الفصل العاشر
على صهوة الجواد
رفعت ليلي رأسها عن الرسالة إذ أقبل رويز إلى الغرفة وقالت:
" أنه من كيري. هل تتذكرها؟ أنها الأخرى ذات شعر أحمر."
فقال بلهجة محيرة:
" أنني أذكرها جيدا. أعتقد أنها الأخرى كانت في مطعم ريكي في يوم ذي ذكرى معينة. وقالت رأيا يشبه رأيك نوعا ما."
فتضرج وجه ليلي ولكنها ضحكت قائلة:
" ما أحسبك ستتركني أنسى هذا."
قال:
" قد لا تنسيه حتى أجعلك تعتقدين العكس."
وبدت مترددا لحظة ثم دس يده في جيبه فأخرج صندوقا صغيرا وقال:
" أتذكر أنك أعجبت بقرط من طراز الآزتيك وقد أمرت بصنع واحد لك."
فتحت ليلي العلبة فرأت قرطين من الذهب كانا مطابقين تماما لقرطين أعجبت بهما في المتحف. وومضت عيناها ابتهاجا وبدافع لا إرادي اندفعت لتقبل خده. وتضرج وجهها إذ فطنت لما فعلت ولكنه لم يضق البتة بالحركة اللاإرادية بل ضحك مداعبا وقال وعيناه السوداوان تتأملان ارتباكها في مرح:
" أحسن طريقة للتعبير عن الشكر. أظنني سأضطر لشراء مزيدا من الهدايا."
فقالت:
" أنك أفرطت في الكرم حقا."
هز رأسه وأضاف وفي عينيه بريق مداعب:
" من الذي لا يحاول أن يكون كريما إزاء حافز كهذا؟"
كان في عينيه وميض دافيء أخذ ينمو باطراد خلال الشهرين اللذين قضياهما في كاراسترانو. وابتسمت ليلي ولمست المرصعة المعدنية في حزامه الجلدي وقالت:
" أراك متأهبا لركوب الخيل."
ولم يكن يرتدي ثياب الركوب المتعارف عليها كما كان يفعل في إنكلترا بل كان يرتدي بنطلونا أسود غاب طرفا ساقيه في حذاءين قصيرين وقميصا حريريا أبيض مفتوحا عند الرقبة وحزاما عريضا مرصعا بقطع فضية. لم يكن يشبه الرجل الذي كان يملي عليها الرسائل في المصنع في إنكلترا!
أومأ برأسه وقال:
" هل تستطيعين أن تحتملي درسا آخر؟"
فهتفت:" لكم أتمنى؟"
وصعدت لترتدي ثياب الركوب وكانت نسخة أنثوية من ثيابه وأكثر إشراقا من ثياب الركوب العادية. وتوجت رأسها بقبعة واسعة الحواف. عندها وافت رويز كان يقف عند رواق الصور يتأمل اللوحات باستغراق. وكان ثمة منديل حريري أحمر قان عقد حول رقبته وإحدى القبعات العريضة الحواف - المألوفة في تلك البلاد - مدلاة على ظهره من شريط جلدي حول عنقه.
ولم يبد انتمائه للأصل اللاتيني صارخا كما كان في تلك اللحظة فوقفت عند مدخل الردهة الجانبية المفضية إلى مخدعها تتأمله -دون أن يفطن - وتعجب مما إذا كان يفكر في الخيط الطويل من آل آلدوريت الذي كان ينتهي إليه. وقالت بصوت ظنته خافتا وهي تتقدم دون أن يفطن إلى أن صوتها كان مرتفعا:
" كل هؤلاء الرجال والنساء يضربون في سنين الزمن... وأنت آخرهم. هل نترك الماضي الآن ونتلقى درسنا في الركوب؟"
هبطا سويا وخرجا الى الشرفة الممتدة حول البيت وهبطا الدرجات التي في الجزء الخلفي إلى الساحة الخارجية حيث كانت الحظائر مقامة وحيث الفرس الكستنائية التي اعتادت ليلي ركوبها منذ وصولها الى كارسترانو - بصهيل خافت - فربتت عنقها الناعم برفق. وبينما كان السائس يسرج الفرس التفتت الى حيث كان رويز يتلقى لمسات منبه من جواد أسود ضار أصيل وسمعته يقول: ليس اليوم يا خوان... ربما غدا."
وعندها انطلق الى جوارها هذه المرة كان على جواد أشيب مثير للإعجاب.
كانت مليدا فرستها سلسة القياد. على أن ليلي كانت على أية حال- قد أصبحت تجيد الركوب. فقد اعتاد أبناء ديرموت منذ الصغر التردد على المزرعة التي نشأت فيها كيري وكانت فيها بعض جياد صغيرة. فكان ركوبها مع رويز مجرد إعادة مران على التدريب.
وبدا أن القبعة عريضة الحواف وقد مالت قليلا على رأس رويز فتنته السمراء. وأحست بأنفاسها تحتبس في حلقها وهي تتأمل أشعة الشمس تترامى على قسمات وجهه الحاد.
وإذ ابتعدا مسافة عن كراسترانو ترجلا وأخذا يطلان على المبنى من قمة تل. فبدا ليعني ليلي أجمل مما كان حين رأته أول مرة وأن كانت عرفت ان جماله الحالم يخفي بعض لمسات حديثه جدا مثل ذلك المبنى الطويل المنخفض الذي أقيم على هضبة منبسطة ليكون لطائرة صغيرة ومثل ذلك النطاق من الأشجار الى جنوب من كاراسترانو وقد توارت خلالها محطة توليد الكهرباء لإمداد القصر والقرية الصغيرة القريبة كان القصر قديما جدا. ومع ذلك فقط ارتبط - بفضل العلم الحديث - بالحاضر المعاصر.
التفتت إليه مبتسمة وقالت:
" أنه يبدو أجمل مما رأيته أول مرة. الآن أفهم انك كنت مستعدا لأن تفعل أي شيء لتسترده."
قال بهدوء:
" نعم كنت مستعدا لأن أفعل أي شيء ولو كان غير مستحب - كما كنت أرى الزواج المفروض إجبارا - ولكني أجد أن زواجنا هذا أبعد من أن يكون غير مستحب!"
والتقت نظراتها بنظراته لحظة وهي تحمل نفسها على أن تبدو وكأن كلامه أية مجاملة أخرى. ثم قالت بلهجة عفوية وهي تتحاشى نظراته:
" شكرا لك ماذا ستفعل عندها... تدعو الحاجة لإنهاء هذه الصفقة؟"
وظل برهة لا يجيب فالتفتت لتواجهه متسائلة:
" هل ستعيش هنا وحيدا؟"
مد يده فأدار ليلي لمواجهته تماما وتفرس في عينيها وقال بصوت أجش قليلا:
" هل ستعودين لإلقاء المحاضرات؟"
عضت ليلي شفتيها ثم عادت الى تفادي نظراته - وهو الأسلوب الأسهل - وقالت:
" أحسبني كنت على وشك ولكن لا ينبغي ذلك... فليس هذا من شأني."
فقال برصانة:
" بل قولي... لعلي أجد محاضراتك طريفة... وربما تكون مفيدة. وأردف باقتضاب: على أية حال يبدو أن جدي دون دييغو كان يحظى بمشورة ملحاحة."
قالت:
" ليس الأمر هكذا... أني أرى أنكما كلاكما عنيدان وأنت لا تخالف ما كان يريد إلا أنه حاول أن يأمرك به أمرا!"
قال في عجب خشن:
" شكرا لك."
راحت ليلي ترمق رويز خلسة. كانت الشمس قد اشتدت فارتديا قبعتيهما
ورمقته إذ ذاك فلم يبد عليه غضب أو ضيق. وسألته:
" هل قدر لك أن تراه بعد أن غادرت كاراسترانو؟"
فأومأ برأسه قائلا:
" مرة واحدة."
" منذ عهد قريب؟"
" قبل حوالي ستة أشهر."
هزت رأسها وكأن هذا يعزز شيئا دار بخلدها وقالت:
" أحسبني الآن أدرك السبب في أنه أثبت ذلك الشرط في وصيته. لعله كان يعتزم ان يدعك تستحوذ على كاراسترانو على أية حال ولكنه كان يحاول أن يضمن إلا ينقطع خيط السلالة. ولن أدهش قط اذا ظهرت في وقت لاحق وصية تمنحك كاراسترانو دون ما قيد ولا شرط اذا رفضت الرضوخ لشروط الوصية الأولى."
" ماذا كان يدعوه لكل هذا العناء اذا كان ينوي أن أظفر بكاراسترانو على أي الأحوال؟"
" قلت لك أنه يحاول أن يكفل إلا يؤول كاراسترانو - بعد موته - لأغراب ويحتمل أنه حين رآك منذ ستة أشهر شعر بأنك لن تتزوج قط..."
" أنني شخصيا كنت موقنة من أنك لن تتزوج أبدا. كنت تبدو أبعد مخلوق صادفته عن العواطف!"
ومرة أخرى قال:
" شكرا لك."
فبادرت قائلة:
" لا تقطع استرسالي. أنت طلبت أن أحاضرك."
وبد كأن قوة غريبة تسوقها ولم يعد بوسعها التوقف.فعادت تقول:
" كان يريد أن تمتلك كاراسترانو ولكن من المحتمل أنه كان يخشى أن تكتفي بالمجيء والاستحواذ على القصر الإقامة وحيدا وبذلك... واختلج صوتها قليلا ولكنها واصلت الحديث:
" بذلك لن يكون ثمة وريث لكارسترانو ويكوت أسم آلدوريت. في رأيي أن هذا السبب في أنه صاغ وصيته على ذلك النحو وليس لأنه كان يحاول ان يفرضه عليك أمرا."
* * *
ساد صمت طويل ثم تحول رويز داسا يديه في جيبه وهو يطل من فوق التل على كاراسترانو. وتساءل:
" أذن فمن رأيك أنه كان ينبغي أن أرفض الشرط وانتظر الوصية اللاحقة - التي تفترضينها - حتى تظهر؟"
" فاتت الفرصة الآن وعلى أية حال فإنني قد أكون مخطئة ولا تكون هناك اية وصية أخرى."
" ولكن من المحتمل أنك لا تزالين تظنينني أغش إذ اتخذت هذا المخرج وأنه كان جديرا بي أن أدبر زواجا عاديا باختياري لتوفير وريث كاراسترانو؟"
كان صوته قد أصبح خاليا من أي تعبير عما في نفسه مما لم يتح لها فرصة لأن تحدد أكان مغضبا أم غير مكترث لما قالته... فقالت محاولة معرفة ما بنفسه:
" قد لا تلبث أن تقع في الحب بالطريقة الطبيعية."ولكنه هز رأسه في تأكيد حاسم وقال:
" لا أظن!"
وكان لا يزال يتفادى النظر إليها فلم يكن بوسعها الحكم على ما يدور برأسه. ثم أستأنف الحديث قائلا:
" أذن فالرأي النهائي أنني بالاستحواذ على كاراسترانو بهذه الطريقة أغش بالنسبة لبنود الوصية ان لم يكن بأجراء مكتوب فعن طريق نية غير مكتوبة."
قالت مترددة مدركة ان كلامها كان شخصيا ولم يكن له داعي:" تقريبا!"
" أذن ففي رأيك ان الحاجة الى زواجنا تنتهي اذا ما اكتملت الإجراءات القانونية وأصبح كاراسترانو ملكا لي دون ما شك.. عندها ينفصم الزواج وأشرع في زواج عادي باختياري لأنجب وريثا لكاراسترانو وأكفر عن محاولتي للغش؟"
قالت:
" نعم... وأبقت نظراتها مشدودة الى الأرض وقد أدركت كيف تحول الحديث الى مجرى عجيب وغير عادي.
وعاد يتكلم:
" ولكن ما الذي يجعل هذا ضروريا؟ وبدا لها ان صوته تغير بشكل لم يعد من الميسور تحيده وتحول إليها أخيرا وشدت قبضتاه على كتفيها بحزم وسألها بهدوء:
" هل تمنحيني وريثا لكاراسترانو برضائك؟"
ورفعت رأسها وهي تشهق ثم أجفلت إذ التقت نظراتها بنظراته وبينت أنها كانت تحبه وانها كانت كذلك منذ مدة!
أنتهى الفصل العاشر