الفصل التاسع

5 0 00

الفصل التاسع

البيت الأبيض

من فيراكروز حيث رست الباخرة استقلا الطائرة الى مكسيكو ستي ونزلا في فندق صغير ولكنه راقيا تسوده الاناقة والترف غير الصارخ. كان المبنى حديثا يربط مسكيكو ستي بالحاضر. ومع ذلك فكانت تشعر ليلي بشيء ما يربطهما بالماضي عندما كانت تتمشى في الطرقات الصباح التالي مع رويز.

وقفا بجوار الكاتدرائية يتطلعان عبر الزوكالا التي كانت يوما موقع بلازا تينو كتيتلان العظيم حيث كانت نعال الآزتيك تطأ الارض يوما وأيمت على ارتفاع عشرين قدما فوق أطلالة العتيقة المدينة الحديثة التي لا تزال تسمع همسات الماضي... وتأمل رويز وجه عروسه وابتسم قائلا:

" هل يثير أهتمامك شعب الآزتيك القدامى كانوا من الهنود الحمر وحكموا المكسيك قبل الفتح الاسباني؟"

أومأت برأسها بدون أن تنظر اليه وقالت:

" لكم وددت دائما أن أجيء الى هنا!"

ولكنها لم تحلم أبدا بأن يكون مجيئها في هذه الظروف. وأردفت بصوت خافت:

" كأني بالماضي لا يزال بطريقة ما! أيبدو من البلاهة أن أقول أن بوسعي أن أغمض عيني وأعتقد حقا بأنني أراهم يسيرون؟"

هز رأسه وقال:

" كلا... فكثيرا ما شعرت شخصيا بهذا..."

وكأنما كان وقع اقدام الازتيك ينبعث هامسا في ردهات الزمن وزعماء قبائلهم يمرون والريش التقيدي يهتز فوق رؤوسهم وعيونهم الضاربة تبرق والمحاربون بدروعهم المحشوة باقطن والكهنة بجلابيتهم السوداء يمسكون بخناجرهم المصنوعة من الزجاج البركاني التي كانت تشق قلب القرابين من الضحايا الاحياء والنساء في ثياب بسيطة ولكنها عنية بالوشي المطرز وشعورهن السوداء مسدلة على أكتافهن وتتوجها أكاليل من الزهور... كل ما كان يمت الى وثنية الماضي الغنية.

قال رويز مشيرا بأصبعه:

" هناك يقع قصر رئيس الجمهورية على أطلال قصر مونتزوما ولا تدري سوى السماء أبة تحف دفينة تحت الزوكالا... لقد هدموا المعابد القديمة من أساسها..."

وهز رأسه وكأنه لا يقر تحمس أسلافه في اخفاء الحضارة القديمة تماما تحت حضارتهم. وبعدلحظة أشار اليها لكي تتبعه وراح يريها الحفر التي كشفت درجات المعبد الأكبر العتيق. ومضى في الحديث بهدوء فاذا الماضي يتمثل حيا... وكأنها ترى الخيال المعبد الأكبر كما كان يوما والاسرى يصعدون مئات الدرجات الى حيث كان الكهنةينتظرون عند القمة والحضور يترنمون لاسترضاء القوى الخفية وأشار رويز الى حيث كان حامل الجماجم والحوض الشمالي على شكل القارب ومعبد دائري لرمز الرياح وحجر القرابين والكأس الدائري الكبير الذي كان يستخدم لحرق القلوب.

ثم قطح حديثه مبتسما وقال:

" لايمكن أن ننكر بأن بعض عاداتهم كانت سيئة جدا لكني كثيرا ما أرثي لضياع كل هذا."

ومضى يحدثها عما كان مقدرا للفاتحين الاسبانيين ان يجدوه وعندما وفدوا لأول مرة الى المدينة التي كانت تدعى إذ ذاك تينو كتيتلان... حدائق يانعة وبنايات بيضاء جميلة لم يكن بعضها ينم في البداية عن الاغراض الرهيبة التي كانت تستخدم لأجلها... كانت المدينة القائمة بين البحيرات تربط بين معابر وجسور وتعبر سطحها الازرق الزوارق تلوح وكأنها تبرز من حلم. وكانت المعابد الهرمية الشكل تعلو فوقبنايات المدينة وحامل الجماجم بزينته المخيفة ولو انهما كانا جاء! في تلك الايام لشهدا حجرا دائريا آخر يختلف في النقوش والغاية عن حجر القرابين الكبير... هنا كانت تمارس ألعاب رياضية قاسيى في أيام الاحتفالات اذ يربط أسير الى حجر وعليه أن يدافع عن نفسه بهراوة خشبية ضد غريم يمتاز بالاستحواذ على خنجر حاد من الزجاج البركاني.

قال رويز بصوت أجش:

" كان عادة يلقي حتفه... ميتة مشرفة حيث انه يقدم قربانا الى رمز الشمس تونتنتيوه.. وأحيانا كان الاسير يقاوم مقاومة بارعة تكسبه العفو."

" ماذا جرى للهنود بعد الفتح؟"

" أنهم لا يزالون باقين... مستذلين أبشع أستذلال لسوء الحظ ولكن قد تتاح لهم الآن فرصة."

كانت ليلي قد سمعت عن البرنامج التعليمي الذي قدمته الحكومة المكسيكية لأهل البلاد القدامى بعد ان كانوا مستعبدين لفترة طويلة.

سألت ليلي في فضول:

" الا يزال الهنود الموجودين كثيرين؟"

فأومأ رويز قائلا:

" حوالي خمسي سكان المكسيك من ذوي الدم الهندي الخالص. واذا استبعدت اولئك الذين فيهم بعض الدم الهندي فلن يبقى من السكان سوى جزء من عشرين من عدد السكان الحالي."

رمقته ليلي بنظرة فضولية وسألته:

" هل في عروقك دم هندي؟"

فابتسم قائلا:

" كلا. ليس فينا شيء من دم الآزتيك."

وتأملها وهو يقول مداعبا:

" هل خيب هذا أملك؟ أكان يزيدني أثارة وجود الدم العنهدي في عروقي؟"

قالت وعيناها تتراقصان:

" الى حد كبير جدا ولكني على أستعداد لتقبلك بدونه."

ضحك قائلا:

" أظنك تودين رؤية المتحف ما دام هذا شعورك نحو الماضي."

ووافقت على الفور فلما بلغاه أذهلها القدر الهائل من الآثار المستخلصة من ماض متباين المراحل مغرق في الدماء.

وبعد الغداء قاما بجولة مختلفة حيث اتجها الى المتاجر الحديثة وأصر رويز على أن يشتري لها برغم أعتراضها أي شيءكان يعجبها. مما أجبرها في النهاية على أن تلزم الصمت أذ شعرت بأنها أخذت أكثر مما ينبغي ولكن هذا لم يحقق غرضها تماما أذ بدا أنه اكتسب قدرة على قراءة أفكارها.

ثم تناولا العشاء في ذلك المساء في مطعم حديث ورقصا في قاعة للرقص واسعة بدرجة مدهشة. وكانت قد أكتشفت على الباخرة انه راقص بارع لم ينقصه المران وأن كان مسلكه السابق في العمل أوحى لها بأنه ما كان يحضر كثيرا من المناسبات الاجتماعية. كان رجلا يختلف كل الاختلاف عن ذلك الذي عرفته في المكتب حتى لم يعد يدهشها ان تكتشف جديدا عنه في كل يوم تقريبا. بل بدا انه كان يزداد تغيرا في كل دقيقة حتى أيقنت أنه سيأتي يوم سيبدو فيه غريبا لكل من عرفه حيث لم يعد فيه شيء من رويز آلدوريت الذي كان يمتلك مؤسسة مريديت

وفي اليوم التالي حضرا حفلة عشاء ومع انها كانت مستحيية في بادئ الامر فانها سرعان ما تخلت عن ارتباكها اذ تبينت أن في وسعها الكلام باسبانية مفهومة وأن تشترك في الحديث الدائر حولها. وبدا أن رويز مازال على أتصال بكثير من أصدقائه في المكسيك وربما انه جدد صلات التعارف في زيارته السابقة. كان أحد معارفه ممثلا شابا ذا شعبية كما بدا لها نشأ قريبا منه وكان كثير الحركة جريئا. ومع انها لم تكن قد امضت في مكسيكو سيتي أياما تذكر فقد عرفت اسم رامون تالمونت كواحد من أشهر الممثلين.

وأخذت تراقب رويز في السهرة وتنصت الى صوته الخافت وهو يتكلم الاسبانية بسرعة وطلاقة وشعره الاسود اللامع يتألق تحت الاضواء كان واضحا أنه لم يكن يختلف عن أي من الموجودين في شيء بل أنه رقص مثلهم وكأن في كل حركة من رقص اللاتينيين بهاء ووقعا موسيقيا. وشعرت بشيء من العذر اذ لم تتمالك ان تعترف لنفسها بأنها اكثر استمتاعا بالرقص معه, مما كانت مع بروس.

كذلك امتازت الامسية بحدث آخر هو أن أسمها الجديد لم يبد لها لأول مرة غريبا بل كان من الممتع ان يوجه اليها الحديث كسنيورا آلدوريت.

وفي اليوم التالي تناولا العشاء ورقصا معا على حدة وتكلما بالانكليزية ولكنها بعد أن سمعته يكثر من الحديث بالاسبانية لا سيما في الامسية السابقة بدت لها اللغة الانكليزية غريبة من شفتيه وهي التي تعودت سماعها منه طيلة وقت عملها معه.

وقالت له:

" أتعرف... أنني أفضل أن تتحدث الاسبانية."

ثم تضرج وجهها اذ تنينت انه ليس من حقها ابداء اية تفصيلات وقالت تعتذر بارتباك:

" أعني أنني..."

فابتسم قائلا:

" أنني أحتار أحيانا أي اللغتين لغتي."

فسألته:

" ألست تفضل احداها؟"

وأخلد للتفكير ثم قال:

" لا أدري في الواقع أنني أحب الاثنتين ولكن تعلمت الاسبانية اولا."

وعاد يبتسم ابتسامة غريبة الدفء ارسلت هزة عجب في نفسها وأردفت:

" لعل الجدير بي أن أدع القرار لك."

قالت وقد عاودها الارتباك مدركة أنه لم يعني ذلك:

" الآن وقد عدت لوطنك فسيكون من الطبيعي أن تتكلم الاسبانية."

استمرا بعد ذلك يرقصان فترة أخرى ثم أويا الى غرفتيهما المنفصلتين. ورأت ليلي في نومها حلما بالغ الغرابة. بدا كأن ستيلا ظهرت لها فجأة وقالت:

" ان ما حدث كان خطأ وأنها لم تكن راغبة في بروس حقا فلها أن تستعيده اذا أرادت." كان هذا في حد ذاته سخفا ساذجا ولكن الذي أدهشها حقا هو أن الحلم أقنعها بأنها لا تريد استعادة بروس. أذ قالت:

" أنني أوثر أن أبقى كما أنا..."

وعندها ظهر رويز فجأة في الحلم وابتسم لها أبتسامة دافئة الابتسامة التي بعثت في نفسها الدفء في وقت سابق من الليل.

في الصباح التالي أحضرت لهما السيارة السوداء الكبيرة التي اشتراها رويز في زيارته السابقة وكانت أولى جولاتهما فيها في بقعة كالدي تاكوبا الممتدة على طريق مرتفع قديم - الى تلاكوبان - حيث تقهقر القائد كورتيز وهو كسير القلب وحيث ظلت شجرة السرو القديمة التي بكى تحتها القائد الشهير تجسد الصلة بالماضي وحيث انشئت كنيسة في الميدان الرئيسي في ازكابوتزالكو العاصمة العريقة لزهماء التولتيك والتبانيك وفي الطريق العودة الو مكسيكو سيتي عرجا على البقعة التي كان الهنود يوما يكرمون فيها تونانتزين رمز الامومة لدى الآزتيك.

كانت ليلي في بادئ الامر مترددة في الاسراف في ابداء اهتمامها بماضي المكسيك لكيلا تضجر رويز ولكنها حين تبينت أخيرا أنه كان يستمتع بهذا الماضي قدر استمتاعها لم تحاول أن تكبح اهتمامها وأخذت تبتسم لنفسها كلما أدركا أنه كان يفخر بأن يريها معالمه. كان يحب ماضي هذه البلاد وحاضرها ثم كان هناك كارسترانو... لا عجب في أنه كان على أستعداد لأن يفعل أي شيء ليظفر بالميراث الذي كان في انتظاره.

بعد أسبوع اشبعا فيه حبهما للماضي قررا أن الوقت حان ليمضيا الى كارسترانو. ومع ذلك فانهما قطعا الرحلة ليعرجا على تيو تيهواكان, حيث كانت الحكومة تنقب عن المدينة التي كانت عظيمة يوما ما. وما زالت الاطلال توضح بعضا من عظمة الماضي وأمجاد. كانت تيوتيهواكان أولى مدن المعابد المقدسة وأعظم مدن عشائر التولتيك موطن أولئك المعماريين والميكانيكيين المحفوفين بالغموض والنجارين والزراعيين البارعين كان وادى تيوتيهواكان بأكمله ثلاثة اميال ونصف الميل طولا وحوالي ميلين عرضا فكأنه طريق ممهد.. وقد تناثرت في المساحة كلها أطلال بنايات فخمة هجرت... قبل مجيء الاسبانيين الى المكسيك.

أدركت ليلي أن هذا الوادي أكثر ما سيلصق بذاكرتها والتفتت خلفها أكثر من مرة تتأمل الاهرام وهي تتلاشى عند الافق. وعادا بعد ذلك الى الطريق العامة المفضية الى كاراسترانو وتوقفا عند فندق كبير لبتناولا الغداء فرأت ليلي عددا كبيرا من السياح وسمعت اللهجات الاميركية ولكن المكان الذي تناولا فيه العشاء وقضيا فيع ليلتهما كان بيتا اسباني الطراز على النمط المعماري القديم في عهد الاستعمار وقد حول الى مطعم تعلوه بضع غرف فسيحة. وبعد افطار خفيف في الصباح التالي استأنفا رحلتهما بالسيارة.وكان اليوم قد انتصف تقريبا عندما اقبلا على قرية صغيرة وراء حدودها مباشرة مخفض رويز سرعة السيارة والتفت اليها مبتسما وسألها:

"أتودين أ تذهبي الي عرافة؟"

فأجابت على الفور:

" أحب هذا..."

ثم أردف وهي تضحك:

" أنني أعرف ان المرء لا يصدق كلمة مما يقوله العرافون ولكنهم مع ذلك يأسرونك!"

كانت العرافة عجوزا مجهدة الوجه, تعيش في كوخ على حافة البحيرة تأملتها بنظرات مبهمة وهذا طابع المهنة لدى كل العرافين ثم وجهت ليلي الى مقعد صغير بلا مسند, خارج الكوخ وجلست على الارض وأمامها وعاء مسطح فيه ماء. وناولت ليلي حفنة من التراب لتقبض عليها لحظة ثم أشارت لها بأن تلقيها في الوعاء وراحت تتفرس فيه لدقائق.

وقالت أخيرا دون أن تنظر اليها:

" كان هناك شقاء ستنسيه بعض الوقت ولكنه سيعود."

وتفرست بنظرات غامضة في ذرات من التراب طافية ثم قالت:

" حزن يغيم على الماء..."

وفي تلك اللحظة ظهرت الشمس من وراء بضع سحابات في السماء ألقت أشعتها على الماء وكأنها تثبت خطأ العرافة. واختلجت شفتا ليلي بابتسامة صغيرة على الرغم منها في حين أنها كانت تعجب في نفسها كيف أستطاعت المرأة أن تعرف أنها تعرضت لشقاء.

وكأنما بدت بوادر خفيفة على وجهها فاذا العجوز تنظر اليها فجأة قائلة أنك تبتسمين ولكن هناك نجمة داكنة في حياتك ولن تشرق الشمس بسعادة باقية الا بعد غيابها. ونهضت فجأة وأفرغت الماء في البحيرة ودخلت كوخها وأغلقت بابه بشدة. فألقى رويز قطع نقدية على المقعد ومس بأصبعه مرفق ليلي يقودها الى السيارة. وعندها انتبه الى صمتها فوجم لحظة ثم ادار وجهها اليه, وقال بابتسامة واهنة:

" ما أظنك تأخذين قولها على محمل الجد؟"

فقالت متعجلة:

" كلا... كلا طبعا, ولكنها لم تتمالك أن أردفت:

" كيف عرفت بأنني صادفت شقاء؟"

" هولاء المسنات يتعلمن قراءة ما يغفل عنه سواهن من أسارير الوجه ولكنا سنحاول ان ندبر الا يكون ثمة شقاء آخر لك!"

وحاولت ليلي أن تبتسم ولكنها لم تستطع أن تنسى كلمات العجوز بالرغم من أستهجانها هذا من نفسها... ماذا كانت تعني العرافة بوجود نجمة داكنة في حياتها... وفجأة تذكرت أنهم كانوا يسمون ستيلا بالنجمة الداكنة احيانا فشهقت والتفت اليها رويز متسائلا:

" ما بالك لا أحسبك تدعين العجوز تضايقك؟"

ورفع احدى يديه عن عجلة القيادة وأمسك يدها واستبقاها تحت أصابعه وهو يمسك العجلة وقال:

" ما كان ينبغي أن آخذك اليها."

" أنه سخف مني ولكن أظن أن في نفوسنا جميعا قدرا من الايمان بالخرافات وخاصة أذا مست وترا في النفس."

واستسلمت مطمئنة الى قبضة اصابعه فقال:

" أنسي هذه المرأة

وجاهدت نفسها لتطيعه ولكنها لم تستطع أن تنسى تماما... كانوا يسمون ستيلا النجمة الداكنة كتدليلي ومحبة وليس كتشائم وأذا كانت ستيلا قد سببت لها بعض الشقاء فنها لم تكن متعمدة... لم تتمالك نفسها من أن تقع في هوى بروس.. ومثل هذه الامةر تحدث!.

ولكن ما الذي رمت اليه العجوز بقولها ان السعادة المقيمة لن تكون دائمة حتى تغرب النجمة الداكنة.

أوقف رويز السيارة حوالي العصر على قمة طريق منحدر طويل. وتبعته ليلي عندما فتح باب السيارة وغادرها فقادها الى حافة التل, وقال:

" كاراسترانو." وأطلت الى حيث أشار. كان التل ينحدر في سلسلة من الطرق النحدرة حتى اذا بلغ مستوى الارض في النهاية رأت جوهرة في سهل مترامي الاطراف رأت مبنى ابيض كبيرا تحيط به غلالة لامعة من اللون بدت انها ازهار... على مسافة قصيرة من قرية صغيرة كأنها من مخلفات الايام التي كانت فيها كاراسترانو مجتمعا صغيرا ذا كفاية ذاتية.

وسمعت نفسها تقول بصوت خافت:

" ما أحمله!"

وفهمت اذ ذاك لماذا ارتبط بزواج دون حب في سبيل الاستحواذ عليه.

وعادا الى السيارة وانطلقا فأخذ كاراسترانو يغيب عن بصريهما كلما انحرفا بين التلال المنخفضة ليهبطا أخيرا , انسابت بهما السيارة خلال القرية التي بدت كأنها من فيلم عن عهد الاستعمار. وكان ثمة رجال ونساء يرتدون زيا تقليديا قديما... ولعلهم كانوا يؤثرون أسرة آلدوريت بولاء يفوق ما يكنون للحكومة.

ورمقت رويز بنظرة سريعة تسائل نفسها كيف يبدو لو أنه ارتدى الزي القديم في كاراسترلنو كما يرتديه القوم. أنه يناسبه أكثر من الثياب الحديثة. وما لبثت السيارة ان خلفت القرية وراءها وأخذت تقترب من كارسترانو.

كان المبنى اذا ازداد اقترابا أكثر جمالا.. والورود المسلقة تعلو السياج الحجري القديم ,والابواب الخارجية المعدنية مفتوحة تحمل أشعارا للاسرة كادت نقوشه تنمحي. ولم تستطع ليلي أن تتبين الشعار ودخلت السيارة عبر البوابة المفتوحة واستقرت في فناء مرصوف تكاثفت الورود في كل مكان فيه. وكانت امامها مباشرة درجات تؤدي الى اقواس من الطراز العربي المغربي. وفي أعلى الدرجات خلف الاقواس كانت شرفة مرصوفة بالقرميد الازرق الدقيق بينما تخلل جدران المبنى البيضاء بابان مفتوحان من الخشب السميك.

سارا عبر البابين الضخمين اللذين كانا يحملان نفس الشعار الذي حملته الابواب المعدنية, وأذا بأمرأة بدينة تقف في البهو الرطب مرحبة بهما باحترام على النمط القديم, واصطف خلفها بقية الخدم, وقد انحنوا ورويز يقدمهم كل بدوره... وما لبثت أن صرفتهم مدبرة البيت البدينة تشيتا ايستوريل.

طلب رويز قدحين من القهوة ثم اجتازا حجرة منخفضة طويلة تطل على فناء داخلي منخفض أثار عند ليلي رغبة ملحة في أكتشاف البيت, فقال رويز:

" سأصطحبك في جولة تفقدية بعد أن تستريحي وتتناولي بعض المرطبات وآمل أن يروق لك."

فهتفت: " كل مارأيت حتى الآن جميل كل الجمال.. جميل حتى لقد بدأ يأسر قلبي

جلسا في مقعدين مرتفعي الظهر من خشب أسود عتيق كان يلمع تحت الصقل المستمر. وكان الظهر والمقعد مبطنين بالجلد الموشى بالنقوش التي ظلت زاهية بالرغم من قدمه. وأحضرت تشيتا القهوة من قدحين صغيرين رقيقين تزينهما رسوم يدوية. فهتفت ليلي:

" أشعر كأنني رجعت القهقرى في الزمن. فأومأ رويز قائلا:

" لقد أنشئ كاراسرتانو في عهد الاستعمار القديم وحاولنا ادخال الطابع الحديث دون ان نفسد مظهره الخارجي."

نهض رويز اذ فرغا من القهوة وقال:

" الآن سأصطحبك في الجولة التفقدية التي تريدين

وأذ خرجا الى البهو قادها الى ممر تحف به الاقواس يؤدي الى ردهة جدرانية من الزجاج. وأدت الردهة مباشرة الى الجناح الجنوبي للقصر وادركت ليلي سر البذخ في فخامته حين عرفت أن أرض الجناح بأكمله تؤلف قاعة للرقص في أحد جانبيها نوافذ طويلة تطل على الساحة الوسطى للقصر وفي الجانب الآخر شرفة واسعة واجهتها صف الاقواس المتوالية التي شاهدتها وهما يقتربان من كاراسترانو.

قالت متهدجة الانفاس وهي تتصور الموسيقى والمرح يترددان في جنبات الحجرة الجميلة:

" أنها... باهرة!"

فابتسم قائلا:

" يجب أن نقيم حفلة راقصة بعودتنا لدارنا... العودة للدار! أهذا ينطبق عليها؟"

قال وهما يخرجان الى الساحة الوسطى فيجتازانها الى الجناح المقابل:

" سوف اصطحبك لتلتقي ببعض جيراننا."

في هذا الجزء من المبنى كانت غرف استقبال , مزيد من الغرف في واجهة المبنى بعضها كبير وبعضها صغير بعضها ذو طابع رسمي وقلة منها لا تقل عن الباقيات جمالا ولكنها مستعملة. وكان من الواضح أنها اكثر الغرف التي استخدمتها أسرة آلدوريت.

ومن هناك عادا الى البهو ولخطواتهما همس على الارض الخشبية الناعمة وهما يتجهان الى السلم الرحب المنساب... لا بد أنه كان مقاما منذ قرون وأن فرسانا وسيدات رفيعات المقام قد صعدوا درجاته الواسعة في الماضي... كم كان الاختلاف كبيرا بين خلفياتهما حتى أن سفنا من بلادها وسفنا شراعية من بلاده التحمت في الماضي في حرب لقد كانت ثمة اقاويل عن مغامرين من أجدادها فسألت نفسها عما اذا كان قد قدر لأحدهم ان يكون على سفينة اشتبكت يوما مع سفينة تحت امرة فرد من أسرة آلدوريت عفا عليه الرمن...لقد قال رويز أن أسرته وفدت أصلا مع الفاتحين فربما كانت عائلته خارج المكسيك عندما كان القراصنة الانكليز يغزون البحر القاري.

وها قد صمتت المدافع منذ زمن بعيد وجاءت هي عروسا الى هذا البيت العتيق الزاخر بذكريات الماضي... عروسا مؤقتة جاءت للزيارة وليس للاقامة!

كان هناك رواق للصور ذو ثلاثة جواننب وفي طرف من الجزء الاوسط منه اقواس تقود الى الاجنحة الاخرى بالقصر. وكان الجزءان الايسران والاوسط يحملان لوحات لأفراد من الأسرة بينما كان جزء من القسم الاوسط وكل القسم الايمن مبطنين بالخشب الاسود الصقيل.

نظرت ليلي الى الصور مبتسمة, وقالت:

" هؤلاء بعض أسلافك؟"

فأجاب ابسامتها بمثلها, وقال:

" تعالي أعرفك بهم..."

وسارا الى بداية القسم الايسر واومأ برأسه نحو اللوحة الأولى في الصف قائلا:

" دون اكزافيير مانويل جوزيه باليادى آلدوريت."

فهتفت ضاحكة:

" ما أروعه!"

قرص خدها برفق مداعبا, وقال:

" لا تنسي الاحترام!"

ومد يده الى كتفها وذراعه تحيط بمنكبيها في عناق خفيف.

كان دون اكزافيير - فيما يبدو- هو الجد الذي جاء مع الغزاة وشيد كاراسترانو. ومضيا من الصورة الى أخرى وهو يحدثها عن الرجال والنساء في تاريخ القصر: دون فيليب. الذي كاد يقضي على ثروة الاسرة في القمار دون ريناتو, الذي انقذ القصر وثروة آلدوريت, بالكشف عن أحد كنوز الاينكا الدفينة في بيرو وعن احد مناجم الذهب, وهذه الحسناء دونا روزاليا التي آثرت دخول الدير على الزواج من رجل اختارته لها الاسرة وكانت تحب سواه, ووصلا الى رجل ذي ذقن تنم عن العناد, وشفتين رفيعتين قاسيتين كان ذا شبه مذهل بالرجل الذي وقف الى جوار ليلي, ثم رجل وامرأة لا يشبهان رويز الا في القليل, بالرغم من أنهما كانا... أبويه!

ووقفا اما الرجل الذي استرعى انتباه ليلي واهتمامها وتساءلت:

" أهو جدك؟"

فهز رأسه وزم فمه ثم قال:

" نعم..." أذن فهو الرجل الذي أجبر حفيده على الزواج رغم ارادته.

وتأملت القسمات الحادة السمراء التي كانت شديدة الشبه بقسمات الرجل الذي تزوجته.. لعله أوتي طباعا كطباع رويز ومن هنا كان الصدام بينهما. بالاضافة الى خلافهما بشأن الخطبة المفسوخة التي ذكرها لها مرة؟ ووجدت ليلي نفسها اكثر فضولا بصدد الفتاة التي اراد ان يتزوجها يوما يبد أنه كان من المستحيل أن تسأله عنها. كانت عروسا غريبة, لا تعرف عن زوجها سوى القليل... بل لا تعرف كيف مات أبواه!

ولعله فطن الى نظراتها الفضولية المتسائلة فقالت في شيء من التردد:

" يبدو أنني لا أعرف الا القليل."

فقال:

" وهذا ليس عدلا لأنني أعرف الكثير عنك."

وابتسم لها محيطا كتفيها بذراعه أكثر أو لعلها تخيلت ذلك وتجلت رغبته في المداعبة, اذ قال:

" أنني أعرف مثلا أن أوتيت ولعا بتسلق الاشجار! لابد أن أعرفك يوما ببعض الهنود الحقيقين!"

تطلعت اليه في دهشة وتساءلت:

" أيوجد بعض منهم حقا؟"

قال:

" قلة ضئيلة في التلال وفي كاراسترانو بعض افراد يجري في عروقهم دم هندي."

وسارا الى نهاية القسم الاوسط من الرواق حيث انتدت ردهة ضيقة معتمة تقود الى الجناح الشمالي. وكانت ثمة ردهة اخرى بطول هذا الجناح تحيط بها حجرات وبعض نوافذ تطل على الساحة الوسطى ونوافذ في الجانب الآخر تؤدي الى شرفات على الجانب الخارجي للقصر.

وقال رويز:

" أن الجناح الجنوبي كان على النسق ذاته." ولما بلغا نهاية الردهة تحولا الى القسم الخلفي للدار حيث غرف الخدم. وكان هذا الجزء من الدار مغلقا ببابين ضخمين من الخشب الصقيل مزخرفين بنقوش محفورة أما الاثاث فكان مريحا بل فخما شأنه في الحجرات الاخرى التي كانت مؤثثة بذوق أنيق يجمع بين الطرازين الاستعماري والحديث.

عادا الى مقدمة البيت خلال الردهة الوسطى للجناح الجنوبي فوق قاعة الرقص . كان كاراسترانو مربعا يتوسطه فناء مغلق من كل النواحي. وفي المقدمة تماما كانت هناك ردهة واسعة تؤدي الى احد جانبي البهو. حيث النوافذ الواسعة التي تطل على الساحة الامامية لكاراسترانو وتسمح بدخول اشعة الشمس. وكانت هذه الردهة مزودة ببضعة مقاعد عتيقة الطراز من الخشب المنقوش والجلد المزركش. هنا بدأت أولى لحظات الحرج فمن هذه الردهة دخلا الى الغرفة الرئيسية الكبيرة على باب واسع يحمل شعار آلدوريت الذي أبلاه الزمن... حيث أعدت الغرفة لسيد كاراسترانو وعروسه.

كانت غرفة جميلة ذات باب يوءدي الى حمام خاص ولكن ما بدد جمال المكان سرير ضخم ذو أربعة أعمدة وستائر قرمزية وذهبية... وشهقت ليلي على الرغم منها مأخوذ!

لم تستطع ليلي - بكل ما اوتيت من قوة - أن تحول دون تدافع الدماء الى وجهها حتى أيقنت أنه أصبح بلون الستائر القرمزية .أما رويز فبدأ متعجبا اكثر منه محرجا. وقال:

" كان ينبغي أن أفكر في هذا فان من الطبيعي أن تعد تشيتا الغرفة الرئيسية

كانت حقائبها قد نقلت الى الغرفة ولم يكتمل افراغها وكأن الخادمة الشابة التي تولت العملية استدعيت لأمر ما, سرت لأجله ليلي بيد أن ارتباك العروس لمشاطرت زوجها الغرفة كان جدير بأن يثير الاقاويل لو شاهده أحد غير الزوج!

التفت اليها رويز بابتسامة مداعبة وقال:

" هناك غرفة للملابس. واتجه للطرف الآخر من الغرفة وازاح أحدى الستائر القرمزة والذهبية فاذا بها تكشف عن باب يؤدي لغرفة صغيرة ذات رياش لائقة ان لم تكن باذخة وقال رويز:

" كان جدي معتل الصحة قبل موته فكان خادمه ينام هنا."

ورمقته - بعد لحظة - بنظرة مترددة وقالت:

" حقا, ولكن.. ألن يثير.. أعني أحسب أن الخدم سيتقولون بهذا الصدد!"

هذا صحيح ولا مفر منه.. هنا أختلف الامر عما كان عليه في الفندق فالعيون حولهما هنا ودودة ومتطفلة. وما من شك في أن من حولهما سيتساءلون عما اذا كان السيد وزوجته على شقاق ولن تكون هذه بداية طيبة. ولو أن الغرفة ضمت سريرين صغيرين بدلا من السرير الهائل ذي الاعمدة الاربعة لكان محتملا أن تجد ليلي الشجاعة لأن تقترح أن يستعملا الغرفة معا.أما في هذه الظروف فكان الامر يختلف.

وبينما ذهب رويز ليصدر التعليمات لاعداد فراش الحجرة الصغيرة اقتربت ليلي من حقائبهما لتكمل افراغ محتوياتها. ولم تكن قد أخرجت سوى ثوب واحد حين أقبلت خادمة مكسيكية شابة فبدت مرتاعة لرؤية سيدة كاراسترانو الجديد تهم باستخراج ثيابها بنفسها. وسمحت ليلي لنفسها بأن تقف جانبا متخذة مركز سيدة القصر المركز الذي كان مفترضا ان تشغله في كاراسترانو والذي بدا غريبا لها ولكنها انصاعت للامر تاركة ماريا تفرغ الحقائب وعلى اساريرها ابتسامة تحبيذ وأعجاب ممزوجين باحترام. وآثرت ليلي ان تغتسل اسعدادا للعشاء. فلما عادت وجدت ماريا في انتظارها لتساعدها في ارتداء ثيابها. ومرة آخرى انصاعت ليلي مسرورة لأن تكون مخدوعة وهي التي اعتادت الاعتماد على نفسها.

كان الثوب الذي اختارته ابيضا بسيطا بالغ الاناقة كان من الثياب التي ابتاعتها لحياتها الجديدة قبل مغادرتها انكلترا. وغني عن البيان انه كان من نوع ما كانت لتبتاعه لولا المبلغ الذي اودعه رويز المصرف لحسابها. وفتح لها حسابا آخر عندما وصلا الى مكسيكو سيتي وقبلت دون جدل - اذ تعلمت ان النقاش معه لا يجدي - معتزمة الا تكثر من الافادة من هذا الحساب الا لشراء ما يكون من الطبيعي ان تبتاعه كزوجة رجل غني دون ان تسرف.

كانت قد ارتدت ثيابها واخذت ماريا تسوي شعرها عندما عاد رويز. فابتسم لها ابتسامة جعلت قلبها يخفق بشدة ولعله اضطر اليها لوجود ماريا ثم ذهب ليغتسل. وما لبث ان سمعته يغني لنفسه بصوت خافت فابتسمت اذ بدا ان سيد كارسترانو كان سعيدا في تلك الليلة الاولى له في داره ووطنه. وكان لزاما ان تعترف لنفسها بأنها هي الاخرى كانت سعيدة جدا مع أنها لم تنس للحظة ان الوضع مؤقت وعليها ذات يوم ان ترحل الى انكلترا حيث تعود حياتها لسابق عهدها وأن أصبحت الآن تعرف انها لن تنسى ابدا الرجل الذي تزوجته. طبعا ليس من الضروري أن تعود حياتها لما كانت تماما فسيكون بوسعها لو شاءت ان تنشيء لنفسها مشروعا صغيرا بعد أن دبر رويز ما يكفل لها الاستقلال بدخل خاص بها في المستقبل.

وعندما أصبحت مستعدة للهبوط الى الطابق الاسفل صرفت ماريا وقالت بصوت لابد أن يسمعه رويز في الحجرة الصغيرة:

سألقي نظرة أخرى على رواق الصور وأقوم بجولة..."

فواتاها صوته:

" حذار أن تضلي الطريق... وضلت مطمئنة اياه الى أنها لن تضطره لارسال حملة للبحث عنها.

عندما التقيا بعد فترة في قاعة الجلوس شاهدت ثانية جاذبية الرجل الذي كانت تظنه يوما داعيا للنفور. كان يرتدي بزة سهرة تناسب المنطقة الحارة وقد رفع رأسه الأسمر بكبرياء غير متعمد وعيناه السوداوان تبتسمان لها وسألها:

" ألم تحتاجي لحملة للبحث عنك؟"

فضحكت وهزت رأسها قائلة:

" المكان مخطط بحيث يصعب ان تتوه... أنه جميل يا رويز."

بدا أنه مسرورا جدا لأن كاراسترانو راق لها... وبعد أن قدم لها كأسا من الشيري التفت الى الحدائق البادية خلال اقواس الشرفة وقال:

" ما أحسبني أدركت مدى افتقادي لهذا المكان حتى عدت اليه."

فسألته:

" ما الذي دفعك لتركه؟"

ما أن نطقت بالكلمات حتى تمنت لو أستطاعت ان تسحبها فما كانت لتحب أن توحي بالفضول لاسيما أنه بدا عاوفا عن الحديث عن نفسه عندما ذكرت له انها لم تكن تعرف عنه الا القليل. ولكنه لم يضق بها هذه المرة بل قال وعلى وجهه الاسمر تجهما:

" لأنني تشاجرت مع جدي..."

ولمحت الوميض المتهكم الذي ندر ظهوره في الفترة الاخيرة:

" بشأن امرأة في الواقع."

قالت:

" أهي التي كنت قد خطبتها؟" وبادرت تردف معتذرة, " أسفة ما ينبغي أن أتطفل هكذا."

فهز كتفيه قائلا:

" لم لا؟ ربما من الافضل أن تعرفي فلا بد ان يخبرك شخص ما؟"

قالت:

" لم أتمالك نفسي من الاهتمام..."

وترددت أذ أوشكت أن تقول الفضول ولكن هذه الكلمة كانت كفيلة بأن توحي بالتطفل. وأضافت تتذكر اسئلة اختها الصبية تيس المداعبة المستحيية:

" لا سيما بعد الذي قلته في حفلة التوأمين."

ابتسم اذ ذاك ابتسامة صبيانية وقال:

" لم يكن لدى أختك الصغرى اية مخاوف من القاء الاسئلة."

فسألته بلهفة:

" الم تتضايق منها؟"

قال:

" كلا في الواقع... لو كنت تضايقت لرفضت ان أجيب."

فعلا كان يمكن أن يتصرف هكذا... ان يتراجع وراء حاجز الانكماش الجامد والتحفظ. لكنه أخذ الكأس من يدها ووضعها على خزانة المشروبات ذلت القمة الزجاجية وقادها الى مقعد وثير وقال:

" تعالي فاجلسي..."

وظل واقفا ميتسما وسألها:

" من أين تودين أن أبدأ؟"

قالت:

" ربما.." وتوقفت ثم سألته وهي مازالت مترددة:

" كيف مات ابواك؟"

وأسرعت مردفة:

" ولكنك أخبرتني بهذا من قبل."

فقال:

" نعم... وأنا بعد أفيق من لقاء جيرونيمو كان يشير الى يوم فاجأها في دور الهندية الحمراء وابتسم في مداعبة ثم قال:

" ماتت أمي عند مولدي. اما أبي فمات بعد ذلك ببضع سنوات مات في حادث وهو على صهوة جواد."

" وتولى جدك تنشئتك؟"

" لعلي كنت مرهقا لهما... احسبني كنت... جامحا."

وابتسم فضحكت ضحكة خفيفة واسترسل قائلا:

" اننا اهل المكسيك من أصل اسباني ولعلنا - كما تزعم الدنيا - أكثر اسعدادا للاثارة العاطفية من غيرنا."

وهز كتفيه دون ما ارتباك وهو يقول:

" ما كانت مغامرتي الغرامية تزعجهما طالما كنت اوخضها بتعقل ولكنهما عارضاني حينما رغبت في الزواج من احدى صاحباتي."

وتأمل النظر اليه مباشرة ثم أضاف بعد لحظة:

" كان أسمها ميرسيدس لاسترو راقصة في ملهى دون الدرجة الثالثة" تطلعت اليه اذ ذاك فرأت في تلك اللحظة في الذات - امارات استهجان ممزوج بالعجب ولكنه كان يستهدف نفسه بها. وعاد يقول:

" بالرغم مما قلت عن تجاربي فانها كانت اكثر تجربة مني بقليل. كان يبدو أن كل امرئ كان يرى حقيقة ...ألا أنا."

وكان ثمة أصرار على ألا أتزوجها ولكني قررت العكس وغادرت كاراسترانو. كنت أعرف ما يترتب على ذلك وكنت مستعدا للمضي فيه واخشوشن صوته وهو يقول:

" والظاهر أن ميرسيدس لم تكن مستعدة كنت أظنها ستتقبل الا نظفر بشيء من كاراسترانو."

سألته ليلي باستحياء وقد بدأ الامر يتخذ وجها جديدا:

" ولكنها... لم تتقبله؟ كانت تظن من قبل انه لم يكن قد بلغ سن الرشد وأن مجرد رفض السماح له بالزواج هو الذي حال بينه وبينها. وقال في شيء من العجب ولكنه ظل عجيبا مستهجنا:

" لم تتقبله. ذهبت لشراء زهور الزفاف فلما عدت لم أجدها. بدا أنها كانت تود الزواج من كاراسترانو وثروة الجد وليس رويز آلدوريت.. وفي تلك السن يبدو أن المرء يأخذ الامور مأخذ الجد في مبالغة ظللت أريدها ولكني كرهتها وألقيت اللوم على جدي لرفضه استقبالها في كاراسترانو.. لم أعد أهتم باي امرئ هنا.. بل أنني هجرت البلاد وذهبت الى انكلترا حيث أهل أمي التي كان يبدو أن زواجها بأبي أثار بعض الشحناء اذ لم يكونوا راغبين في زواج ابنتهما من أجنبي ولكنها خرجت على أرادتهم وتزوجته. كانت ثمة مرارة باقية فسرهم ان يستقبلوني اذ لاح ان في ذلك صفعة لأل آلدوريت في كاراسترانو. وسررت أنا الآخر بذلك أذ كنت ألقي على جدي اللوم على كثير مما حدث. وأشركوني في مؤسسة ميريديت... وأنت تعرفين بقية ما جرى."

أجل كانت تعرف ماجرى... فتى مسكين كسير القلب ناقم على الفتاة التي أحبها لغدرها به وعلى الجد الذي كان يعرف عنها ما يكفي لأن يرفض أن يتقبلها كسيدة مقبلة لكاراسترانو. وكثيرا ما يكره المرء شخصا حاول العمل لخيره ومن المحتمل كذلك ان دون دييغو تصرف في غطرسة وتعصب. فان تصلب عضلات عنقه - في صورته - كان ينم عن كبرياء متعنت كاف لان يقصى رويز عن كاراسترانو - الذي كان يحبه - الى قارب غير معروفين في انكلترا ولعل رويز فكر في الايعود أبدا وحاول طيلة الوقت ان يكره الدار التي احبها اكثر مما أحب اي شيء آخر في الدنيا وأن يغلق قلبه دون أن تدري أنه حدث... أو على الاقل رأته يحدث ولكنها لم تفهم. ان صفقتها - التي أقدما عليها كعملية مصلحة دون أية عاطفة - فظيعة, بل بشعة - ثم أخذت بشاعتها تخف قليلا أزاء طلبها العجيب بأت يتظاهر بأنه يهواها أمام ارتها وعلى ما يبدو فان كل المراة القديمة قد انزاحت واصبح على استعداد لأن يبدأ حياة جديدة وربما لأن يقع في الحب من جديد ولعل هذا ما كان سيحدث اذا ما وضع نهاية لزواج العمل.

وعبست دون ان تفطن وهي تعجب من أن هذا ما كان يبعث فيها مسرة تذكر. لقد اتفقا منذ البداية على أن هذا ليس سوى زواج عمل وما كان من حقها هي ان تود تبديل ذلك ولا كانت لديها فكرة عما يدعوها لأن تود ذلك.

أم تراها كانت توده؟ أن حبا واحدا خاب كان صدمة كافية وما كانت من الحماقة بحيث... مست تغضنات العبوس بين حاجبيها اصبع سمراء اصبع رويز وقال:

" أنك عابسة كل العبوس. ما الذي يضايقك؟ أهي قصتي؟"

" نعم... أعني أنني شعرت بالأسف من أجلك... ومما حدث."

" لا داعي لأن تأسفي حدث كل هذا منذ زمن طويل.."

وبسط يده نحوها مبتسما اذ انبعث رنين ينبهها وقال:

" الآن... هل ننتقل لنتناول العشاء؟"

نهضت ليلي مسرعة وبالرغم من أن العبوس زايل محياها فاته يلازم ذهنها وهي تحاول أن تتبين الداعي له. أهي فكرة أنتهاء زواجها وهي التي عرفت من البداية أنه لابد أن ينتهي؟

أنتهى الفصل التاسع