كيف غشيتني الغفلة كل هذا الوقت عن تذوق تلك النعمة.
لم أخْف على صديقي أني ندمت على ذلك .
شعرت بتقززقريب من الخبل كلّما تذكرتُ كيف تحاشيتُ، طول الوقت الذي مضى، لقاء الناس،وكتمتُ غيظي حتى تبلّد في الإحساس،واستبدت بي هواجس مرض وشيك.
عشية السفر، فتشتُ طويلا في مفكرة قديمة عن أسماء مزارعين في تلك البلدة المشهورة بأجود أنواع القمح الصلب والذرة الصفراء حتى سئمت من عناء البحث في أكوام الكراريس، والكتب القديمة.
خرجت هائما في أزقة المدينة، كأني اكتشفتها من جديد . لمعت في عيني ريشات الحمام الأليف من تحت أمكنة عتيقة كانت بها تقبع، تخيلت أنها تعبق برائحة التبغ،وتتحدث بلغات البراءة مرة،والطيش ،مرة،والحنين مرات كثيرة ، إلى درجة شعرتُ معها بالغرور يتملك قلبي الولع بالتجوال.
أحسستُ، وقتها، بأن الطريق تتحرك تحت قدمي، أقنعت نفسي بأن هذا مرور الصيف بحرارته وهواجس الصرع التي انتابتني أغلب قيلولاته.
نزعتُ كل شيئ كان فوق رأسي، دون أن أقوى على نزع بعض المخاوف المرضية التي سكنته، وطفقت أزور المدن المجاورة على متن سيارات أجرة، كان سائقوها يتبرمون من غلاء المعيشة، وكأنهم يبررون تلك الزيادة في الأجر، التي يرجئون طلبها إلى غاية إيصال المسافرين إلى وجهتهم.
لم أنم تلك الليلة إلا متعبا من الأرق. استعدتُ ليلتها أحلام يقظتي الصيفية بحي النصربالمسيلة الشبيه في ضوضائه بما ساد العاصمة وقتئذ من شعور جارف بالحذر، إذْ نامت في الظلمة أحياؤها الراقية، وأغلقت متاجرها الشعبية في وجه الخوف .
لم أكن لأجد وقتها من يؤنس وحدتي ، سوى من بقي من باعة الأكلات الشعبية في حي "طنجة"،الذي سيأوي في زمن المحنة، والرصاص الطائش فئة من الصحفيين.
كانوا يأ تون متعبين ليقتاتوا بما تيسرمن الطعام جنبا إلى جنب مع عمال المحاجر، والبنائين، وحراس الليل بالفنادق، حيث كان الأزواج منهم يقضون بها وقتا خوفا من الأخبارالعاجلة، وكثيرا من الأرق، والترقب لما سيحدث.
تسلل صوت خافت إلى قلبي ،حركت قدمي ببطء، اهتز قلبي، وتاهت عيناي قليلا في صمت الكلام الآرق. عندها ، تشممت رائحة ذلك الرهبان من بقية التبغ ، الذي كان أبي يقتنى ورقه الخام من السوق الأسبوعية، ليسهر الليالي الطوال في إعداده بعناية بين بقايا كوخ قروي، ويعرضه للبيع معبأ في علب بعد عناء نقله من سوق شعبية إلى أخرى، على مدار السنة.
استل الرهبان من سرج فرس شيئا مريبا تركه مكان الوساد. وتابعتُ خطوات خروجه متنهداقبل أن أودّعه :
- "خشيتُ دائما تسلّم الرسائل العاجلة من بريد حي الكوش."
في الصباح، قطعتُ شوارع الصبا متعبا بما ترك في نفسي طول الدرس مع فقر الحال وانقطاع الوصال بيني وأهلي. مررت ببقايا الحكايات والنفايات الجديدة،وسلّمت على أهل المدينة نائمين في برودة بدء الشتاء سلام العابر إلى غربة أخرى عبقت رائحتها كا التبغ الأبوي من ثنايا اللحظات السديمية التي عبرتني حزينا ووحيدا، كما كنت أغلب أوقات العمر الماضي في طريقي إلى محطة سيارات الأجرة المسافرة في اتجاهات الزمن الأخضرالمزرورق بكآبة الفصل القادم على متن الأمنيات، ودعابات السواق الآرقين الباحثين في كل مكان عن مسافر عاثر الحظ، يريد العبور إلى حيث تضحك الدنيا في وجهه ولو على سبيل السخرية.
كانت محطة ذلك السفر قرب مكان بيع الأغراض القديمة بالكدية، الهضبة الشامخة بعد زلزال الماضي القريب، حيث ألفتُ البحث بلا ملل عن ورقة النقد التي أضعتها صبيا، ذات يوم صيفي عاصف بالتراب.
كان السائق يرانى وأنا أقترب، ملتفتا في كل الجهات، باحثا، هذه المرة ،عن مقهى أشرب فيه ذكرياتي المغشوشة،وما تبقى من نقيع رعي الحمام . استحثني على الركوب :
- هيا، بك يكتمل النصاب. القهوة ستشربها في مكان آخر.
ركبتُ في مقعد بوسط السيارة، مع أني لم اقتنع تماما بأن خير الأمور أوسطها،وقلت لابأس من الاستمتاع عبر نافذة السفر بمشاهد السهل وقت الخريف،وقد لوّن بمسحة الحزن على طول الطريق الوطني وجه الريف، بدا مرغما على التمدن بتلك السرعة القاتلة.
في مخرج بلدة اختير لها اسم فارس قيل جاء من الفرات: سلمان ،وقعت عيناي على أشجار، زيّنت كأنها السرج على ظهر جواد أصيل أرصفة الشارع الطويل المهيأ حديثا كأنما لاستقبال نبأ عظيم .واستسلمت بعدها لإغفاءة شوشتها قصة حب شبكت خيوطها منذ الأول.
بعد مسافة لم يقدر سائق سيارتنا ما سيعمله في حال مجيء سيارة مسرعة بالاتجاه المعاكس.لكن القدروقّع بالأحرف الأولى فاجعة الاصطدام، عند مدخل بلدة برهوم.
تخيلت كيف نقلوني إلى مصحة ببلدة سلمان، كما أخبرني ابن عمتي .
حدثني عمربن سعدية:
وجدتك يا ابن خالي ملفوفا بجوخ أبيض ،وقد اسود وجهك ،عرفتك من عينيك وأنفك. عندما هممت أن أضع يدي على جبينك، نهرني الممرض قائلا:
-اتركه لحاله. قد نجا هو وشخصان من حادث سير أودى بحياة السائق ورجل ، وامرأة.سيحضر الطبيب المداوم .
وأضاف إنه تأسف لتعذر زيارتي، إثر نقلي إلى مستشفى سيدي عيسى،حيث نابت البعثة الطبية الصينية عن الأطباء المضربين يومها.
لم يجدوا مترجما من اللغة الصينية إلى العربية، فاضطرت طبيبة موظفة حديثا إلى التكلم بالإنجليزية مع جراح صيني مسن، كان يتحدثها بكسور لغوية جسيمة .أغلب من رأوني في قسم الاستعجالات لم يعرفوا، إلى غاية اليوم الرابع ، ما أصابني . كان ينبغي نقلي ليلا إلى مستشفى بالعاصمة لتصوير دماغي بعد طول الغيبوبة المتقطعة، التي كنت إن فطنت منها، صرخت بسباب ضد بعض أقاربي، ومسؤولي الجريدة .
بكى حينها صهري، مربي المواشي، ذاكرا في الملأ أنه لم يسمعني قط أتلفظ بمثل تلك البذاءة . لذلك، أشيع عني أني جننت جنونا، وهب لزيارتي أصدقاء الدراسة، لم أتذكر منهم إلا أستاذا للفلسفة، وآخر للأدب العربي في ثانويتين بمدينة سيدي عيسى.أخبروهم بأني أصبت بكسر في وركي الأيسر،وأني كنت أعاني شدة ألم رضوض بجسدي.
أثناء زيارة،ذكر صديقي بن زاوي، أني كنت أستعرض نظريات في الفلسفة، ملحا في تكرار"تشبث بالحياة"، إلى أن قاطعني بالقول:
-"تشبث أنت بالحياة."
حدث فظيع. لم أع هل حصل كل ذلك في زمن عاد وثمود.
في لحظة ما، تصورت كيف يمكنني التهرب من إلحاح الذكريات،وبينما توقفت عند فكرة جديدة ، سمعت طرقا ذا وقع خاص بالباب، أعاد إلى خلدي ذكرى ساعي بريد قديم كان يأتي بوصل منحة معاش أب متعب ، وثبت لفتحه وروحي في صعود،وإذا بأحد أقاربي ينعيني، بصوت خفيض، وفاة الخالة. لم أعرف كيف أصم سمعي، وأعود. غير أني جهشت بالبكاء، وسمعت صوتا كأن صاحبه عائد من اللحود :
- "سقطت المسكينة من طاولة التشريح."
كاد يسقط من سطوة الغضب .تماسك رغما عنه ليضيف:
-" بعد نصف ساعة من انتظار تخديرها الكلي، وصلت ممرضة الليل مسرعة، وحاولت الاتصال بمصلحة الاستعجالات، لكن أخبروها أن الجراح تأخر."
احتج، ذلك اليوم، الجراح على انتخاب امرأة نقيبا للأطباء المضربين.
دخلتْ أختي البتول الجامع، وحفظت من أحزاب القرآن بدءا من "الحمد لله" حتى"عمّ يتساءلون".لاأعلم، حتى اليوم، كيف فرضت الإقامة الإجبارية عليها في المنزل العائلي. تعلمت شقيقتي النسيج التقليدي، والإصغاء دون ملل ولا مقاطعة، حتى أولئك الذين كانوا يتكلمون دون أن نراهم، ولاأن يرونا، وأحيانا دون أن نعي بأية لغة يتكلمون.
كان بعض المذيعين ينطق أسماء الناس خطأ، وكانوا يكررون الخطأ نفسه مرات، حتى ليظن المستمع أنهم يتعمدون ذلك لمجردالإثارة التي ينشدها كثيرممن يؤدون هذا العمل. ثم اكتشفنا، بعد جيل كامل، أن ذلك ما كان يكرهه المستمعون.
ساورني ظن عند سماع صوتها المبحوح إذ سألتني:
- هل ذكرت سنوات الخير ؟
حاولتُ تهدئتها :
-مازال الخير إلى يوم الدين .
غلبتها عاطفتها، وفضحتها دموعها المدرارة:
-الدايم الله .
بعد ذلك، كانت شقيقتي البتول قد بكت سوء حظها طويلا، وحزنت كثيرا، عند وفاة والدي عندما كان شقيقي الأصغر يؤدي الخدمة العسكرية.أما أنا، ففجعت أشد ما يفجع قلب مرهف مكروب.همت على وجهي، لا أدري ما فعل بي الجزع العميق وقتا طويلا .
الموت أعظم مصيبة في الدنيا.
في تلك الأيام المثقلة بالأسى، أحسست أنه لن يتسنى لي الترويح عن نفسي إلا بالعودة إلى المنزل، الذي غادرته الأسرة بعد وفاة الوالد، وكنت أتدرب فيه على المشي بالعكاز،فترة من الأشهر أعقبت بثقلها تاريخ العملية الجراحية المحفوربخلايا الذاكرة المفجوعة.
ذات يوم، حملتُ في محفظتي غصن شجرة أخضر، وذهبت إلى مقبرة سيدي عمارة القريبة من حي لاروكاد ،حيث تنام خالتي ، قلت سأغرسه قرب قبرها، الذي حفر عشية عيد الأضحى,وأنزلت فيه قبل أن أصل من العاصمة.
لما تعذر علي التعرف إلى القبر،عدت واصطحبت البتول .عدت هي القبورالجديدة، التي حفرت في غضون شهر واحد:ثمانية أموات، ثلاثة منهم من العائلة نفسها،وبكت :
-"آه عرفته هذا هو قبر ناتئ وطويل بقامة سميشة". غرست البتول ذلك الغصن.
أما أنا، فمزقني الأسف لتأخري عن المواعيد الحاسمة.
عانيت ، طيلة أربعين يوما من وفاة الراحلة، كوابيس في النوم كما في اليقظة.كنت أرى حطام آنية فخار في تنورة.تلك الهدية التي امتزجت برائحة التبغ، وقدمها لي الرهبان، ذات ليلة حنّت فيها ذاكرتي الغضة إلى زيارة مرتع طفولي قديم قرب جامع بوجملين.
(كان حفيد بوجملين، ظهر ذلك اليوم من شتاء بعيد، قد تناول أشهى طعام أعدته زوجته ،قبل التوجه إلى حقل المشمش بروح العنيد.ذكرت أنه استبق فيضان الوادي بعد هطول مطر وفير، ظنا منه أن ذلك سيكفيه عناء التزاحم على سد الغدير لتحويل مياهه عبر ساقية مشتركة بين مزارعي السهل النضير ، وهو الأعرج منذ أن سقط من على ظهر حصان، عندما كان في شبابه يتدرب على ركوب الخيل كأمهر الفرسان.لكن الماء لم يصل الساقية إلا بعد فوات الأوان، فطفق يشتم دون أن يدري بوجود صاحب مصنع تحويل الثمار وتصبيرها ، ولا بتوقيت نوبته العصبية. بلغ مسمعه صوت حاد كالجان:
- أبناء الكلاب قطعوا الماء ،يقطع الله رقابهم .
رد بصوت غاضب:
" من تقصد ياخفاش الليل؟"
-كبير الكلاب.
غصّت أذنه بأقذع السباب، ولم يدر كيف انتفخت أوداجه من الحنق، وفاض فوه باللعاب، الذي كثيرا ما كان يستحوذ عليه عند اشتداد نوبةالعصاب .بسرعة البرق، ركض نحو شبح قصير القامة، سرعان ما زاغت عيناه أمام فاره القامة، وقد هوى بفأس على رأس، لفتها بقية قطعة قماش، فقد بياضه في الظلمة. سمع أنينا،وكلمات متقطعة :
- (كل،بلك، كب، بك..)، سبقت زفرةالروح القتيلة.
لقد نام الحسين بدمائه في الساقية، التي لم يبللها الماء تلك الليلة.ولم يذق الناس يومئد غلّة الموسم .
في كنف خلوة، تناهت إلى سمعي نجوى :
( تألمتُ لما لحق بأي بشرمن أذى أو خطر.تدثرت بسورات القرآن، بقصص الأنبياء،بغصّات المداحين في الأسواق والأعراس، مثلما بكيت بدموع اليتامى، والمظلومين، في الليل تحت المطر،وانتظرت صابرا إلى نهاية الصبر.)
فجأة، انقطع التيار الكهربائي، نهضت متلمّسا موضع بقية شمع للاحتياط. عاد التيار. نهضت لإحضار أعواد الكبريت . وقعت عيناي على علبة قهوة صنعها في معمله العائلي من كان مصبّرالبرقوق اللوزي.
أخبرني رحّال قبل منتصف نهار الأربعاء:
-عدتُ إلى الطبيبة المستقدمة حديثا إلى المستشفى في موعد الفحص الثاني.قامت بما يلزم.وصفت لي دواء، كنت أخبرتها أنه ساعدني في بداية العلاج على تنظيم نومي.طمأنتني بأن بعض الطعام لايلائمني، بحيث سبب لي حالة من الأرق المزمن الذي ظهرت أعراضه في الطفح الجلدي.
لكني اندهشت عند قولها مبتسمة:
-إحذرأن تتقاعس في العلاج، فيصيبك ما أصاب صحفينا، قبل مدة. ساعتها، لن تشفيك الرقية.
لاأخفي عليك من شدة المفاجأة، نطقت:
-أعرفه، أعرفه كان زميل الدراسة.لم أره سنوات .
عندها، قالتْ:
-صحيح.إنه بخير.زارنا في الآونة الأخيرة، لكن في مناسبة غير سارّة.
في ربيع تلك السنة،أبتليت أنا بمشكل صحي لسوء التكيف مع البيئة البحرية ، عندما كنت في مستشفى بني مسوس بالجزائر لعلاج أزمة تنفس حاد، طرأت علي وقت العشاء.كان زميلي عبد السلام، قد نقلني ليلتها على متن سيارة أجرة ثم أعادني إلى الحي الجامعي، بعد تلقي حقنتي دواء أعادتا لي أنفاسي، وحنيني إلى حي لاروكاد بالمسيلة.
عند دخولي المقهى مساء ذلك اليوم، كانت مرت عشرون سنه على تلك الواقعة عشت خلالها أزمات ربو،وبطالة، وتشرد داخل الوطن. عشرون أزمة، أو أكثر،كانت مفيدة،هذه المرة، لإنضاج قرار السفر نحو بلجيكا، وزادي شجاعة القلب.
لم يكن بالمقهى سوى شخص بلباس رياضي، بيده مفاتيح سيارة، مركزا نظره صوب السيارة، التي سمع منها صوت مغني البدوي :
"طريق الغاز حرشة، رطّبها رشّ الماء."
سرعان ما أثار مشاعر بعض شباب الحي العائدين من مباراة محلية في كرة القدم. قالوا إنها انتهت بتلاكم لاعبين من الفريق الخاسر، ومساعد الحكم، الذي حرمهم من ضربة جزاء، ارتأوا أنها كانت ضرورية لحفظ ماء الوجه.
ألح في القول شاب في العشرين دخل المقهى رفقة بعض أقرانه:
-"سيكون لقاء العودة مثيرا بلا شك .أتوقع أن ينتقموا من فريقنا،باستعمال السلاح الأبيض لليوم الأسود."
تحت لغط أصوات الشباب المتجادلين، اضطررتُ للخروج من المقهى لإجراء مكالمة مهمة.
دخلت ثانية، وتوجهت رأسا إلى السائق الرياضي، معتذرا :
_اسمح لي كنت مشغولا مع موظف شركة الطيران بشأن ترتيبات السفر.
ركز السائق قواه ليتجنب الاصطدام بشاحنة أطلت فجأة من تلة، ليخاطب مرافقه:
-ضع رجلك على الدواسة .
الساعات التي تسبق وقت الغروب في مقهى الحي لها مذاق الدواء الفاسد، كما ذكرت الطبيبة، التي عانت الأمرين، في صمت، كل الأشهر الماضية: فضائح إدارة المستشفى،وتلاسن أعضاء النقابة، دون جدوى.
هذا التوقيت استحال معه طول التأمل إلى ضجر، عزم على وأده بالوصل، بعد أن أرادت هي قطع صمتها بالامتناع طوعا عن تعذيب المرضى.
تخيلت أنها لن تأبه بأكثر من أعباء رئاسة النقابة المهنية التي أوكلت إليها.
أي دواء تأتي به الريح كي تهفت آهات المرضى؟
الشوق العارم،داء الإنسان مذ حيل بينه وبين ما يشتهي، فلم يسمونه داء العصر؟.
أغلب أمراض العصر، كما تسميها الصحافة، عاناها الإنسان عبر تاريخه المريض بالشك، والطمع، والشوق.
اعتدت، عندما تحاصرني الذكريات المؤلمة، مثل الحوادث، أو أكثر، أن أتكئ على قفاي، مركزا عيني في سقف البيت، بحثا عن"تراب درّاق لحباب"1 معبأة في حقائب السفر.
كثيرا ما كنت أسعى إلى أن أكون أنا صديق الناس.
1-من قصيدة الشاعرالشعبي المرحوم: عبد الرحمن بن عيسى.
على غير موعد ،التقى السائقان عامر والنّيغاتيف.جمعتهما الطريق عشرين عاما، ألفت بينهما الصداقة كما تؤلف الغربة بين القلوب.ارتأى الأول أن يدعو الثاني إلى مأدبة الغداء،لكن قبل ذلك فكر في أن يلاقيه بي .
بعد لحظات، نزل عامرمن سيارة سائقها كهل طويل القامة، نحيفها،أشيب شعر الرأس، طلق المحيا.. جلس الإثنان قبالتي، وقد غرس عينيه في الجريدة، أمام طاولته المفضلة هناك، في زاوية المقهى المقابلة للطريق.
حيره النادل :
- ماذا تشرب؟
رفع رأسه فإذا بالصديق السائق أمامه ضاحكا:
-أنت هنا، والنيغاتيف إيحوس عليك.
نطقت بدهشة :
- ما تقوليش النيغاتيف
-هذا هو بعظمه ولحمه.
رد عامر علي مازحا:
-هل نست اسمي أنا؟
-تريد الحقيقة، نسيته.
أضفت بخجل.
أنا عامر. تذكرت الآن؟ . المرة الأخيرة. كنت تناديني صديقي القديم.
علّق عامر، محدقا في النيغاتيف
ذرف هذا دمعا، وقال:
-إيه الزمن ينسي الناس أسماءهم، فكيف بفراق الأصدقاء طويلا.
أحضر النادل للثلاثة حليبا بعصير الرمّان. نظر البعلي في الكأس، بينما تأملت أنا موجة الشيب الذي أضفى وقارا على الرجل، الذي كانت ضحكته تخفي مرارة عميقة ترجمتها عبارته:
-إن الرجل إذا غلبته المرأة والدنيا ،غزاه الأبيض،راية الاستسلام أمام ضربات الزمن.
حاولت أن أجامل ضيفه بالقول :
-كيف وأنت تبدو أقوى من لاعبي كرة القدم، وأكثر حكمة من مدربهم؟ هل سمعت بما وقع في مباراة الأمس ؟
سمعت طيلة عمري بحوادث رهيبة ، وعشت الخيبات التي مادونها سوى دركات الجحيم. لست باللاعب ياأخي . لكني أراك تستدرجني لكلام البشر،أنا منه جريح .لابأس سأقص عليك بعض ما شيّب رأسي:
(كنت في شبابي جادا إلى حد حرمان نفسي من حق المرح.عندما أدخلني عمي كتاب القرآن. وضعت نصب عيني أن أحفظ كلام الله كله، أو أكثر ما أستطيعه.لكن كلام البشرأغلبه سيء. قالوا لوالدي إن ابنك قضى عشرة شهور،ولما يتجاوز سورة الضحى. أتراه ثقب اللوحة ليسترق منها النظر إلى بنت الطالب، معلم القرآن القادم من اولاد تبّان.
دون تثبت في التهمة،فصلوني ولم أحفظ حزبا واحدا.
أشاروا على والدي بأن يقتطع لي بعض الماعز لأرعى به قرب الشط.
في اليوم الأول من شهر أوت، تخيلت سورة أبي. كان كما دل عليه اسمه: العياط،كثير الصياح إذا غضب،شديد البأس إذا ضرب ، من رآه على تلك الحال حتما هرب.
نمت تحت صهد الشمس الحارقة،وعندما أفقت في الظهيرة، لم أعرف مصير الماعز.نحت كا لملدوغ ، داعيا الله أن لايكون القطيع وقع بين مخالب الذئاب. مرفجأة غراب . كففت عن البكاء، قلتُ:
-هذا يومي الأخير في دار الدنيا.
لكني فرحت أن لا أسمع بعد موتي كلام السوء.
ماذا أذكر لك ؟
بعدها هربت إلى أقاربي لحفر بئر بشعبة الجبل طمعا في تحقيق بعض المال من بيع البطيخ والدلاع في الأسواق . بعد أيام من الحفربفأس جديدة ،شعرت بدوارفي رأسي.في اليوم السابع بكيت في قلبي لمكيدة فصلي من الجامع،لم أدر كيف سقطت. قيل زلت قدماي،لكني وجدتني على خشبة إسناد حالت دون أن أهوي في قاع البئر. أصبت بكسر في ذراعي الأيسر،وكدمة في ركبتي اليمنى . من يومها ابتليت بقلة التركيز.
ماذا أحكي لأخي؟
تعب الطبيب التقليدي في علاج كسوري .تركني في دارالضياف وهرع إلى قريب له، عانى كسورا إثر سقوطه من على ظهرحصان .مدة غيابه، كان أبناؤه يقدمون لي الطعام. تلطخت ثيابي ببقايا الدجاج أربعة أيام، لم أنم أثناءها خوف الكلاب الضالة، والقطط البرية التي كانت تحوم في الشط.
عند عودته، أبقاني في النقاهة أياما أخرى، حاولت خلالها حفظ سور من القرآن. عانيت تشتت الذهن بين سور الضحى ، الليل،الشمس،وأصبت بالخيبة بمجرد الدخول في سورة البلد. جاء الجبار، و رأى ضرورة كسري من جديد لإعادة تجبير الكسور، على نحو أفضل.
ادلهمت ساعتها الدنيا في وجهي.قلت له أريد زيارة أمي، وبعدها يكون أمر. أجابني سنحضرها إلى هنا، وستحضر هي قصعة شخشوخة:اسم شعبي للثريد. أنا أيضا اشتهيت ذلك الطعام. وافقت في الأول . في الليل توكلت على الله، وهربت من دار الضياف زحفا على جراحي.لفتني عاصفة الخريف الترابية. نمت من الجوع والتعب على بقايا سدرة. كان علي ألا أصرخ من الوخز خشية انقضاض الكلاب علي. في تلك الفلاة الموحشة، بقيت نصف حي ،نصف ميت، أياما وليالي إلى أن سقط مزن فجرالإثنين . رآني بدوي كان يسوق شاتين ومعزة إلى سوق الخميس.
ناداني :
-من تكون؟ ما بك؟
أجبته بصوت مبحوح:
-أنا ملح السبخة، عاجز عن المشي.
هرع مسرعا ، حدق مليا في وجهي. صاح باكيا :
- أنت دمي.
حملني على كتفيه، وساريسوق ماشيته بعناء، إلى أن بلغنا الطريق المزفت.توقف لاسترداد أنفاسه ريثما توقفت سيارة مغطاة . حملنا سائقها جميعا نحو السوق،حيث جاءني مع طلوع النهارابن خالتي.وجدني تحت خيمة بائع الدباغة، وبيدي كوب نقيع الخنجلان.
هل تريدني أن أشم رائحة البكاء الآن؟هات لي قهوة بلا سكر. إن وجدت علقما، أطعمني إياه.
نزف الجرح طويلا. ليتني متُّ.
تأملت تلك الليلة صورة ذلك الراهب، وبكى قلبي كثيرا حرقة النيغاتيف، حين مر على المنازل الفاخرة المنتصبىة كا لدررفي سهل الحضنة،بناها رفاق المهجر ممن عملوا معه، لسنوات طويلة،في ورشات البناء، ومصانع النسيج والجلود بفرنسا، كما جروا عربات الخضر،وحرسوا الحظائر في بلجيكا .
استفسرته عما قصد بقوله:
-"أما أنا فأسكن الريح،وأبني محبة الناس في قلبي."
سكت محدقا في الأفق قبل أن يضيف:
فهمت ،تريد أن أحدثك أخي:
( عند عودتي من بلجيكا، استضافني أقاربي ومعارف أبي أشهرا متواصلة، زرت خلالها المراعي القديمة، وأطلال المنازل الطوبية، وزرت أهلي، والأموات من أترابي. سكنتني أصوات الرعد، والمطر وثغاء الخراف، وحتى نهيق الحمير، التي رعيتها .)
تأوه متحسرا لما مر بفندق من خمسة طوابق :
(صاحب هذا الفندق استخرجت له أول مرة جواز السفر، وآويته في المرقد أربع سنوات. لما داهمت الشرطة المرقد ، ذات ليلة شتاء، وكانت في حملة بحث عن شاب مهاجر اشتبه في اشتراكه في جريمة وقعت بقاعة سينما، قال لهم النيغاتيف رجل مسالم لكنه يبيع تذاكر السينما بالعملة المحلية. بعدها طردوني من المكان وصعبوا لي الحصول على عمل . عانيت البطالة أشهرا كنت اقتات أثناءها بالخبز، والبصل. أوذيت في رأسي. لولا مساعدة زوجتي لهلكني الصرع.)
الخديعة طعمها قاتل .
ساعدتهم في اجتياز البحر،غرست أقدامهم في تربة أوروبا فاقتلعوني منها .بعد أكثر من عشرين سنة من العمل والمكائد، عدت بسيارة مغطاة، وخفي حنين. هنا، افترشت الأرض المالحة، والتحفت حكايات من مروا في درب التبانة،إلى ريح الرهبان.
رأيت ذات ليلة مقمرة رهبانا رأسه في سيدي عيسى، وقدماه في أولاد سيدى احمد. ناداني ليعطيني شيئا كان بيده، لكني كنت في عجلة من أمري، فواصلت ركضي دون أن التفت. أعدت ما رأيت لوالدتي، فتأسفت قائلة:
-" ذلك حظك تركته وراءك.. ستبقى راكضا إلى أن تلقاه ثانية."
ذكر النيغاتيف أنه عندما طال ركضه في البرية دون طائل ،نصحه رجل من أولاد سيدي احمد بالتوطن .قال لي: المنزل في المحيا بمثابة القبر في الممات.الزوجة عماد البيت وزينة الحياة.
.. عندما هممت بالأمر، كان ا لجفاف انحسر بعد مواسم طويلة. باشرت حفرالبئرمرة في الأسبوع. واظبت على الحفر سبعة أشهر، لم يتبين في نهايتها ما يدل على وجود الماء في باطن الأرض الواقعة في ملكية الزاوية فأخذت حماستي تفتر، وساورني ريب في أن تكون المرأة غيرمبروكة .قالوا لي من تزوج من عائلةالحوامد ظفر بمتاع الدنيا وبركة الدين. لكن الحامدية التي اقترحها علي حفيد قيم الزاوية لم تظهر بشائرها.
توقفت عن الحفرقرابة الشهرين، صار المكان اثناءهما مأوى للكلاب الضالة، ومقبرة للدجاج الذي كانت تفترسه القطط البرية فتأكل لحمه، وترمي قوائمه ورؤوسه المنهوشة في حواف الحفرة التي، إذا هبت زوبعة، ملأت بما حملت تجويفها البالغ في بطن الأرض قرابة أربعين مترا، وإذا نزل الغيث ابتلت كومة التبن، وأعواد الحطب، وغيرها من خشاش الأرض، وقد كاد ذلك كله أن يملأ الحفرة برمتها،وسقطت فيها مرات عديدة بهائم تاه في البحث عنها أصحابها مدة من الزمن إلى أن تفطن أعيان القبيلة للخطر الداهم يوم أن أوشك راع أن يردى في دركها عند عودته بماعز القرية، وقت المغرب ، فسيجوا الموقع بأوتاد، وطين، وحجارة. بدوري، جمعت أغراضي، التي كانت في دار الضياف المتبقية من مبنى المسجد، ورحلت .
في مطلع شهر شعبان من ذلك العام، انتابت روحي مشاعر جياشة للسفر والمغامرة. اشتريت سيارة جديدة . نزعت فراملها،لم أخش حادثا مميتا ،قدر خوفي من زلاّت اللسان، ومن غضب الرهبان . وكنت عزمت على التوجه نحو تونس في تلك الأيام المشحونة بالحرص على صلاة الجماعة.
ذات يوم، بعد تأدية صلاة العصر، جاءني الإمام، وأمرني بإرجاع قفة التمرالذي كانت تحته كمية من الذهب،قائلا:
-"ادعى صبية أنهم رأوك تخرج متأخرا من الجامع بعد صلاة الظهر.إذا كنت أخذتها أعدها قبل صلاة العشاء، وإلا فستحلف على المصحف أمام الملأ."
لم أفزع ولم أجزع. لكني سألته :
-لمن القفة؟
أجابني:
- أعدها، وستعرف صاحبها .
-أقسم بالله ما رأيت القفة،ولا صليت هنا ظهر ذلك اليوم.
-أين كنت إذن؟
-شيعت جنازة قريبيمات وحيدا في مخزن تبن قرب الشط.
-يرحمه الله.
هل أنت مستعد للقسم بكتاب الله أمام حضور الجمعة القادمة؟
في تلك الأثناء، رأيت أحدا ركب سيارتي في اتجاه مسلك فرعي.فتشت في جيوبي عن المفاتيح. لم أجد شيئا. طلبت من الإما م أن يشهد الواقعة .
اعترف الإمام أن الأمر التبس عليه:
-(قيل لي أنك صهرالسحمدي القائم بالزاوية. تغرس نبات التبغ المحظور،وتسقي حقول الذرة والفلفل الحار،وترعى قطيع القبيلة من الغنم والماعز.لكن يابني، ما خلت سحنتك خالطها الحرام. يبدو قلبك على لسانك.أنت متعب من طول العناء،والله أعلم بحالك.)
ضحك النيغاتيف وعلّق:
- ألم يقولوا أن أحدا يريد تزويجي مقابل حفر قبر؟
في الحين، جاء شاب شديد السمرة، وهمس كلاما في أذن الإمام . فجأة اهتزت فرائص هذا الأخير،وزمجر غاضبا:
-لعنه الله. أين هو الآن؟
اضطرب الشاب ورد:
-انقلبت سيارته وهو يعاني كسورا في الرقبة.
لامست فكر النيغاتيف خواطر من زمن الدهيمي، وبادوش رحمهما الله، لكنه انصت بوقار وذهول لمقال الإمام:
-نجاك الله من هذا الظالم. لقد اعترف للشاب أن صاحب القفة نفى تركها في جامعنا،وأنه استعار سيارة لاسترجاعها فور بلوغه أن أحدا وجد شيئا ثمينا في مسجد العثامين.غير أن السيارة انقلبت.
قهقه النيغاتيف:
- ساق سارق سيارة بلا فرامل.
تخللت الطريق إلى قرية لقمان منعرجات وأشواق إلى الماضي من جانب السائق،وأيضا أسئلة نتأت من تضاريس المنطقة تألما من نكد الحظ في سالف الأيام، وتوسلا لإشراقه غدا، حين يحط الحمام في عيني المرافق الهمام.
سألته :
-كيف أعادوا لك السيارة؟
ضحك النيغاتيف حتى بانت أضراسه، وأجاب:
(قايضتهم :أرشدتهم إلى جبارلعلاج كسور السارق الغرير مقابل تصليح عطب بمقدمة السيارة وإعادتها لي مع المفاتيح، لم أعرف كيف أخذها ابن الكلب.قيل لي أنه كان لاجئا في المغرب إلى ما بعد الاستقلال، وأنه اشتغل معلما ممرنا لسنوات، وانتخب عضوا في المجلس البلدي قبل سحب الثقة منه .
مثله كثريلعقون العسل من الجراح المفتوحة أبدافي يوميات الخلق المتخبطين بين مخالب العوزالقديم،وشح الطبيعة العذراء،لم تجد كل السواعد متحررة، ولا جميع القلوب خيرة كي تسديها طيب القول، وخالص العمل، لتزكو الغلال،وتنضج السنابل، والعقول.)
لاذ السائق بالصمت بقية المسافة كأنما كان يفكربما فعله المحتجون على إضاعة الوقت، والمال، والشباب من قبل القائمين على إدارة شؤون بلدة، ارتمت في سفح الجبل من زمن الفرحة بانبلاج شمس الحرية، ذات عام.
سمع مرافقه أصواتا تنادي بحياة شهداء الحضنة أثناء حرب التحرير،وتساءل :
- أليس الأولى أن يطالب السكان العزل بالحفاظ على حياة الأبناء المضيعين، والأحفاد الأيتام، المشردين ؟
رفع عينيه إلى السماء فإذا هي مغشاة بدخان منبعث من العجلات، وجذوع الشجر المحروقة، وإذا الرماد الساخن تحت وهج الشمس يملأ الأفواه والعيون،كما تعصف بالقلوب الكمدة حماسة الشعارات تحملها سواعد المتظاهرين، وهم يتخطون المتاريس، زحفا نحو مقرالإدارة يحرسه شبان، أرغمهم الفقر المدقع على ترك المدرسة إلى الإنضواء تحت لواء الحرس البلدي مقابل أجر زهيد.
سئمت من نقل وقائع الاحتجاج.تناولت قهوة مع بعض المحتجين، ومررت بعدها إلى بيت رجل أطلق عليه شاب من الحرس البلدي رصاصا أصابه في بطنه. حيا الأبناء، وسلم على جبين والدهم الممدد على قفاه.بعد الترحيب، قاوم الكهل الألم مسندا ظهره إلى الحائط، وحاول الجلوس مثلما كان، ذارفا دموع الحسرة :
-(انظر ما فعل بي قرين ابني . كنت أتفقد أرضا للعلف بعد سقوط أمطار الخريف الفائت، عندما ادعى أني كنت أهم باستغلال جزء من قطعته الأرضية المجاورة. نهرته، فحنق وخشن صوته. ناديت على أحد أبنائي للعمل .ظن بي الشاب سوء،لم يراع قرابة الدم بيننا،وسارع إلى تسديد بندقية الحرس البلدي إلى بطني، مطلقا رصاصات،ولاذ بالفرار نحو الدرك الوطني، مدعيا أني حاولت افتكاك البندقية منه.
نقلوني إلى مركز إسعاف في الوقت الذي اندلعت فيه خصومة عائلية.بعد أيام، أجريت لي عملية جراحية عانيت جراءها طيلة الشتاء ،ولم أكمل فترة النقاهة بين أهلي في الربيع حتى استدعوني للتحقيق القضائي.أخشى على أبنائي الإنجرار إلى الفوضى العارمة، التي لم يسلم منها شبر من البلد.
- سائق سيارة الأجرة يطلبك حالا. إنه في مكتب التوجيه .
هرولت إليه:
- آه ماذا يا لنيغاتيف ؟
-هيا بنا .عامر أبلغني أن والدتك في حالة صحية سيئة جدا.
نظر إليه بذهول وقال:
-الله ايجيب الخير.
ركب الإثنان السيارة عائدين إلى المدينة .أزيحت من الطريق المتاريس التي وضعها المحتجون،لكن الأشجان لم تزل من خاطر ي:
- كيف لي أن أقنع أمي المريضة بأمر الطبيبة، ثم هل ستوافق هذه على الأمر؟
مع ذلك، كنت أود أن أستمع بقية القصة من النيغاتيف.
تنحنح النيغاتيف من أثربقية السجائر في حلقه، ومضى يقود السيارة في طريق ضيق كثير المنعرجات،و يحكي :
-طويت سنوات بدت لي أزمنة مالحة ومريرة .لا الغربة آوتني ،ولا البئر التي حفرت أروت عطشي.سكن تحت الثرى أهلي،وبنى فوق الأرض أترابي منازل شاهقة.مازلت راكضا حتى ألقى الله، كما قيل لي.
-قاطعته أنا :
-لا لا تتشاءم يالنيغاتيف.أنت بطل الغربة، والديار، فارس الملح والتمر، وملك الطرق الوعرة.أخبرني عن سفرك المأمول إلى تونس.أم تراك تنوي السفر إلى ليبيا؟
تنهد النيغاتيف، ثم استرسل :
-(آه ذاك ما يحيرني. تراودني أحلام الرحلة ليل نهار، لكني أشعربالمغص منذ سمعت بخبر فرض جيراننا تأشيرة علينا، كأني رزئت في عزيزعلي،أو شربت قهوة باردة. لا أخفي على أخي أني فكرت باصطحابك معي في تلك الرحلة. أنت أيضا تحنو على الفقراء،وتحب الضرب في الأرض.)
-بارك الله في انسانيتك يالبعلي .أصدقك القول يا أعز من أخي:
حاولت جهدي أن استقرهنا،وأن ألغي من فكري تذكرة السفر،غير أني أشعر كأنما قدري أن أعيش بين الحقائب، والمحطات، مدة أطول من الحلم .رحل أبي ومازلت عازبا. أمر يفتت كبدي كل لحظة، يعصر قلبي حتى الغثيان كلما شممت رائحة المستشفى الذي عالجتني فيه تلك الطبيبة، والمستشفى الذي التقيتها فيه بعد غياب، ثم غادرته هي، أياما بعد ذلك اللقاء.
طرق أحد الباب.نهض مسرعا، وفتح الباب، فإذا هوعامريقول بصوت جهوري :
- عدت يابطل. أين صاحبك؟
خرجت ، و عامر إلى المقهى.
سألته:
- هل تعرف رجلا اسمه النيغاتيف؟
سكت عامرمن الذهول ثم أجاب:
- أعرف أنه من معارف النيغاتيف، وأنه كان يستضيفه أياما من شهر رمضان قبل إنجاز أنبوب الغاز المار بمحاذاة مقبرة ذراع الحاجّة.
فجأة توقفت سيارة البعلي أمام المقهى،وسأل بصوت مسموع :
-كيف وجدت أمك يااسماعيل؟
رفعت عيني ورددت:
- لابأس .أنا قلق على مصير بن صوشة.
نزل الراهب ضاحكا من السيارة، ودخل المقهى مسلّما على من فيها. قام عامر فاحتضنه:
-اشتقت إليك يالنيغاتيف. جئت هنا أسأل عن أخبارك، ففا جأني اسماعيل بقلقه عن حال بن صوشة. ما حكايته؟
طلب النيغاتيف كوب ماء، قبل أن يجيب سائله:
( المسكين أصيب بذبحة صدرية ألزمته الفراش.وجدته اليوم في دار العجزة يهذي صائحا: "أخذواحصاني.سيخرج الموتى في احتجاج. أين عمامتي ؟" .... وكلام آخر لم أتبينه.
جاء الطبيب وقتها، وحقنه بمنوم. )
أحس بملوحة الماء،تجرع الكوب دفعة، وتابع كلامه:
(..قالوا لي مضت أيام قليلة على عودته من وادي ريغ .أرجح أنه كان في زيارة لليتيم الذي سبق وأن وجهه هذه الوجهة وفاء لروح أبيه بوجملين، صديق الطفولة .أعرف أن شيخ البلدية أمره بإخلاء الكوخ، ووعد بمنحه مسكنا لائقا بعد تسييج المقبرة، إذ لن يكون داع لحراستها.
تحلّق كهول وشبان مأخوذين بغرابة المشهد، وسأل أحدهم:
-إنس هذا أم رهبان؟
التفت بن صوشة، ورد على السائل، ضاحكا:
- كان الأحرى أن تسأل أين الفرس؟)
قلت في قرارة نفسي:
ماذا لو تسمع الطبيبة بهذا المسكين .هل ترى أنها ستمانع في علاجه في مصحة الريف ؟
سكت النيغاتيف قليلا قبل أن يضيف :
(بن صوشة ليس مجرد مسكين،بل هو أيضا أحد خدّام بوجملين، وزاوية الهامل .يستنشق رائحة الرهبان الكبير،ويقطع على ظهر حصانه سبعين كيلومترا في اليوم ،مستطلعا أحوال الناس، ونمو الأغراس، يحضر المآتم والأعراس.يأكل ما تيسر ويدخر في كيسه مؤون أيام لايدري أين، ولاكيف يقضيها. عند ما يلحّ عليه سائل لمعرفة ما هو فاعل، ينشد باكيا:
(خلّ الحال على حالو.ما نجزع ،ما انقول ما عندي والو. الأدهم نركبو،ولي فضل الله بكمالو..)
عاد يوما عامر إلى قرية لقمان لحضور وليمة ابراهيم لتعافيه بعد نقاهة،وسمع أن بن صوشة لم يتزوج قط،غير أنه كان يحنو على الأطفال والشيوخ . يعطيهم، إن صادفهم، شيئا من كيسه : تمرا،كسرة، ثمارا، أو حلوى تركية.
(ذكرلي إبراهيم، وقد كان أشجع الفرسان في شبابه، أن جدّ ه من سلالة عقبة بن نافع جاء إلى الصحراء قبل الاستعمار، وترك ذرية ،بعضها في الحضنة كحال بن صوشة، الذي كفلته عجوز فقيرة، توفي زوجها الضرير في فيضان الوادي زمن الحرب العالمية الثانية.رعى في صباه الماعز، و عمل في شبابه في قطف النبق،والبحث عن الفطورفي الأحراش، قبل أن يتعلم الحدادة، وشحذ المدى في القرى الجبلية القريبة.لم يدخل الجامع، ولا المدرسة. لكن لاأحد يعرف أين حفظ أحزابا من القرآن الكريم ،وتعلم النطق ببعض العبارات باللغةالعربية الفصحى.لكنه يرتجل كلاما، كما يرتجل أسفاره وأطوار حياته.)
نظربن صوشة في سقف البيت، وتمتم كلمات لم يسمعها أحد.
لم يعبأ عامربذلك،بل قام رفقة ابنيه وخرجوا تاركين كهلا أصم يقاسم الضيف ما علق من بيض مسلوق بصحن مصنوع من طين .طرق خربيط الصحن طرقا ليسمع صاحب البيت أن الضيف يريد تتمة طعام.ثم ما لبث أن ضحك فرحا بمغادرة منافسه المكان دون أن يسمع طرقا، ولا أن يفهم قصد بن صوشة.
في الأثناء، دخل ابن عامر الأكبر، وتوجه ناحية الوسادة .أخذ خفية شيئاما، وخرج مسرعا.
استلم النيغاتيف كيسا، وحسب المبلغ المالي-ما هذا يابني؟ المبلغ لايكفي لنصف قطعة الغيار.معناه أني سأدفع الباقي من جيبي
غضب المراهق،واحتج بصوت مرتفع:
-أنا لم أطلب من الزبونين ثمن وجبات يوم ونصف اليوم.واكتفيت بما ادخره ين صوشة من عرس الجيران.
لم يدعه يكمل الحديث، ورد والبصاق يتطاير من فمه:
-عيب عليك تطمع في مسكين، وفي أصم تأخذ مالهما غصبا .هل حولت الكوخ إلى مطعم تجاري، ياخارج الطريق؟
في رسالة مفصلة شرحت كل الكوابيس التي نغّصت عليها حب خدمة المرضى،وكيف خابت آمالها في إقناع الإدارة بأنسنة العلاج،بالكف عن وضع مرضى مشرفين على الهلاك في قاعة بلا أسرة،ولا هواء،وبلا إنارة.
أما أنا،فأدركت والدتي مهتاج الخاطر عما يكون قد ألمّ بها، وهي على تلك الحال من العجز، وتعكر المزاج. قبّلت جبينها كا لعادة، وجلست إلى ركبتيها أتأمل الخطوط الخضراء لوشم الصبا على جبينها. بادرت بسؤالي:
_ هل علمت بحال بن صوشة؟
أجبتها مشدوها:
- لم أره منذ زمن.ما خبره؟
"قيل إنه يحتضر منذيومين."
ردّت.
لكن أين؟