الفصل الثامن

4 0 00

الفصل الثامن

شهر العسل

أستيقظت ليلي صباح اليوم المحدد للزواج على صوت الرعد... صحيح أنه لا شاعرية في هذا القران ولكنها كانت تتمنى على الاقل ان تكون الشمس مشرقة في مثل هذه المناسبة ولكن حتى الطقس كان يذكرها بعدم صحة زواجها... وما ان أنقضت ساعة على يقظتها حتى بدأ الطقس يتحسن وخف الرعد وتباعدت الغيوم واشرقت الشمس. وأضطرت ليلي أن تعترف لنفسها بانها لم تكن تشعر بخسارة فادحة لفقدان بروس الآ ان رويز آلدوريت كان يشغل بالها أكثر مما ينبغي في الفترة الاخيرة. ولكنها حاولت الا تقر بشعورها السعيد والا تستنتج معنى هذه السعادة فتفكر باستمرار في زواجها المقبل وهي بعد على أهبة الاستعداد للذهاب الى مكتب التسجيل لتوقيع عقد الزواج.

أندفعت جولي الى الغرفة طالبة من ليلي ان تتناول فطورها في الفراش. وبدأت الامور بعدئذ تتلاحق وتتسارع وكأنما لم تستغرق وقتا يذكر حتى وجدت نفسها تغادر الفراش وتأخذ حماما دافئا معطرا ثم تضع اللمسات الاخيرة لزينتها وتتأهب للذهاب الى مككتب التسجيل.

وقبل موعد الخروج وصلت ستيلا في موجة من العطر وسحابة من الفراء فقبلت أختها بحب متمنية لها الحظ كله. وكان وجهها ينم عن أن لديها أمرا أخر أو أثنين تود أضافتهما أولا أن أباهما كان في البهو ينتظر بفارغ الصبر وعصبية فلم تشأ ليلي أن تطيل أنتظاره... فضلا عن أنها ما كانت لتجازف بترك رويز في الانتظار بمكتب التسجيل.

وقد كان رويز هناك بالفعل عندما وصلوا وليس في مظهره ما ينم عن امتلائه بأية عواطف معينة. ونظر الى عروسه بطريقة مبهمة جعلتها تتساءل عما كان رأيه في ارتدائها الثوب الابيض لمناسبة لم تكن برغم كل شيء سوى صفقة عمل غير أنها لم تشأ أن تصدم أهلها بأن تتزوج وهي مرتدية أي شيء سوى اللون الأبيض التقليدي. وكان رويز في الواقع كالعهد به دائما... طويلا أسمر جذابا بدرجة مذهلة جعلت ليلي تعجب في داخلها لأنها لم تقدر من قبل كيف كان مليحا بهذا الشكل.

أكان من الممكن أن تصدق قبل شهر ولنقل يوم سفهت أي أهتمام شاعري لجولي, بأنها ستقف يوما الى جواره وتنطق بكلمات تربطها به بأوثق رباط بين رجل وامرأة؟ ما كانت لتصدق هذا لأنه كان آخر ما يمكن ان تتوقع حدوثه لها. كانت في ذلك اليوم خطيبة بروس وها هي ذي اليوم تتزوج من رويز آلدوريت!

ورددت في نفسها الاسم الذي لم يبد شديد الغرابة: ليلي آلدوريت ثم سمعت المسجل يقول مبتسما ان للشباب أن يقبل الآن عروسه. وبدون تردد أحاطها رويز بذراعه ورفع رأسها بيده الأخرى وأحنى رأسه ليلصق فما جامدا بفمها في قبلة العري التقليدي. والتقت عيناها بعينيه السوداوين فأحست بالدماء الحارة تندفع لوجنتيها. أتراه أدرك شيئا مما كان يدور بخلدها ويساورها؟ وفي الوقت ذاته كانت ستيلا تسائل نفسها: ليلي... دون كل الناس تتزوج رجلا كهذا! رجلا طويلا رشيق وصلب البنيان وفم بادي القسوة يوحي بالعاطفة المشبوبة, وشعر أسود لامع يشوبه ظل من زرقة جميلة وقد أوتى مغناطيسية كفيلة بأن تجعل أية امرأة تشعر للتوه بوجوده.. ثم العينان السوداوين اللتان أطلتا وفي اعماقها ابتسامة على زوجته.

زوجته! أحقا تزوجت ليلي رجل هذا شكله, أوتي ثروة ومركزا وشباب وجاذبية مغناطيسية. وبقدر الدهشة شعرت ستيلا ب... الحسد! ولكنها أخفت كل ذلك, وأبتسمت لرويز في مرح قائلة:

" أمل أن تعي بأختي يا سنيور آلدوريت."

وتعمدت أن تنادية باللقب الاسباني وشفتاها تختلجان فأطل عليها رويز بنظرة مبهمة قائلا:

" سأحاول ذلك, وسأحاول أن أسعدها كذلك."

قالت ليلي مبتسمة:

" مجرد وجودي معك سيسعدني..."

كانت تبغي التموية على ستيلا ولكن الى أي مدى كانت جادة؟مرة أخرى وسوس لها الشعور الغريزي الخطير أن في هذا القول من الحقيقة الشيء الكثير. وهتفت ستيلا بمرح:

" يا للسماء! انكما ترهفان عواطفي, حتى لأظنني سأبكي بعد لحظة!"

ولكنها كانت أبعد ما تكون في مظهرها عن البكاء وقررت كيري التي كانت تراقبها منذ وصولها انها اذا ذرفت دمعة فلن تذرفها لأجل ليلي وانما على الارجح حسدا لها! فما غفلت عن أن عيني الممثلة الحسناء ضاقتا عند تقديمها الى رويز ولم يفتها أتفه تغيير في أسارير وجهها.

فكرت كيري مكتئبة:

" أهكذا وضعت ستيلا عينيها على هذا الرجل أيضا؟"

الم تقنع بأنها انتزعت من أختها رجلا , فها هي ذي تشهر مخالبها الجشعة استعداداً لغزوة ثانية ؟ رويز؟

ونظرت كيري إليه ولكن تأثره بستيلا كان مستحيلا فقد كان قادرا على أن يبدو غامضا أو مبهما حين يشاء. لعله بهر بها كأي رجل آخر... وأذا كان هذا الزواج عملية تجارية محضة فبأي حق جعل ليلي تبدو مسحورة في تلك الليلة لأنه ضمها في البهو... لعلها كانت بالنسبة له اكثر من مجرد نزوة عابرة.

يا للحب والرجال! عنصران أولهما أذى وثانيهما لا ينبغي الركون اليه. ويحسن بأية فتاة عاقلة الابتعاد عنهما... افكار كانت تدهش اولئك الذين عرفوا كيري كيريغان انها قد تضحك وتمزح بل وتشترك في بعض المغازلات الخفيفة بيد أنها ما أعتزمت يوما ان تشغل نفسها جديا بالرجال. ولابد أن لديها سببا لذلك ولكن ما أقل الذين كانوا يعرفونه ّ الرجال! انهم أكثر أيذاء مما يبدون ! فهم يقلبون حياة أي أنثى بسهولة ولا يحفلون. فها هوذا بروس قد فتن وسحر وبدأ يتطلع الى ستيلا منصاعا, ثم ها هوذا رويز آلدوريت يشعر ليلي بالعاطفة لجمال ستيلا كأى شخص آخر... يا لعمى الرجال! لا يرون ابعد من الشعر الاسود اللامع, والعينين الخضراوين المنحرفتين قليلا... لا يرون ما وراء ذلك من فساد؟!

بعد عقد القران أقيم حفل استقبال صغير... وحانت لحظة الوداع ومرغريت تبذل قصارى وسعهاا لتكبح دموعها فقالت ليلي مهونة عليها:

" أنني ذاهبة الى المكسيك فحسب وليس الى القمر..."

وما كانت تعتزم الغياب طويلا وان لم تدر أمها انها ترتقب العودة عما قريب. قالت الام بابتسامة دامعة:

" آمل أن تكوني سعيدة يا حبيبتي... أعتقد أن رويز أهل لأن تعتمدي عليه."

أجابت ليلي موافقة:

" هذا يقيني أنا الاخرى..."

ولأول مرة داخلها شعور خفيف عجيب من الاستياء لأن هذا الزواج لم يكن حقيقيا فهو قادر على أن يسعد امراة وهي جديرة بان تعتمد عليه ومهما يكن فمع انقضاء الوقت بدأت تشعر بجزع فلن تلبث ان ترحل بصحبة زوج يكاد يكون غير معروف لها.

كيف يكون الرحيل في شهر العسل حقيقيا معه وللمرة الثانية وجدت نفسها تتمنى لو أن زواجها كان حقيقيا ولكنها ظلت تأبى أن تنظر لما وراء هذه الرغبة التي لا تفسير لها وأن تكتشف الداعي لأمنيتها بأن يكون الزواج حقيقيا فعل... لعلها كانت تعرف في عقلها غير الواعي ولكنها لم تشأ مواجهة السبب.

وخلال الرجلة في القطار الذي أقلهما للباخرة وجدت نفسها تتأمل خلسة.. زوجها!

كلمة كانت ذات وقع غريب وأن اعترفت بينها وبين نفسها بأنه كان وقعا مستحبا يرتبط برجل جذاب جدا. من كان يظن قبل شهر واحد ان الرجل البارد المشاعر المثير للنفور في المكتب كان قادرا على أن يتحول الى شخص قادر على ان يبعث قشعريرة انفعال سار في كيانها... الرجل الذي كان يتذبذب على فمه الصارم في تلك اللحظة شبح ابتسامة ضئيلة وكأنه كان يعرف انها تنظر اليه, دون أن يعتزم شعارها... وغاصت في المعطف الفرائي الثمين الذي كان هدية الزواج شاعرة بانها اكثر سعادة مما كانت الظروف توحى.

وأبتسمت لنفسها... كاد هذا المعطف أن يسبب أول شقاق بينهما. فهو ثمين وقد أعترضت على أن يبتاعه هدية لزواج مؤقت ولكنه أصر في تشدد على أن تقبله قال ان الزواج في ظاهرة زواج عادي ولهذا كان لزاما ان يقدم هدية زواج كما كان يناسبه ان يبدو كأي زواج آخر. وانصاعت للي أزاء أصراره العنيد واستيائه البارد وفوجئت باكتشتف أنه لم يكن يحب الخلاف. ومنذ تلك اللحظة طرأ على علاقتهما تغير آخر. لم تعد ليلي ترى الوميض المتهكم في عينيه السوداوين وأصبحت ضحكة ود وصداقة... لعل امرأة ما جعلته يشعر بأن الهدايا الثمينة منشودة تستقبلها دائما بأصابع جشعة.. لذا فاعراضها عن تقبل هدية ثمينة حطم الحاجز القديم الخفي الذي كان يرسم التهكم والازدراء على فمه الفاتن.

وأذ صعدا الى الباخرة التي كانت تهم بنقلهما الى أميركا تلفتت حولها مشدوهة... كانت " السديم الازرق" سفينة أصحاب الملايين ووقفت ليلي مذهولة لمظاهر الترف البالغ حولها وأقرت لنفسها دون طمع بأن وفرة المال متعة سارة وأنها جديرة بأن تهنأ ببضعة أشهر تقضيها في الرفاهية. وفي تلك اللحظة بالذات خطرت لها فكرة.. لقد قالت لجولي مرة أنها ما كانت لتؤثر أجمل مليونير في الدنيا على بروس ومع ذلك فها هي ذي زوجة لرجل أكثر من مليح وكان واسع الثراء وأن لم يكن مليونيرا. وبالرغم من هذا فان امواله ما كانت ذات قيمة تذكر... كان بوسعها ان تعترف لنفسها أخيرا بأن الرجل نفسه هو الاثير باهتمام منها يفوق اهتمامها بأي شخص آخر.

* * *

وعندما بلغ الجناح المحجوز لهما وقفت مبهوتة ازاء فخامته فما خطر لها ان لمثل هذه الاشياء وجودا الا في الافلام... كان هناك حجرة جلوس خاصة بهما ولها بابان... فلما فتحت احدهما كادت تسمع دقات قلبها فجأة اذ رات سريرين منفصلين... وسرت في كيانها هزة غريبة اذ شعرت بيد رويز على ذراعها تديرها لتواجهه وقال:

" في الجانب الآخر لحجرة الجلوس حجرة أخرى سأستعملها لقد تعمدت أن اطلب جناحا واسعا."

ولم تسعفها قريحتها ولو بكلمات تبعد عن بالة فكرة انها فكرت لحظة في أن يتشاطرا نخدعا واحد.

وقال فجأة:

"كان جديرا بي أن أعتذر لأنني ضممتك على ذلك النحو ليلة كنت في داركم... أهذا هو ما يقلق بالك؟ لا داعي للقلق فلن يحصل شيء من هذا."

وسادت فترة من صمت وجيز. ثم وجدت نفسها تسأله دون تعمد:

" أكانت تلك ردا على ما قلت في مطعم ريكي؟ فأجاب :

" إلى حد ما فما من رجل يتقبل تلك العبارات كاطراء ومجاملة و..."

واومضت في عينيه ابتسامة واهنة وهو يردف:

" أنها كانت بعيدة جدا عن الحقيقة فأنا كأي رجل آخر ثم أنني نصف اسباني."

وساءلت نفسها:

" أكان هذا تحذيرا خفيا؟ بينما مضى يقول:

" ولعلك لم تضيقي بذلك كثيرا؟"

وشعرت بوجهها يتضرج فتمنت لو قاومت هذا الشعور... لكنها تلميذة غريرة, أين ذهبت كل رصانتها وسيطرتها على نفسها؟ إنه لم يجعلها تشعر بشعور كهذا وهما يعملان معا.. ولكن مسافة طويلة كانت تفصل بينهما في العمل. ما تعرضت يوما لموقف كهذا في العمل بل انها ما تصورت أبدا خلال سنوات العمل أنه كان ينطوي في أعماقه على هذا الرجل الغريب الاطوار... كانت لالعبارات التي قالتها في المطعم غير حقيقية كما ذكر منذ لحظات.

وعاد ليسألها:

" هل ضقت بذلك؟"

ورمقته بنظرة مباشرة وسريعة ثم غضت بصرها قائلة :

" كلا..."

لو انها أجابت بغير ذلك لكان جوابها بمثابة صفقة ثم ان سؤاله كشف عن أنها كان يدرك انها كاذبة لو أجابت بالنقيض. وقال بهدوء:

" أشكرك... يسرني انك حاملتني بأن كنت صادقة." فتطلعت اليه متسائلة:

" أكنت تدرك أنني أكذب لو لم أفعل؟"

هز رأسه مؤكدا. وتبينت انها ما كانت تحفل بعدد مرات خرقة تأكيداته.. وتساءلت في نفسها:

" يا للسماء! ما بالي؟ ما الذي دهاني؟"

كان ثمة شعور غريب يسيطر عليها ومع ذلك, فانه لم يكن شيئا يبعث على الخوف ! بل أنها بدأت تستشعر نوعا من خبية الرجاء لأن هذا الزواج لم يكن مقدرا له أن يدوم!

* * *

بينما عنيت المضيفة باخراج ملابس رويز وطرحها على السرير ذهب رويز الى امين خزانة السفينة فقررت ليلي أن تصعد الى السطح وبعد قليل لحق بها رويز.

قال بصوت خافت:

" آن للباخرة أن تبحر" وشردت نظراته بعيدا وكأنما كانت أفكاره تسابق السفينة وكانه نسي الفتاة التي كانت بجانبه. ولكنه في الوقت الذي خطر لها فيه هذا - أقترب قليلا, وابتسم لها وأمتدت ذراعه فأحاطت كتفيها. وبدون ارادة منها مال رأسها الى الخلف مستندا الى كتفه فاشتدت ذراعه حولها بينما أخذا يشاهدان المسافة تتسع بين رصيف الميناء والسفينة, كأنها هوة تفصل بين الحياة القديمة والحياة الجديدة.

وحاولت ليلي ألا تفكر في أن الحياة الجديدة كانت لفترة محدودة انها ستضطر ذات يوم الى أن تعبر الهوة لتعود الى الحياة القديمة.

• * *

تلفتت ليلي باعجاب وهما يدخلان قاعة الطعام الواسعة في ذلك المساء وداخلها استمتاع ساذج بهذا النوع من الرفاهية الذي لم تعرفه من قبل. وشغلا مائدة صغيرة لاثنين حتى اذا فرغا من العشاء ذهبا الى قاعة الرقص. وبالرغم من أن السفينة كانت في أول أيام الرحلة فقد بدا ثمة جو من المرح والاحتفال ولعل ذلك كان لقصر الرحلة نسبيا ورغبة المسافرين بغية الترويح في الاستمتاع بأقصى لهو في عطلتهم.

واشتركا مع الراقصين فتبينا أن خطواتهما كانت متناسقة. وراحا طيلة السهرة يضحكان ويتكلمان دون ما حرج وبالرغم من أنهما لم يتزوجا الا في صباح اليوم ذاته.

وفي وقت لاحق من ذلك المساء استلقت ليلي في غرفتها الفخمة تنظر الى السرير الخالي وهي تفكر... كانت تلك ليلة زفاف غريبة. فمنذ أشهر قلائل. كانت تتصور أنها ستقضيها مع بروس ولكن لو كان بروس هو الزوج لما حظيت بجناح فاخر على السفينة ولما شعرت كذلك بوحدة. اترى كان رويز هو الآخر مستلقيا يتأمل السقف في غرفته. ويشعر بالوحدة أو لعله كان يفكر في الفتاة التي أحبها يوما منم قبل.

وأثار هذا فكرة جديدة لديها: ترى كيف كان شكلها تلك الفتاة التي خطبها من قبل وماذا فعلت لتسبب له هذا الجمود العميق الذي خالته يوما جزءا جوهريا منه؟ لقد أدركت الان أنه لم يكن من طبيعته ولكن الصدمة التي أدت اليه كانت ولا بد حادة أليمة أحدثت في أعماقه جرحا غائرا وخلفت مرارة وعدم طمأنينة الى كل النساء. وداخل ليلي شعور من الارتياح الى عدم الثقة بدأ يتبدد ولكنها تمنت ان تفعل شيئا أكثر من القليل الذي فعلته حتى الآن للتسرية عنه.

ومع خيوط الفجر غشيها النعاس. ولكن من أجمل ما في السفر في باخرة أن المرء لم يكن مضطرا لأن يستيقظ مبكرا لتناول الفطور.

ووجدت رويز في حجرة الجولس وقال مبتسما:

" لقد أمرت باحضار الفطور هنا."

فجلست في مقعد مريح وهي تقول:

" ما أجمل هذا ! لكن أشعر بالكسل!"

فعاد يبتسم قائلا:

" أكنت تفعلين هذا لو أنك في انكلترا؟"

قالت:

" أتعني قبل أن يجري كل هذا؟"

اومأ برأسه فنظرت الى ساعتها وأرسلت ضحكة خفيفة قائلة:

" كنت في مثل هذه الساعة أدق مفاتيح الآلة الكاتبة وأنتظر شاي الصباح أو ارتقب جرسا ملحاحا من سيد صعب عليه العثور على شيء يريده." وارتفع احد حاجبيه الاسودين وتساءل:

" هل كنت ترينني رئيسا متعبا جدا؟"

فابتسمت قائلة في مداعبة:

" في بعض المناسبات."

"وهل كنت في تلك المناسبات تشعرين باغراء لأن تخبريني بما كنت تظنينه في؟"

قالت بصراحة:

" كلا. كنت أكتفي بتجاهل حالات غضبك الصغيرة."

وضحك ازاء ما بدا على وجهه وهو يقول:

" يا لك من جريئة صغيرة!"

ما من أحد وصفها بهذا من قبل.

فلم تتمالك أن ضحكت اذ اعتادت أن ترى نفسها طويلة ليست صغيرة قط ولا من الصنف الخبيث الذي يوصف عادة بهذا الوصف.

نظر اليها في فضول وقال ببطء:

" لا أفهم كيف لم اتبين حقيقة شخصيتك من قبل. انك كنت تبدين..."

فتساءلت كقطعة من أثاث المكتب: " قال شيء من هذا القبيل فيما أحسب."

" أليس هذا ما كنت تبغي؟ كنت انظر لعملي بجدية مصممة على أن أكون فتاة عاملة الى أن ألتقيت ببروس."

لم يخالط صوتها أقل اختلاج بينما واصلت حديثها:

" كنت عازمة على ان اكون ناجحة فانتهجت السلوك الذي رايت أنك تريده . ولو كنت راغبا في قطعة اثاث اخرى بالمكتب لكان بوسعك الظفر بها."

قال بصوت أجش:

" لابد أن هذا أقتضى منك سيطرة على النفس عظيمة. فبعد السكرتيرة العجوز أخذت أغير سكرتيركاتي باستمرار قبل أن احظى بك."

فاومأت برأسها وعيناها تتوثبان بالضحك وقالت:

" كان عملا ممتعا من نواحي الاعتبار... فضاقت عيناه السوداوان وهو يتفرس فيها قائلا:

" لعله كان من الخير انني لم أعرف حقيقتك تحت مظهرك الرخامي."

" لماذا؟ اكان هذا يغير من الامر شيئا؟"

هز رأسه في شيء من الحيرة وقال:

" لا أظن. لولا تلك الوصية ما عرفتك ابدا على حقيقتك!"

وسألته في فضول:

" ما الذي جعل جدك يضع وصية كهذه؟"

والتقت نظراته بنظرة جادة منه وأجاب سؤالها بسؤال:

" أليس الامر واضحا؟"

وتضرج وجه ليلي حيث أدركت ما كان قد خطر لها عن سبب الوصية بينما واصل هو الحديث:

" كان يريد وريثا لكارسترانو..." وكانما نسي وجودها لحظة وراح يتأمل يديه النحيلتين القويتين وقد انعقدتا على ركبتيه ثم قال في لهجة تكاد تكون غاضبة:

" أنني لا أحب أن يملي أحد تصرفاتي علي... وكانت لجدي السلطة التي جعلته يفعل ذلك يوما فلم اشأ ان اسمح بأن يحدث هذا مرة أخرى."

وبدا عابسا كما تعودته في المكتب... وهمت بالكلام ولكنه قطعه عليها دون أن يفطن تقريبا اذ مضى يقول:

" حاولت من البداية أن اموه الشروط التي فرضها... فتزوجت فلا سبيل الآن الى أية عقبة تعترض أن أرث كاراسترانو."

قالت بهدوء:

" اليس هذا... غشا... الى حد ما؟"

فهتف: "غش؟"

هزت رأسها قائلة:

" نعم . فأنت في الواقع سترث تحت ادعاء زائف."

ولم تدر كيف تسنى لها أن تجد الجرأة لتقول هذا. ونظؤ اليها وعادت لعينيه السخرية المتهكمه التي كثيرا ما صادفتها في الايام الاولى لاتفاقهما العجيب وتساءل:

" أتقترحين أن يجري تنفيذ الشر بحذافيره حتى النهاية؟"

شعرت ليل بأن وجهها يحمر ثانية وقالت بلهجة وأن تمنت لو أستطاعت السيطرة على بوادر الحرج الاخرى:

" لست اقترح شيئا... كان من العسير بعد أن بدأت هذا الدرب ان تتحول عنه وأستأنفت قائلة:

" لعلك كنت تقدم على زواج عادي لو لم يستفزك هذا الشرط من جدك."

" ولكن لعلي لم أشأ الرضوخ له تماما."

" أذن فهل تعتزم بعد انفصام زواجنا أن تعيش هناك بقية عمرك ثم تدع كارسترانو بعد موتك لأغراب... أذا لم يكن هناك اعضاء آخرون بالاسرة لهم حق الوراثة؟"

قال متعجلا:

" ليس هناك أحدا سواي."

كان مقطب الجبين وكأن فكرة استيلاء أغراب على كارسترانو لم تكن مستحبة. وقال بعد لحظة:

" أحسب أن ما كان ينبغي أن أفرط في لومه. فالعادة في المكسيك أن يدير الاهل الزيجات... لا بد أنني عشت في انكلترا مدة طويلة انستني ذلك."

وأمضت عيناه بابتسامة ضئيلة جدا وأردف:

" ما الذي تقترحين أذن ان أفعل؟"

تحاشت ليلي نظراته وقالت:

" لست أملك ان أقول لك ما تفعل... فهذا امر لم ان تقرره وحدك ولكني أحسب أن جدك كان يحب كاراسترانو ولابد قدر حبك اياه والا ما وضع هذا الشرط أملا منه في أن يكفل الا يؤول الميراث لأغراب."

كان الحديث أعجب حديث فأسرعت تضيف لكيلا يسئ فهم قولها:

" أحسب أنه سيكون من السهل بعد انفضاض زواجنا أن تدبر على وجه أفضل ذلك النوع من الزواج الذي كان جدك يفكر فيه ولكنه في هذه المرة سيكون زواجا باختيارك الشخصي الحر لن تكون مستهدفا بالزواج ان تكفل ميراثا."

" تعنين بتعبير آخر أن أختار بنفسي وأن يصدر الاختيار عن أرادة حرة وليس عن رضوخ له؟"

" نعم."

ضحك في اسهجان وقال:

" فتاة اسبانية مطيعة تتزوجني بأمر من أسرتها هل هذا ما تقترحين أن أفعل؟"

عادت ترفض بعناد ان تدلي بجواب محدد مؤثرة أن تعلق على الموقف بوجه عام: أنني لا أملك أن أقترح شيئا. لقد كانت لي أسباب شخصية لهذا الزواج...و... فأكمل عنها العبارة:

" ولا رغبة لديك في أن تستمري فيه."

نهض وأخذ يتأملها لحظة وعلى وجهه تعبير غامض ثم خرج متمتا بأن سجائره نفذت وأنه سيذهب لشراء غيرها.

وقفت ليلي هي بعد أنصرافه وقد فطنت أخيرا الى أن يديها كانت تتمسكان بشدة بردجة لآلمتها ولكنها لم تلاحظ ألالم قبل ذلك... ولعل السبب كان ألما من نوع آخر خالجها وهو يتكلم عن زواج ينشأ عن رغبته ورضاه بعد حل زواجهما.

انتهى الفصل الثامن