مقدمة

4 0 00

نيرينا هيليارد

الملخص

شقيقتان الجميلة الموهوبة اعتادت منذ الطفولة أن تأخذ كل شيء يخص اختها حتى خطفت منها خطيبها فما كان من ليلى ديرمونت الا أن تنحت مفسحة في المجال امام شقيقتها صاحبة السحر الذي لا يقاوم وقبلت عرضا بزواج أبيض ... زواج خدعة هدفه حصول مديرها الاسباني على ارث تركه جده مشترطا ان يكون الوارث قد تزوج لكن الأمور تجري على غير ماتصوره وبات الزواج الابيض يتلون بألوان اخرى ... تحت شمس المكسيك... لكن ماذا تريد تلك الشقيقة المعروفة باسم(النجمة الداكنة) لأنها سينمائية ذات مصير غامض... وهل تستطيع ان تخطف من اختها زوجها الاسباني الوسيم؟

أسرة ديرموت

أغلقت الباب بعنف كمن يتمنى أن يصفعه بشدة, ولكنه يحاول أن يكبح جماح نفسه. وابتسمت ليلى للفتاة الغاضبة التي القت كومة من الاوراق على مكتبها وسألتها بعطف:

-يبدو عليك الاضطراب , فماذا يجري؟

أشارت الآنسة كيريغان بيأس وكأن شرح ما يزعجها بدقة أمر يفوق طاقتها وقالت:

- سأقول يوما لذلك الرجل رأيي فيه... وثقي أنني لن أكون ممهذبة في ذلك!

اختلجت شفتا ليلى ديرموت قليلا, وظهرت في عينيها الفاتنتين الداكنتين ومضة انشراح. ولو أن أحدا اطال النظر اليها لأعجب أيضا بلون بشرتها القرمزي الشاحب وبشعرها المجدول في عناية, بعدما عقصته مثل اكليل حول رأسها الصغير. وكان مظهرها خادعا اذ تبدو هادئة ساكنة الاعصاب, لكنها كانت ذات مزاج حاد وكانت كيري كيريغان تعرفها معرفة جيدة ولا ترتاب اطلاقا في الصفات الكامنة تحت كمال بشرتها الشاحبة. وأدركت كذلك ان ليلى لم تأخذ كلامها على محمل الجد. وقالت وهي تجلس على ركن من المكتب:

- آه... لعله من الصعب أن اجد الجرأة.. ربما يكون مديرنا جذابا ولمنه ارهب مثال صادفته!.الأميرة شوق

فقالت ليلى معلقة:

- مشكلتك انك تسمحين له بأن يثير اعصابك.

وأعادت كلماتها اللهب الى العينين الخضراوين , فتهفت كيري:

- يثير أعصابي؟ كاد يهيج غضبي منذ لحظات, واصارحك بأنني لا فهم كيف استطعت أن تلازميه ثلاث سنوات.

وأجالت عينيها في محجريهما واردفت:

- لابد أن عندك صبر القديسين

فهزت ليلي كتفيها في شيء من عدم المبالاة وقالت:

- كل ماهنالك أنني لا أحفل اطلاقا به ولا بأطواره.

- هذا من حظك .. لأنك تضطرين لتلبية جرسه معظم الوقت ! ولكن هناك كلمة حق لا أحجم عن قولها بصدد صاحب مؤسسة ميريديث, وهي انه لا يقول كلمة في غير موضعها.

والتوت شفتا ليلي الجميلتان الى اعلى وقالت:

- أتعنين أنه لا ينساق للحب ؟ يا للمسكين ! انه لا يعرف كيف يحب اذا هو حاول!.

انطلق صوت الجرس كأنه ازيز سرب من النحل المهتاج فبدد هدوء غرفة ليلي الصغيرة فوثبت كيري عن المكتبولاذت بالغرفة العامة المجاورة. وجمعت ليلي بعض الاقلام وكراسة للمذكرات وأسرعت الى باب المكتب الخاص برئيسها الباب الذي كادت كيري أن تصفعه لولا انه كان متوما عليها الا تفعل لان رويز آلدوريت لم يكن من ذلك الطراز من الرجال الذي قد يجيز عنفا من هذا النوع. لم يكن من الطراز الذي يسمح بأي شيء من قبيل الألفة أو الازدراء لمركز المهيب كرئيس لدار مريديت وكان التصدي له بالرد يتطلب درجة من التصلب في الرأي لم توءتها كيري قطعا.

كان بوسع رويز ألدوريت أن يخمد التوتر العصبي بكلمة هادئة أو أن يذكيه بنظرة واحدة. كان الكفاءة بعينيها عنده معرفة كاملة ومطلقة بكل شؤون شركته وما كان ليشفق قط على نفسه اذا دعت الضرورة للعمل الشاق وبهذا القدر من الكفاءة التي لا ترحم كان يتوقع نفس الكفاءة من كل امرىء يعمل لديه . ولكنه ما فصل أحدا يوما ظلما وكانت نظرته واحدة من عينيه الباردتي النظرات توضح انه لا يطيق جدالا . كانت كلمته هي الفاصلة في كل المناسبات وهو صاحب السلطان النهائي.الأميرة شوق

لم تشعر ليلي بأي توجس حين دخلت حجرته ولكنها اختلست نظرة اليه لتستبين ما اذا كان مزاجه معكرا اكثر من المعتاد. كان يقف وراء مكتبه حين دخلت يسيطر بقامته الطويلة على الموقف بينما كان ينبش نافذ الصبر في ركامات الاوراق على مكتبه. وقدرت ليلي أن بارومتر مزاجه يشير الى درجة عاصف فتمنت أن يكون من الممكن تفادي العاصفة. ولكنها لم تأمل كثيرا فأن رويز آلدوريت كان نصف أسباني فقد آلت اليد دار مريديت من ناحية أمه.

- أكنت تطلبني يا سيد آلدوريت؟

- ما كنت لأدق الجرس لو لم اكن أطلبك.

كان جوابه حادا وما من شك في أن الرجل كان جذابا ولكن امارات الغضب كانت تشوه جاذبيته. وهتف:

- أين ملف براون وكينتون؟

فأخرجت ليلي ملفا متخما بالوثائق من خزانة بجوار الحائط:

- أنت طلبت مني مساء أمس أن آخذه.

وشعرت بارتياح ضئيل. وتناول الملف منها وأخرج العقد منه فقرأه بأكمله وهو مقطب ثم التفت فرآها لا تزال واقفة أمام مكتبه . وانعقد حاجباه الاسودان ثم لانت أسارير وجهه وهدأت وقال:

- حسن .. لك أن تنصرفي.

وخرجت ليلي وهي تكبت رغبه طائشة في أن تضحك بالرغم من انها كانت تغادر مكتبه وهي تشعر كأنها كانت في معركة.الأميرة شوق

وخطر لها وهي تعود الى مقعدها خلف مكتبها ان كيري كانت على صواب . كان بوسع رويز آلدوريت أن يثيرها اذا سمحت لنفسها بأن تهتاج ولكنها لحسن حظها كانت اكثر سيطرة على انفعالاتها من كيري المتقدة الطباع فضلا عن أنها كانت قد ألفت هذه المعاملة . وعلى النقيض من رويز آلدوريت كان حبيبهها في بروس أشبه بالملاك. وسمحت لنفسها بأن تفكر في بروس وأوشكت أن تستسلم لحلم من احلام اليقظة لولا انباعاث رنين الجرس مرة أخرى ولكنه لم يكن متعجلا وملحا كالمرة السابقة.

كان رويز آلدوريت يذرع غرفة مكتبه ذهابا وايابا حين دخلت للمرة الثانية فحدجها بعينين سوداوين ثاقبتين تشعان بفضول واهن وقال:

- أتعرفين مطعما جيدا لا يبعد كثيرا عن الادارة يا آنسة ديرموت؟ انني على موعد للاجتماع بمندوب من براون وكينتون ولن يتسع الوقت لأذهب لمطعمي المعتاد.

وفكرت ليلي بسرعة . كان ثمة مقهى أو أثنان قريبان لكنهما ليسا من الطراز الراقي الغالي الذي يليق برئيسها وقالت أخيرا في تردد:

- هناك مطعم ريكي على مسيرة بضع دقائق من هنا. لا يتردد عليه من شركتنا سوى قلائل . والطعام جيد ولكنه ليس ممتاز.الأميرة شوق

قال في غير تردد:

- أنه مع ذلك يصلح. كيف اذهب اليه؟

ارشدته فشكرها في لهجة فاترة مقتضبة ثم صرفها مرة أخرى. وفي طريقها الى مكتبها عرجت على القاعة العامة لتسأل كيري عما اذا كانت سترافقها للغداء. فتطلعت كيري اليها منصرفة عن نسخ تقرير على الالة الكاتبة وسألتها :

- في مطعم كيري؟

- نعم. سأقابلك هناك اذا لم يعوقني صاحب الشأن لأي أمر.

وهمت بأن تعود الى مكتبها لولا أن كيري نادتها قائلة:

- بالمناسبة جاءت مكالمة هاتفية من ستيلا بينما كنت مع صاحب الجلالة منذ لحظة . قالت اننها ستأتي بسيارتها في وقت ما غدا.

وبرقت عينا ليلي وهتفت:

- هلا ستيلا قادمة؟

قتطلعت اليها كيري بملامح متحفظة وتساءلت:

- انك بالغة الاعجاب بها .ألست كذلك؟

رمتها ليلي بنظرة متعجرفة وازدادت ابتسامتها رقة فأصبحت كتلك التي تؤثر بها بروس. وقالت:

- طبعا . كلنا بالغوا الاعجاب بها يا كيري وفخورون بها . ربما لانها جميلة وموهوبة وبارعة بدرجة غير متوقعة في أسرة عادية.الأميرة شوق

هكذا كانوا دون شك اسرة عادية. وكان سر دهشتهم من أن يكونوا يسمونها مداعبين ولكنهم كانوا جميعا فخورين بستيلا نورديت الممثلة الكبيرة وكانوا يعجبون كل الاعجاب بها كشخص من الاسرة.

وما كانت كيري التي شعرت بما جال بخاطر صديقتها تقرها على ذلك. فلم يكن أي من أفراد عائلة ديرموت عازبا ولو أن ستيلا كانت تظفر بالاعتراف بأنها جميلة . لم تكن ثمة دمامة أو جمال عادي في تيس وتوم التوأمين اللذين يتعذر كبح جماحهما ولا في جولي المراهقة التي أوشكت أن تتخرج من كلية الفنون - حيث كانت تتلقى برنامجا للسكرتيرية - ولا في ليلي ذات الهدوء الذي ل ينم عما بداخلها... والى جانب هذا كله لم تكن كيري تقر البتة بعض آراء الاسرة عن ستيلا.

ما كان ثمة ريب في أن ستيلا جميلة كان لشعرها الاسود المصقول لمعان جناح الغراب الاسود الامر الذي لم يكن مرتقبا في أسرة شعر افرادها أحمر وكانت قسمات وجهها وبشرتها الخالية من أي عيب - والتي يعرفها رواد السينما - أقصى ماتشتهيه فتاة ..الأميرة شوق ولكن هذا كان أقصى ما توافق كيري به على اسطورة أسرة ديرموت التي كانت اسطورة زائفة تماما. فان ستيلا كانت أنانية لا تعني الا بنفسها وما كانت شخصيتها في جمال جسمها. وفي أية حال فأن كيري كانت ترى - بينهما وبين نفسها - أن ليلي كانت الجميلة الحقيقية في الأسرة. كان جمال ستيلا من النوع الظاهر أما جمال ليلي فكان في قسمات وجهها الشبيهة بنحت أزميل فنان وفي وضع رأسها الاشم الهادئ تاج شعرها اللامع الذي ر يقل تألقا عن شعر ستيلا ... وفوق كل شيء آخر كان في ليلي جوهر عميق ثابت من الاخلاص الصادق الذي كانت ستيلا تفتقر اليه بالتأكيد . كانت الممثلة المشهورة تتلقى كل التزلف والاعجاب اللذين يوجهان اليها - حتى من أسرتها - وكأنها حق واجب لها وا كانت تمنح شيئا سوى ابتسامة لطيفة غير صادقة لا معنى لها!

كان هذا رأي كيري ولكنه كان آخر ما يمكن ان تقدم على مصارحة ليلي به. وتساءلت ليلي : هل ذكرت ستيلا كم ستمكث؟ فهزت كيري رأسها قائلة:

- الواقع أنها لم تقل الكثير اذ كانت متعجلة لحضور مؤتمر صحفي أو شيء كهذا . اتصلت بالبيت ولكن الرقم كان مشغولا فاتصلت بك هنا بدلا من أن تنتظر خلو خط البيت.

فابتسمت ليلي قائلة:

- هكذا هي ستيلا حقا... اشتكت مرة انهم لا يتركونها تخلو بنفسها ابدا ولكني أخال أنها تستمتع بكل دقيقة يحيطونها بها.

ووافقت كيري - في نفسها - على ان هذه الكلمات كانت صريحة خالية من الرياء. كانت ستيلا نهمة الى الشهرة والاهتمام فلا بد من أن تكون مركز الجاذبية باستمرار. كان لبد من أن تستحوذ على كل ماتبغي واذا كان ما تبغيه ملكا لغيرها فانها كانت تأخذه دون أي تأنيب ضمير ودون أن تفكر لحظة فيما قد تسببه للغير اصابعها الطامعة . ولو أنها تراجعت لحظة فمن المحتمل ان يقتصر ترويها على هزة غير مبالية من كتفيهاوعندما استقرت ليلي في عزلة مكتبها جلست الى منضدة المكتب لتطبع على الالة الكاتبة ما أعطاها رويز آلدوريت من عمل ولكنها لم تستطع إيقاف افكارها برغم انسياب اصابعها على مفاتيح الالة بكفاءة: ترى هل ستعجب ستيلا ببروس ؟ طبعا!. واضافت في سرها وفي عينيها ابتسامة : من المستحيل ألا تعجب به!

وعادت الى العمل وهي تكبح رغبتها في الانسياق لأحلام اليقظة عن بروس وهي رغبة كانت مطردة الازدياد و التسلط في الشهور القلائل الاخيرة وهو أمر مفهوم مادام قد اصبحا خطيبين كان من المستحيل - برغم كل رصانتها - ألا تحب من النظرة الأولى وأن لم يظهر عليها ذلك. وغشيت عينيها رقة لطيفة وهي تفكر فيه... في بروس العزيز الضخم غير المصقول! لم يكن لها مفر من أن تحبه حين دخل مكتبها وابتسم لها وسلمها مجموعة من التقارير من القسم الهندسي في المصنع موجهة الى رويز آلدوريت

ولقد أقرت الاسرة اختيارها عندما رأته ... ابتدأ من أبيها المحامي الخشن الى أمها المتزنة - والتي مازالت جميلة - الى جولي المراهقة الى التوأمين الجامحين اللذين اعربا عن تحبيذهما بطرقتهما العابرة: لا بأس به ! وكان هذا منهمابمثابة الأطراء بل أكثر. وقد داعبوها جميعا أما جولي فقد استهوت فكرة العمل في شركة آلدوريت خلال العطلة الدراسية الاخيرة ولكن كيري كانت ترى انها قد تعدل رأيها بعد لقاء واحد بصاحب الشركة الموقر ! وعلى أي حال... فكان من الرائع ان تعود للبيت بعد أيام قلائل عندما تحين العطلة الدراسية . وبمجيء ستيلا كذلك ستسنح فرصة لا لتئام الاسرة تفوق كل ما كان متوقعا. سيكون وجود ستيلا وجولي معا مناسبة بديعة حقا.

وفجأة تذكرت موعد الغداء فنهضت لترتدي السترة اسوداء الانيقة سترة البذلة المحكمة حول جسمها الرشيق والتقت بكيري خارج باب حجرتها الملحقة بقدس اقداس رويز آلدوريت. فسارتا متجاورتين على البوابة البيضاء للمصنع الحديث النظيف ومضيتا في الطريق الى المطعم ... على الباب العادي كتب عليه ريكي. كان داخل المطعم عليل الهواء فسيحا اصطفت على طول احد جانبيه مقصورات صغيرة أسدلت عليها ستائر

واستقبلهما ريكي نفسها وكانت امراءة متوسطة العمر ذات شعر أسود وخطه الشيب قليلا وقادتهما الى احدى المقصورات وهي تقول مخاطبة ليلي:

- بالمناسبة أختك هنا.

ورددت ليلي مشدوهة : أختي ؟ واذ ذاك ازيحت ستارة احدى المقصورات وخرجت منها في حركة رشيقة فتاة يافعةفي العقد الثاني من العمر ذات شعر برونزي عقص على شكل ذيل الحصان وعيناها العسليتان ترقصان بضحك ماكر ورمقتها ليلي مصعوقة وهتفت:

- جولي ! ماذا تفعلين هنا؟

- تفشت الحصبة في المدرسة بشكل وبائي فأرسلونا جميعا الى بيوتنا من لم يصب بها من قبل على الأقل . لقد انتهى الفصل الدراسي تقريبا على أية حال.

كانت جولي تدرس في مدرسة داخلية للسكرتيرية اشتهرت بتفوق برامجها ومناهجها العامة . ولم تلبث ان اردفت في مرح:

- عندما ينحسر الوباء سنختتم الفصل الدراسي وتقام حفلة توزيع الشهادات وحتى يتسنى هذا فأنا هنا.

واحتضنتها ليل بحنان مغتبط ثم ألقت نظرة على حقيبة الملابس المستقرة على الأرض وقالت:

- ألم تذهبي للبيت بعد؟

فهزت رأسها قائلة:

- لم أذهب بعد .خطر لي أنني سأصل الى هنا قبيل وقت الغداء فرأيت أن أفاجئك هنا.

قالت ليلي بشيء من الجفاء:

- لقد فاجأتني حقا قطعا . والاسرة أيتوقعون مجيئك؟

فرمتها جوولي با بتسامة ماكرة أخرى قالت:

- كلا . كان المفترض أن أبرق لهم ولكني رأيت أن افاجئهم هم الاخرين.

ودخلت المقصورة معه فتهالكت على المقعد وزفرت في ارتياح قائلة:

- ها قد عدت نهائيا.. اني مصمممة على العمل بشركة مريميت . فعقبت ليلي بجفاء:

- اما زلت على فكرتك القديمة

برقت عينا جولي وقالت:

- بالتأكيد ... أنني وقعت حقا في حب مديركما

ولم تبد ليلي أي ردة فعل اذ كانت على دراية بأختها وقالت:

- ولكنك لم تره قط.

- بل رأيته لم احدثه طبعا ولكني رأيته فعل عندما مررت بالشركة في طريقي الى هنا كان يهم بأن يسقل سيارته التي تساوي ثروة ولابد , فأدركت من هذا ومما وصفتماه به أنه هو.

قالت ليلي وفي صوتها رنة دهشة جافة:

- اذن فقد وقعت في هواه يا صغيرتي ؟ أتسمحين بأن تخبريني ما الذي استهواك ؟

تنهدت جولي في نشوة المراهقة وقالت:

- أنه جذاب أسمر رومانسي.

قالت ليلي في برودة:

- وعاطفي كقطعة ثلج... حان ان تكبري على نزوات الطالبات!

- ولكنه رائع! لابد أنك لاحظت هذا فانت تعملين معه ثلاث سنوات.

وعلقت كيري بضحكة خفيفة :

- ألا ترينها سريعة في تفكيرها؟

وخالت ليلي ان اختها تمزح ولكن شيئا من القلق جعلها تأخذ الامر مأخذ الجد. فقد كانت جولي في سن تجعلها سريعة التأثر . ومع أنها نزوة لا بد أن تنقضي مع الزممن فان ليلي لم تشأ لشقيقتها المراهقة أن تقع فريسة لجاذبية سمرة رويزآلدوريت وان تكن جاذبية غير انسانية . زقالت في تؤدة:

- ان رويز آلدوريت جذاب جدا واني لأوافقك على ذلك ولكنه كرجل فهو آخر من ينبغي لفتاة ان تقع في هواه!

- لماذا بالله؟ ماأظنني رأيت شخصا مليحا منذ سنوات حتى بين اولئك الذين تمثل ستيلا معهم!

فقالت ليلي باقتضاب ا

بهذه المناسبة ان ستيلا قادمة غدا .

وانتظرت ردة الفعل فصاحت جولي:

- ستيلا قادمة ؟ كم ستمكث؟

- لست أدري بعد . احسبها ستخبرنا حين تصل.

وكان في عيني ليلي وميض الفرح الذي ظهر حين سمعت النبأ لأول مرة فأحست كيري فجأة بخوف من اجلها .. كان في ذهنها شك في ان ستيلا ستجرح شعور أختها.

- أنني موزعة بين الولاء له و الاعجاب بستيلا ثم الارتياب الفظيع في أنه سيغوص بنظراته في كيانها . انه قد يكون نصف اسباني ولكني على يقين بأنه يعتبر النساء - كنساء - شرا لابد من احتماله لمجرد بقاء النوع . ولو وجدت مؤسسة علمية تعكف على البحث عن طريقة للاستغناء عن النساء فأنني متأكدة من أنه سيتبرع لها بجزء طيب من ارباح شركة مريديت!.

وضحكت جولي ولكنها أردفت على الفور:

- لا يحتمل أن يفكر على هذا النحو وقد اوتي هاتين العينين!

وفي تلك اللحظة بدأ الرجل الجالس في المقصورة المجاورة بالأصغاء الى حديثهما بمزيج غريب من الانزعاج والحنق ان لم يكن قد سمع شيئا ينال منه كرجل. كان من الواضح ان الفتيات لم يكن لديهن فكرة عن وجود هناك وبدأ ان سكرتيرته نسيت تماما أنه كان قد اعتزم تناول غدائه في مطعم ركي . وكان قد أودع سيارته شارعا خلفيا فلم يكن ثمة ما يذكر ليلي بأنه جالس في مقصورة مجاورة منذ وصلت جولي والا لاستطاعت ان تنذر الأخرين ولما تحدثت هي نفسها على هذا النحو غير المتحفظ

ولقد شعر مديرها في البداية بحرج من استراق السمع دون تعمد ولكن لم يكن من سبيل لتفادي ذلك . ثم جد ما جعله يصغي لكل كلمة اذ انبعث صوت ليلي جافا وان لم يشبه ذلك الصوت الهادئ الذي اعتاد سماعه منها:

- هذا هو يوم المفاجآت حقا. حدثيني يا صغيرتي . الامر الوحيد بشأن عينيه هو أن لهما قدرة على الايحاء باستياء سيادته.

هتفت جولي في دهشة من قصر نظر شقيقتها:

- لابد أنك لاحظت فأنا لم اره الا في لمحة مقتضبة اما أنت فتعلمين لديه منذ زمن ولا أدري كيف تسنى ان تفلتي من الوقوع في حبه!

فاعترضتها ليلي قائلة:

- ما كنت لأجسر.

وتبينت الوميض المداعب المتراقص في عيني اختها فأدركت ان جولي لم تكن جادة ولكنها قررت المضي فيما بدأت فيه. فما كان ينبغي لجولي - اذا جاءت للعمل في الشركة - ان تشعر خظأ بجاذبية صاحبها . كانت بعد في سن الحرج وقد تصبح كلماتها المداعبة جادة. لذلك مضت ليلي تقول لجولي :

- كنت أكثر انشغالا بعملي من ان أوليه اهتماما. وعندما ازدادت معرفتي به تبينت أن من الخير ألا تساورني اية افكار عاطفية نحوه . انه رئيس جاد جدا .

وهنا اولى المستمع غير المشتبه في وجوده كلماتها شكرا ساخرا وهي تستطرد:

- هذا اذا استطعن احتمال اطواره ولكني اعترا بأنني لا اوافق على انه عاطفي على الاطلاق!

وأخذت تعدد ميزاته على اصابعها:

- انه طويل رشيق ليس في هذا شيء عادي .وهو شديد السمرة أمر عادي كذلك فمعظم الرجال ذوي الدم اللاتيني سمر أما أنه عاطفي ! وضحكت وكأنها تطرد آخر وهم قد يكون ساور جولي وقالت :

- أنني اسفة اذ اخيب تصورك ياصغيرتي ففي ساق المقعد الذي تجلسين عليه الآن من العاطفية أكثر مما في مديرنا المحترم. أنه لا يعرف كيف يحب!

وضحكت كيري في خبث وقالت:

- كم اتمنى أن ارى وجهه لو سمعك تقولين هذا!

فابتسمت ليلي قائلة:

- لا قدر الله . انه قد يعتبر هذا نوعا مستغربا من الاطراء .

فغمغم شاغل المقصورة المجاورة لنفسه :

أواه هذا محتمل!

واردفت ليلي:

- ليس للنساء مكان في حياة رويز آلدوريت أكثر من أنهن أدوات لامساك الاقلام وكتابة ما يمليه عليهن واداء الواجبات الكتابية الاخرى للشركة!

وضحكت جولي نفسها متخيلة عن مداعباتها ثم اضطرب الحديث ازاء عبير الطعام الذي طلبته . وبعد فترة من الصمت انبعث صوت جولي:

- هل تسدين لي صنيعا يا ليلي ؟

فأجابت هذه بمكر وهي الخبيرة بأختهها:

- هذا يتوقف على ما تريدين.

فضحكت جولي قائلة:

- عندما تعودين لمكتبك تأملي رويز آلدويت مليا ثم أخبريني في المساء عما اذا كنت لا ترينه مليحا بعد.

- لأي داع هذا؟

- لأسباب لدي!

فهزت ليلي كتفيها قائلة:

- لم أقل أنه غير مليح .. انما قلت انه يكاد يكون عدوا للنساء , فأكملت لها جولي العبارة:

- وف ساق المقعد أكثر مما في من العاطفة!

لم تططمئن ليلي للمكر المتراقص في عيني اختها ولكن ما من شيء قيل عن رويز آلدوريت بعد ذلك.

نهض شاغل المقصورة المجاورة بعد قليل فدفع حسابه وانصرف دون أن تفطن الفتيات اليه . واكنه في الطريق الى مكتبه لم يستطع - وان شغل ذهنه بأمور غير شخصية كعادتته - ان ينسى الصوت الهادئ وصاحبته تتناول مظهره قطعه فقطعه موضحة بجلاء انها لا تؤمن بحب السكرتيرة و المدير.

وكانت فترة بعد الظهر فترة موفقة أتم فيها المدير توقيع عقد براون وكينتون ثم عكف على بقية أعماله متناسيا الحديث الذي تناهى لأذنيه حتى جاءت سكرتيرته الى مكتبه لتعنى ببعض الملفات . ووجد نفسه يراقبها - على الرغم منه - وهي تتحرك دون ما صوت. كانت السكرتيرة المثالية التي عهدها والتي لا تنم اساريرها عن شيء حتى كاد يقتنع بأنه تصور ذلك الحديث في خياله و بالرغم من تأكده بأن ما سمعه كان صوتها. وادهشه ان يسائل نفسه عما يكون قرارها النهائي اذا ما فعلت ما طلبته اختها . ولكن وجهها وعينيها لم تكشف شيئا مما كان يساورها برغم انه كان يراقبها عن كثب كأنما كان فينظرها مجرد قطعة اثاث أخرى ... وهذا ما كان يبتغيه.. ولم يكن أى طراز أخر من الكرتيرات ليناسبه..

ووجد نفسه - هو يراقب تحركاتهها في مكتبه بهدوء ورصانة ورشاقة - يسائل نفسه عمما اذا كانت قد شعرت يوما بانفعال عاطفي حقيقي . كانت تبدو أشد سيطرة على نفسها من أن يراودها شيء من الشهوات الحارة التي قد تمزق الادميين.ا

وتحولت ليلي عن آخر خزانة للملفات وألقت نظرة على ساعتها ثم تطلعت اليه قائلة:

- أوشكت الساعة على الخامسة. هل تريد أي شيء آخر هذا المساء ؟

فقال:

- كلا ... طابت ليلتك.

وردت التحية بهدوؤ وخرجت مغلقة الباب خلفها بنفس السيطرة على نفسها التي كان يبدو انها سمة لكل تصرفاتها. وان هي الا دقائق حتى ساد الجو نشاط سريع مع رنين جرس الانصراف . وبعد ثوان كان المكان قد خلا وساد الظلام عدا الضوء الوحيد الذي ظل في حجرة رويز آلدورت الذي بقي هناك وحيدا لساعات وعيناه السوداوان على الاوراق التي امامه . ثم نهض أخيرا وأودع احدى خزانات الملفات أوراقه وضغط زرا للتليفون الداخلي وقال:

- لك ان تأتي وتقفل الأبواب.

وحياه حارس الأبواب الخارجية وسيارته الفارهة تنطلق في الظلام وهو يدرك أن أمسيته هي نفس أمسية البارحة .. سيذهب الى البيت - وان كان لم يعتبره مكسنه يوما بيتا! - كان ثمة مكان واحد يمثل في نظره البيت دائما... مكان لم يكن بوسعه قط ان يعود اليه.. المبنى الأبيض الممتد الأرجاء الذي كان يذكر بجلاء تام وان كانت قد انقضت أعوام منذ رآه أخر مرة . وتشبثت يده بقوة بعجلة القيادة -لمجرد تفكيره فيه - حتى اصبحت سلاميات اصابعه في بياض الكاراسترانو. ثم خف تشبث قبضته اذ أجبر ذهنه على تناسي الموضوع. والسيارة تمضي به الى مسكنه الفخم والى الزوجين العجوزين اللذين يعنيان به. كانا من الدقة والحرص والتجرد الذاتي كبقية عناصر حياته ومع ذلك فقد كان يحس احيانا بأن الاصداف الصلبة الباردة تتشقق احيانا فتزحف يداه على عجلة القيادة.

ان اي شيء كان يمكن ان يسبب ذلك الشعور ... ولكن بعض الأشياء كانت أكثر تأثيرا من سواها شجر نخيل المنطقة الحارة في بعض الاعلانات السياحية أو لمعان ضوء الشمس على مبنى ابيض.. ولكن الموسيقى أكثر من كل شييء . فعندما كان يسمع العذوبة المتراخية لأغنية أو رقصة من أسبانيا القديمة مع الوقع اللحوح الذي يشد الحواس تحت جاذبيته الناعمة عندما كان يسمع ذلك كانت تعود الذكريات أقوى ما تكون

ولكنه كان يكبح الذكريات بالشدة الباردة التي نمها في نسفه ويردها الى اغوار ذهنه حتى لا تعود لها أية ممعان تقريبا . لعله كان على وجه مايستحق التحليل الذي آثرته به سكرتيرته فقد تعمد عبر السنين ان يعود نفسه على هذا النسق ولكن صوتها البارد البعيد راح يتردد في ذهنه في تلك اللحظة على نمط غريب

كان الضجيج الذي أثارته عودة جولي غير المرتقبة والانفعال الناجم عن الزيارة المتوقعة لستيلا لا يزالان قائمين - وان أخذا في الهدوء قليلا- حين وصلت الى البيت في ذلك المساء.

واستقبلت مرغريت ديرموت ابنتها الكبرى عند الباب وهي تطوق جولي بأحدى ذراعيها كانت لا تزال جذابة بل ومتحفظة ببعض خبث جولي ولشعرها الانيق مما لشعر ليلي من تألق يمتزج في اللونان البني و البرتقالي ولا تتخلله شعرة بيضاء واحدة وحيت مرغريت ابنتها الكبرى ليلي قائلة

مارأيك في هذه الفتاة اذ تعود كالتلميذة الهاربة من المدرسة؟

صاحت جولي محتجة:

- تلميذة هاربة؟ لقد بلغت السادسة عشرة !

قالت أمها في سخرية وحب:

- يا لها من سن كبيرة !

واذ ذاك اندفع التوأمان من جانب البيت وانطلقا الى البهو... ما كان ثمة وصف غير هذا يناسبها فما اعتادا ان يدخلا أى مكان انما مانا يندفعان ومعا دائما كأنهما شقان لاعصار غير متوقع. كان شعرهما خشنا واشبه بالجزر الاحمر. وكانت جولي شقراء ذات شعر جميل نحاسي اللون بينما للأم والابنه الكبرى جدائل يختلط فيها اللون البني بالبرتقالي بينما شعر كيري -وهي زائرة دائمة للبيت- يدخل في نطاق الاحمر الذي تشعبت منه كل هذه الالوان . ولهذا السبب أصبحت كيري كيريغان جزءا من آل بيت ديرموت.

وقف التوأمان أمام جولي وتطلعا اليها بوجهين يكسوهما النمش ولهما انفان افطسان . قال توم باغتباط عفوي:

- أذن فأنت قد جئت ؟ وأومأ لتوأمه قائل:

- هيا بنا وإلا تأخرنا . فحييت تيس أختها العائدة باقتضاب واختفت لاحقة بتوأمها. ووضعت جولي يديها على ردفيها في استياء غير جدي ثم ابتسمت قائلة:

-ان الطفلين لم يتغيرا البتة.

فضحكت امها قائلة:

- ما أظنهما سيتغيران يوما . والتفت الى ليلي- وهي تغلق الباب الأمامي - وسألتها:

- كيف كان العمل اليوم؟

فهزت الفتاة كتفيها قائلة:

- كالعهد به دائما الى حد كبير.

وتغيرت أساريرها فجأة قائلة:

أليس من الرائع ان ستيلا قادمة؟

أقبل الأب وكان محاميا معروفا ومحترما ومعه حقيبة مليئه بالأوراق فرفع حاجبيه اذ رأى جولي وبدا مشدوها قليلا لنبأ مقدم ستيلا ووافق في شيء من الجفاء - على أن مجئ جولي و الوصول المترقب لستيلا في اليوم التالي - لن يمكناه من أن ينصرف لشيء من العمل:

أنتهى الفصل الأول

زيارة ستيلا

وصلت ستيلا الى البيت حوالي الساعة الثامنه من مساء اليوم التالي تقود سيارتها الثمينة ذات اللون الأزرق الياقوتي التي لم تكن تقل عنها اناقة وأبهة!

وشعرت ليلي بغصة في حلقها عندما نظرت الى اختها التي تصغرها عاما واحدا . ورمقت أمها فأحست من اسارير مرغريت بأنها تحس با لاحساس نفسه. هذا ما كان يحدث دائما عندما تريان ستيلا سواء مثلت بشخصيتها أو على شاشة السينما. كانت الفتاة أكمل ما تكون رونقا وبهاء.

وهمست مرغريت وهي تحيط ابنتها الممثلة الرائعة الاناقة بذراعيها : "ستيلا ياعزيزتي " ومست شفتها الخد الناعم فاذا نفحة من عطر غال تجعل انفها يختلج في تقدير . وما لبثت ستيلا ان خلصت نفسها ورمقت جولي في عجب وحيرة وهتفت

- ياألهي ! أهذه جولي الصغيرة ؟

هتفت جولي محتجة:

- صغيرة ؟ أنني الآن في السابعة عشر كاتبة اختزال مبتدئة ومؤهلة.

فقالت ليلي مازحة:

- قلت لها ان من الخير ألا تعد رويز يرى شيئا من عملها اذا كان هذا ظنها.

كانت مضطرة لأن تخفف من لهجتها اذ كان التئام شمل الاسرة ذا أهمية للجميع. ورفعت ستيلا حاجبيها متسائلة فقالت:

- تعملين مع ذلك الشيخ البغيض الصارم؟

قالت جولي:

- انه ليس بغيضا وليس شيخا وان كان على شيء من الصرامة.

وابتسمت في خبث قائلة لاختها ذات الشهرة:

- لقد فكرنا في انه يجوز ان نقدمك اليه فتلطفين طباعه قليلا.

عادت الابتسامه المميزة تبدو على فم ستيلا الجميل وقالت:

- أهو من مبغضي النساء؟ انهم عادة صنف ظريف. اتظنين ان بوسعي ان اعالجه؟

فابتسمت جولي قائلة:

- بل متأكدة.

وفي تلك اللحظة انفع التوأمان للحجرة فألقيا نظرة نحو اختهما وهتفا بتحيتها الموجزة:

- أهلا!

ثم انصرفا لأمور أخرى . كانت ستيلا تضحك دائما لطريقتهما الموجزة غير المبالية.

قالت تيس -احدى التأمين- وهي تتحسس المعطف الفرائي القصير الذي ألقته على ظهر أحد المقاعد في غير اكتراث: لا بأس به!. وهمس توم التوأم الآخر مبهوتا وقد ألصق انه بزجاجة النافذة : هذه سيارة ممتازة كان في عمر تشغل السيارة فيه الأولوية بين افكاره ختى قبل الفراء الثمين . فأولته ستيلا الابتسامة المشهورة في طول البلاد وعرضها وقالت

سأصحبك في جولة اذا كنت حسن السلوك.

فهتف في كبرياء:

- أنني حسن السلوك دائما ألست كذلك؟

والتفت لأمه في اقضاب :احيانا ! وتأملت ستيلا وعيناها تتحليان من ذلك الجمال الخالص. لكم كان يحيرها دائما انها استطاعت ان تنجب ابنة كهذه. واستدركت نفسها فقالت لقد تأخر ابوك في المكتب عطله امر لم يستطع تفاديه . لقد اتصل هاتفيا منذ دقائق. فابتسمت ستيلا قائلة:

- لا عليك سيتيح لي هذا أن أصلح ماكياجي من أجله.

وضحك الجميع لفكرة ان تتجمل ستيلا لأنها كانت بديعة بلا تجمل . وان هي الا دقائق حتى اصطحبتها جولي الى الطابق الأعلى وانطلق التوأمان الى مكانها المفضل الحديقة ووقفت ليلي وأمها عند اسفل السلم تشاهدان جولي وهي تثب الدرجات كأنها في سن تيس وقد تساقطت السنون أمام الانفعال الطروب وستيلا تداعبها في حب طاغ. حتى اذا اختفيا التفت الام وابنتها الكبرى كل للأخرى وابتسمتا. الأميرة شوق وقالت ليلي برفق:

- ماأطيب أن تعود ستيلا الينا!

فردت الام قائلة :

- انها جديرة بأن نفخر بها.

- ولم تتغير وهذا أروع ما فيها!

مسحت مرغريت الأم دمعة افلتت خلسة ثم تحولت نحو مطبخها مستردة نشاطها وقالت:

- أرى ان نتناول بعض الشاي فهو مفيد لاعادة الناس الى دنيا الواقع. ووضعت الابريق على النار والتفتت الى ليلي وهي تحضر الاقداح والاطباق وتضعها بعناية , وقالت :

- انك تبدين متعبة قليلا. هل آلدوريت يزداد صرامة؟

فابتسمت ليلي قائلة:

- أعتقد ان مابي نتيجة الانفعال.

- أهو متزمت في صرامته؟

-أظن هذا بدرجة ضئيلة على أية حال.

- فلماذا لا تغيرين عملك اذن؟

- لا يضايقني العمل تحت أمرته.. ما ان تتعودي عليه حتى تجدي ألا غبار عليه.

وقبت جبينا وهزت رأسها ورمقت امها بنظرة حائرة واردفت:

- بل أنني أحيانا أشعر بأسف لأجله.

ووضعت امها طبقا مليئا بالبسكويت ونظرت بدهشة فأومأت ليلي قائلة:

- أعرف أن هذا سخيف .. فهو من الثراء بحيث يحظى بكل ما ينبغي ومع ذلك فانني - احيانا- لا أتمالك ان اشعر بأنه في داخله غير سعيد. وفي تلك اللحظة التالية اذا هو كالعهد به دائما فاتر حاد منطو .. فأوقن انني كنت واهمة وأن من المحتمل انه يستطيب ماهو عليه.

ربما... أو لعله تحت مظهره غير سعيدا حقا.. حتى الاغنياء لهم مشكلاتهم.

وارسل الابريق صفيرا فأنصرفتا الى الشاي . وعندما تركتا المطبخ وجدتا جون ديرموت رب الاسرة يدخل من البا الامامي .. وفي اللحظة ظهرت ستيلا على السلم فهبطت مسرعة وبسطت ذراعيها لأبيها .. واحتواها كأنه دب كبير وضحك اذ احتجت بأنه يفسد استواء ثوبها المخملي وقال مداعبا:

- المخمل لا بيفقد استواءه في هذه الايام . تستطيع ليلي أن تحدثك عن الأقمشة التي ينتجونها اليوم في مصنع مريديت.

فرمت ستيلا أختها بنظرة مازحة وقالت:

- يا لمديرها الشهير!.. لابد لي من أن اقابله.

قالت ليلي برجفة مصطنعة:

- لم تخسري شيئا بعدم لقائه ياعزيزتي.. أن اه اسلوبا رهيبا في النظر فكأنه يكشف اعماقك!

وفي تلك اللحظة رن جرس البيت فجرت تيس الى الباب صائحة بأعلا صوتها بمجرد ان فتحته معلنة عن وصول كيري . ودخلت كيري وسط هذا الاعلان الصاخب والتقت عيناها عبر القاعة بعيني ستيلا فأومضت بينهما لمحة نفور. وأخفت ستيلا ما بها بسرعة بخبرة تشهد مقدرتها على التمثيل . ولكن كيري لم تكن أقل منها مقدرة وقالت بصوت ناعم:

- أهلا يا ستيلا سمعت بأنك قادمة اليوم.

أضافت جولي بسعادة وهي تهبط السلم :

- ستقضي اربعة عشر يوما كاملة.

وفكرت كيري في نفسها باكتئاب : اربعة عشر يوما ما أطولها ! وساورها شعور غريب مقبض . لم تكن تميل الى ستيلا ولا كانت تطممئن اليها ولل الممثلة كانت تحس بهذا مما يفسر التنافس المتبادل بينهما!

تأملتها في انتقاد متوار محاولة العثور على أية امارات لما كانت تخشاه ولكنها لم تر شيئا. كانت ستيلا تبدو عندما اخبرت أسرتها انها افلحت في اجتياز اختبار للسينما وظفرت بدور في أحد الافلام. قسماتها المتناسقة وشعرها الاسود اللامع وعينيها الخضراوين المائلين قليلا كل هذه تعاونت ولا ريب مع مقدرتها على التمثل لرفعها الى قمة السلم.ا

وبرغم ثرائها وشهرتها فانها لم تنس أسرتها قط ولهذا ازداد الجميع حبا لها غير أن هاجسا أوحى لكيري وحدها بأن لعودة ستيلا ديرموت للبيت سببا آخر ولو انها تهورت وذكرت بأن الممثلة ما جاءت لتزور اسرتها الا لسبب وليس لأنها كانت تحفل بهم لأنكروا هذا في شمم ولا نقطعت صداقتها لليلي وهي ما كانت لتريد ذلك. لهذا لزمت الصمت برغم انها كانت مقتنعة تماما بأن ستيلا لم تكن تجد وقتا لأسرتها اللهم الا خدمة لمصالحها فقد يكونون يوما ذوي نفع لها ولهذا لم تقطع صلتها بهم تماما ثم ان هذا كان يخدم الدعاية لها فقد كانت تحب ان تظل في عيون الرأي العام حسناء البلدة التي لم تنس اسرتها برغم شهرتها لولا هذا لنفضت ستيلا ديرموت عن نعليها غبار كورفيستون البلدة الصغيرة في أقليم كنت التي نشأت فيها ولنسيت انها عاشت فيها أو رأتها يوما.

وها هي قد جاءت لأربعة عشر يوما ولسوف تسبب شرا ما لم تكن كيري تعرفه نوعه بعد ولكنها كانت موقنة بأنه سيحدث يقينها من غروب الشمس كل مساء !.. وكانت ليلي محور القسط الاكبر من قلقها. وما كانت كيري تعرف ولكن حدسها أخبرها بأن ستيلا قد تكون أشبه بطفلة تمد يديها بطمع الى لعب اختها وانها تحظى بها دائما لأنها بارعة الجمال والكل يهيمون بها وبعد قترة تفقد عادة اهتمامها بما تكون قد اخذته وتهمله لصاحبته الحقيقية لتأخذه ثانية اذا شاءت ولكن اللعبة تكون قد تلفت. كانت كيري موقنة من هذا ومن ان ستيلا ما كانت لتعاقب أو تؤنب برغم ذلك لمجرد انها كانت ستيلا ,ستيلا الجميلة!

* * *

بعد حوالي عشرين دقيقة رن جرس الباب ثانية وأسرعت ليلي لتفتح الباب لبروس. كان شابا متين البنيان خشن الوجه في السادسة والعشرين أكبر من ليلي بعام واحد, وما كان ليوصف مهما تساهل التصور والخيال بأنه وسيم ولا كان ذا رشاقة تميزه ولكن ليلي كانت ترى دائما ان في جوهره شيئا ينم عن اخلاص صادق وعن أنه أهل للاعتماد عليه. وكان لكيري رأيها الخاص ازاءه هو الآخر . كانت ترتاح الى بروس كثيرا ولكنها تخال أحيانا فيه الضعف بجانب العند الذي يبرز أكثر ما يبرز الحب, فلاذت كيري يالصمت مرة أخرى.

قدمته ليلي الىستيلا بزهو باسم. وعند ذلك أدركت كيري ما كانت تخافه لأن ستيلا نظرت الى الشاب ذي الشعر البني والوجه الخشن ثم ابتسمت في نعومة وصمت. وراحت كيري تصلي باستماتة في قلبها:

- لا تجعله هو يارب هدفا لها ... ليس هو الآخر!

اللعب.. الدب, والدمية المحطمة, والآن الرجل الذي احبته ليلي قد تأخذه ستيلا هو الآخر!

أنتهى الفصل الثاني

الأرث

تسلم رويز آلدوريت خطابا خلق له أزمة وحطم حاجزا نفسيا حاول جاهدا بناءه لمدة عشر سنوات وعاوده الماضي بأكمله: الحنين الى ذلك البيت الابيض الجميل المحاط بالاشجار الباسقة و الزهور المتكاثفة والى الهواء البارد ينساب فوق الجبال.

وعاد يقرأ الخطاب فاذا به ينبئه بما انبأه به من قبل كان ثريا بعد أن آلت اليه ثروة آل ميريديت ولكن الخطاب كان يمنخه المزيد بشرط واحد: كان في بوسعه ان يرث ثروة خرافية سبق أن نبذها بوسعه أن يعود الى البيت الأبيض الذي ظل يحلم به دائما ولكن الشرط كان بعد قائما.

كان عليه أن يتزوج قبل أن بعود ويجب ألا يتزوج من مرشيديس لاسترو! فاذا حاول اعتراض الوصية خسر الميراث فورا ليؤول الى جمعيات معينة بدلا منه. وكان الشرط يمهله ثلاثة أشهر يجب أن يتزوج خلالها وأن يحضر عروسه الى كاراسترانو أو يتنازل مرة أخرى عما نبذه في الماضي.

كان الشيخ دييغو آلدوريت على معرفة جيدة بحفيدة عندما أدرك أان الشاب سوف يبذل ما في طاقته ليمتلك البيت والضياع التي كان يحبها منذ كان طفلا!

عاد رويز يتأمل الخطاب ثانية محالا التفكير بروية للتملص من الشرط الواضح في الخطاب. إذ أنه لابد من أن يكون متزوجا في خلال ثلاثة أشهر وكان رويز يعلم المقصود من هذا : ان يغدو وريثا لقصر كاراسترانو!

زم شفتيه النحيلتين. كان يطمع في الكارسترانو ولكنه لم يؤت اية نية لأن يجبر على التخلي عن القرار الذي اتخذه منذ زمن بعيد بألا يكون لأية امرأة وزن لديه مرة أخرى!

ضاقت عيناه وهو يقرأ الخطاب بتمعن لعل هناك مخرجا. لم يكن ثمة ذكر لمستقبل زواجه ولا نوع المرأة التي ينبغي ان يتزوجها اللهم الا انها لا تكون مرشيديس لاسترو وما كانت لديه أية رغبة في أن يتزوج من مرشيديس لاسترو بل ولا رغبة في الزواج اطلاقا. ماكان شيء أبعد عن رأسه بالأمس من هذا. وكان من ناحية اخرى يريد قصر كارسترانو!

وتذكر - وقد زم شفتيه الرفيعتين ثانية- الرجل الذي وضع هذا النص اللعين المقيت في الوصية. لقد كان دييغو آلدوريت دائما صارما قوي الارادة وما من شك في أنه كان يظن ان بوسعه تنفيذ ارادته ولو بعد موته!

لابد من طريقة تنفذ كل كلمة من ذلك النص الوارد في الوصية فترد اليه البيت الذي احبه كثيرا وتتيح له -في الوقت ذاته - استرداد المناعة العاطفية التي كان يعتزبها كثيرا تدبيؤ تجاري تجاري محض بين شخصين يمكن كلا منهما من استعادة حريته وطريقة الخاص بمجرد تحقيق الغاية من الزواج. فلم يكن الاذعان الفارغ لشروط الوصية هو الذي شغله في تلك اللحظة . كان شديد الغيظ - لكنه غيظ بارد - لأن اليد التي تحكم كانت تملك التحكم في حياته يوما وحرمانه من كل ما أعتاده- بل هدم اسس حياته ذاتها - تمتد لتحاول اعتراض حياته مرة أخرى لمدة طويلة من العمر بل الى ما بعد الوفاة!

لمعت في عينيه ابتسامة باردة. فلقد ارتكب دييغو آلدوريت خطأ لمرة واحدة في حياته اذ كان ينبغي ان يضع ذلك النص في تفصيل أوفى. أما الآن فمن السهل التحايل للتهرب منه غير انه كان لزاما ان يفكر في الفتاة التي تكون مستعدة لابرام عقد غير عاطفي كهذا فتاة تكون مثله لا تحفل بالحب ولا مكان له في حياتها ويمكن الاعتماد عليها في ابعاد المشاعر العاطفية عن الاتفاق طيلة المدة التي يتعين عليهما قضاؤها في المكسيك! ولكن أكانت هناك فتاة كهذه؟

وشدته الفكرة بحدة الى .. الفتاة التي في الغرفة الملاصقة! انها هادئة الاعصاب مسيطرة على نفسها حتى انها يشبه أحيانا لا تكاد تبدو من البشر. ما أبدت قط لمحة من أي شيء يشبه الضحك الفارغ الذي تبديه بعض الفتيات اللائي يعملن في بقية أرجاء المكتب واللائي يضايقنه احيانا بثرثرتهن التي لا معنى لها - وان لم يكن قد اصغى اليها قط! - أما هي سكرتيرته الخاصة فما كان يسمع اذا ما خرج الى مكتبها سوى صمت ملتزم. وما من شك في أن الفتيات كن يثرثرن عن اصدقائهن وعم الحب و الحياة العامة .. ما عدا ليلي يرموت فأنها كانت تبدو بعيدة تماما عن العاطفة السقيمة التي كانت تثير حنقة وكانت عيناها مشدودتين دائما الى عملها وما من ريب في انها كانت من جلاء الذهن بحيث ترى فوائد اتفاق عملي من النوع الذي يبتغيه!

ومد يدا الى زر الجرس الموضوع على مكتبه. وبدون اقل ارتياب في ذهن ليلي يوحي اليها باختلاف الغاية من دعوته أياها الى مكتبه في هذه المرة عنا اعتادته التقطت كراسة الملاحظات والاقلام ودخلت.. ثم جلست في مقعدها المعهود وفتحت الكراسة مدركة انه سيملي عليها رسائله كالعادة في مثل هذا الموعد من كل يوم ثم يتركها وشأنها بقية اليوم ما لم يجد شيء عاجل.

* * *

لكنه قطب جبينه وعبث بالورقة التي بين يديه ثم شرع يتكلم وليلي تسجل ما كان يقول تلقائيا دون ان تتبين ما هو وقد شرد فكرها هذه المرة غير مركز على عملها .. ثم ترجمت لنفسها ما كتبته بالاختزال .. وراقبها رويز آلدوريت بامعان ولكن علامة الدهشة الوحيدة التي استطاع تبينها كانت ضيق خفيف في مقلتيها ! أما ليلي فقد كانت تسائل نفسها عما اذا كانت قد اختبلت تماما.. لكن هذا الوهم لم يكن اسخف أو ادعى للضحك والسخرية مما كتبت وهي شاردة الذهن... وتمالكت نفسها وتطلعت اليه قائلة:

- أخشى أنني لم أحسن التقاط ما أمليته يا سيد آلدوريت..

واكتست أسارير شيء من المزاح وقال:

- بل أظنك التقطته. لقد سألت عما اذا كان يوسعك تدبر عرض للزواج قائم على مجرد المصلحة؟

فعادت تنظر الى كراستها كان هذا ما كتبته حقا ولم تكن واهمة ان تستجمع شتات ذهنها استرسل يقول:

- قد ينبغي ان ازيدك وضوحا فبل أن تقولي شيئا . لقد ترك لي جدي أخيرا عقارات في المكسيك ولكني ملزم بتحقيق شروط معينة قبل المطالبة بها والا آل كل شيء لجمعيات خيرية معينة.

سمعت صوتها - هادئا رصينا- وهي تكرر كلنتي : شروط معينة؟ وعجبت في نفسها كيف تكون بلا شعور بالارتباك بعد عرض للزواج قائم على مجرد المصلحة مثل هذا! بينما كان هو يستطرد: لا بد لي من أن أتزوج وسيكون هذا تدبيرا وقتيا طبعا. وعاد يتأملها فشعرت باختلاجة فضول وجيزة تساوره: أكانت هي حقا بلا مشاعر ولا اكتراث كما بدت أم أن وجهها اكتسى قناعا بالغ الاتقان؟ ان أي شخص- ولو كان مجرد من أحاسيس البشر- كان خليقا بأن يبدي دهشة لاقتراحه العجيب ولكنها لم تبد أي تأثر عدا تضييق عينيها قليلا وكأنما كان يحدثها عن الطقس!

وجمعت ليلي شتات ما تبقى من وعيها المهتز وأجابت بهدوء غير كاشفة عن الاستحسان الطفيف الذي شعرت به وهي تخالة قد توقع ان تتقبل اقتراحه بجدية: أنني آسفة فأنا مخطوبة.

وكان هو الذي شعر في هذه المرة بصدمة حيث فوجيء بما لم يكن يتوقعه. وعاد يتأملها وفضولة يزداد وهو يتذكر صوتها في مطعم ريكي وقد كان أخف جمودا واينع شبابا وأكثر تشوقا للحديث. وعجبت ثانية وهو يسائل نفسه ترى أكانت ترتدي قناعا من البرود في المكتب؟ واستبعد هذا باستنكار ذهني فما كان مهتما حقا بشخصيتها . وقال:" اذن فالامر مستحيل في هذه الحال. وبالنسبة لخطبتك اتعتزمين مواصلة العمل بعد الزواج."

بل سأتركه عندئذ بطبيعة الحال. ولكن لم يحدد بعد تاريخ للزواج ولهذا لم اتخذ اية اجراءات وكنت اعتزم انن انذرك قبل ذلك بوقت كاف لتتمكن من العثور على من تحل محلي."

فأومأ مفكرا , وقال:

- طبعا . ولكني لا أدري تماما ما سيحدث . لقد قررت قبول عرض لبيع المصنع. وسيكون لأصحابه الجدد الحرية في اتخاذ تدبيراتته بصدد المستخدمين وقد يريدون ان تمكثي أطول ما تستطيعين.

- أننا لا نفكر في ابرام الزواج قبل عامين.

عادت الابتسامة الهازئة الى وجهه ثانية ,وقال:

- يبدو أنكما توءمنان بالخطبة الطويلة.

- أرى أن ذلك من الحكمة مهما كان الاثنان متأكدين تماما من مشاعرهما . فالزواج أكبر من ان يتم بتعجل . كما أننا ندخر كلانا بقدر ما نستطيع حتى نتمكن من الحصول على بيت مناسب.

فكرة عملية ومعقولة تماما وأصبح من الواضح بأنه كان على صواب بشأنها. فليس لديها الا القليل من العواطف. وساءل نفسه لحظة عن الرجل الذي كان مقدما على الزواج منها أكان رزينا وعمليا مثلها؟ ثم استبعدهما معا عن ذهنه وتناول الخطاب وشرع يملي عليها وكأن شيئا عادي لم يدر بينهما.

أما ليلي فلم تستطع أبعاد الامر عن ذهنها حيث شعرت بتغير مفاجئ في أعماقها ونظرت لمديرها بعينين جديدتين متبينة للمرة الأولى الجاذبية السمراء التي داعبتها جولي بشأنها. كان اكثر من عرفتهم من الرجال جاذبية بما أوتي من قوام وخفة حركة وطريقة لوضع رأسه تنطق بالشمم. كان شعره وعيناه داكني السواد لكن العينين لم تكونا تشبهان في شيء العيون المخملية لأهل الجنوب كما يصفها الروائيون ذو الشاعرية. كانتا حادتين عميقتي الأغوار باردتين كثلج اسود تزينان قسماته الجذابة الحادة كأنما نحتتها يد فنان واذ قدر لهذه البرودة أن تنحسر فأنما كانت تتحول الى سيء من الهزء يوحي بمرارة وراء المظهر.

ونظرت الى يديه حين التقط رسالة أخرى ورأت انهما رفيعتان متناسقتان بشكل جميل لهما طابع ارستقراطي واصابع طويلة بديعة ثم عادت تتأمل وجهه يتحدث بالهاتف وساءلت نفسها هل غشي العينين السوداوين شيء من اللطيف يوما ما وهل دق ذلك الصوت الحاد ذات الرنة الموسيقية العميقة لا مرأة مثلا؟ في يوم ما أكانت امرأة هي التي جعلته هكذا؟ ومع ذلك لم يكن يبدو محتملا أن أية امرأة اوتيت هذا القدر من المقدرة على تغييره لو كان التقوس الجامد لفمه في رجل آخر لأخذ على أنه دليل مشاعر قوية عميقة طال كبتها. ولكن رويز آلدوريت لم يكن هكذا ولو كان قد تعرض يوما لحب عميق .

واستغربت اذ وجدت نفسها تتساءل عما كان يحتمل يحدث لو أنها في وصع يسمح بقبول خطيته الباردة. لعل الموقف كان يكون بشعا ثلاثة أشهر يتفادى كل منهما الآخر ثم الغاء سريع لارتباطهما عقد مصلحة من البداية الى النهاية ابتذال لكل معنى للزواج. وقالت لنفسها باكتئاب : ما أجدر الفتاة التي تقبل مثل هذا العقد بالرثاء ! ومع هذا لم تستطع اقصاء فكرها عنه بقية فترة الصباح وأن واصلت عملها بكفاءة لأن المرأة اذا صدمت بما يدعوها للتفكير في رجل ما كزوج محتمل لايعود يبدو لها كما عهدته ولو كان الموقف بينهما باردا تجاريا غير عاطفي ممن البداية للنهاية.

كانت ليلي في بهو البيت تتأهب للذهاب الى عملها حين اقبلت جولي من حجرة المائدة تراقبها بعين منتقدة ثم قالت:

- لا أدري لماذا تصرين على ارتداء ثياب لا تروق لأحد. أنك تبدين دائما شديدة التزمت.

قالت ليلي بشيء من الجفاء:

- لا أستطيع الذهاب للعمل بثياب متحزلقة أتحاولين أن تقولي أنني أبدو غير أنيقة نابية الذوق؟

فبادرت جولي:

- كلا طبعا.

وتأملت اختها التي كانت ترتدي كالعهد بها تنورة نظيفة وبلوزة لا تشوبها شائبة وسترة صيفية خفيفة وأردفت:

- ولكنك تظهرين دائما سكرتيرة مثالية.

- هذا ما أحاول أن أكونه يا صغيرتي والا ما ظللت طويلا في عملي . كان مديري خليقا بأن يطردني.

- لكم أود رؤية وجهه لو أنه فاجأك في جولة مع التوأمين فقد يغير هذا من آرائه قليلا.

لوت ليلي احدى خصلات شعر أختها في تحذير مصطنع وقالت:

- لا تحاولي السعي أن تكوني زوجة له.فلن تسنح لك فرصة. بل أنني لا أعتقد أن جميلتنا ستيلا تستطيع هدم الجدار الفولاذي المحيط به أما أنا فأود أن أتزوج بروس لا جبلا جليديا يسير على قدمين.

فقالت المراهقة الجريئة:

- ولكني لا أظنه الرجل اللائق بك.

بادرت ليلي في عجب يفوق أي شيء آخر : لا تظنينه

فهزت جولي رأسها وقالت مقطبة:

- كلا. بل أنني أحيانا أظنه يهابك ويخشاك قليلا.

- بروس يهابني ويخشاني ؟ لا تكوني سخيفة يا جولي!

- ليس بالمعنى الحقيقي ولكنك تلوحين في بعض الاحيان السكرتيرة القديرة اكثر مما ينبغي .

- انك عاطفية خيالية وأذا ظننت رويز آلدوريت ذا قلب يخفق فأنت لا تحسنين الحكم على الرجال حقا!.

- أذن فأنت لا توافقينني على رأيي بصدد بروس؟

عادت ليلي تبتسم وقالت:

- مهما يكن فاني اشكرك اذ نبهتني. سأرتدي ثوبا يكشف جزءا من محاسني عندها أذهب للقائه في المرة التالية.

أذ اتجهت الى الباب قالت جولي مودعة:

- مازلت ارى أن رويز آلدوريت رائع.

فردت ليلي وهي تخرج:

- أذن فلا تدعيه يسمعها منك أذا جئت للعمل.

ومع ذلك فأن عبارة جولي اقلقت خاطرها فظلت تفكر فيها في طريقها الى المل. لقد كانت ثمة غرابة بسيطة تحف ببروس في الفترة الاخيرة. ترى.. الى أي شيء تشير؟

أكان فيما قالت جولي ايعاز بشيء ما ؟ أكان ما تتخذه من مسلك السكرتيرة المثالية قد أصبح يلازمها ويجعلها مسرفة في رصانتها وفي سيطرتها على نفسها حتى بالنسبة لبروس ؟ اتراه كان يشعر حين يقبلها بأنها تفتقر الى شيء ما؟ لعلها كانت تبدو اذا قيست بستيلا مجردة من الشعور بل ذات شخصية متعالية. ولكنه رآها تعمل في الحديقة مرتدية بنطلونا قصيرا قديما وبلوزة والتراب يلطخ وجهها أي وهي بعيدة كل البعد عن شخصية السكرتيرة المثالية التي تعيبها عليها جولي.

وفي صمت أقسمت ألا ترتدي ثيابا متزمنة عندما تكون مع بروس.

تأخرت فترة بعد موعد الانصراف للغداء فلما وصلت الى مطعم ريكي كانت قد سبقتها واستقرت في مقصورتها مع جولي التي كانت تطوف بالمتاجر ووعدتهما أن تلتقي بهما لتناول الغذاء . ولاحظت كيري وهن تتداولن بشأن أصناف الطعلم أن ليلي كانت شاردة الذهن حائرة تعض شفتيها احيانا دون أن تفطن. أكاد مجرد شعور عام بشيء ما لا يدعو للارتياح أم لأنها علمت بأن بروس كان يلتقي بستيلا سرا؟ لعلها لا تعرف فقد كان محض مصادفة أن رأتهما كيري معا دون أن يشعرا . كانت تقيم في الماضي في مزرعة وكان الحنين يدفعها احيانا الى الذهاب اليها و السير على غير هدى في الحقول وفي دروب الريف الهادئه. وفي لأحد هذه الدروب لمحت سيارة ستيلا واقفة وهي تجلس فيها مع بروس. وكانا يجلسان متباعدين ولكن منظر ستيلا كان يوحي بأنها لتوها تلقت قبلة.... أو قبلات. وانسحبت كيري بهدوء عائدة الى حيث كانت تنزل وقلبها مثقل بالغثيان وصوت بروس يتردد في أذنيها خافتا أجش كما سمعته في اللحظة التي برزت فيها من أحد المنعطفات فرأت السيارة ولقد سمعته يتكلم ثانية وهي تراجع عائدة وسمعت ضحكة ستيلا الخافتة المبحوحة تشوبها رنة هادئة ولم تنتظر كيري الى الوراء ولكن الصمت المفاجئ الذي أعقب ذلك أشعرها بأنهما لم يعودا يجلسان متباعدين.

وراحت كيري تفكر في نفسها باكتئاب ... كانت ستيلا جميلة حقا. ولكن جمال الأفعى الذي يخدر الحواس.

وارتدت الى الحاضر أذ انفرجت ستارة المقصورة وبرز رأس جميل أسود الشعر وهتفت صاحبته جانيس مارتين: قالت ريكي انكن هنا هل تمانعن في أن أنضم اليكن؟ ولم تلمح صدا فجلست مبتسمة. كانت في حوالي الخامسة و الثلاثين ذات ابتسامه متوانية وقورة وكانت من أكفأ العاملات بالشركة ويقال انها أصيبت في الليلة السابقة لزواجها قبل أعوام وقيل أن خطيبها مات في حادث سيارة في تلك الليلة ولكنها لم تتكلم عن هذا لأحد قط.

قالت مبتسمة حين عرفتها ليلي بأختها :

- أذن فأنت جولي كنت تواقة لأن ألقاك فإن ليلي كانت تتحدث عنك باستمرار حين كنت هنا قبل ثلاثة أشهر. وشهقت جولي في استغراب فقالت جانيس:

- ألا تصدقين ؟.

وأبتسمت للأخرين متسائلة:

- هل حدث شيء ذو بال اثناء غيابي ؟ فبادرت جولي : لقد خطبت ليلي.

أشرق وجه جانيس اغتباطا ,وهتفت:

- تهاني ! أنه بروس طبعا أذن فقد نطق أخيرا!.

قالت كيري في جفاء أنه بروس طبعا فما راق لعينيها أحد سواه. وأضافت جولي:

" وستهبهما ريكي ايرني كهدية زواج... فرفعت المرأة حاجبيها متسائلة:

من يكون أيرني."

وأذ ذاك ضحكت جولي قائلة:

" سخان الشاي"

وسارعت كيري قائلة:

" اختار بروس العزيز أبعد الامكنة عن العاطفة الشاعرية كنا قد جئنا لتناول العشاء قبل الذهاب للمسرح. وكنا عند طاولة الخدمة نتجاذب الحديث مع ريكي. ولا بد أننا شعرنا بموجات لاسلكية حولنا فتحولنا قليلا دون أن تفطن تاركين المجال خاليا له ولليلي وابتسمت بمكر اذ لاحظت حمرة الخجل تضرج وجه ليلي فجأة, واستطردت:

" الظاهر أن سخان الشاي منحه جرأة فسألها يدخا في الحال. لذلك وعدت ريكي بأن تمنحها السخان كهدية للزواج."مكسات

* * *

لم يدر رويز آلدوريت ما الذي دفعه للذهاب ثانية الى مطعم ريكي. لعل الطعام كان ممتازا حقا كما كان المطعم قريبا. ولكنه لم يكن متعمدا. ووجد نفسه مرة أخرى يسترق السمع وقد أشرق وجهه في هذه المرة بابتسامة لا أرادية اذ كان في تقدم رجل أنكليزي لخطبة فتاة بين أقداح الشاي والسخان ما يثير الضحك. كان الامر كما تصوره تماما اختارت سكرتيرته الجادة العملية رجلا بعيدا عن العاطفة مثلها فيما يبدو... ثم حاول ان يتناسى شاغلات المقصورة المجاورة كما فعل من قبل أو كان يتعتزم ذلك على الأقل لولا أنه كان مضطرا للاستماع كما في المرة السابقة... وانبعثت ضحكة خفيفة تبين رويز لدهشته أنها من سكرتيرته التي أردفت بقولها:

" يا لبروس المسكين يأبين أن يتركنه ينسى هذا."

فقالتت جانيس مبتسمة:

" لا يمكن لكل فتاة أن تقول أنها خطبت بين ادوات الشاي."

ووجمت فجأة وبدا في عينيها ظل من ذكرى قاسية وهي تقول:

" أحيانا تكون الخطبة غير الشاعرية أفضل من خطبة تحت ضوء القمر.."

ولاذت الاخريات بالصمت. ولكنها استرسلت وكأنها تحدث نفسها:

" كان أدريان فنانا في هذه الامور حقا.. ولكن هذا لم يردعه عن الهرب مع ارملة ثرية في الليلة السابقة على زواجنا بالذات!."

وأذ أدخلت الى الصمت سألتها ليلي بصوت خافت:

" أمازلت تفتقدينه؟"

فتطلعت جانيس اليها وحدقت في عينيها وقالت:

" أظنني سأظل افتقده دائما... ولو أنهما قتلا في حادث سيارة في الليلة التي غدر فيها بي بالذلت."

وسرت قشعريرة في جسد جولي فاردفت جانيس مبتسمة:

اراني اثير فزعك ياطفلتي المسكينة.

هزت جولي رأسها وقد اكتسى وجهها الضاحك عادة بالوجوم ما لم تره أحداهن من قبل. وقالت:

" كلا. أنما جال بخاطري أن من الفظيع ان تستمري في حب شخص وأنت تعلمين أنه ما من أمل لك في رؤيته."

فأبتسمت جانيس وقالت:

" أنه أمر فظيع في البداية يا عزيزتي ولكن الزمن يلئم الجروح . ولكن.. أما من واحدة لديها موضوع أكثر بهجة؟"

أومأت ليلي برأسها , وقالت:

" لدي انباء عن مصنع ميريدت وقد تريان بيانا بعد ظهر اليوم ولكن قد يحسن أن أخبركما الآن أنه سيباع. فهتفت كيري يباع؟

كان واضحا أن النبأ أفلح في محو كل فكرة عن الموضوع السابق. وقالت ليلي:

" يبدو أن آلدوريت ورث في المكسيك وهو يبيع مشروعه ليعود الى هناك."

لم تشأ أن تخبرهن بشيء عن شروط الوصية لأن الأمر يخصه وحده. وهتفت جولي:

" ياللالهة !... لا تقولي انه من علية الاسبانيين حقا."

فقالت بجفاء ليلي:

" لم اسأله. معظم الثروات العريقة تقترن غالبا بلقب.. وأن كان اسمه الكامل كافيا في حد ذاته رويز دييغوباليا دي آلدوريت."

وارسلت كيري صفير دهشة , وقالت:

" أن له وقعا! كيف عرفت أسمه الكامل هذا؟"

" كنت أطبع أوراقا مختلفة خاصة به أحيانا تتعلق باقامته في هذه البلاد. أنه ليس انكليزيا كما تعرفن, ولا يزال يحتفظ بجنسيته الاصلية."

هتفت جولي دون أن تتمالك نفسها:

" من المؤسف الا تبدي تصرفاته شيئا من هذا."

فقالت أختها:

" هذا أفضل فلست اتصور أن أعمل مع رجل يطاردك في غرفة المكتب."

وضحطت جولي قائلة:

" لا أدري. فأنا أظن أن هذا ممتع ولا سيما مع رجل مثل رويز آلدوريت."

قالت كيري:

" رباه! أظن الفتاة مفتونة به حقا!."

فقالت ليلي بأستهانة:

" لو صح هذا, فأنها سرعان ما ستتغلب على الافتتان . ما أظن أنني أعرف نزواتك. أتذكرين بائع الحليب وأنت في الرابعة عشرة؟ كأنما الدنيا كانت قد أنتهت عندما نقل من المنطقة ولكن سرعان التئام الجرح كانت عجيبة."

فقالت كيري قائلة:

" ما أحسب أن رويز آلدوريت سيشعر بالسرور لمقارنته ببائع الحليب!"

وفي تلك اللحظة أقبلت ريكي بالطعام فهمست: " بالمناسبة... اتعلمن أن مديركن يشغل المقصورة المجاورة؟"

فصاحت جولي:

" ماذا ؟ وساد صمت مرتاع. وأخذت كل منهن ترمق الاخرى وتحاول تذكر ما قلن.

هدأت ليلي نفسها بأن مسترقي السمع لا يتبينون بجلاء عادة ما يقال. ثم تذكرت المرة الاخرى التي اعتزم فيها المجيء للمطعم وسألت ريكي بصوت منخفض:

"هل جاء هنا يوم الثلاثاء الماضي؟"

واومأت ريكي برأسها وقالت:

"اردت يومئذ أن أحذركن ولكني شغلت اذ ذاك ."

تساءلت ليلي في يقين ورهبة عما اذا كان قد شغل المرة السابقة المقصورة التي يشغلها اليوم:

"أين كان يجلس؟"

فقالت ريكي معززة الهاجس:

" نفس المكان الذي يشغله اليوم, فآمل ألا تكن قد قلتن أي شيء غير مستحب عنه."

وخرجت تاركة فترة صمت يشوبها الفزع.. ونقلت جانيس نظرها من واحدة لأخرى وهمست:

" أتصور من الصمت المرتاع انكن قلتن شيئا بغيضا" فأومأت ليلي برأسها وهي تحاول في جزع تذكر ما قالته يومذاك! بينما غمغمت كيري وهي ترمق ليلي بنظرة عطف ماكرة:

"انصراف تام الى الغداء منذ الآن. ارثي لك اضطرارك لمواجهة صاحب السيارة بعد ظهر اليوم."

قالت ليلي تطمئنها بهمس خفيض:

" لاأظنه يتنازل بأن يشير لهذا. لو انه كان قد سمع شيئا من قبل أنه تجاوز عنه كأمر لا يليق بكرامته أن يعلق عليه. وقد يفعل الشيء ذاته هذه المرة."

وبرغم هذا وجدت ليلي نفسها تتأمله بامعان حين دخلت حجرة مكتبه بعد الظهر. ولكنها لم تتبين أي اختلاف البتة, فقد تلقى نظراتها بعدم الاكتراث البارد المعهود من عينيه السوداوين فشعرت بالحرج ينحسر بعد مخاوفها في البداية من مواجهته.

* * *

تبينت الأسرة بسى أن زيارة ستيلا بلغت منتصفها ولن يقضي اسبوع آخر حتى تكون قد رحلت عائدة الى حياتها الحافلة بالنشاط الذي يبهرها. وكان الصحفيون قد حاصروا البيت القديم ملتقطين لستيلا صورا وهي في قاعة الجلوس البالية , وأن كانت مريحة, وواقفة تعبث بارجوحة التوأمين أو متكئة في أغراء على جزع شجرة تفاح عتيقة.لكنها صرفتهم بجزم لطيف مصرة على رغبتها في أن يتركوا أسرتها في هدوئها واعدة بأن تؤثرهم بلقاء آخر قبل عودتها الى لندن. واعتادت بعد ذلك البقاء في الفراش حتى يقترب موعد الغداء فتنهض متكاسلة وقد تصطحب التوأمين في جولة في السيارة بعد انصرافهما من المدرسة احيانا.

وبالتالي تقدم الصحيفة المحلية في الصباح التالي صورا للممثلة الشهيرة مع شقيقتها الصغيرين. أو صورا لها وهي تحيط جولي بذراعها في محبة أو هي مع ليلي وبروس.

وفي أمسية اليوم الذي تبينت فيه ليلي أن تعليقاتها على رويز آلدوريت قد تناهت لسمعه فتحت الباب الخلفي لليت وسط صرخات رعناء من الداخل وتطلعت الى أمها وجولي وهما تعدان الشاي في المطبخ, وقالت بابتسامه واهنة:

" كأني بالهنود الحمر يهتجمون البيت" ولم تتم كلماتها حتى وثب عليها توم وقد خط وجهه باحمر شفاه استولى عليه من مكان ما ملوحا ببلطة من الورق المقوى, وتشبث بخاصرتها ليتمالك توازنه ثم دار حولها مطاردا تيس وقد خطت وجهها مثله, اذ اندفعت من الردهة مؤجحة حفنة من الخيط الاسود ربطت عند قمتها وكأنها خصلة مدلاة من رأس أحد الهنود.

رمقت ليلي الخصلة بجفاء, وقالت لاختها الصغرى:

"يالك من قبيحة!"

فابتسمت الصغيرة لا مبالية. أما جولي فقد ساورتها أفكار أخرى. كانت قد ابتاعت أخيرا اول أصبع لاحمر الشفاه أذن لها بشرائه, فأمسكت بأخيها وهي تصيح باستنكار:

" أحمر الشفاه هذا من عندي."

فأنكر توم متملصا ثم اندفع قائلا:

" ليس هذا احمر شفاه, أنه طلاء الحرب لدى الهنود"

ثم أندفع للحديقة وراء تيس مطلقا صرخة مروعة, وجولي وراءه تطارده من أجل اصبع الطلاء المستولى عليه.

وأذ ابتعد الضجيج ظهرت ستيلا في مدخل المطبخ متسائلة:

" أهما بهذا الصخب دائما؟"

" لا بأس بهما اذا كانا يتربصان أما اذا انطلقا من كمين فان الضجيج لا يطاق."

وصعدت ليلي الى غرفتها لتعلق سترتها فلما هبطت كانت ستيلا في قاعة الجلوس . وسألتها:

" ماذا كنت تفعلين؟ آمل الا تكوني قد شعرت بضجر."

فرمقتها ستيلا وفي عينيها وميض هازيء:

" ضجر ليس بعد ولكني ولابد سأحس به فيما أظن اذا أطلت البقاء. ألست تسأمين حياة الريف؟"

وأبتسمت ليلي وهي تهز رأسها قائلة:

" أحسب أن بقية آل ديرموت خلقوا لحياة الريف. ويناسبنا أن نستدفئ بوهج مجدك."

ورمقتها ستيلا بنظرة ساخرة وغاصت في مقعدها قائلة:

" ترى كيف القناعة و الرضا؟"

فأطلقت ليلي في هدوء:

"ألست راضية؟"

فأطلقت ستيلا ضحكة قصيرة قاسية وقالت:

" راضية؟ لا يشعر الرء بالرضى الا وهو ميت."

فنظرت اليها ليلي مذهولة ولكنها عادت ترميها بالنظرة الساحرة:

" أيذهلك هذا؟"

وهزت كتفيها واسترسلت:

"أن لدي الكثير اليس كذلك؟ وخليق بي أن أكون راضية ولكن هناك دائما الكفاح لأجل المزيد الحاجة دائما للبقاء. أنا نفسي ناضلت بهذه الشدة لأبلغ ما وصلت الي."

وسأللتها ليلي في هدوء:

"لماذا لا تتخلين أذن؟"

فرمقتها ستيلا مأخوذة ثم هزت كتفيها قائلة:

" أتخلى؟ هذا اسواء فقد اموت ضجرا."

" لن يحدث هذا اذا تزوجت وصار لك بيتك الخاص. أما كان هناك قط شخص وددت أن تتزوجي منه؟"

هزت ستيلا كتفيها ثانية وقالت:

"أحيانا الى أن كنت أضيق بهم."

وأطلقت ضحكة عجيبة ملتوية وقالت:

" أحسبني اذا عثرت أخيرا على شخص فأنه سيكون من حق أنثى غيري سبقتني اليه."

نظرت ليلي الى شقيقتها الجميلة مذهولة وقالت لنفسهافي حكمة أن النجاح ليس كل شيء فيما يبدو فان ستيلا برغم كل شيء اوتيته وبرغم مرحها لم تتكن سعيدة بعد. كان هناك شيء ينغص حياتها كما كانت حال رويز آلدوريت. فبالرغم من كل ثرائه ومركزه كان ثمة شك يلازمها في أنه لم يكن سعيدا حقا. هو الآخر كان ينشد المزيد ولكنه أخفى حاله وراء قناع بالقناعة وليس بالمرح كما فعلت ستيلا. ومن الطبيعي أنه لم يكن من السهل معرفة ما ينقص رويز آلدوريت بل من الممكن أن يكون أمره مجرد خيال منها وأن يكون في أعمتقه صلبا مجردا من العواطف كما هي في ظاهره.

وبعد هذه الملاحظة العابرة كادت ستيلا تفقد توازنها اذ اندفع الى الحجرة كلب أبيض ضخم موفور الحيوية وقطع الحجرة في وثبه واحدة وألقى مخلبيه الأماميين على كتفيها. كان الكلب المعروف باسم سنوكس قد أدرك أنها موجودة فجاء يحييها بطريقتة المعتادة فلم تعد بعد ذلك ثمة فرصة لأى حديث جدي. وقد سرت ستيلا لذلك فقد عاودها الشعور العجيب بأن شيئا ما لا يسيسر على ما يرام!

توالت أيام الاسبوع تتخللها الاحداث اليومية العادية ممتزجة بمتعة وجود ستيلا وكانت جولي قد اسقرت حتى لكأنها لم تبتعد قط عن البيت الى المدرسة الداخلية. وأهدت فليكس قطة البيت الجميع مجموعة من القطيطات ذات اللونين البني والابيض جرح أحد مخلبي الكلب سنوكس وكان لزاما أخذه الى الطبيب البيطري. ومضى العمل كالعهد به والحياة في مسيرتها العادية الى ان حانت الامسية السابقة على يوم عودة ستيلا الى لندن. حيث انقلب كل شيء رأسا على عقب.

كان بروس قد حظى بيوم للراحة بدلا من يوم عطلة كان قد قضاه في العمل منذ بضعة أشهر. وقررا أن يذهبوا لحفلة راقصة في ذلك المساء. وسمع رويز سكرتيرته تكلم كيري عن هذا ويبدو أنه أصبح يسمع عفوا, في أبعد الاوقات عن المتوقع ففاجأها بأن دعاها للانصراف قبل موعده بساعة, ليتسع لها الوقت كي تتأهب. ولم تدر فيما بعد أكان جديرا بها أن تشكره او أن تكرهه لأنه صرفها قبل الموعد.

كان البيت يبدو هادئا ساكنا حين وصلت . واوحى الهدوء بان ستيلا كانت هي الأخرى خارج البيت أو مستلقية أو مستغرقة في القراءة.

وفتحت باب قاعة الجلوس فسمعت:

" لا نستطيع أن نفعل بها هذا. لن اسمح لك. انني أؤثر أن أشقى بقية عمري على أن أؤذي ليلي."

وقفت ليلي في المدخل لحظة تقاوم ادراكها أن الصوت الذي سمعته كان صوت ستيلا ثم تبينت الرجل الذي ضم اليه قوام ستيلا النحيل الرشيق واحنى رأسه ليلصق خده ببشرتها الناعمة في زمجرة خاغته كانت أكثر ايضاحا من أية كلمات.

أنه... بروس!

أنتهى الفصل الثالث

الحل الوحيد

وقفت ليلي لحظة والألم يعتصر قلبها ثم أنسحبت بحركة تلقائية وبنفس الهدوء الذي اقبلت به واسندت ظهرها الى الباب المغلق وكأنها لا تقوى على الحركة. لقد سمعت عن تلك اللحظات التي يسكن فيها كل شيء جامدا ولكنها لم تتصور أبدا أن تعاني واحدة منها وأن تعرف الشعور بأن كل ما كانت تحلم به يتلاشى في لحظة وجيزة!

لم يكن بروس يحبها... كان يحب ستيلا!

لم يكن للمشهد الذي فوجئت به معنى آخر فقد كان كل منهما منصرفا للآخر حتى أنهما لم يحسا بوجودها. ووقفت عند الجانب الآخر للباب لحظة وهي تضغط شفتيها بيد متشنجة محاولة الحركة ولكنها بدت كما لو كانت قد تجمدت في تلك البقعة والبيت من حولها صامت ساكن. كان موعد عودتهما للبيت عادة ضجة وحركة ولكن كل شيء كان اليوممختلفا. لم يكن اليوم ككل تلك الايام التي انقضت من قبل.

لم تشعر بأي نذير هاجس حين تركت العمل ولكن جو التوتر والانتظار الذي ران على البيت كان خليقا بأن ينذرها . فلم يكن الكلب سنوكس هناك ليخف لتحيتها بوثباته الطويلة أنه كان لسبب ما لايحب ستيلا ومن الواضح انه أعتزل بنفسه في مكان ما في الحديقة. حتى فيلكس وقطيطاتها كانت من الباب الأمامي بدلا من المدخل الخلفي... لعلها لو لم تترك العمل مبكرة لما كانت قد رأت ستيلا في احضان بروس... ولسمعا صوت مفتاحها في الباب الأمامي ... ومن المحتمل أنهما ما كانا يسمعاته فهما لم يسمعا صوت باب قاعة الجلوس يفتح!

أخيرا, تمكنت من التحرك فتحولت ببطء وعادت الى المطبخ ومن ثم الى الحديقة الى الطريق ثانية. وهناك توقفت واخذت تتلفت حولها مخدرة الحس. ماذا ينبغي ان تفعل الآن؟ ماكان لها أن تقف امام البيت كأحدى شجيرات الورد التي كانت الاسرة تعني بها. كلا... كان الوقوف خظأ... هكذا أخبرها عقلها المذهول المصدوم... ماكان لها أن تقف هتاك فان الناس قد ينظرون اليها... كان يجب أن تتحرك وأن تمشي.. فسارت بخطوات سريعة وحركات تلقائية دون أن تعرف وجهتها!

كيف تسنى لها أن تكون عمياء الى هذا الحد وأن تكون مطمئنة باعتداد الى سعادتها غير مدركة أن أثنين ممن تحبهم كانا شقيين الى هذه الدرجة؟ واستدركت حين ذلك الشعور الغريب بأن هناك شيئا غير طبيعي؟ بروس المتوتر احيانا وفوق كل هذا ستيلا, اذا أهتدت للحب أخيرا لتجده أذ ذاك من حق غيرها, من حق شقيقتها بالذات. هل خطر لها شيئا عندما قالت ستيلا حتى أذا وجدت الرجل الذي تؤمن به وتثق به, فستجده من حق أمرأة سواها, سبقتها اليه؟

يالستيلا الحبيبة من مسكينة! أنها بالرغم من شقائها وتعاستها فكرت في الاخت التي قد تسيء اليها اذا أخذت منها سعادتها. وكان واضحا أن بروس هو الآخر فكر في ذلك, وأبى أن يفصم الخطبة التي كان من المحتمل أن تدمر حياته هو الآخر لو أتيح لها أن تستمر. ولكن ما من سبيل الى استمرارها طبعا, فما ينبغي السماح لهما بأن يدمرا حياتهما. مهما يكن الألم الذي سوف تقاسي منه ليلي فأية سعادة يمكن أن تتيسر لها من زواج تظل فيعلى علم كلما قبلها بروس بأنه انما يحاول أن تتخيل أنها ستيلا, وتكون فيه موقنة أنه كان بوسعها أن تتيح لهما أن يكونا سعيدين؟

وتنهدت وقطبت جبينها وهي تسير بسرعة دون ما غاية. وخيل اليها كأن شخصا أخر كان يراقبها أينما تذهب ليحرص على الا تخطو أمام سيارة وما كانت من الجبن بحيث تفكر في ارتكاب شيء كهذا وعقلها مشغول تماما بما كان ينبغي عليها أن تفعل أزاء المفاجأة!

ماذا كان عليها أن تفعل؟ أكان ينبغي أن تدخل الحجرة وهما معا؟ كان هذا كفيلا بأن يفرض مناقشة الأمر. أما الآن فمن العسير اثارة الموضوع بأعصاب هادئة. ولكن أما كان عسيرا بالدرجة ذاتها لو أنها حاولت فسخ الخطبة في الحال؟ كان من الممكن أن تظل ستيلا على رفضها الزواج من بروس وما كان ينبغي أن يحدث هذا بالتأكيد.

وتركز كل الحب الذي كانت تكنه لشقيقتها في حل واحد في أيجاد طريقة للانسحاب. كان من الخير أن يسعد أثنان ويشقى واحد بدلا من العكس. ومهما يكن فهي لن تسعد الآن لو تزوجت من بروس.

واضلت السير بخطواتها الحادة والتلقائية الآلية ودركة أنه لابد من التوصل لمخرج قبل أن تهدأ الصدمة ويسيطر اليأس. ومن العجيب أن ذهنها أصبح صافيا وأخذ يعمل سريعا بجلاء ذكي غريب. وقالت لنفسها: لابد من البت فورا قبل أن تستسلم للدموع ولكنها لم تستطع أن تهتدي الي اي مخرج!

وكان لزاما أن تعود -أخيرا - الى البيت وأن تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام. كانت بقية الاسرة قد عادت في تلك الاثناء ولكنها تجنبت الذهاب للحفلة الراقصة. وكان الصداع عذرا كافيا. وانبأتها بديهتها بأن بروس قد سر بقرارها.

* * *

عادت ستيلا الى لندن في الصباح وليلي لا تزال تبحث عن طريقة لفسخ الخطبة دون أن تتيح للعاشقين سببا لأن يعتقدا أنها اكتشفت سرهما. ما كان بوسعها أن تفسخها دون ما سبب على الاطلاق ولا كان بوسعها التظاهر بالاهتمام برجل آخر لأن الاسرة بأكملها كانت تعلم بأنه لم تبد يوما ميلا الى اي رجل آخر بل أنها لم على صلة وثيقة بأي شخص آخر بدرجة تسمح لها التظاهر بأنها وقعت في هواه. لم يكن في حياتها سوى رويز آلدوريتفي العمل وبروس في الامسيات.

وفجأة أومضت الفكرة... تردد في أذنها صوت جولي هندما داعبتها: لا أدري كيف تسنى أن تفلتي من الوقوع في حبه. كان هنا الحل الشنيع... كان واضحا بحيث لا يدعو الى المزيد من التفكير.. فلتتزوج من رويز آلدوريت!

كان ثمة نفور متمرد في اللحظة الاولى من هذا القرار. أنها لم تكن راغبة في الزواج من ذلك الرجل البارد المشاعر, الذي لم يكن بالنسبة لها طيلة أعوام ثلاثة أكثر من صوت حاد قاطع. كانت تبتغي في حياتها الدفء والحب, لا الأستهزاء الأجوف لفترة ستكون دون شك محددة.. ثم تنتهي.

لم ترغب في التعرف عليه أكثر لكن ما من ضرر من ذلك حيث سيعيشان في بيت واحد. كان ثمة شيء منفر في تلك الشخصية الباردة المنطوية التي لم تكن تحتمل في العمل فكيف تكون الحال في بلاد غريبة عليها وهي وحيدة متزوجة من رجل كانت تكاد تكرهه؟!

ارتجفت ولكنها مع ذلك لم تتزحزح عن قرارها . ولم تكن قد قالت شيئا بعد لأسرتها ولا لبروس حيث أرادت أن تضعهم أمام أمر واقع فكان لزاما أن تتريث حتى تتحدث الى رويز آلدوريت.

لم تستطع أن تمنع انهمار بعض الدموع حين خلت لنفسها في حجرتها ليلا. ولكن الرغبة في البكاء تلاشت في الصباح. ولكم سرت لشدة سيطرتها على نفسها وعززت القناع المجرد من أية سمة شخصية والذي كانت ترتدية دائما في العمل حتى اذا استدعاها رويز آلدوريت طرقت بابه ودخلت ساكنة النفس. ولم تجفل الا للحظة حين خطر لها أنه ربما كان قد عثر على سواها ولكنها هزت كتفيها مستبعدة الفكرة لو حدث هذا فما عليها الا أن تبحث عن رجل آخر.

ووجدت نفسها بطريقة غير ارادية تتأمله في ذلك الصباح بعينين مهتمتين بشخصه فعاودها الذهول أذ أكتشفت أنه كان جد جذاب بل أنه خليق بأن يكون مغناطيسي الجاذبية لولا بروده وعدم اكتراثه. ورمقتها عيناه السوداوان عبر مكتبه وفيهما تساؤل فجمعت اطراف شجاعتها , وسألته:

" أمن الممكن أن أتحدث معك لبضع لحظات أذا لم تكن جد مشغول يا سيد آلدوريت؟"

فأجاب :

" طبعا . واومأ برأسه نحو مقعدها المعتاد واردف: أجلسي!"

خطر لها وهي تجلس أنه لس ثمة سوى طريقة واحدة لأداء مهمتها وهي أن تكون هادئة غير مرتبكة كأن الامر لا يتعدى مشروع المصلحة كما سماه... وكما كان في الواقع وأن تناول أوثق رباط بين رجل وامرأة!

ترددت وعضت على شفتيها بالرغم من تمالكهها نفسها وقالت:

" مشروع المصلحة الذي ذكرته من قبل ألا يزال مطروحا؟ لأنني... لأنني... لو..."

فأكمل عنها قائلا:

" لأنك لو غيرت رأيك؟"

وتفرست العينان السوداوان في وجهها متفحصتين وأن ظلتا لا تكشفان عن شيء وأردف:

" وخطبتك؟"

وتقبلت ليلي تفرسة بجلد, وقالت:

" فسخت."

" حديثا... مساء أمس مثلا؟"

قالت مؤكدة:

"نعم."

وعادت تشعر بتفرس عينه السوداواين اللتين. لا تشيان بشيء, وقال:

" هكذا. وهل بدلت رأيك بصدد اقتراحي؟"

عادت تقول:

" نعم. وهي تقاوم رغبة رعناء في أن تضحك كطفلة لأن كلمة اقتراحي بدت غريبة. كانت بطريقة ماتقرن هذه الكلمة دائما بالشراوات والماس والفراء وعلاقات الحب المحرم وما من شيء من هذا يصلح للموقف الراهن. بل أن علاقات الحب بالذات محرمة أو غير محرمة فتساءلت:

"أحسب أن الناس لن يعلموا نه مجرد مشروع مصلحة؟!"

صحيح أن فكرة اية علاقة غرامية بينها وبين رويز آلدوريت تبدو لها سخيفة تماما ولكن كان لابد من جعل بروس وستيلا يعتقدان عكس الحقيقة تماما. ولو تطايرت مجرد اشاعات عن الوضع الحقيقي لكان ذلك كفيلا بجعل الفكرة كلها عقيمة تماما وغير مجدية!

أجاب رويز بهدوء:

" على أية حال فليس لدي الرغبة في نشره على الملاء. وفي الوقت الراهن لا يعلم بشروط الوصية سوى المحامين وانت وانا طبعا."

فتساءلت وهي تسيطر على صوتها بحرص ليبدو هادئا... تجاريا:

" ما المطلوب تماما؟"

" لا بد من قضاء وقت قصير في قصر الكاراسترانو بعد الزواج لنضفي عليه مظهر الزواج الطبيعي . وبعد أن تكون شروط الوصية نافذت يمكن فيما بعد تدبير الغاء للزواج في هدوء. فلا سبيل هناك لأي نزاع قضائي بهذا الصدد. ومن الجائز لأي زواج أن يفشل!"

هذا يبدو مقبولا تماما."

واهتز القناع المنيع على أسارير قليلا وارتفع احد حاجبيه السوداوين في عجب ساخر وقال:

" الا تريدين معلافة بنود الاتفاق اولا؟"

فأجفلت ليلي مرددة:

" بنود ؟"

" لا أتوقع طبعا أن تمضي في هذا السبيل دون مقابل... أنه, برغم كل شيء , أتفاق تجاري."

قالت في بطء:

" ما فكرت في هذا في الواقع."

ثم خطرت لها فكرة متهورة ومتواقحة فهتفت:

" اذا, اذا تضمن الاتفاق أي ثمن فأنني أؤثر أن يكون في شكل آخر."

وعاد القناع يخفي ما في نفسه وتلاشى العجب الساخر وسألها:

" مثل؟!

مثل أن تتظاهر بأنك تحبني؟"

وران صمت مذهل وفي انحساره البطيء تمنت او أستطاعت أن تضحي بأي شيء لتسحب هذه الكلمات التي لا تغتفر ولم تجسر على النظر الى وجهه بل ركزت عينيها على يديها اللتين التحمتا في حجرها , وهي ترتجف وتنكمش ازاء نفحة من الازدراء الجليدي في أية لحظة. ثم وجه اليها سؤالا كان آخر ما توقعت سماعه:

" لماذا انفصمت خطبتك؟"

وجعلتها المفاجأة تنظر الى وجهه بسرعة ولكن ملامحه ظلت جامده لا تشر لهابأي رد فعل طلبته.... وتساءلت بدورها بعد لحظة:

"هل لهذا اهمية ما؟"

" كلا... ما لم يكن قبولك اقتراحي مجرد محاولة لاثارة غيرة خطيبك السابق!"

* * *

" اثارة غيرة بروس؟"

محاولة لتغيص سعادته مع ستيلا وهي التي تحبهما معا حبا جما؟ كانت الفكرة بغيضة ومهينة فبدأ الشرر ينطلق من عينيها وكان أي أمريء أكثر معرفة بها من هذا الرجل خليقا بأن يأخذ هذا على أنه انذار. ولكنه أستأنف حديثه:

" أذا تورطت في هذا الاتفاق فاني اتوقع أن تمضي فيه حتى نهايته لا أن تفسخيه في أخر لحظة!"

قالت وهي تكبح غضبها:

" أنه مقدم على الزواج من أختي."

ثم انفجرت غاضبة بعد أن أدركت ما يخطر له وقالت:

" أنك لا تفهم شيئا على الأطلاق. أنني أحب أختي حبا جما ولكي أحملها على الأعتقاد بأنني لم أعد أحب بروس لابد لي من أن أخبرها بأنني سأتزوج بشخص آخر

وأطلقت ضحكة قصيرة خشنة وأردفت:

" لا تقلق... سأمضي حتى النهاية."

اضطجع رويز في مقعده بتؤدة وهو يتأملها وظلت اساريره لا تظهر شيئا كالعهد بها ولكن فضولا نصف متوار بدا في عينيه.. أنها لم تكن المخلوق العديم الانفعالات العاطفية كما تصورها يوما. كانت عيناها الداكنتان الزرقة تبرقان بدموع مكبوحة... ولكنها عضت شفتيها بقسوة تقريبا, وعادت تتكلم بالصوت الذي اعتاد سماعه منها:

" أعتذر عما بدر مني. ولكنك تفهم الآن على الاقل كيف تقوم الامور. أنني مازلت أحب خطيبي, ولم أفصم الخطبة بعد... ولكن هذا سيتيح لي عذرا لذلك."

" أمتأكدة كل التأكيد من ضرورة هذا؟"

أطرقت ليلي وقالت بهدوء:

" كل التأكيد... لقد تصادف أن... أن سمعت شيئا ولست أنوي أن أدعهما يفسدان حياتهما بالتشبث بأفكار سخيفة عن واجبهما نحوي. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع اقناعهما بها ولهذا فلن أكون الطرف الذي يتراجع."

قال:

" أنك تهدين تضحية رائعة في ظروف كهذه."

فرمقته بدهشة:

" أصحيح هذا؟ لم أكن قادرة على التصرف بطريقة آخرى

فقال لنفسه... لعلها ما كانت قادرة على التصرف فعلا, وبدأ يتمثل صوره جديدة تماما لسكرتيرته الكفء, المجردة من المشاعر الشخصية كما كان يخال. ثم عاد لعينيه وميض الاهتمام المتهكم, وقال بصراحة متعمدة:

" أنني لأعجب أذ تعتمدين علي لاداء دور كهذا, على ضوء الرأى الذي أفصحت عنه يوما في مطعم ريكي."

شعرت ليلي بالدم يتصاعد الى وجهها وقالت:

" أذن فقد سمعت!"

قال بجفاء:

" سمعت كثيرا كان ما قلت شجبا كاملا. أهذا ما تعتقدين حقا؟"

فبادرت منكرة:

" كلا بالطبع."

وراحت تحاول تذكر ما قالت في وقت الغداء ولكنها لم تستطع أن تتذكر شيئا معينا سوى أنها وافقت على كل ما قيل اذ ذاك, ولم تر مبررا لأن تغير اعتقادها الآن. وقررت أنه ما كان يجب ان تبدي الاقتراح الذي ابدته منذ دقائق. فالى جانب جرأة ما طلب , ما كانت تتصور لحظة أنه يستطيع اداء هذا الطلب .ولكنه فاجأها قائلا:

" أظن, برغم الآراء المحية بالنقيض, فبوسعي أن استجيب لطلبك ولكن ما موقفك انت؟"

فاجأها بسؤاله فاذا بالدماء تتصاعد الى وجهها ثانية وفكرت لأول مرة في موقفها هي كطرف في الصفقة.

لم تكن حين أبدت اقتراحها قد فكرت في الامر من ناحيتها الشخصية كيف بوسعها أن تتظاهر بحب شخص مثل رويز آلدوريت؟ وكبحت مشاعرها وقالت بهدوء:

" أظن بوسعي هذا. أن الناس عادة لا يعرضون مشاعرهم علانية لذلك فلا أظن الامر سيحتاج لكثير من الجهد."

" في هذه الحال نعتبر ان الاتفاق مستقر."

كان هذا كل ما ابداه بالنسبة لرجائها الغريب وكانت تتوقع رفضا متعاليا. وبعد أن تأكد من أنها لم تكن محاولة لاثارة غيرة بروس قال في نبرة مبالاة:

" من الممكن أن نتزوج في نهاية الشهر اذا ناسبك هذا."

وأضاف وكأن الأمر لا يتضمن شيئا شخصيا:

" ر يبدو هناك أي نفع من الانتظار. والاجراءات تسير حاليا لبيع المصنع. ما أحسبك تعرفين شيئا من اللغة الاسبانية لهذا فقد يحسن ان تتلقي الدروس فستجدين هذا مفيدا أذ أنك ستقضين بضعة أشهر على الأقل في كاراسترانو. وسأتكفل بكل النفقات طبعا كما سأدبر تحويل مبلغ محترم اليك."

وشرعت تقول:

" ولكنني قلت أنني..."

ولكنه قطع عليها الحديث بأشارة من يده الرشيقة غير مألوفة بين الانكليز مما ذكرها بدمه اللاتيني الذي كانت تنساه أحيانا بالرغم من سمرته.

وقال بحزم:

" لا مجال للجدل فقد قلت أنه مشروع مصلحة."

فهزت كتفيها قائلة في غير أكتراث:

" أنني أترك هذا لك."

ووعد بتدبير دراستها اللغة فقالت:

" أنني أتكلم الاسبانية..."

ولأول مرة منذ عملت معه , شعرت بارتياح اذ رأت قسماته تكشف عن شيء للحظة, ولكنه تمالك نفسه في الحال وهتف:

" تتكلمين الاسبانية؟"

ثم سألها بالأسبانية:

" ماالذي جعلك تدرسينها؟"

وترددت ليلي أذ أدركت أنه يتوقع وقد خاطبها بهذه اللغة أن ترد بها, فقد يحتمل أنه اراد اختبارها والتأكد من مدى اجادتها اياها. وأجابت بحذر وقد فوجئت بأن رأته يبتسم بطريقة غيرت ملامحه:

" كنت أعتزم ذات مرة ان أذهب في العطلة الى اميركا الجنوبية أو المكسيك."

" أن لهجتك جيدة الى حد كبير."

أجابت وهي مازالت مذهولة بالتغيير الذي يمكن لابتسامته أن تفعله:

" شكرا لك."

كانت تلك أول مرة تراه فيها يبتسم دون استهزاء أو تهكم. وسألها:

" ألم تذهبي الى هناك أبدا؟"

فهزت رأسها قائلة:

" كنت أعتزم الذهاب في العام الماضي , ولكن..."

وأسعفها قائلا وهو يعود الى اللغة الانكليزية:

" ولكنك ارتبطت بالخطبة بدلا من ذلك؟ اعترف بأنني أكن للمكسيك اعتبارا كبيرا. وسيكون من الطريف أن أريك الاماكن التي عرفتها معرفة جيدة."

* * *

وفجأة تلاشى كل طابع غير شخصي لم يكن ممكنا للصفقة أن تحدث مثل هذا التبدل ولكن المسالة لم تعد تبدو بشعة بمجملها كما كانت قبل فترة وجيزة فأخذت تتأمله بفضول لابد أنه تجلى على أساريرها. وجابهها بنظرة متسائلة قائلا:

" هل من شيء يحيرك؟"

أسرعت تنكر قائلة:

" كلا, في الواقع.. ثم اردفت: أنما خيل الي أنك تبدو مختلفا قليلا. لم يبد الامر باردا, وبشعا."

" بشع؟ أظنه كذلك بوجه ما, ولكن ليس ثمة ما يبرر ألا نكون صديقين, ثم حكم الضرورة اذا راعينا الدور الذي علينا أن نؤديه."

وخالط عبارته الأخيرة نوع من الفكاهة الساخرة أرسل الدم الى وجنتيها ثانية. فقالت بارتباك:

"نعم... نعم, طبعا. فعقب في تلطف حملها على أن ترمقه مأخوذة: أعترف بأنني أجدك غير ما توقعت تماما."

فقالت بعد لحظة وهي في حيرة من حقيقة هذا الرجل الكامنة تحت مظهره:

" أحسب أننا جميعا لسنا كما تبدي مظاهرنا."

كانت قد بدأت تشعر بأن رأيها عنه غير صحيح كل الصحة.

قال موافقا:

" هذا حقيقي ارى أنه كان يخلق بك أن تحدثني قليلا عن أسرتك فسيبدو وغريبا ألا أعرف شيئا."

واثار بهذا مشكلة أخرى. فلا بد من أن يلتقي بأسرتها وما كانت تدري ما يكون عليه شعور كل من الطرفين ازاء الآخر. لقد ظل ثلاث سنوات يبدو منطويا وأذا بها خلال دقائق معدودة ترى وجهين من شخصيته الحقيقية غير المعروف. التلطف العابر عندما أطرى لهجتها في الحديث بلغة وطنه الاصلي و السخرية الهازئة التي بدأت تكتشف ان لها قدرة على أن يخرق رباطة الجأش التي كانت تحرص على ألا تمسها اية ارتباكها أثناء العمل.

ثم انتهت الى نظراته المترقبة وكأنها تنبهها الى أنه رجل جم المشاغل وأنه يجب عليه العناية بمثل هذه التفصيلات الشخصية فأسرعت يوصف موجز لأسرتها . حتى اذا فرغت عقب قائلا: وهل ستيلا هي التي كانت سبب فسخ خطبتك؟ لم يبد بادرة دهشة أو أهتمام بأن ستيلا نورديت الشهيرة كانت أختها!

وأمأت في تأكيد صامت غير مطمئنة الى الكلام اذ شعرت بألم خطبتها المفسوخة فاضطرت الى مواراته عنه, لا سيما وقد خامرها شك غير مريح أوحى اليها بأنه سيقابل كلامها باهتمام خال من المشاعر.

بعد هذا الحديث العجيب ألح على أن يتناولا الغذاء معا, ليألف الذين في الأدارة ما كان مقدرا أن يحدث وادركت ليلي المفاجأة التي كان سيصاب الجميع بها.

على أنه كان لزاما أن يقع ما هو أسوء ان تفضي بالنبأ الى بروس وتحمله على أن يصدقه. بل أنه كان ثمة ما هو أسوأ عندما تضطر للبدء في اداء الدور الذي أصرت بنفسها عليه كان هذا خليقا بأن يكون اقسى الامور جميعا أن تكون باقية على حب بروس ومضطرة للتظاهر بحب رجل ما كانت تشعر معه بالارتياح.

* * *

لم تقل شيئل حين عادت الى البيت, وأنما انتظرت حتى جاء بروس ليصطحبها لمشاهدة فيلم كانا قد اتفقا من قبل على مشاهدته. كان يبدو متعبا ومهموما نوعا ما وقد سرها أن تكون أخيرا قادرة على أن تمنحه أملا جديدا.

ولم يكونا قد ابتعدا كثيرا عن البيت وبروس منصرف لقيادة السيارة حين خرقت الصمت المتوتر قليلا بينهما:

" أتسمح بإيقاف السيارة؟ لدي حديث اريد أن أفضي لك به."

رمقها بروس بنظرة سريعة ثم عرج بالسيارة الى شارع جانبي غير مطروق وأوقف المحرك. واستدار اليها منتظرا فقالت بايجاز:

" أريد أن تحلني من خطبتك."

وشعرت به يجفل الى جوارها وهتف:

" أحلك؟"

فهزت كتفيها بحركة سريعة رجت أن تساعدها في شبه العتمة السائدة على التظاهر.

" نعم. كنت اظنها خطبة موفقة, ولكني ارى الآن ان ما من امل في نجاح الزواج بيننا."

صمت بروس فترة طويلة ثم التفت ليرمقها مباشرة , وسألها:

"ما الذي دعاك الى هذا القرار المفاجئ؟"

" يخجلني أن أعترف, ولكني لم أحبك, حتى في بداية خطبتي اليك. كان هناك... شخص آخر."

وصمتت ثم أردفت:

" هذا كل ما هناك لا أستطيع المضي."

سألها بروس باقتضاب:

" من هو؟ أجابت باقتضاب :

" رويز آلدوريت."

كانت نظرته المذهولة أشبه باهانة للرجل الآخر, وقال:

" رويز آلدوريت؟ أأنت جادة؟"

أجابت وقد عضت شفتيها مرة آخرى وتبدي عليها انها توشك على البكاء:

" كل الجد!"

وكانت موشكة على البكاء فعلا ولكن لسبب آخر... واسترسلت:

" لم أشأ أن أوذي مشاعرك ولكني هويته ثلاثة أعوام , لم يفطن أحد حتى رويز نفسه !"

وتعمدتت أن تنطق بأسمه بألفة وهي تسائل نفسها عما اذا كانت تستطيع ان تفعل ذلك امامه؟ ثم خلعت عن اصبعها الخاتم بماسته البراقة الصغيرة وكان من عادتها ان ترتديه في المساء بعد انصرافها من العمل وناولته أياه وأصبعها تشعر كأنها عارية تماما. فأخذه بروس بغير وعي تقريبا وسألها:

" أرجو ألا يكون لهذا علاقة ب... ستيلا؟"

وتعمدت انتجتذب قدرا كافيا من الحيرة والعجب الى صوتها:

" ستيلا؟ أي شأن لستيلا بهذا؟"

" الواقع ظننت... أعني ليس لهذا علاقة بستيلا وبي"

رددت وكأنها لا تفقه ما يشير اليه:

" ستيلا وأنت؟"

فتردد في غير ارتياح ثم اطلق ما بصدره:

" أنا وستيلا... اكتشفنا اننا متحابان ولكنها أبت أن أخبرك."

رددت وكأنها مصعوقة تماما:

"ستيلا وأنت؟"

ثم اغتصبت ضحكة وقالت:

" هذا رائع! الآن لاأشعر بالخجل من فسخ خطبتنا هكذا."

ثم اكسبت صوتها جدية من جديد, وأردفت:

" ماذا تعني, بأنها لم تشأ أن تخبرني؟"

فأجاب:

" ابت ان تحطم خطبتك, قالت ان من الخير ان تظل الامور كما كانت قبل مجيئها "

صاحت وهي تعض شفتيها في اسف واضح:

" وتركتها تعود الى لندن والامور بينكما هكذا, انني خجله من نفسي اذ لم افطن من قبل. لا بد انك تعيس, وكل هذا بسببي

قال:

" لم يعد هذا ذا بال! "

ضمها بصدق فاق كل ما اعتاده, فكان هذا هو الذي هدم الوهم الذي شيدته. فقد تعلقت به دون اراده منها, فلما ابعدها بعد لحظه, كادت تبكي في خزي واشمئزاز من نفسها.

قال بهدوء:

" كانت كل هذه اكاذيب...وكيف تسنى لرويز الدوريت ان يدخل في الامر؟ "

عضت شفتيها وقالت:

" رأيت ان هذا ييسر موقفك وستيلا لذا... وافقت حقا على الزواج به "

" ولكنك لا تحبينه "

" كلا, ولكن لا قيمه لهذا

" لا قيمه لهذا, لا يمكن ان ترتبطي بزواج كهذا! ان استيلا لن...."

فقطعت حديثه بعزم:

" يجب الا تعلم ستيلا بشيء من هذا "

وبدا لها الا سبيل لاقناعه الا بأن تخبره بالحقيقه, فأفضت بها بعجله واردفت:

" هكذا ترى انه مشروع مصلحه لن يستمر "

واستطاعت اخيرا ان تقنعه بأنه لا بد للامر ان يمضي كما دبرت. فما كان بوسعها الان ان تتزوج منه. ولو علمت استيلا بالحقيقه, فمن الارجح انها ستأبى ان تتزوج منه. وكان الحل الوحيد ان يجعل اختها تعتقد بأن زواجها برويز زواج طبيعي...

" يجب الا تعلم بعودتي للبيت مبكره واكتشافي ما بينكما...لقد تقبلت الواقع. ثم انا لن اخذل رويز الدوريت الان. انها عمليه تجاريه لن تضيرني ولن تغير شيئا ولكنها ستجعل ستيلا سعيده, ولن تلوم نفسها, ويجب الا تخبرها بأنها عمليه مصلحه عدني بذلك "

عندما استقرت السياره امام البيت, التفت بروس اليها بسرعه وسألها:

" اتودين ان ادخل واعلن النبأ عنك؟ "

فهزت ليلي رأسها وقالت:

" لا...افضل ان اعلنه بنفسي "

وقبل ان يجادلها حيته واسرعت بالدخول. وحياها سنوكس بوثبته المعهوده, فأستطاعت ان تهدئه بجهد كبير لتستجمع ارادتها. كان عليها ان تتظاهر بسعاده غامره. وان تبدأ من الان.

سرها حين دخلت حجره الجلوس, انه لم يكن سوى امها وجولي, اذ ذهب التوأمان الى الفراش.

تطلعت مرغريت بابتسامه وقالت:

" حسبنا كنتما ذاهبين الى السنما. هل عدلتما؟ "

قالت:

" نعم "

ثم تريثت, كان لابد من مصارحه جريئه, كالتي استجمعت اعصابها لتجريها مع رويز ثم مع بروس, غير انه كان لابد من ان يكون تظاهرها موفقا في هذه المره, فقالت بهدوء مصطنع:

" لم اعد خطيبه لبروس "

وبسطت يسراها لتريا اصبعها عاريا. وبدا القلق على وجه الام فابتسمت ليلي قائله:

" قرننا ان ما بيننا كان غلطه....."

واسترسلت ضحكه مقتضبه, واردفت:

" لا تنزعجي...ان الدنيا لم تنته! "

قالت الام :

" ولكنك قلت....."

فقطعت حديثها بهدوء:

" يخجلني ان اعترف بأنني قلت اشياء كثيره لم تكن صحيحه. انني لا احب بروس, ولا احببته يوما "

وساد الصمت لحظه, ثم قالت مرغريت بنفس هادئه:

" يحسن ان تخبرينا بما حدث

فقالت ليلي:

" ليس هناك الكثير ليقال في الواقع "

حاولت ليلي ان تنسق وقائعها وتطلقها متتابعه, فأسوأ ما في الخداع ان يضطر المرء الى تذكر ما قاله من

قبل بحذافيره. ومضت تقول:

" حاولت فترة أن أحمل نفسي على تقبل بروس ثم حدث اليوم شيء فأدركت انه لابد من أستجمع الشجاعة لأخبره بأنني لا أستطيع أن أتزوج منه وأنني أريد الزواج من شخص آخر."

وتوقفت لحظة ثم أردفت وهي تشعر بالجسور تحترق خلفها فلا يبقى سبيلا للتراجع:

" هو... رويز آلدوريت."

صاحت جولي:

" رويز آلدوريت؟"

ورددت مارغريت الاسم بلهجة اكثر هدوءا, ولكن نظرة ذهول قفزت الى عينيها. ولعلها تذكرت وصف ابنتها لصاحب شركة ميريديت, فسألت نفسها كيف تود فتاة الزواج منذلك الرجل البارد, المنطوي بالرغم منأعتباره جذابا فوق المستوى العادي. وأردفت ام: هذا شيء لم يكن مرتقبا."

فرمقتها ليلي باعتذار, وقالت:

تمنيت أن أشير من قبل, ولكن ذلك كان كان مستحيلا."

وسألتها جولي وهي لا تتمالك نفسها:

" هل ستتزوجينه حقا؟"

فأومأت ليلي بالاجابة, وقالت:

" سنعلن خطبتنا عما قريب جدا, ولا تعتزم أن يطول أمدها. وسنعقد القران في نهاية الشهر."

وكان عليها بعد ذلك, أن تروي بعناية وحذر القصة التي اعدتها للأسرة: أنها كانت من اللحظة الاولى لالتحاقها بالعمل تقريبا قد أحبت رويز ولكنها لم تر جدوى من الامل في أن ينتهي ذلك الحب الى شيء كان من الغريب ان تتبين سهولة اداء دورها وادائه باتقان... وشعرت بالضيق اذ مكنت بروس الشعور بالأمر ولكن الخطبة خليقة بالنجاح اذا لم تكتشف ستيلا الحقيقة.

كان غريبا بل رهيبا ان تتبين انها سترتبط في القريب برجل غريب تقريبا بالنسبة لها من الناحية الشخصية برباط من أوثق الروابط بين أي رجل وأية أمراة, وأن كان ذلك في الظاهر فحسب... فما كانت لتتصور ان تطمئن الى حرص أي رجل على التجرد من الطابع الشخصي للارتباط ولكن مجرد التفكير في ألا يحرص رويز آلدوريت أمر يدعو للضحك.

قالت جولي في فضول:

" ولكنك لم تبدي اتفه اشارة من قبل عن شعورك حتى أنك يوم تغدينا عند ريكي كدت تهاجمينه."

" كنت مضطرة. كان اتفه شيء كفيلا بأن يجتذب اهتمامه. وأنت تعرفين كيف تنتشر التقولات في مؤسسة كبيرة. أفترضي أن شخصا سمعني اقرك على ما قلت. وسرعان ما كانت الشائعة تنتشر بأنني أحبه."

ابتسمت مرغريت لابنتها الكبرى وهي تهز رأسها ومازالت الدهشة الحائرة واضحة على محياها. وعادت تكرر:

" الامر لم يكن مرتقبا ياعزيزتي ولكن اذا كان هذا ما تريدين حقا, فيسرني ما حدث."

والتفتت الى ليلي وابتسامتها تكتسب بعض الخبث, وقالت:

" ومتى سنرى هذا الوريز آلدوريت المثير؟"

فأجابت الفتاة:

"عما قريب كما أمل."

هتفت جولي في جزع مفاجيء:

" رباه! كيف سيكون صاحب العمل زوجا لاختي؟ ألا تشعرين بأن الموظفة تكون وقحة حين تنادية باسمه الأول؟"

فوافقتها ليلي:

" أحيانا؟"

وما كانت لتعتزم ان تبين انها لم تناده باسمه مجردا. بل كانت موقنة من ان جولي مصيبة في ما قالت. ولكن مجمل الموقف وتصنعها للحب كان موقفا سيئا.الأميرة شوق

وحانت في وقت لاحق مهمة اطلاع الوالد جون ديرموت على النبأ. وساءلت ليلي نفسها:

" ترى كيف سيتلقاه؟"

* * *

تقارب حاجباه الكثيفان حين انبأته زوجته مرغريت تسائل في حدة:

" ماذا؟"

وتضرج وجه ليلي وعضت شفتيها. ولم تكن لهجته مشجعة ولو قوبل رويز بنفور متوار لكان الموقف محرجا. ولكنها لم تكن بحاجة لأن تقلق حدجتها عينا وابيها الذي قال:

" أنه رجل طيب ما كنت لتختاري أحسن منه."

قالت زوجته مستنكرة:

" كان ينبغي أن تبدي شيئا من الدهشة..."

فسألها:

" لماذا؟ أنه من النوع الذي ينبغي أن تتزوجه. اما بروس فكان يحب الاتكال على سواه؟"

" أذن فهكذا كان بروس في رأيك؟"

مأعجب ما تبينه المرء عن المشاعر الحقيقية للناس عندما يحدث امر كهذا ! كيف سيتلقى الاب اخبار خطبة بروس وستيلا المقبلة؟ آثرت ليلي أن تخبر الاسرة بنفسها.

كان يجب ان تعاد القصة مرارا وتكرارا وأحست ليلي بالخجل من أنها أصبحت تجيد الكذب. بل أنها أصبحت تضيف للقصة بعض الزخرفة وتذكرت ما أعتزمه رويز آلدوريت من بيع المصنع والعودة الى المكسيك وأن هذا جعله يوقن من انه لن يراها ثانية وأذ لم يكن على علم بخطبتها لعدم ارتدائها الخاتم اثناء العمل فقدأخذها على غرة وسألها فجاة ان تتزوجه. بل كان من السهل ان تقنع كل أمريء بان تريطها في بروس بدأ يسبب لها تأنيب الضمير بدرجة مؤلمة.

ولكنها استغرقت في البكاء اذ أوت الى فراشها حتى بللت وسادتها ثم تمالكت نفسها وكبحت دموعها واستلقت على ظهرها محملقة في السقف. لقد أدت المهمة وأصبح كل امرئ يعرف أنها ستتزوج من رويز آلدوريت بدلا من بروس.

وفي طريقها الى العمل في الصباح التالي شعرت ليلي بمزيد من الغثيان لأنها مضطرة للتظاهر بحب رويز عندما يكون معها. وراحت تتمثل حاجبيه السوداوين يرتفعان في عجب بارد أذا ما نادته باسمه مجردا فما بالك بالاظرار لبعض النظرات الناعمة وكلمات الاعزاز. وتمنت من أعماق قلبها لو انها لم تقترح قط التظاهر بالحب ولكنها أصبحت ملزمة بالمضي في ذلك لأنه السبيل الوحيد لنجاح الخدعة.

وشعرت بلحظة ارتباك حين سمعت الجرس يدعوها اليه بعد وصولهما الى المكتب. ولكن ما كان ثمة ما يدعو للانزعاج اذ كان العهد به دائما حتى انه لم يذكر شيئا عن خطبتهما!

غير أن كيري اتخذت وضعا مختلفا تماما. فقبيل انتهاء عمل اليوم أقتحمت مكتب ليلي وأثارت الموضوع مباشرة, بصراحتها المعهودة:

" هل علمت ان هناك شائعات بأنك ستتزوجين من رويز آلدوريت؟ لقد بلغتني منذ لحظات فقط, والا لكنت أوقفتها... لكم أود أن أخنق الغبية التي أطلقتها! الله وحده يعلم ما سوف يقول اذا ما ترامت الى أذنيه!"

تطلعت اليها ليلي, وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة ببطء متعمدة, وقالت:

" أنا الت أطلقتها."

فحملقت فيها كيري بغباء.... وأردفت ليلي:

"أنها ليست شائعة انني سأتزوجه!"

" أنك مجنونة."

"كلا, بل أنني أحبه حقا."

صاحت كيري في استهجان وأصرت على ان تعرف الحقيقة فروت لها ليلي القصة التي أصبحت تجيد روايتها و أذا كانت القصة مقنعة لكل امرئ فانها لم تكن ذات أثر يذكر على كيري التي قالت في أستهجان:

" هذا أسخف كذب مكشوف سمعته يوما! الآن بالحقيقة! أنني أعرفك أمدا طويلا ونظرتي لأمورك مختلفة تماما عن نظرة أهلك."أخيرا هزت ليلي كتفها وقالت في أعياء:

" الحق, ما من أحد منا يهوى الآخر. أنه اتفاق مصلحة منذ البداية للنهاية. فهو مضطر للزواج والعودة للمكسيك ليرث ضياع الاسرة..."

وأرسلت كيري صفيرا خفيفا وهزت رأسها قائلة:

" هذا أقرب للمعقول. ولكن ماذا يدعوك بحق السماء لا تفاق مصلحة؟ وبروس؟"

قالت ليلي معززة ما كان في خاطر صديقتها:

" بروس يريد الزواج من ستيلا" وشعرت بالارتياح في حديثها الى كيري وهي لا تدرك ان صديقتها كانت تتحرق شوقا الى أن يخنق شخص ما ستيلا, وهي تصغى في صمت واجم الى ليلي وقد راحت تروي كيف أكتشفت الامر, وكلنلتها المقتضبة تكشف عن مدى ألمها... واختتمت ليلي حديثها قائلة:

" هكذا رأيت أن شيئا كهذا كفيل بأن يساعدهما. فان ستيلا قد تلوم نفسها وتأبى الزواج من بروس, اذا لم تصدق أنني أحب سواه."

ودار بخلد كيري: ما كان محتملا لستيلا أن تلوم نفسها على شيء ما, وودت كيري في تلك اللحظة ان تفجر كل شكوكها في ستيلا ولكنها كبحت جماح سخطها مدركة أن ليلي لن تصدقها وبأن تعزف عن صداقتها, أو تسبقيها متوترة. لذلك عادت تلزم الصمت... ثم أزداد أشفاقها وجزعها فجأة, اذ خامرتها فكرة فرمقت صديقتها بنظرة مترددة وقالت:

" هذا ال... الاتفاق التجاري... ألا يلزمكما بانجاب وريث للاراضي؟"

شعرت ليلي بالدماء تتدافع لوجهها بشدة وأسرعت تقول:

"كلا طبعا وأن لم تتمالك ان تشعر بأن الوريث هو بالذات ما قصد به شرط الوصية ولكن اذا كان رويز يؤثر ان يتغافل عن هذا الجزء غير المكتوب من الشرط, فليس لها أن تثيره ولا كانت راغبة فيه. فما كانت تتصور شيئا من أن تسلم نفسها لرويز آلدوريت البعيد عن المشاعر الآدمية . ولو كان هذا صريحا في الشرط لما قبلت مهما تكن الظروف!

وتساءلت ليلي في شيء من القلق:

" أتظنين أن أحدا غيرك سيشعر بالسبب الحقيقي للخطبة؟"

فهزت كيري رأسها وهتفت بحرارة:

" يا الله!... كلا أنا نفسي ام أكن متأكدة."

وقالت:

" قد تعتقد الاخريات أنك كنت تحبينه طيلة الوقت ولكن كيف ستتغلبين على أنه مجرد اتفاق تجاري؟ لو أستمر صاحب السيادة على سلوكه المتباعد المعتاد فان أمك أول من سيرتاب."

وأقرت ليلي وقالت وهي تحاول معرفة تأثير كلامها على صديقتها:

" لقد سألته عما أذا كان يمانع في أن يتظاهر بالحب."

ولم تخيب كيري توقعها ففغرت فمها لحظة, واختلجت اهذابها ثم هزت رأسها وهتفت:

"ماذا؟ لا داعي لأن تكرري ما قلت, فقد سمعته ولكن لم أصدقه."

وأبتسمت ثم سألتها بصراحه وفضول مغتبط في تلك اللحظة:

" كم دام الصمت الجليدي وكيف انفجر صاحب السيادة عندما تغلب على الصدمة المشدوهة؟"

قالت ليلي بهدوء:

" لقد وافق...."

وعادت كيري تحملق فيها وتهز رأسها وتقول:

" ماذا؟ لا أصدق!"

هزت ليلي كتفيها وقالت:

" أنتظري ... وسترين."

فأبتسمت كيري فجأة وقالت:

" لا أستطيع الانتظار."

ثم ضحكت وتحولت عن الخوف من مكر ستيلا الى فكرة الجديدة المثيرة فكرة تظاهر رويز آلدوريت بالحب لسكرتيرته, وقالت:

" أتمنى لو أختلس النظر خلال ثقب الباب عندما يحتويك الرجل في عناق حار."

وأتبعت كلماتها بابتسامة تستثير بها صديقتها مداعبة. ولدهشتها تضرج وجه ليلي ولو كانت الظروف غير هذه لرمتها كيري بنظرة متفحصة ومتألمة.

وأسرعت ليلي قائلة:

" لا أكاد أظن أن هذا محتمل... ثم أننا لن نضطر لهذا ونحن وحدنا!"

فهزت كيري رأسها قائلة:

" مازلت لا أتصوره يتظاهر بالحب لأي امرئ وأن كان الجدير به ألا يكون جبل الجليد الذي يمشي على قدمين كما هو حقا أذا راعينا انه نصف أسباني."

وتطلعت الى صاحبتها وأبتسمت في مداعبة خبيثة وأسترسلت:

" لا أقول هذا لأنني أظن أن هناك ما يدعو للاكتراث بهذا الصدد وأنما لأنني لا أستطيع أن أتصوره يتحول الى هذا الطراز وأن لم يكن بوسع المرء أن يتكهن بما قد تفعله به بلاده الاصليه!"

رمقتها ليلي بجفاء وأمتنعت عن التعليق على الفكرة السخيفة فكرة أن ينتهك رويز اتفاق عذريا افلاطونيا. بل كانت مرتابة في أن سيكون قادرا على أن ينفذ بنجاح الخدعة البسيطة التي لم يكن منها بد أمام الملأ. وأختلست كيري نظرة جاذبية وهي تعجب... كيفي سينتهي هذا الارتباط المتورط الرهيب؟. وودت لو تنصح ليلي بألا تتعجل الامور وأن ترجيء هذا الزواج غير العاطفي أطول ما تستطيع فقد كانت موقنة بأن ستيلا ستدخل تغييرا جديدا على الموقف في القريب. كانت موقنة بأن ستيلا لم تحب بروس وأنما كانت تدفع الملل فحسب بانتزاعه من اختها. ولعلها في الحقيقة كانت تعتزم أن تتخلص من بروس وتصده بمشهد عاطفي قبل رحيلها الى لندن وكان الامر بالنسبة لستيلا مجرد لعبة ولكن ليلي ولا ريب قلبت الامور بوصولها الى البيت دون أن يفطن أحدهما وما كانت ستيلا في رأى كيري لتستسيغ أن تجد بروس يلاحقها ولم تعد تربطه الى ليلي أية خطبة أذ هذا كفيلا بأن تضطرها الى أيضاح وتفسير لبروس فقد كان آخر رجل تود ان تتزوج به وقد أصبح لزاما عليها بعد تحرره من خطبة ليلي أن تتخلص منه. فعندما تقرر ستيلا الجميلة المشهورة أن تتزوج فما من شك في أنها ستنتقي رجلا موفور المال لتحظى بكل الرفاهية و الترف اللذين تشتهيهما دون أن تضطر للعمل باستمرار. أذ كانت ستيلا برغم حبها الشهرة خاملة

لم تكن كيري تملك سوى أن ترجو أن تحدث ستيلا نفسها تطورات في الموقف قبل أن تمضي ليلي بعيدا مع رويز آلدوريت فلو رغب بروس في أن يعود الى ليلي فلن يشدها رويز آلدوريت بالتأكيد الى ذلك الاتفاق التجاري غير المعقول!

أنتهى الفصل الرابع

المدير... الخطيب

تنامت بلدة كورفيستون في سرعة فائقة. وحرصت بلديتها على توزيع الابنية القديمة و الحديثة في تناسق. وتحيط بها طبعا الضواحي السكننية بمنازلها الصغيرة بينما ظلت على الجانب الآخر للنهر الضواحي القديمة محتفظة بطابعها الريفي الهاديء... وعلى قمة أحد المرتفعات كانت دار ذات طابع يوحي بالود بنيت من الطوب الذي أضفى عليه الجو طبقة رمادية.

كانت مرغريت في المطبخ تغسل الاطباق بمساعدة ابنتيها اذ كان يوم السبت وليس من عمل يشغلها كما راح التوأمان يساعدانهن وان كان الشطر الاكبر من مساهمتهما صخبا أكثر منه عملا مما أنتهى بطردهما الى الحديقة. و التفتت الام الى أبنتيها مبتسمة فخورة بهما, وقالت منتقية كلماتها:

" يبدو ان احدثا تلم بهذه الاسرة أخيرا."

وما كانت الفتاتان في بعاء ستيلا حقا ولكنهما كانت جذابتين... جولي بشعرها النحاسي الطويل ينساب معقوصا على شكلا ذيل الحصان , وليلي بشعرها البرونزي المجدول في ذلك الصباح في ضفيرتين التفت كلن منهما مع الاخرى في مؤخرة عنقها.

قالت جولي موافقة أمها:

" أنني أرى هذا , لاسيما اذ فاجأتنا ليلي باعتزامها الزواج من رويز آلدوريت, وبرس يوشك أن يدبر أمره مع ستيلا."

فقالت مرغريت ضاحكة:

" أن الامور لا تسير في رتابة حقا."

كان نبأ بروس وستيلا يحير الاسرة منذ تسعة أيام ولكنهما لم يستطيعا بعد أن يعلنا خطبتهما.فقد ذهب بروس الى لندن ليقابل ستيلا فوجد مسكنها معلقا وذهب الى شركة الافلام, فتلقى جوابا غير مشجع... كان من الواضح أن أحدا لم يدر بشيء عن الخطبة المتوقعة بين نجمتهم الاولى وهذا الرجل غير المعروف الذي يوحى مظهره بأنه غير ذي أهمية فظنوه من أولئك الذين يلاحقون نجوم السينما, فرفضوا أن يعطوه عنوانها. كل ما تفضلوا به عليه أن اللقطات الأخيرة في الفبلم الذ تمثله كانت تلتقط في موقع أحداثه ولكنهم لم يخبروه أين كان ذلك الموقع. وعاد بروس متوتر الاعصاب محبطا الى المدينة وحاول أن يتبين ما أذا كان آل ديرموت يعلمون أين يستطيع الاتصال بستيلا. وأضطر طبعا ان يحدثهم بما جرى. ولم يجد لديهم عنوانا فاضطر في النهاية الى أن يكتب لها بعنوان مسكنها املا أن تصلها رسالته.

كبحت كيري تعليقا حادا حين سمعت أن ستيلا سافرت لموقع أحداث الفيلم دون ان تسمع تحلل بروس من خطبته لأختها. ورأت في داخلها أن الأقدار كانت في صف ستيلا. كانت تأمل أن ترفض ستيلا الشاب صراحة فيثوب الى رشدة.... وأتفاق المصلحة يزداد أقترابا من موعده.

وقالت جول معلقة على ذلك:

" أن أمر بروس وستيلا مستغرب. ما خطر لي قط أنها تختار شابا مثل بروس."

وأبتسمت وهي ترنو الى ليلي بخبث مردفة:

" أما رويز آلدوريت فأوقن الآن بأنه خبير بمبادلة الفتيات الغرام."

وشعرت ليلي بدفء يثير الشك يتصاعد لوجهها نذيرا بالخجل وأن لم تكن تتصور حدوث شيء كهذا ولكن ضحكة جولي أكدت ذلك وهي تقول:

"هذا هو الدليل! وأراهن بأنه لا يقل حرارة ولعل لانتمائه للاسبان يدا في ذها."

وعاد التوأمان الى المطبخ وأن هي الا لحظة حتى تصاعدت صيحاتهما من الحديقةثانية منبئة بأنهما يمثلان حرب الهنود الحمر.. وكان جدار من الحجر الذي كسته الطحالب يفصل الحديقة عن بستا الفاكهة ويحول دون رؤيتهما ولكن صرخاتهما وضجيجهما كانا يعلنان أن الحرب الهندية أو رقص الحرب مستمرة.

* * *

تناولت جولي كتابا وخرجت الى الحديقة بعد تنظيف الادوات بينما ارتدت ليلي سروالا قديما بلون الكاكي وبلوزة بيضاء بدون أكمام وأخذت تقطع الحشائش... وأتجهت مرغريت بالسيارة الى الجزء الحديث من كورفيستون فأودعت السيارة في موقف السيارات ريثما تشتري لوازمها.. وأتمت مهممتها ولكنها حين عادت للسيارة وجدتها لا تعمل فوقفت حائرة... فسألها حارس الموقف:

" أهناك مشكلة يا سيدة ديرموت؟"

والتفت فجأة عند سماع أسمها. رجل كان على بضع ياردات.. بينما أجابت مرغريت الحارس:

" لست أدري ماذا أصاب هذه السيارة المتعبة!"

ورفع الحارس غطاء المحرك وتأمل ما تحته وعبث بأصابعه فترة ثم أستوى واقفا وهز رأسه قائلا:

" ما من شيء واضح فيها. يبدو أنه لا بد من أرسالها الى الكاراج."

وأنبعث صوت عميق ينطوي على أختلاف بسيط عن الاصوات المحيطة بهما:

" هل أستطيع تقديم أي عون؟"

فالتفتت مرغريت لترى أن الرجل الاسمر الطويل الذي كان يقف بجوار سيارته على بضع ياردات قد أقبل عليهما. كان له طابع مميز ولاحظت عيناها على الفور ثيابه الانيقة, وقد ارتداها في عفوية الشخص الذي ألف هذه الثياب وعزز ظنها أن الحارس أجابه باحترام بالغ:

" بعض الخلل في السيارة يا سيدي..."

قال الرجل وقد أشرقت وجهه الأبتسامة النادرة:

" أذن فقد يكون بوسعي أن أقل السيدة ديرموت الى البيت."

وأردف يخاطبها:

" أنني رويز آلدوريت"

وشعرت مرغريت بهزة دهشة تعتريها ثم باهتمام طريف يغشاها. أذن فهذا الشخص هو الصهر الذي كانت ليلي تعتزم أن تقدمه اليها! ودبر , بروح الشخص الذي أعتا اصار الاوامر وهوموقن من أطاعتها أمر نقل سيارتها الى الكاراج, فشكرته وهي ترمقه بنظرة أنثوية شاملة, يخالطها شوق الأم لمعرفة نوع الرجل الذي اختارته أبنتها!

ولاحظت بحاستها الانثوية على الفور جاذبيته السمراء ودقة القسمات والعينين السوداوين والشعر الاسود اللامع يتخلله وميض أزرق تحت الشمس والاسنان البيضاء القوية والفم على الحزم و الذقن الناطقة بعناد يكاد يبلغ درجة القسوة. وكانت بشرته شاحبه لا عن مرض ولكن... كأنما كانت بحاجة الى لمسة من الشمس أشد مما ألقت خلال السنوات العشرة الاخيرة. كانت عينا الأم أكثر خبرة من عيني الابنة فلاحظت أمورا كثيرة ما كانت ليلي مدركة لها... فالفم الحاوم كان حازما عن قصد كأنما صاغته السنوات من السيطرة العميقة على النفس, ومع ذلك فقد بقى ظل واهن من توجس يكاد يبلغ مبلغ التجهم الصبياني وبقى التقوس الغريب لشفته العليا الذي خيل لليلي يوما على أنه شاهد على مشاعر قوية وأستبعدته في الحال مستنكرة مجرد التفكير بهذا ولكن أمها رأت فيها اموارا أخرى... فها ذا الرجل معتد وحيد أصيب بجرح نفسي بالغ في وقت ما من الماضي فانطوى على نفسه متظاهرا بأنه فوق أن يصاب ثانية بجرح نزوات الدنيا وقسواتها. وتجلى للأم أن الكبت البارد الذي كسا قسماته وصوته ظاهرة غير طبيعية فلم يساورها قلق مما قد يكون له من تأثير على ليلي. ةغلى أي حال فان شكله كان يتغير تماما اذا ما ابتسم ولعل هذه هي الناحية التي عرفتها ليلي يه.

قال رويز أذ انسابت السيارة الفخمة السوداء بهما:

" أمل ألا تكون خطبتنا قد وقعت موقع هزة مفاجئة!"

فهزت مرغريت رأسها وقالت ضاحكة:

" هزة؟ الواقع لا أدري كيف أستطاعت أبنتي التكتم الى هذا الحد!"

ومرة أخرى لمحت ومضة الابتسامة الدافئة التي كانت تغير شكله وهو يقول:

" آمل ألا تحمليها في نفسك ضدي."

فابتسمت وهي تهز رأسها ثانية, وقالت مطمئنة:

" سصفح عنك...."

وعجبت من نفسها أن ليلي اوحت اليها بأنه كان جامدا... كان رجلا فاتن بالرغم من الفم الحازم الذي كان يحي بقسوة لكنها أدركت بغريزتها أنها لا يمكن أن تكون قسوة ظالمة. كان رجلا قادرا على أن يمزج الحزم بالطف. وأذ ذاك تبددب آخر هواجسها نحو الاختيار المفاجئ الغريب صدر عن ليلي فبالرغن من قصر عمر المعرفة أدركت مرغريت أن رويز آلدوريت أهلا للثقة وأنه كفيلا بأن يسعد ليلي .

كان قطع على ليلي انهماكهما في العمل في الحديقة, وعلى جولى انصرافها للقراءة قدوم التوأمين وقد خططا وجهيهما بأحمر شفاه جولي وزينا رأسيهما بالريش وأخذا يصرخان بجنون, وهتفت جولي:

" يا ألهي! عاد الهنديان الى الحرب ثانية!"

فقالت تيس في صرامة:

"المرأة الشاحبة الوجه أسيرتنا."

وهتفت جول بأن تبادر بالانسحاب. وأبتسمت الصغيرة ابتسامة متملقة وقالت لجولي:

" ألن تقبلي؟"

فأومأت جولي بأستسلام. والتفتت تيس الى ليلي قائلة:

" وأنت الأخرى ؟ أنك لا تصلحين أسيرة فأنت تجيدين تسلق الشجر."

وتأملها توم بعناية ثم قال لجولي:

" أنك تصلحين لأن تكوني اميرة هندية أسرتها قبيلة أخرى ."

وأومأت ليلي : وأنت الزعيم الشهير الذي يحاول انقاذها.

وكان لزاما أن يخطط التوأمان أختيهما بأحمر الشفاه. وتحمست جولي وأخذت تعبث بشعر أختها الكبرى وهتفت تيس مغتبطه:

" الآن تبدو هندية حقا!"

وأقبلت تزين جبينها بنطاق من الريش . وأخذ توم يرسم خطوطا على وجهها غير آبه باحتجاجها. وأنصاعت ليلي وهي تشعر بأنها ما كان ينبغي أن تفعل ذلك. وأتكأت جولي على شجرة تفاح قديمة تتأملها صامته بينما غاب توم لحظات وعاد يحمل صندوقا كبيرا من الورق المقوى مصطحبا كيري التي بهتت لأول مرة ثم انطلقت ضاحكة لزميلتها:

" ليتك ترين شكلك!"

جلس التوأمان القرفصاء حول الصندوق يتشاوران بينما راحت جولي وكيري تتيادلان نظرات متغبطة تتعجلان الاحداث وليلي ترمق الصغيرين بحذر... ثم رأت توم يقبل بقطعة من الطباشير الازرق فيرسم خطا عريضا بعرض جبينها وآخر على طول أنفها وهي صامتة مستسلمة... ثم أحاط السروال الكاكي الذي كانت ترتديه بحزام جلدي تدلت منه مدية وأعطاها بلطة من الورق المقوى ووقف وتيس يتأملان نتيجة ما فعلا... وهتفت كيري وعيناها ترقصان:

" النتيجة النهائية تفوق ما يصدقه العقل... هذا منظر جدير بالتسجيل. و التفت الى جولي, وقالت:

" هلأحضر آلة التصوير؟"

صاحت ليلي معترضة:

" لا"

ولكن الضغيرين أخذا يلحن فانصاعت مرة أخرى ودخلت كيري الدار لتحضر آلة التصوير بينما أستسلمت جولي وهي متمتعة بما جرى للصغيرين اللذين أخذا يوثقانها الى الشجرة بطريقة كان بوسعها أن تتحرر منها متى شاءت. وأبتسمت ليلي وقالت للتوأمين وهي ترفع البلطة الورقية فوق رأس جولي:

" أتودان أن أقف مهددة عند التقاط الصورة؟"

فصاحت جولي:

" المفترض أنك جئت لأنقاذي."

وتأملت تيس المنظر ثم قالت لأختها الكبرى:

" أرى من الافضل أنتتسلقي الشجرة."

وتحت الحاح الصغيرين, أضطرت لتسلق شجرة التفاح بمهارة اكتسبتها في ماضي السنين. وبسطت جسمها على أحد الفروع غير العالية متشبثة بالشجرة باحدى يديها ممسكة بالبلطة الورقية باليد الاخرى.

* * *

في تلك الاثناء كانت كيري قد دخلت البيت وعندها سمعت سيارة تقف في الخاج. وتناولت آلة التصوير ثم خرجت متقدة أن مرغريت ديرمموت قد عادت... وأتسعت حدقتاها ذعرا, حين رأت الشخص الذي كان يصحبها!

هتفت مرغريت مبتسمة:

" مرحبا كيري ! أظنك على معرفة بالسيد آلدوريت."

وغص حلق كيري انفعالا وكان رويز قد رآها في العمل طبعا ولكنه لم يولها أنتباهه أما الآن فقد أدرك أنها كانت مع ليلي في مقصورة المطعم يوم أوسعته هذه انتقادا...

تساءلت مرغريت:

" أين الفتاتان؟"

وأضطرت كيري وهي مترددة الى أن تقول انهما في الحديقة, وأن هي الا لحظة, حتى أنبعثت صيحة حرب منكرة, فضحكت مرغريت قائلة وهي ترمق آلة التصوير:

" أتلتقطان صورا للهنديين؟"

فأقرت كيري ذلك متلعثمة وهي تساءل نفسها... كيف تستطيع أن تنبه ليلي وقالت أخيرا:

" أرى من الأفضل أن أخبر ليلي بأنك رجعت..."

وفي هذه اللحظة أنبعثت صرخة من الحديقة وبدت أنها صرخة ليلي فقالت مرغريت ضاحكة:

" أذن فقد أستدرجا ليلي الىأحدى ألعابهما الهندية."

فقالت كيري تنبهها وهي ترمق رويز بنظرة جانبية:

" أجل. وقد أكيباها هيئة الهنود... يحسن أن أخبرها ...أعني...."

ونظرت مرة أخرى نحو خطيب ليلي.

وهزت مرغريت رأسها وقالت ضاحكة:

" أعتقد ان السيد آلدوريت لن يمانع."

وأبتسمت للرجل , وفي عينيها وميض ماكر, وقالت:

" أنه منظر جدير بالمشاهدة حقا... اذا كان شبيها بما فعله بها التوأمان في آخر مرة."

فقالت كيري في ارتباك:

"أنه أسوأ. ولكن مرغريت قالت:

" هذا أفضل وتناولت آلة التصوير من كيري وهي تقول:

" وأنى أوافق على أن نلتقط لها صورة."

وعندما خرج الثلاثة من البيت كانت ليلي فوق الشجرة. وهكذا وصلوا الى الحديقة في لحظة مثالية ليرى ريوز آلدوريت أعجب منظر أذهله في حياته... فالى شجرة التفاح عتيقة كانت ثمة فتاة حسناء موثقة بطريقة بدائية و الريحتعبث بشعرها وعلى وجهها تظاهر بالخوف تخالطه الرغبة لا تقاوم في الضحك. ومن خلف شجرتين صغيرتين برز وجهان صغيران مخططان بالألوان يعلوهما الريش ولكن المشهد الرابع هو الذي سبب الشعور المفاجأة المدهلة الواضحة على وجهه... فعلى أحد فروع الشجرة كانت سكرتيرته الكفء- التي أعتادت السيطرة على نفسها - وقد تدلى شعرها البرونزي اللامع واصطبغ وجهها بالخطوط الحمراء والزرقاء.

والتفتت ليلي اذ سمعت ازيز آلة التصوير فاذا الذعر يقفز فجأة الى عينيها وودت لو أنها تستطيع أن تغوص في جوف الشجرة... وأطلت غير مصدقة فالتقت بعيني رويز آلدوريت السوداوين اللتين تجلت فيهما الدهشة الطاغية مع انبساط لا سبيل لأنكاره.

وأذ اقترب من الشجرة تحركت ليلي بغية الهرب بطريقة ما, ولو بالتسلق لارتفاع أكبر والاختباء بين أوراق الأشجار, ولكن حيرتها وأرتباكها افقداها توازنها... وحاولت أن تستعيد بالتشبث باليد التي كانت تمسك بالبلطة الورقية... وأذ بها تهوى فيتلقاها بين ذراعيه وظلت لثانية واحدة بينهما وقد جمد حراكها من الصدمة.. ثم أنتزعت نفسها متخلصة وهي تغمغم بكلمات غير واضحة وجرت بكل ما أوتيت من قوة فلم تتوقف الا حين لاذت بحجرتها. وهناك رأت لأول مرة كيف كان شكلها تماما!

كان البنطال والبلوزة قديمين وعليهما آثار من التربة خلفتها عنايتها بالحديقة وبضع بقع من طلاء اخضر منذ ساهمت في طلاء الكاراج... وعلى كل شفة خطوط عريضة من طلاء الشفاه الأحمر وشريطان أرزقان عبر الجبهة وخط يفزع اى هندي حقيقي بالاضافة الى عصابة خضراء تلف الشعر البرونزي وفوقها ريشة مائلة. وكانت المدية تتأرجح عند خاصرتها... وأنتبهت اذ ذاك فقط الى أنها كانت مازالت قابضة على البلطة الورقية التي طليت باللونين الاحمر الفاقص والأسود.. كانت صورة غنية بالألوان غير التي أعتاد رويز ظان يواجهها!

* * *

ما لبثت ان ألقت بالبلطة وجلست على السرير وتملكها ضحك كضحك الاطفال. وهكذا وجدتها كيري حين دخلت الحجرة فحملقت فيها في البداية منزعجة ثم عاودتها الابتسامة اذ أبصرتها وقالت:

" الحق أن منظرك عجيب!"

فقالت ليلي وهي تكاد تبكي:

" ماذا ترينني فاعلة يا كيري؟ لا أستطيع أن أنزل وأواجهه!"

قالت كيري:

" يبدو أنك مضطربة لذلك... أنني آسفة اذ لم أنذرك ولكن أمك سمعت صيحات الحرب فأدركت ما كان يجري وظنت أن خطيبك العزيز سيعجب بالمنظر."

فشرعت ليلي في الضحك ثانية وهي تقول:

" ما رأيت على وجه أحد ما كان على وجهه من دهشة ولكنه ضحك!"

ونهضت فخلعت حزام توم ومديته ونزعت العصابة و الريش, وقالت وهي تغيب في الحمام:

" يحسن أن أشرع في أزالة اصباغ الحرب"

وعادت بعد برهة كانت بشرتها ناصعة لامعة وخصلات شعرها متهدلة على كتفيها.. فلما خلعت ثوبها رأت صديقتها أنها كانت أكثر فتنة من أن ترتبط بزواج مصلحة ولكن رويز آلدوريت كما تبادر لذهنها كان أبعد ما يكون عن العذرية المتزمتة.

وراقبت كيري ليلي وهي تتناول تنورة سوداء وبلوزة بيضاء, ثم قالت مبتسمة:

" ألا ينبغي أن ترتدي شيئا أكثر أنوثة؟ أنك لست في المكتب الآن... والمفترض أنه الحبيب المفضل."

فترددت ليلي لحظة ثم اعادت القطعتين وتناولت ثوبا اكثر انوثة ذا لون أخضر ضاربا للاصفرار الليموني كان خير ما يبرز لون شعرها. وراقبتها كيري في تقدير ملاحظة التصاق الثوب بقوام صديقتها الممشوق, بينما كانت ليلي تفكر في أن هذا كله كان عناية ضائعة بالنسبة لرويز, فما كان ليلاحظ أي اختلاف فيما ترتدي. كان بروس هو الجدير بأن تتأنق له, وليس الرجل البارد العواطف الذي ينتظر باطابق الأسفل!

وألقت على كتفيها وشاحا وتحولت تعنى بشعرها البورنزي البهي المتموج على ظهرها ولكن كيري تنازلت الفرشاة منها قائلة:

"دعي هذا لي فذلك أسرع."

وبعد فترة وجيزة كان شعرها تاجا براقا معقوصا حول رأسها وأكتسى وجهها بزينة خفيفة ذات لون طبيعي . وتهيأت للنزول وهي موجسة تماما... كيف سيقدر لها أقناع أسرتهها بأنها كانت تحب رجلا لا قيمة شخصية لديها؟ والاسوأ أننه رجل مغلق بارد من الناحية العاطفية اعتاد أن يبعث فيها اضطرابا كتلميذ يخشى أن يبدر عنه ما يعتبر قحة!

كان التلطف الوجيز الذي ابداه في أول صباح لخطبتها قد تلاشى وعاد لطبيعته العادية الى حد كبير مما جعلها تسائل نفسها عما كانت ستصادف في ذلك الصباح.

غمغمت كيري وهما تغادران الحجرة:

" اعاننا الله... أن تيس على الاقل بعيدة عن طريقنا."

وتصاعدت صيحات التوأمين من الحديقة فقد كانت لتيس عادة النطق بما يتبادر الى ذهنها.

وأحدث ثوبها حفيفا وهي تهبط الدرجات... وشعرت أنه كان يجدر بها ارتداء هذا الثوب لبروس... وأحست بحنين يفوق ما كان يخالجها في أي يوم قبل أكتشافها حبه لستيلا. كان الألم في أعماقها قاسيا حادا وساءلت نفسها:

" هل ستكون مثل جانيس مارتن تتحسر بقية عمرها على رجل ما كان من الممكن أن تحظى به."

لقد قالت جانيس مارتن أن الزمن يلئم الجرح ولكن الوجع الصامت يظل كامنا حتى لحظة أثارة الكوامن. وكانت تلك هي اللحظة التي لا ينبغي لها أن تتذكرها. كان عليها أن تجبر نفسها على النسيان بقدر ما تستطيع وأن تركز أهتمامها على ما ينبغي أن تفعله. كان هذا صعبا و الموق على ما هو عليه دون حنين الى الرجل الذي أحبت لا الرجل الذي تظاهرت بحبه لأن عليها أن تكون ابرع اداء من أية ممثلة. بل أن دورها أصعب أذ أنها تمثل في الحياة وليس على المسرح.

أجتازت البهو وكيري بجوارها ودخلت قاعة الجلوس الكبيرة وكانت دائما مريحة نظيفة يسودها جو البيت الحقيقي بما للبيت من معنى الطمأنينة والسكن.

وكان أبوها قد عاد في تلك الاثناء وأنضم الى الأسرة. ولاح أن رويز كان يتحدث اليه بقدر من عدم التكلف. ولكنه نهض واقفا اذ دخلت الفتاتان وعيناه السوداوان تتأملانهما... كانت الرابطة الوثيقة بينهما واضحة له, ثم صادفت نظراته عيني كيري فرأى بأنها مثل ليلي لم تكن شديدة الاطمئنان الى مقدرته على المضي في التمثيلية... كانت موزعة بين قلقها على ليلي, وأستغرابها فكرة أن يقوم بدور كهذا. وتذكر كلمات سمعها في مقصورته بمطعم ريكي.

أما ليلي فكادت لا تجسر على النظر اليه ولكنها لاحظت لأول وهلة بمجرد دخولها اذ رأته يتحدث مع أبيها, أنه كان ذا طباع لطيفة اذا ما شاء أن يبديها, وكان جذابا بدرجة غير عادية. وبذلت مجهودا لترسم ابتسامة على شفتيها ولدهشتها أذا به يحييها بابتسامة كانت كمفاجأة اذهلتها, ولكنها مفاجأة سارة ولو أنها أضطربت لها قليلا... ما كانت تتصور قط أن تحدث أبتسامة كل هذا التغير... كانت ثمة مناسبات في العمل شهدته فيها يبتسم ولكن الابتسامة في هذه المرة كانت تنطوي على شيء مختلف بدرجة كبيرة, حتى أنها جعلت أنفاسها تتهدج بطريقة غريبة, وأوحت اليها بأنه يستطيع أن يكون خطرا على راحة بال أية أمرأة بفتنته السمراء ومغناطيسيته عندما يبتسم.

وقال وهي تجاهد لتفيق من هزة أبتسامته غير المرتقبة:

" مساء الخير يا عزيزتي..."

وبدا وكأنه كان يستخدم كلمة الاعزاز منذ سنوات طويلة... قد يكون أستعملها لأنه لم يكن يعرف أسمها الاول, فقد كانت متأكدة من أنه لم يفكر فيها قط الا ك... آنسة ديرموت. ثم ليزيد من دهشتها جذبها اليه واحاط كتفيها بذراع مسيطرة نوعا ما وكأن ذلك كان تصرفا طبيعيا بالنسبة اليه.

وأردف بلهجة جعلت الاسرة تضج بالضحك:

" لعلك تعرفينني بالآنسة التي قابلتها فوق الشجرة منذ قليل."

فقالت وهي تحاول أن تألف ذراعه حول كتفيها:

" أرجو أن تنساها."

وضحكت مرغريت قائلة وهي تهز رأسها:

" كلا... لقد ألتقطنا لها صورة جميلة وسأعطي خطيبك نسخة منها."

وأجاب رويز:

" شكرا لك. أستطيع أن أبرزها لها اذا حاولت الاسراف في الوقار معي."

وأبتسم لها بالطريقة ذاتها فضحكت ليلي باضطراب وتخلصت من ذراعه بالجلوس على الاريكة.

ضحطت أمها قائلة:

" أستطعنا أن نقنعه بأنه لا يتزوج هندية حمراء ولكن هذا تطلب جهدا."

وأثار قولها الضحك من جديد فسرت ليلي لذلك لأنه كان كفيلا بتبرير الارتباك والحيرة اللذين تجليا على أساريرها. وقد جلس رويز الى جوارها وأحاط كتفيها مرة أخرى بذراعه بنفس الحركة الطبيعية المسيطرة وما كانت بقادرة على أن تتقبل الشعور بذراعه وهي متمالكه الجأش... وزادها أضطرابا غريبا وجوده قريبا منها.

راحت مرغريت ترمقها مبتسمة.. وأذا كانت قد لاحظت بعض التحفظ في مسلك أبنتها فكان من السهل تفسيره بأنها ما كانت ابدب ممن يكشفن عواطفهن أمام الملأ..وأذهلت ليلي ازاء التبسط الذي أنساق به رويز لدوره. وتبادلت مع كيري نظرة تظهر انها غير مصدقة بينما قالت نظرة كيري صراحة: ما كنت أطنه ينطوي على شيء كهذا... واعترضت نظرة رويز نظراتها ولعل هذا ما دفع بابتسامة مفاجئة الى فمه الحازم. وسرها وادهشها سهولة اندماجه مع أسرتها فلم يبد أن أحدا منهم كان يفكر في مركزه أو ثروته, لهذا خلا الجو من التوتر... بينما تجلى عليه شيء من الجاذبية جعل نظراتها تتعلق به مبهورة رغما عنها.

* * *

تحول الحديث بعد فترة الى موضوع وطنه القديم فسألته مرغريت بابتسامة:

" حدثنا عن بيتك في المكسيك, أظنه كما قالت ليلي يسمى كاراسترانو."

فأومأ برأسه قائلا:

" هذا صحيح. أنني لم أره منذ عشر سنوات."

وشردت نظرات عينيه السوداوين بعيدا, وأختلجت شفتاه بابتسامه شبه حزينة وكأنما نسي كل الموجودين وهو ينظر الى ماض دفنه. فقالت باندفاع لم تتمالكه:

"مأحسبك نسيت ابدا!"

التفت اليها وقد رقت نظراته بدرجة لم تكد تصدقها فلم تدر أكان هذا جزءا من التمثيل أم أنها كانت رقة صادقة لأنه كان يفكر في شيء مهم له... وقال برقة:

" كلا لم أنس قط... وبدا في عينيه السوداوين للحظة عابرة ألم مرير جعلها تود ان تمد اليه يدها... وأردف:

" ما أظنني سأنسى أبدا. وما كانت ثمة حاجة به لأن ينسى وقد آل قصر كارسترانو اليه."

وما لبث أن أبتسم فأدركت في هذه المرة أن ابتسامته تظاهر لأنها كانت الابتسامة الدافئة التي كانت تثير فيها اضطرابا, وقال:

" سنعود الى هناك معا, وهكذا أفضل بكثير من ذهابي وحيدا"

وقطع الصمت صوت صفير سليط: عندما تفرغ من أبداء حبك لها, نود أن نسمع مزيدا عن المكسيك. فصاحت مرغريت وقد عرفت صوت ابنتها الصغرى دون أن تلتفت اليها تيس! كانت الصغيرة تجلس على النافذة مدلية ساقيها داخل الغرفة وحول رأسها أحد اربطة عنق ابيها تلتصق به ريشة, كان منظر تيس أو تيريزا ديرموت مضحكا, وأن لم يبلغ مبلغ أختها الكبرى قبل قليل. وأبتسم رويز وهو يقول لها:

" ماذا تودين أن تعرفي؟"

كانت ليلي جديرة بأن تنذره بأن اختها لا تقنع بالقليل. ورمقته تيس باهتمام صريح, ثم انزلقت عن النافذة وأقتربت تتأمله عن قرب. وأرتجفت ليلي أشفاقا مما قد يصدر عن أختها التي لا سبيل لكبح جماحها... وأخيرا قالت تيريزا الصغيرة:

" هل ينحدر أجدادك من سلالة الفاتحين؟"

"أجل كان منشىء فرعنا من الاسرة دون اكزافيير ويقال انني أشبهه نوعا ما."

هتفت تيس عجبا وعادت تتأمله باهتمام وتساءل, وقالت:

" ما شكل قصركم؟"

قال:

" كارسترانوا؟"

وأبتسم بطريقة أنبأت ليلي بأن أفكاره ارتدت الى هناك وقال:

" أنه كبير مترامي الاطراف, عتيق جدا, تحف به الزهور من كل جانب. وفي الفناء الداخلي نافورة يبدو كأنها تغرد, غني بالزهور لا سيما الورود لأن أمي كانت تحبها أكثر من الزهور... كانت انكليزية, ولكني لم أعرفها قط, لأنها ماتت عند مولدي... وأغتيل والدي بعدها ببضع سنوات."

وشعرت ليلي بجزع اذ سكت خشية أن تسأله تيس عما دعاه لترك موطنه والاقامة في انكلترا. ولكن الصغيرة قالت:

وكأنها تسدي اليه صنيعا: " أتود أن تحضر حفلة عيد ميلادي؟"

همت ليلي بأن تعتذر نيابة عنه, ولكن رويز أدهشها أذ ابتسم لتيس وقبل دعوتها بجدية رصنة قائلا:

" شكرا يا آنسة ديرموت... يشرفني أن أحضر , فلعلك تخبرينني أذ حان موعده."

وأطرب تيس أن يدعوها الآنسة ديرموت وبادرت بأخباره بأنها وضعته فعلا في قمة معارفها من الكبار. وفي اللحظة ذاتها, التقت عينا ليلي بعيني خطيبها فابتسما...

وبسبب النظره الوجيزه, والابتسامه, ادركت ان الامر لم يكن ادعاء, اذ شعرت بخجل لا تفسير له, غضت بصرها وبدلت موضوع الحديث.

وبعد تناول الشي خرجت ليلي مع رويز الى البهو, وهو ما بدا ان الجميع توقعوه, كرغبه منها في الفرار من الحرج, ورغبة منهم هم في ان يخلوا لهما الجو, لتوديع ليلي خطيبها, وبادرت ليلي بإثارة عيد ميلاد تيس, فقال بصراحه:

" اترين الا احضر؟ "

واجابته:

" كلا....كلا, طبعا. انما عنيت انها لا تكاد تكون مناسبه مما يروق لك "

" لعلك لا تعرفين ما يروق لي...الا ترين هذا؟ "

وظنت للحظه انه ليس راغبا في الحضور فقالت:

" بلى..لهذا اتيح لك الفرصه, ان شئت الرفض. وبوسعي ان ادعي اصابتك بانفلونزا طارئه. ان حفلات تيس عاده تنتهي بصخب

فنظر اليها واساريره تنم عما في نفسه, وسألها:

" اكان خطيبك السابق يحضر حفلاتها؟ "

فلما اومأت بالايجاب قال بحزم قاطع:

" اذا فلست ارى ما يدعوني لرفض دعوة اختك "

وقالت في نفسها:

" اذا فلا يلومن الا نفسه, اذا تورط في دعابات تيس". على انها وهي تفكر في احدى اللعب المحببه الى اختها, رأت ان تبذل جهدا اخيرا الى تحذيره

من العاب تيس المفضله لعبه العقوبات فهي توجه اسأله, بحيث تفرض عقوبات على احد منا. وفي عيدها يطلق لها العنان اكثر من المعتاد, واذا امكن فإننا ننفذ كل ما تقضي به. وسيكون مرتقبا منك ان تحذو حذونا "

ابتسم وسألها:

" ما الذي تخافينه بوجه خاص؟ "

فقالت:

" لا ادري...ولكن لا يستغرب من تيس اي شيء! "

وتحولت نظرته اليها فجأه الى نظره ثاقبه, متفحصه, وقال:

" اذا سنحاول الا ندع اسألتها توقعنا. وهناك امر اخر...تمثيلنا هذا...عليك ان تكوني افضل اداء, والا كشفت انه تظاهر وادعاء! "

تضرج وجه ليلي وقالت:

" انني اسفه...من العسير...."

ومنعها صوته المتميز بشيء من السخريه, من ان تكمل, اذ قال:

" هذا صحيح, ولكنه كان اقتراحك, وليس لك ان تتراجعي في هذه المرحله "

فنظرت اليه ورفعت رأسها في كبرياء وقالت:

" ما كنت افكر في التراجع يا سيد الدوريت. انني لا ابدأ عادة الا ما اوقن انني سأكمله "

قال في رفق:

" انني متأكد من هذا "

ثم عاد يرمقها بتطفل ساخر بدا يضايقها, واردف:

" اسمي على فكره رويز...مثل لويس فيما عاد تغير الحرفين الاول والاخير في كل منهما. وسيبدو مستغربا ان تواصلي مخاطبتي بتكلف, لا سيما امام اسرتك. "

واومأت برأسها, وهي تشعر بشيء من الحرج اذا تضطر لأن تناديه باسمه.

وفجأه قال وقد عاودته اللهجه الهازئه, وكأنه شعر بما ساورها:

" انني اسمح لك تماما ان تناديني به, ثم هناك امر اخر "

ودس يده في جيبه واخرج علبه سوداء صغيره, وحدست بغريزتها ما جعلها تعقد يديها خلف ظهرها في حركه طفوليه لم تستطع مقاومتها. كان تقديم الخاتم رمزا للحب وعهدا للمستقبل, ولكن هذا الخاتم بالذات كان وجها اخر من وجوه التظاهر...كان الدليل الظاهري لصفقه فارغه لم يعرف حقيقتها الا كيري طبعا وبروس.

ارتفع الحاجبان الاسودان في استغراب هازئ واضح, وامسك باحدى يديه الرفيعتين رسغها الايسر, وقال:

" يؤسفني انه شر محتوم. انني ادرك هواجسك, ولكن لا داعي لاعتباره رمزا لارتباط باق "

فرفعت رأسها بتحد وهي تتساءل عما عساه كان يساور افراد الاسره لو رأوا هذا المشهد. رويز يقف ممسكا بمعصمها باحدى يديه لا يفلته, بينما يمسك بيده الاخرى علبه وقد ارتفع غطاؤها عن خاتم ذي حجر من الياقوت العميق الزرقه. وقالت اخيرا:

" ما كنت افكر على هذا النحو...انما بدا لي انه...تبذير لا داعي له "

" ولكني أظنك توافقين على أنه أجراء طبيعي... فستتوقع أسرتك أن ترتدي خاتما."

وأقرت رأيه وهي تقف بلا حراك بينما أحاط أصبعها بالخاتم بعكس ما توقعت من أن يعطيها العلبة ويطلب منها أن ترتدي الخاتم. كان هذا أكثر تمشيا مع اتفاقية المصلحة التي أبمتها معه, ولكن هذا لم يخطر له, واذا كان قد خطر فانه آثر أن يتجاهله لتكون الخطبة أقرب الى ما هو متعارف عليه وأدهشها أن الختم ناسب أصبعها تماما, وكأنه صنع خصيصا لها!

قال وفي عينيه نظرة غامضة المعنىوجدت أن من العسير أن تصمد لها:

" أتمنى أن يكون فألا حسنا..."

ولم يذكر لأي شيء هذا الفأل ولكنه زادها ذهولا أذ أنحنى ومس بشفتيه النحيلتين يدها, قائلا بفكاهة ساخرة:

" وهذا أيضا متعارف عليه عند تقديم خاتم الخطبة."

بينما تحاشت ليلي الظر الو وجهه!

* * *

تمتمت أخيرا:

" أنه خاتم جميل جدا!"

قال صوته رنة التهكم ثانية:

" لعله كان ينبغي أن أقول أنني أخترته ليناسب لون عينيك."

فعقبت على الرغم منها:

" ماتصورت أنك تعرف لونهما!"

رفعت يده ذقنها فجأة للحظة أمسكت فيها أنفاسها, اذ خامرتها فكرة رعناء بانه يوشك ان يقبلها. ولكنه اكتفى بأن ابتسم في شيء من الاستهجان - أراه حدس ما جال بخلطرها - وتركها قائلا:

" لابد أنني اعرف الآن ان لونهما لون الخاتم تماما. أنني على الاقل لم أفكر في انك قد تفضلين الماس."

ما كانت تظنه يعرف شيء عما تفضله ولا عن لون عينيها ... كان أعجب رجل حقا. وقالت متلعثمة:

" أنني ... أفضل الياقوت."

قال وهو يوجه بصره الى باب قاعة الجلوس المغلق خلفهما:

" حسن. أترين من المناسب الآن أن أنصرف؟ أترينهم أنهم أفسحوا لنا وقتا كافيا؟"

وشعرت ليلي بالدم يتدافع الى وجهها ثانية, وسخطت في نفسها اذ خطر لها أن أي أمرىء خليق بأن يظنها تلميذة طائشة... ما الذي أصاب هدوء اعصابها واتزانها اللذين اعتادت الاحتفاظ بهما تكن الازمات؟

قالت في تردد:

" أظن... أظن ذلك."

وأجفلت على الرغم منها, أذ مد يدا قوية الى شعرها فعبثت بتناسقة , قائلا في أقتضاب:

" هذه أضافة ضرورية! لا سيما لفتاة المفترض أنها كانت تودع الرجل الذي تحبه!"

ومرة أخرى شعرت بوجهها يتضرج ولم تجد كلمة واحدة تقولها, وهي بعد تشعر بلمسة شفتيه الجامدتين ليدها. وأخيرا رفعت رأسها في كبرياء غير متعمدة, وقالت:

" طبعا, أذا كنت تعتبر أن التأثير غير واقعي بدرجة كافية..."

لم تكن ثمة حاجة الى التهكم في صوته أذ قال:

" أنني أعتقد أنه واقعي بدرجة كافية."

وتلاشت تحت تهكم صوته ونظراته الكبرياء التي خالطت صوتها. بينما أردف هو:

" أذن أرى الوقت قد حان لأقول ... أديوس."

وذهلت للمفاجأة مرة أخرى, أذ أستعمل الكلمة الاسبانية للوداع, ومع ذلك فقد لاحت مناسبة تماما, في تلك اللحظة!

ردت ليلي بالكلمة ذاتها, وهي تعجب مما جعله يستعملها, فما عهدته ينثر الكلمات الاسبانية في حديثه. أترى فكرة العودة الى كارسترانو تحطم حاجزا ما؟ وأذا صح هذا, فماذا كان خلف الحاجز؟ وقال:

" أليس لديك شيء آخر تضيفينه؟"

فقالت و الحياء يغلبها:

"أديوس... يارويز."

وقفت بعد أنصرافه مستغربة في التفكير لا تدري حقيقة رأيها به. كانت الشخصية الباردة المتباعدة في المكتب مالوفة لديها حتى الطريقة الساخرة الهازئة... أكان هكذا في كل معاملاته مع النساء اذا تجاوزن التكلف المحض؟ ولكن الشخصية الثالثة لرويز آلدوريت هي مبعث الدهشة الكبرى لديها شخصية مجهولة منها تماما... شخصية الرجل الذي أبتسم لها في دفء متكاسل و الذي جعلتها لمسته تفطن بقوة الى جاذبيته شخصية شديدة ما كانت تعلم أنه أوتيها!

* * *

كانت عيناها توحيان باستغراب في التفكير حين عادت الى قاعة الجلوس لتقابل بنظرة مبتسمة من أمها, وهي تبادرت قائلة:

" أعرف أنك ستوجهين سؤالا لامناص منه, وسأوفر عليك العناء.. أنني أميل اليه.. كثييرا جدا."

فتحولت ليلي الى أبيها تسأله:

" وأنت؟"

قال جون ديرموت وهو يهز رأسه مقطبا نوعا ما:

" رجل بديع لا أتمنى سوى أن أتأكد من أن الامور ستنتهي خير انتهاء بالنسبة لستيلا وبروس."

فسألته وهي تحرص على الا يبدي صوتها الفضول العادي:

" ولم لا؟"

قالت مرغريت:

" أننا لم نصارحك من قبل, ولكنا غير مطمئنين قليلا حينما خطبت الى بروس."

فعادت ليلي تتساءل:

" من حيث؟"

فقال أبوها:

" لقد قلتها مرة من قبل , حين فسخت الخطبة... أنه ضعيف, يريد الاتكال على الناس."

فقالت:

" لم ألاحظ هذا أبدا."

قالت أمها:

" أنه شيء متوار, تحدسينه أكثر مما تعرفينه عن يقين. لهذا دهشنا حين قيل أن ستيلا وقعت في هواه."

فقالت جولي:

" لعله دبر هذا اصطناعا."

فبادرت ليلي باندفاع غير أرادي وهي تتذكر ما رأته حين فتحت باب قاعد الجلوس بهدوء:

" كلا... أعني أن هذا شيء سمعت ستيلا تقوله."

وأذ نظروا اليها في تساؤل لم تشأ أن تذكر لهم السبب الحقيقي فيتأكيدها وقالت:

" لم أشك في البداية ولكن الامر تجلى لي فيما بعد."

علقت ججولي:

" هذا غريب حقا, عندما يفكر المرء فيه... ما تصورت قط أن ستيلا قد تود الزواج من شخص مثل بروس ولكن قد يكون هذا رد فعل لما تلقاه من الرجال الذين تمثل معهم."

وأضطرت ليلي لأصطناع ابتسامة واهنة, وهي لا تدري ما يدعوها لتقبل هذه الملاحظات عن بروس وهي ساكنة النفس. ومالبثت أن قالت:

" أعتقد أنه عادي... والامر كما قلت رد فعل من ناحية ستيلا ولكني أثق بأن كل شيء سيبتهي الى خير نهاية."

وفكرت كيري مكتئبة:

" سينتهي الى خير نهاية لستيلا فهكذا حظها دائما."

يبدو أن فكرة صغيرة, غريبة, خطرت لها في تلك اللحظة.. كان من المؤسف أزاء الاداء الذي مثل به رويز آلدوريت دوره في ذلك اليوم الا ينتهي الزواج الى زواج حقيقي. أذا كان الرجل الذي رأوه في ذلك اليوم هو رويز آلدوريت الحقيقي, وليس مجرد ممثل فقد داخلها شعور بأنه كفيل بأن يفوق بروس بكثير في أسعاد ليلي.

ابتسمت مرغريت فجأة في تخابث وقالت:

"أليس صاحبك رويز فارساً أسبانيا عظيماً حقا؟"

فتضرج وجه ليلي وقالت:

" نعم, أراه كذلك. الواقع أنني ما لاحظت هذا من قبل. لقد أعتاد... أن يكون باردا متباعدا منطويا, حتى أك لتنسين أنه نصف أسباني."

فأبتسمت جولي قائلة:

"أراهن أنه يدعك الآن تنسين هذا."

ماكان من سبيل لتفادي حمرة الخجل وهي تتذكر الدفء الذي كان في عينيه السوداوين, والذي كان أبعد الأمور عن التوقع. وتساءلت كيري وهي ترمقها:

" أصحيح هذا؟"

والتقت نظراتهما فابتسمت ليلي ابتسامة ضئيلة وقالت: "لن أتكلم!"

ولكي توقف تدفق الاسئلة أرتهم اخيرا خاتم الخطبة. وكانت حتى تلك اللحظة تبقي يدها متوارية لسبب لم تدر كنهه وهي خجلى مترددة. وصاخت جولي في أعجاب ردده الأخرون وهم يتأملون الحجر الياقوتي المربع والحجرين الماسيين الدقيقين اللذين أحاطا به.

* * *

عندما أستلقت ليلي في فراشها في ذلك المساءء وجدت فكرها يستعيد كل دقيقة من تلك الأمسية. الفارس العظيم كما وصفته أمها, كيف سيكون في كاراسترانو؟ كان يبدو بالتأكيد انه يتمتع بالشهامة والمجاملة التي فطرت عليها العائلات الاسبانية العريقة, ولكنه لم يؤت الخصلة الاخرى التي أشتهر بها عنصره... ثم تذكرت اللمحة الخاطفة التي مرت بها في البهو, حين خالت انه يوشك أن يقبلها... أكان ذلك مجرد تةهم, أم أنها كانت نزوة لم يشأ أن يستسلم بها؟.

ثم بدأت تتذكر الفكرة التي ساورتها قبيل انصرافه. أكان التفكير في العودة الى كاراسترانو يحطم حاجزا أخفى نفسه وراءه خلال السنوات العشر التي قضاها في انكلترا؟ أذا كان الامر كذلك فكيف كانت حقيقته أكان الرجل البارد المشاعر المتباعد الذي عرفته في العمل؟ أم الغريب الساخر؟ أو كان هناك رويز آلدوريت ثالث لم تحدث وجوده قط قبل اليوم ولا عرفت عنه سوى أنه كان قادرا على أن يبتسم وفي عينيه ذلك الدفء المتكاسل؟

وعندها فطنت الى أنها طيلة الوقت الذي قضاه معها لم تفكر في بروس وكان هذا أغرب الامور جميعا!

أنتهى الفصل الخامس

التوأمان

لم يرد أثناء العمل يوم الاثنين التالي أي ذكر للتمثيل الذي أياد بعد ظهر يوم السبت فيما عدا تساؤل متهكم اذا كان كل شيء في البيت على ما يرام فاستطاعت ليلي أن تجيب في رصانة كاملة بأن كل شيء بخير وعندها انغلق رويز على نفسه, وأستأنف املاء خطاباته. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم أخبرها بأنه كان معتزما السفر الى كاراسترانو في يوم الاربعاء وأنه كان يتوقع أن يغيب حوالي أسبوعين. وتلقت ليلي هذا النبأ على الفور على أنه طريقته لتفادي حفلة تيس, وهذا ما لم تلمه عليه, لأن أي أمرئ لم يألف هذا النوع من الأمور كان خليقا بأن يراه ثقيلا على أعصابه. ولكنه بادر بتبديد هذه الفكرة اذ أردف قائلا أنه عائد في وقت مناسب لحضوره الحفلة!

جاء بروس بعد ظهر ذلك اليوم ببعض تقارير لرويز, كما حدث حين التقت به لأول مرة. وحشدت ليلي صلابتها لتسيطر على نفسها ولكن السحر كان قد غاب للمرة الاولى. وقالت في نفسها لعل هذا طبيعي فأن السحر قد تهشم على أية حال يوم عادت الى البيت فوجدته وستيلا بين ذراعيه! وما خطر لها أن ألم ذكرى تلك الامسية لم يكن بالغ الحدة, أو أنها تذكرت قول جانيس ان الزمن يلئم الجروح اذا ما اتيحت له فرصه مما خفف عليها.

وسألته:

" الم تتلق بعد نبأ من ستيلا؟"

وأستغرب في نفسها أنها أستطاعت أطلاق السؤال دون أتفه تهدج في صوتها! فأجاب في شبه اكتئاب:

" كلا... يبد وأن خطابي لم يصلها بعد."

فقالت تطمئنه:

" لاتقلق فهي ستتلقاه وعندها ستتصل بك على الفور."

وهزت رأسها وأردفت:

" أنني آسفة لأنني لم أفاتحك في ... في اليوم ذاته ما كان ينبغي أن أرجيء ذلك الى أن ظننت أنني أوتيت عذرا معقولا لفسخ الخطبة!"

وكاد بروس يقطب جبينه ولكن لسبب غير الذي خطر لها في البداية وقال:

" أنا لست مرتاحا لما تفعلين. ألا بد لك من الزواج منه حقا؟"

فهزت كتفيها قائلة:

" أحسبنا تحدثنا في هذا من قبل فلسوف يسهل ذلك لستيلا الامور ولن يضيرني."

وأضافت محاولة أن تمزح:

" سأقضي بضعة أشهر للراحة في المكسيك دون مقابل."

قال في شيء من التجهم:

" آمل ألا يضيرك ذلك ألا تدركين.."

فقاطعته بهدوء:

" أنك تعرف رويز آلدوريت ليس لدي أتفه شك في أنه سيلتزم بالاتفاق. ومهما يكن ما يخالجك حين ترانا معا, فثق أنه مجرد تمثيل. وهو لم يتغير في الواقع لا يزال تحت مظهره بارد العواطف كالعهد به دائما."

وساءلت نفسها:

" ترى ألم يتغير حقا؟ كان هذا شيئا لا تستطيع الجزم به."

ووافقها بروس على مضي قائلا:

" ربما ولكني مازلت لا أرتاح لذلك." سواء أرتاح أو لم يرتاح. فلم يعد هناك ما يملك ان يفعله. لقد اختارت المخرج ورفضت ان تعدل عنه. وقالت معقبة:

" على أية حال فانني حين قبلت الاتفاق وعدت بألا أرجع عنه في اللحظة الاخيرة. أنه أوتى فترة معينة لتنفيذ شروط الوصية ولو تخليت عنه فسيكون عليه ان يبدأ من جديد."

سيكون الوقت متسعا ليعثر على سواك."

" ربما , ولكن ما من ضرورة لذلك بجانب هذا, كيف تتقبل ستيلا الامر في رأيك اذا أنا فسخت الخطبة الى رويز؟"

" لابد من أن تفسخ بعد مدة لابد من فصم الزواج على الاقل."

فهزت كتفيها قائلة:

" سيكون هذا بعد شهور على الاقل وكثير من الزيجات تنفصم بعد ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر. ولا تنس أن لدي عذرا مشروعا تماما. فان رويز في وسط لاتيني ومع أه قضى في انكلترا عشر سنوات فسيكون من المفهوم ان تتجدد اذا ما عاد للمكسيك كل الآراء والأفكار القديمة مما يسبب عدم التكافؤ. أن للمكسيك تراثا أسبانيا قويا ولديهم آراء عن تبعية النساء للرجال. وأنا شديدة الاعتداد بالاستقلال. أنني أكره خداع الاسرة طبعا ولكن..." وتوقفت عن الكلام وهزت كتفيها ثانية. فتمتم بروس:

" ما أزال غير مستريح لذلك. وعلى أية حال فلست أفهم كيف أقتنعت أسرتك بهذه السهولة. أنا شخصيا لم أقتنع."

" أنك تبينت الحقيقة عفوا. ما كنت أعتزم ذلك. أما بالنسبة الى الاسرة.. فأرجو الا أجرح غرورك بنفسك اذا قلت أن في المحيط سمكا آخر وهم يظنوني عثرت على واحدة."

وتضرج وجهه في أرتباك بينما أستطردت هي:

" ما كنت أقصد هنا وأنما كنت أمزح... ما قصدت أن تحمل قولي على هذا المحمل."

فتمتم وهو يغالب الارتباك:

" مازلت غير مستريح."

" ولا أنا ... ولكني ماضية في الاتفاق. لو كان في الامر فتاة أخرى لاكتفيت بفسخ الخطبة. ولكن لأنها ستيلا فاني اعتزم ان أبذل كا ما يمكن لأجعل الامور تسير نحو نهاية صحيحة. فلندع الأمور على هذا النحو..."

* * *

أقترب يوم عيد ميلاد تيس ورويز مازال غائبا وأضطرت ليلي الى أن تجعل الجميع يظنونه رحل ليتفقد ممتلكاته خشية أن تكون ثمة ضرورة لبعض التعديلات قبل أن يذهبا معا الى كاراسترانو. وما كان في الواقع قد قال شيئا من هذا القبيل حتى أنه لم يخبرها بسبب ذهابه الى هناك. ولكن هذا الايضاح بدا مناسبا أذا ما صادف ان سألها شخص ما.

وحان يوم الحفلة وما من نبأ من رويز عن عودته. بل أنه لم يرجع الى انكلترا في الليلة السابقة. وكانت ليلي تهز كتفيها في غير مبالاة اذا ما سئلت وتقول:

" أنني أتوقع وصوله في آخر لحظة."

ولم يعلق أحد على أنها لم تتلق منه خطابات لأنها جعلت أهلها يعتقدون أنها تسلمت منه رسائل في المكتب. والواقع أن الرسائل وصلت من للمكتب ولكنها كانت مقتصرة على العمل. ومع ذلك فأنها حرصت على اختيار ثيابها وزينتها كما يفترض في فتاة ترتقب خطيبها, بالرغم من أنها لم تكن متأكدة من قدومه. كان ثوبها في هذه المرة أزرق يضاهي لون حجر الخاتم الذي أهداها اياه, مما ابرز تألق زرقة عينيها.

وعندما نزلت الى البهو ابتسمت جولي ثم ضمت شفتيها في صفير اعجاب وتمتمت:

" لا عجب في أنه قرر أنه لا يستطيع العودة الى المكسيك بدونك."

فأومات ليلي مهددة في مزاح بأنها ستقتلها ما جعل جولي تضحك.

كانت تتوقع وجود بروس الى جوارها, حين بدأت التدابير للحفلة قبل مدة من في حين أن رويز آلدوريت هو الذي سقوم بدور الخطيب الولهان الآن, واد ان الكلمتان الاخيرتان اثارتا تململ وعجبا... اما العجب فلأنها الى وقت قصير ما كانت تتصور أنه أوتى اقل فكرة عن أداء دور كهذا... أما التململ فلأنه كان عليها هي الاخرى ان تقوم بدور الخطيبة الولهانة.

وكان خليقا بتيس وقد أقامت حفلة للاطفال بعد الظهر أن تكون متعبة مهيأ للنوم ولكن أمورا كهذه كانت مستبعدة التوقع من الآنسة تيريزا ديرموت. بل أنها في الواقع كانت أكثر أشراقا مما أسيقظت في الصباح وفي أوج النشاط, وأن لاحت وتوأمها في تلك اللحظة غير طبيعين.. كانا في نظافة تامة وشعر منسق ولكن الى متى كان مرتقبا لهذا الحال ان تدوم. كان الكل يسمونها حفلة تيس ولكنها في الواقع كانت حفلتهما معا ومع أن توم كان يبدي ضجرا الحفلات زاعما أنها تليق بالفتيات وتاكا أخته توجه الدعوات فكان بالطبع يود حضور الحفلة.

عندما دخلت ليلي غرفة الجلوس كان الصغيران يركعان على الاريكةوانفهما ملتصقا بزجاج النفاذة بينما كانت مرغريت ترتب الحجرة. وفجأة أطلق توم صيحة انفعال واعجاب:

" يا لها من سيارة ممتازة!"

فأضافت تيس:

" أنها تقف هنا."

وما كان التوأمان قد رأيا سيارة رويز في زيارته السالفة اذ كانا في الحديقة عند وصوله وعند رحيله. وكانت سيارة جديرة بالآعجاب... فخمة غالية دون ما تبهرج وفخفخة كما كانت ثيابه. كانت تلك الاشياء هي التي تذكر ليلي بين آن وآخر بأنه واسع الثراء.

قالت مرغريت لابنتها:

" يحسن ان تذهبي لاستقباله يا عزيزتي... كانت تتيح لها فرصة لتحية الرجل الذي كان مفترضا أنها تحبه بعيدا عن عيون الباقين وأحمر وجه ليلي أذ ادركت ما تعنيه امها. وزادها ارتباكا اذ لمحت جولي تبتسم وكان من الافضل, أنها لم تنتبه الى النظرة التي قفزت فجأة الي عيني صغرى بنات ديرموت. وأذ خرجت ليلي الى البهو وأغلقت الباب خلفها تسللت تيس من أحد أبواب الحديقة الخلفية فاختفت فجأة.. وعادت تدخل الدار من باب المطبخ وتزحف في حرص خلال الردهة المؤدية الى البهو..

شعرت ليلي اذ فتحت الباب للرجل الطويل الاسمر الذي ترجل من السيارة الفخمة بشيء من الدهشة اذ بدا متغيرا. فان الاسبوعين اللذين قضاهما في كارسترانو زادا من سمرة بشرته وهتفت في أرتباك:

" أذن فقد عدت في الوقت المناسب؟"

فقال:

" لقد قلت أنني سأعود في الوقت المناسب..."

وكأنما كان قوله اذ ذاك فصلا. ثم أردف بابتسامة اضطربت لها:

" أنك تبدين جميلة جدا هذا المساء."

شهقت ليلي وشعرت بالدفء يتصاعد الى جبينها وهي تساءل نفسها عما دعاه لهذا القول... لم تشعر ليلي بأختها تراقبها في حين رويز لمح الوجه الصغير يسترق النظر.

أحاط رويز كتفي ليلي بذراعيه وكأنه يهم بالتوجه الى قاعة الجلوس وأذا بصوت رفيع تثقله خيبة الرجاء:" ألن تقبلها ؟ هكذا كان بروس يفعل دائما!"

ودت ليلي لو تصفع أختها برغم حبها لها ولكن صوتها نبهها على الاقل الى التصرف الذي أذهلها من رويز.. وراقبته وهي مبهورة بسهولة سيطرته على الموقف, قائلا هذا لا يجوز على مشهد منك. ولاح أن تيس رأت هذا الجواب معقولا , فقالت:

" أذن فسأنصرف."

أستدارت ليلي لتتأكد من أبتعاد الصغيرة عن مرمى البصر والسمع, ثم التفتت الى رويز وقالت:

" أرجو ألا تلقى بالا الى تيس. أنها مفطورة على الجهر برأيها في أي وقت وبما أنها تعرف أننا مخطوبان فانها..."

وأمسكت حائرة فأكمل عبارتها والتهكم في عينيه:

" تتوقع أن ترى مظهرا لذلك؟"

هزت ليلي رأسها وهي تعجب من أمر تيس فما كان من عادتها أن تتسلل لتسترق النظر الى الناس ومن ثم فلا بد أن في رأسها شيئا يتخمر وما كانت تحب أن تفكر في كنهه. فكل شيء يحتمل حدوثه من تيس لا سيما في عيد ميلادها أذ تطلق لها الحرية أكثر مما تطلق في أي وقت آخر.

أن دخلا الحجرة حتى توجهت عيون الجميع اليهما كانت تيس قد عادت الى الحجرة حين خاب رجاؤها في مشاهدة موقف غرامي!

أبتسمت مرغريت اذ دخل رويز قائلة:

" أذن فقد قررت أن تخوض المجازفة. أننا نقول دائما أن من يخرج من حفلات تيس سالما يكون قد تدرب على أن يخرج سالما من أي شيء حتى القنابل الذرية."

فضحك رويز قائلا:

" أذن فهذه مقردة ثمينة ينبغي للمرء اكتسابها."

وحيته جولي في رزانة أكثر مما كانت في العادة ولكن روحها المتوثبة ما كانت لتسمح لها بأن تبقى طويلا مرتبكة أو مبهورة بأن أختها خطيبة صاحب ميريديث. فما لبثت بعد فترة أن أصبحت أكثر من أختها نفسها تبسطا معه. وظل توم ملصقا انفه بزجاج النافذة يتأمل بأعجاب صامت السيارة العملاقة اللامعة. مكتفيا بالتفاتة وجيزة الى رويز عند دخوله.

أما تيس فكانت على النقيض ولسبب كان يقلقها وتمنت ليلي صادقة أن تكتمه في نفسها راحت تحملق في أختها ورويز باهتمام ملح وتوقع ورجت ليلي وهي التي تعرفها حق المعرفة ألا يكون أمر مستهجن يدور في رأسها!

وبعد برهة قدم رويز حزمة أجتذبت أنظار التوأمين.. حيث ضمت زوجين من الاحذية الحقيقية للهنود الحمر كان قد أمر بصنعهما لهما أثناء رحلته! فتطلعت اليه ليلي خلسة وفي عينيها دهشة وتساؤل... أنه لم يحرص على العودة في الموعد المناسب فحسب لكي لا يخيب رجاء ولد وبنت صغيرين بل أنه تجشم عناء تدبير صنع الحذائين خصيصا لهما... متذكرا ولا ريب أغارتهما الهندية. هل تذكر كذلك هندية أخرى كانت معهما. تلك التي كانت على فرع من شجرة التفاح وهوت لتتلقها ذراعاه؟

التفت فجأة فرأى نظراتها.. ودلت اساريره على أنه تذكرها. أذ شاعت في وجهه أبتسامة مداعبة لا تشبه في شيء الابتسامة المتهكمة التي رمقها بها في البهو وقال:

" لعله كان جديرا بي أن آمر بصنع شيء لمدام جيرونيمو!"

وهتفت راجية وهي تعجب كيف عرف الاسم الذي ابتكرته لها كيري في ذلك المشهد:

" لا ... أرجوك دعها تمت خزيا وخجلا."

فصاح وهو بعد محتفظ بالابتسامة الخالية من التهكم:

" لماذا ؟ بل أوقن أنها جديرة بالتسجيل للاجيال المقبلة."

" كان الافضل أن تغوص في الشجرة وتغيب عن الابصار اذ ذاك."

قال بصوت خافت لم يسمعه سواها:

" يسرني أنها لم تفعل!"

كان الآخرون منصرفين الى الصغيرين وقد ألاتديا الحذائين وراحا يطوفان بالحجرة واردف قائلا:

" أنني اعجبت بما رأيت اذ ذاك."

قالت بصوت هامس:

" بهذه البشاعة المخضبة بالالوان؟"

قال برقة:

" الفتاة التي تحت الخضاب هي المهمة. أتعرفين ما كنت أظنه قبل ذلك؟"

فهزت رأسها شبه مسحورة بينما أستطرد قائلا:

" كنت أظن سكرتيرتي من الكمال بدرجة لا تجعلها من البشر, كفاءة فوق ما ينبغي خلو من الشوائب والنقائض. ثم قابلته فتاة مختلفة كل الاختلاف فتاة مستعدة لأن تفسخ خطبتها لتسع اختها, وتأبى وأن شقيت أن يشعر أحد أنها تمادت في التضحية لكي لا يشوب شيء هناءة أختها, بل أنها لتمارس العاب الاطفال مع اخيها وأختها الصغيرين."

وقفت ليلي لحظة مسحورة ونظراتها لا تفقه ما كان يدور حولها... ثم دوى رنين جرس الباب , فتحولت الى البهو في ارتياح قائلة وهي تقعد أمها عن الذهاب للباب:

" لابد أن هذه كيري."

ووقفت في البهو ثانية وكأنها تفيق من أغفاءة السحر ثم فتحت الباب فاذا كيري تحييها بابتسامة عريضة وهي تقول:

" أذن فصاحب السيادة هنا؟ كيف تسير الامور؟"

قالت في تردد وهي تتذكر عبارته الغريبة الأخيرة:

" أنني لا أستطيع أن أفهمه تماما."

فعلقت كيري في أقتضاب:

" أهناك تقصير من ناحيته؟ كان يجب أن نتوقع هذا... وأن كان قد أدى تمثيلا جيدا في المرة السابقة."

فهزت ليلي رأسها بابتسامة حائرة وقالت:

" كلا... لا شيء من هذا اطلاقا. الوافع أنه أحسن اداء منه في المرة الماضية!"

" أذن فما المشكلة؟"

" لا أدري... لعل خيالي هو الذي يصور لي هذا."

ما كان بوسعها أن تقر حتى امام كيري بأنها كانت تزداد شعورا به كرجل فاتن.

" هل قالت تيس شيئا منكرا؟"

عندما دخلتا الغرفة وجدت كيري نظراتها تتجه الى الرجل محاولة اكتشاف أي أختلاف طرأ عليه كان جذابا دائما ولكنه بدا في هذه المرة- مفعما بالحيوية , تشعر النساء بجاذبيته المتوارية بدلا من عدم المبالاة والبرود اللذين كانا يسببان الانكماش عنه. كانت حيويته السمراء خطورة جلية, كما وصفتها لنفسها. لعل هذا كان الاختلاف الذي استشعرته ليلي ولم تستطع أن تفهمه. ولعلها كانت بعد لا تزال على حب بروس ولكن رويز آلدوريت أصبح من ذلك الصنف من الرجال الذي يجتذب من المرأة نظرة ثانية, ثم يظل في أفكارها بعد ذلك.

* * *

صح ما حذرت ليلي منه رويز. فان تيس ما لبثت ان قررت أنها تريد لعبة العقوبات. كان عقلها قد شغل بالهدية لفترة ثم ارتد الى فكرة تمتلكها في وقت مبكر وتوقعت واليوم عيد ميلادها ان يباح لها توقيع ما تشاء من عقوبات اذا أوقعت بهم. وحذرتهما أمها قائلة:

" في نطاق المعقول" وبهذا بدأت اللعبة.

قالت تيس لرويز:

" سنبدأ بك فما أحسبك لعبتها من قبل, لهذا فسأخبرك بما يجري. سأوجه اليك بعض الاسئلة فاذا لم تستطع الاجابة عن أحدها أو باغتتك وأنت تغش فسأوقع عليك عقوبة."

هز رأسه وقال ميتسما:

" ولكن لا تكوني شديدة القسوة علي."

فقالت متفضلة:

" سنبدأ بسؤال سهل كم عمرك؟"

أجاب :

" أربعة وثلاثون عاما."

" أين ولدت؟"

" في كارسترانو."

قالت ليلي لنفسها, لا ضير الى الآن... وأذا تيس تقول:

" هل خطبت من قبل؟"

كان كل امرئ يعرف أن ليلي خطبت من قبل, فلم تر تيس ما يدعو لأن يحرج اذا كان هو الآخر قد خطب مرة . وجمد رويز لحظة وتردد ولكنه في النهاية قال متباطئا:

نعم... خطبت مرة من قبل."

رمقته ليلي ولكن أساريره لم تفصح عن شيء جعل ذلك الحاجز الصلب حوله. سألته تيس بغتة:

" كم عمر ليلي؟"

وبدا عليه الجهل فورا. وشرعت ليلي تشير له بأصبعها في تلهف, اذ تعرف عقوبة تيس. ولكن الصغيرة أعترضت وعادت تلتفت الى رويز مؤنبة وقالت:

" أذن فأنت لا تعرف عمر خطيبتك؟ أذن أعلم أنه خمس وعشرون."

وهزت رأسها بما أوحى الى ليلي بما عزز شكوكها. وقالت تيس تدعم رأيها:

" سأدخر العقاب الى ما بعد . الآن دور ليلي."

وأنتبهت ليلي الى اجاباتها بحرص مدركة أنها أذا أستطاعت أن تتجاوز الحد الزمني لأسئلة تيس فستكون في مأمن. كان الخطر الحقيقي في الافتقار لمعلومات تجيب بها, كما حدث لرويز بالنسبة لعمرها, وأخذت تيس تطلق أسئلتها بسرعة لتربك أختها:

" كم قضيت في العمل بالمصنع؟"

وأجابت ليلي:

" ثلاث سنوات."

" أين كنت تعملين قبل ذلك؟"

ولما أجابت ليلي عادت الصغيرة تسألها:

" وقبل ذلك؟"

" كنت في المدرسة."

كانت تيس تعرف كل هذا, ولكنها كانت تستدرج ليلي بمكر الى شعور زائف بالأمان ثم سألتها:

" هل قبلك يوما أي شخص عدا بروس؟"

قالت ليلي بصدق تام:

" كلا." ما كان أحد ليلقي هذا السؤال سوى تيس وما كان ينبغي في الواقع ان ينطق به لسانها الشيطاني.

ولكن جوابها كان أسوأ فقد كان غير صادق في رأي بقية الموجودين أذ لابد أن رويز قد قبلها بوصفة خطيبها... وبادرت تعدل اجابتها:" أقصد.... نعم."

ورمقتها تيس متشفية وهي تدرك أنها الفائزة وقالت:

" ليس المهم ما قصدت أنما الاهمية لما قلت."

وتماسكت ليلي أنتظارا لما يعقب ذلك... وأخيرا قالت تيس بجدية:

" أظنك تعرفين أنني أؤلف كتابا."

وكانت الاسرة قد صادفت دليلا كافيا ممثلا في أوراق متناثرة في كل مكان تحمل خطها العشوائي الذي لم يجعل الامر مفاجأة تذكر وأستأنفت أبنة العشر المذهلةك

" ولكني أعاني صعوبة أزاء مشاهد الحب... وكأنما ران على قلب ليلي ثقل من الرصاص هوى به في شدة. أنها ما كانت بحاجة للذكاء لتعرف ما سيتلو ذلك وأكملت تيس حديثها وهي تنظر لأختها ورويز في أمل:

" خطر لي أنكما قد لا تمانعان في عرض هذه المشاهد."

* * *

جلست ليلي جامدة وعقلها يعمل محاول التفكير في مخرج. كان بوسعها أن ترفض وقد أدركت لماذا تسللت تيس الى البهو عند وصول رويز... أخيرا قالت بحزم:

" لن أفعل شيئا كهذا أختاري أي عقاب آخر"

فأجابت تيس في عناد:

" ولماذا؟ ان للعبة قواعد."

لم تقو ليلي على النظر الى رويز في تلك اللحظة ولو كان في ذلك حياتها وواتاها الرد, فقالت متظاهرة بالمرح:

" لن يعطيك هذا فكرة صحيحة فان وجود جمع.."

فأتمت لها تيس عبارتها وكأنها خبيرة:

" أتعينين أنه يقيد حريتكما؟ صحيح... ما رأيك؟ أي امرئ جدير بأن يظنك لم تقبليه من قبل."

قال رويز:أنها خجلى."

"ورمقته ليلي بجانب عينيها فألفته يبدو مأخوذا في أنبساط.. كان هو الذي اتهمها بأنها التي تجد أن التظاهر صعب الاداء, وها هو ذا يكرر الاتهام في صمت وسرها ان ستيلا وبروس لم يكونا حاضرين لا سيما وأنها قالت أن أحدا غير بروس لم يقبلها. وأرتاحت حيث سمعت أمها تعنف تيس بشدة.

ومع أن الأمسية أستمرت بعد ذلك بشكل مرض فان ليلي كانت تشعر بظل من القلق يكتنف أمها. فأدركت أن أمها كانت تسائل نفسها عما أذا كان ثمة داع لرفض أبنتها تقبيل الرجل الجالس الى جوارها. وتمنت ليلي أذ ذاك لو تركته يقبلها ولكن هذا بدا مستحيلا اذ ذاك... ولقد علق رويز على ذلك فيما بعد كما توقعت وأن يبد أية حركة لمساعدتها في الخروج من المأزق في ذلك الوقت.

كانا يقفان في البهو حيث نركهما الآخرون للحظات الوداع كالعادة. وفجأة رأت ليلي حاجبيه الاسودين يرتفعان في أهتمام ساخر أصبح مألوفا وقال:

أنني أسأل مرة أخرى من منا يجد هذا التظاهر صعبا؟"

أحمر وجه ليلي وقالت محتجة:

" تقبيل أي شخص على مرأى من الناس صعب بطبيعته فما بالك اذا كان شخصا.."

وتوقفت محرجة فتولى اكمال العبارة عنها:

" لم يسبق لك تقبيل؟"

خرجت مرغريت ومعها كيري بعد خمس دقائق فوجدتا ليلي تقف جامدة في البهو. وقالت الام ضاحكة:

" أفيقي يا حبيبتي... أنك تبدين مذهولة!"

وأجفلت ليلي ثم تدافع الدم الى وجهها والتفت الى أمها . وظهرت جولي وكأنما اجتذبها ضحك أمها وقالت ليلي:

" ما سمعت خروجكن!"

فابتسمت مرغريت وقالت مداعبة:

" لا تنزعجي فقد أتينا للتو حين سمعنا سيارته تنطلق."

غمغمت ليلي بشيء غير واضح وأسرعت تغادر المكان.

* * *

ظلت ليلي مستلقية على فراشها معظم الليل تحاول أن تستبين كل ماحدث. طيلة عمرها لم تشعر بكيانها مهتزا بهذه الدرجة وكان اعجب ما في الامر ان رويز آلدوريت هو الذي فعل بها هذا.

ولم يكن قلبها مرتاحا في الواقع الى أن تكون باقية على حب بروس وتنبهر مسحورة برجل آخر ولم يكن لديها أتفه فكرة عما كان يقوله لها عندما افلتها في النهاية من ذراعيه. كانت هناك صورة باهتة له وهو ينظر اليها بنظرات غريبة باحثة, ثم يغمغم بكلمات لم تذكرها ويستدير فينصرف. ول يعد الى ذهنها شيء من التماسك وأدراك الواقع الا حين خرجت الأخريات الى البهو, وأن ظلت أعصابها تشدو وتغرد حتى الآن وبعد انقضاء ساعات.

وعندما تبينت أن عليها أن تواجه رويز وذكرى هذه الامسية بينهما بدا لها الامر مروعا. ولكنها لم تكن بحاجة للقلق, اذ بدا حين رأته كأن شيئا لم يحدث. فقد أستدعاها الى مكتبه وأملى عليها خطابات كما أعتاد أن يفعل طيلة ثلاث سنوات غير أنها لم تدر أنه بعد أنصرافها مسرورة بأنها أستطاعت الحفاظ على رصانتها ورزانتها المعهودين جلس لحظات طويلة يحدق في الباب الذي خرجت منه وقد ارتفع حاجباه الاسودان في تقطيب خفيف.

وكان من الطبيعي أن تلتقي بكيري في وقت لاحق من ذلك اليوم. ومع أن صديقتها تأملتها بنظرة غريبة فأنها أعرضت عن ذكر شيء عن التعبير الذي حمله وجه ليلي في المساء السابق وأن كانت لابد قد أدركت كما أدرك الاخرون معناه. أما بالنسبة الى بروس فقد سرها وأن أستنكرت ذلك في نفسها أن ألم فقدانه أخذ يخبو بسرعة. زكان الاستنكار لأنها ما كانت تعتقد انها تقبل على الحب بهذه البساطة والسرور... كانت تظن في البداية أنها ستعيش على حنين الى شيء لا سبيل لأن تحطى به, كما فعلت جانيس غير أن القدر فيما يبدو قرر غير ذلك, وما كانت تملك سوى أن تحمد له ذلك ولو أنها شعرت بشيء من الاشمئزاز من نفسها لأنها كانت موقنة من قبل بأن الحياة بدون بروس خواء.

وشرعت تسائل نفسها عم جعل الامر يحدث هكذا فجأة بيد أنها ويا للغرابة ! لم توغل في هذا التفكير طويلا أذ تراءى لها أن فيه شيئا من الخطورة وأنها ما كانت راغبة في مواجهة هذا الخطر أيا يكون في الوقت الراهن!

أنتهى الفصل السادس