الفصل الثاني

8 0 00

الفصل الثاني

الصديقتان

خففت جوانا من قوة دفع قدميها . لماكينة خياطتها وامتدت يديها لتجذب القماش الى الناحية اسفل الأبرة ثم قطعت النسيج بفمها .

-"أمي!"

دخلت كريستن الغرفة مهرولة ورحبت بها جوانا بيد حانية حتى انتهت من عملها وظلت كريستن تحوم حولها

-"أمي ...أسرعي..انه امر هام حقاَ"

-"ماذا؟"

كان النسيج ما زال بفم جوانا فاسرعت كريستن قائلة:

-"هل لنيكول أن تقضي الليلة معنا ؟"

اندهشت جوانا فلم تكن عطلة الأسبوع وكانت كريستن على دراية كافية باللوائح فقد كان لها الحق في دعوة أصدقائها في أيام الجمعة والسبت وليلتهما فقط فتركت جوانا ما كان يشغلها وقالت:

-"اليوم...الأربعاء!"

-"انا اعلم انه الأربعاء "

راحت عيني كريستن ترتفع إلى السقف واضعة يدها على جبهتها,إنه يسمح لأبنته أن تقضي ليله من ليالي في منزل أحد أصدقائها كان احساس بعدم المسئولية التي توقعتها جوانا من تانر لويد,فقد كانت كل توقعاتها والصورة التي رسمتها له من البداية ترتسم الخط تلو الآخر ولكن نما إلى علم جوانا في ظهيرة هذا اليوم ان نيكول لن تقول لوالدها انها وكريستن سيؤديان دور في عرض المواهب الذي يقام في المدرسة فقد أبدى عدم اهتمامه بل وعدم موافقته على نشاطات ابنته . وقد شعرت جوانا بالمرارة إثر تصرف تانر حتى انها تطوعت ان تحيك زي خاص لنيكول حتى يكون لديها شئ خاص لترتديه في هذه المناسبة والآن قد بدا الأمر وكأن السيد تانر يتمنى ان تترك ابنته المنزل في الأمسيات المدرسية ..قطعت كلمات كريستن تفكيرها قائلة :

-"أمي ...اسرعي واعطني القرار فنيكول تنتظر على الهاتف "

-"حبيبتي لديك مدرسة غداَ"

نظرت إليها كريستن نظرة فاحصة فاسترسلت جوانا قائلة:

-"سوف تسهران إلى منتصف الليل وتتحدثان وفي الصباح لن تكونا قادرتان على إستيعاب دروسكما فالأجابة لا"

أصاب ذلك كريستن بالأحباط الشديد فقالت :

-"أعدك ألا نتحدث وان تكون هذه هي المرة الأخيرة من فضلك يا أمي"

أطبقت يديها متوسلة وفي عينيها نظرة رجاء وهي تقول :

-"هل سألتك شيئا قبل الآن ؟"

نظرت جوانا الى ابنتها في ذهول فقد كانت قائمة طلبات الصغيرة ليس لها نهاية

-"حسنا, لقد نسيت ولكن هذا الأمر هام جدا يا أمي من أجل نيكول"

كانت جوانا في حيرة من امرها خاصة بعد ما علمته من امر بيت نيكول ووضعها

-"انني آسفة ,كريستن ولكن غدا لديك مدرسة"

بعد خيبة الأمل التي أصابت كريستن ,اتجهت الى الهاتف قائلة:

-"الآن ستضطر نيكول لأن تقضي الليلة مع مدام واجنر وانها تكره ذلك"

-"من تكون مدام واجنر؟"

التفتت كريستن الى امها وزفرت زفرة عالية لتحصل على عطف امها

-"جليسة الأطفال!"

والدها يجعلها تقضي الليل عند جليسة الأطفال "

-"نعم ,لأنه مرتبط بلقاء عمل مع بيكي "

انفعلت جوانا اكثر مما قالت كريستن ثم قالت :

-"بيكي ..من؟"

-"شريكته في العمل!"

-"أراهن"

ارتعشت جوانا ودققت النظر في الأمر تأكدت ان تانر له حياة رديئه غير مهذبة , ان يطرد ابنته من المنزل حتى يتسنى له ان يحضر امرأة اخرى ...يالـ فظاعة الرجل....

-"ان مدام واجنر سيدة عجوز شمطاء وتجعل نيكول تتناول الأكل الصحي ولديها تليفزيون غير ملون ولا تسمح لنيكول الا بمشاهدة العروض الخاصة بالطبيعة ..ألا تكرهين ذلك؟"

كان عقل جوانا مشغول فأي طفل سيكره أن ينبذ من بيته ويطرد وان تنتقل لتقضي الليل مع عدم رحمة جليسة الأطفال فسألت:

-"كم مرة يجب على نيكول ان تقضي الليل مع مدام واجنر؟"

-"مرات عديدة"

-"كم عدد هذه المرات ؟"

-"على الأقل مرتين شهريا وفي بعض الأحيان اكثر من ذلك "

-"ياللطفلة المسكينة.المهملة"

إقشعرت جوانا لمجرد التفكير في نيكول المسكينه وما تعانيه في قضاء الليل مع مدام واجنر

-"من فضلك يا أمي..أتسمحين؟!"

مرة أخرى جلست كريستن تتوسل لأمها لتعيد التفكير

-"حسنا ولكن هذه المرة فقط !"

مرت كريستن في الغرفة ولفت ذراعيها حول رقبة امها ووضعت رأسها فوق صدر امها وقالت:

-"انك أعظم ام في الوجود"

فقالت جوانا في حنان منقطع النظير :

-"على الأقل ينبغي ان اكون"

* * *

-"بالطبع لا!"

قال تانر وهو متوتر اثناء ارتدائه لقميصه

-"لن أسمع المزيد يا نيكول ..."

-" لكن يا ابي كريستن من اعز صديقاتي"

-"صدقيني ...يا حبيبتي... لقد سعدت انك وجدت صديقة ولكني عندما اذهب في رحلات العمل أريد ان أطمئن عليك وان هناك من يرعاك ويشرف على احتياجاتك"

كل ما كان يعلمه عن والدة كريستن كان غير مشجع فقد كانت في المنزل وفي وقت متأخر من الليل في حين تخرج هي لقضاء احتياجاتها وشراء مستلزماتها وبعد كل هذا كان لديها الجرأة لتعاتبه على ان يسمح بايقاظ ابنته في هذا الوقت المتأخر بالأضافة الى ان مظهرها كان يشبه البرميل

-"أبي ..انك لا تعرف ما اعانيه مع مدام واجنر"

استمر تانر غير مكترث في حزم حقائبه ولم يكن سعيدا لترك نيكول وحدها ولكن لم يكن لديه الخيار فهو شريك ويجب عليه القيام برحلات العمل وكانت هذه الرحلات ضرورية ليتعارف على العملاء واستيعاب المعلومات التي قد تفيده وحتى يتوصل الى عما اذا كان سيفلح ام لا وكان يريد ويأمل في ان يعين مساعد له ولكن حتى الآن كانت المسئولية كاملة تقع على عاتقه, رقدت نيكول على الفراش وبدأت تسرد لوالدها مدى المعاناه:

-"اخر مرة قضيت الليل مع مدام واجنر, أدت لي طعام غريب للعشاء ,وجعلتني اشاهد برامج التليفزيون الخاصة بالنباتات والبكتيريا والعفن "

إشمئز تانر ولكنه كان يعلم ان مدام واجنر ترعى نيكول بصورة فائقة وهذا كل ما يهمه في الأمر

-"أبي هل تعلم ما سوف تتناوله كريستن على العشاء ؟

لم يكترث تانر حتى بأن يخمن فغالبا ما سيكون ايس كريم الفراولة أو الفيشار او شئ هكذا ولكنه اراد ان يعرف فسأل :

-"كلا ...ولا اريد ان اعلم"

-"انها ستتناول الكبدة الساخنة"

-"نيكول ...لقد اغلقنا باب المناقشة وستقضين الليل مع مدام واجنر"

-"والأسباجيتي والكفته والسلاطة والحليب والخبز الفرنسي. وقد ذكرت مدام بارسونز انه يمكنني ان اعاون كريستن في تجهيز الكفته ولكن حسنا ..سوف احدثها واخبرها انك لا تريد ان اقضي معها الليل في بيت تخشى الا اجد فيه الرعاية الكافية"

-"نيكول.."

-"لا تقلق يا أبي ...اني اتفهم"

شك تانر في ذلك ووضع اشيائه في الحقائب واغلق عليها ثم قالت :

-"على الأقل انني احاول ان اتفهم لماذا ترسلني الى مدام واجنر في حين ان اعز اصدقائي قد دعتني لقضاء الليل معها"

شعر تانر بنفسه وهو يضعف , فقد كانت ليلة واحدة ووالدة كريستن الغريبة لن تكون لها تأثير في مثل هذا الوقت القصير

-"الأسباجيتي والكفتة هذا هو طبقي المفضل" تمتمت نيكول في ألم وكانت هذه الأخبار جديدة بالنسبة لتانر فقد كان يتصور ان البيتزا تقع في اول القائمة

-"ولديهم تلفزيون 21بوصة...بالتحكم الآلي"

وتساءل تانر:

-"هل ستتواجد والدة كريستن طوال الليل؟"

-"بالطبع"

نظرت إليه أبنته وكأنه يسألها اذا كانت مدام بارسونز كانت تتمنى الى كائن غريب فسألها:

-"أين ستنامين؟"

-"كريستن لديها فراش مزدوج"

لمعت عيني نيكول واكملت :

-"وقد وعدنا مدام بارسونز اننا سوف ننام في تمام الساعة التاسعة وبدون كلام"

في بعض الأحيان كان تانر يشعر وكأن المسئولية الأبوية قد ثقلت كاهله وكانت هذه اللحظة واحدة من تلك اللحظات , كان عقله يقول له انه من الأفضل ابقاء نيكول مع مدام واجنر ولكنه تفهم المعاناة التي تعاني منها ابنته فقال:

-"حسناَ يا نيكول ...لك هذا..يمكنك ان تبقى عند كريستن"

أطلقت ابنته صيحة عالية تعبيراَعن فرحتها العارمة

-"ولكن هذه هي المرة الأخيرة :

-"أبي ....انك افضل أب في الوجود"

والتفت يديها حوله من فرط سعادتها

-"حسنا,حسنا,الآن عرفت انك سعيدة بقراري"

أطلق تانر ضحكة خافتة فأسرعت نيكول تقول :

-"والآن هل لنا ان نذهب؟"

-"الآن؟"

كانت نيكول دائما تحب ان تبقى بالمنزل حتى اللحظة الأخيرة

-"نعم ,فقد ذكرت مدام بارسونز انه يمكنني المساعدة في تجهيز اللحم وهل تعرف لماذا أيضا؟"

-"انها تحيك لي ولكريستن زيان متشابهان للعرض المدرسي الخاص بالمواهب"

توقف تانر..فلم يكن يعلم ان ابنته كانت في حاجة الى زي

-"أي عرض مدرسي؟"

-"أوه!"

وضعت نيكول يديها على وجهها وقالت:

-"لم اكن انوي ان اعلمك لأنه سيوافق يوم عيد الحب وانا اعلم انك لن تستطيع المجئ ولم احب ان تشعر بخيبة الأمل"

-"نيكول ..من المهم ألا تخفي عني شيئا"

-"لكن يجب ان تكون في سياتل في هذا الوقت"

كانت نيكول محقة فقد كان يكره ان يفوته مثل هذا العرض ولكن ميعاد مقابلة مبعوث التجارة الخارجية بشأن شحنة الألمنيوم المتوجهه الى اليابان قد حان .

-"أي نوع من المواهب لديك انت وكريستن ؟"

-"اننا نلقي أغنية ..هل تعرف يا أبي فريق الروك؟"

-"هذا يبدو مدهشا واختيارا موفقا ايضا خاصة في عيد الحب ربما اقنعتكما بعمل بروفة امامي قبل العرض الكبير"

اتسعت عينيها الزرقاء من فرط سعادتها وقالت :

-"انها فكرة عظيمة ... سأرتب انا وكريستن في فترة غيابك وعندما تعود سوف نطلعك عليها!"

هرولت نيكول خارج غرفته وعادت بعد دقيقتين بحقائبها وقالت:

-"أنا جاهزة في أي وقت "

لم يسع تانر الا ان يلحظ ان ابنته سعيدة اكثر من أي وقت مضى , فكلما كان يذهب بعيدا عنها كان ينتابه احساس بالذنب لتركها ولكن هذه المرة هناك اختلاف فانها سعيدة وتحس بنشوة بالغة , كانت نيكول تنتظرها بالباب عندما ذهب لأحضار حقائبه .

-" هل ستأتي لتحيي مدام بارسونز؟"

نظرت اليه نيكول مستفسرة بعد ان وصلا بسيارة ابيها المرسيدس الى كريستن وقد لاحظ تانر حتى في الضوء الخافت انه بيت قد تم طلاءه حديثاَ باللون الأبيض وبالنوافذ الخضراء ولاحظ العناية الكبيرة بالأزهار والحديقة ...... لم يكن هذا البيت الذي تخيله طبقا لما رآه من مظهر والدة كريستن .

-"أبي....هل ستأتي أم لا؟"

رددت نيكول سؤالها ثانية كان على تانر ان يتأنى في الرد فلم يكن يجب ان يقابل تلك السيدة ذات الحذاء الطويل ورداء النوم ثانية.

-"أبي"

قبل ان يتمكن تانر من الأجابة انفتح باب المنزل وخرجت منه امرأة رائعة الجمال ذات شعر أحمر ففتح تانر فمه في ذهول , كانت امرأة جميلة وكأنها جاءت من صفحات المجلات ليس من المعقول ان تكون هي جوانا بارسونز ربما قد تشبهها ولكنها ليست هي بالطبع!

اندفعت نيكول خارج السيارة ولكنها توقفت وكأنما قد نسيت شيئا ثم رجعت الى الجانب الآخر للسيارة فأنزل تانر زجاج نافذة السيارة , فدنت منه ووضعت يديها حول عنقه قائلة:

-"وداعا أبي "

-"وداعا يا حبيبتي .......لديك رقم تليفون الفندق فأعطه لمدام بارسونز"

ووضعت نيكول يدها في جيبها وقالت :

-"انه هنا ياأبي "

-"كوني فتاة جميلة"

-"سأكون "

وعندما رفع تانر وجهه رآى جوانا وقد وقفت خلف ابنتها ووضعت يديها فوق نيكول وتفقدته بعينيها الباردتين , نعم ..انها هي تلك المرأة وتلك النظرة كانت نظراتها كفيلة بأن تجمد أي شئ في منتصف شهر يوليو.