الفصل الثالث

5 0 00

الفصل الثالث

وكنت أحسن الثلاث حظا وأيمنهن طالعا ، فقد قدّر لي أن أخدم في بيت مأمور المركز ، وكانت خدمتي غريبة أول الأمر ثقيلة على نفسي ، ولكني لم ألبث أن أحببتها ووجدت فيها لذة ومتاعا ، كلّفت أن أصحب صبية من بنات المأمور كانت تقاربني في السن ، ولعلها كانت أكبر مني قليلا . كنت أرافقها في اللعب على ألا ألعب معها ، وأرافقها إلى الكتّاب على ألا أتعلم معها ، وأرافقها حين يأتي المعلم ليلقي عليها الدرس قبل الغروب على ألا أتلقى الدرس معها . كنت لها خادما ، ألحظها من بعيد ، وأجيبها إلى ما تريد ، ولا أشاركها في شيء مما كانت تعمل .

ولقد كانت خديجة حلوة النفس ، رضية الخلق ، مشرقة الوجه دائما ، مبتسمة الثغر دائما ، وديعة النفس ، رقيقة الحاشية ؛ فلم يطل ما كان بينها وبيني من البعد ، وإنما أشركتني في لعبها ، واختصتني بأحاديثها وآثرتني بأسرارها ، ولم تبخل عليّ حتى ببعض ما كانت تمنحها أمها من الحلوى ، أو من النقد لتشتري به الحلوى . وما هي إلا أن تزول بيننا الكلفة ونصبح رفيقتين صديقتين ، وسيدة البيت تنكر ذلك أول الأمر ، ولكنها تذعن له بعد حين ؛

وإذا أنا أختلف مع الصبية إلى الكتاب فأتعلمكما تتعلم ، وأتلقى مع الصبية درس المعلم فأستفيد كما تستفيد ، وإذا ثياب الصبية تخلع عليّ فيقرب ما بينها وبيني من اختلاف الزي ، وأختلس نظرات إليها ، ثم أختلس نظرات إلى المرآة ، فلا أكاد أحس بينها وبيني فرقا ولا اختلافا ، لولا أنها كانت تتكلم لغة حلوة عذبة رقيقة هي لغة مصر ، وكنت أتكلم لغة فجة خشنة غليظة هي لغة أهل الريف وكنت أقلد في نفسي لغة خديجة فأحسنها وأجيدها ، ولكني حاولت من غير مرة أن أجهر بهذا التقليد فردعت عن ذلك ردعا عنيفا ، ثم حاولت غير مرة أن أجهر بهذا التقليد حين كنت ألقى أمي وأختي فكانت ا تضحكان مني ضحكا يخزيني ويردني إلى لغة الريف .

وأنفقت مع خديجة عاما وعاما لم ألق فيهما بأسا ولم أشْك فيهما عناء ، وإنما عرفت فيهما الترف والنعيم ، وتعلمت فيهما غير قليل مما يعرفه الأغنياء ، وبعد فيهما الأمد بعدا شديدا بيني وبين أمي التي كانت تعمل في بيت موظف من موظفي الدائرة السنية ، معتدل الحال متوسط العيش ، ولكنه أميل إلى حياة الريف ، وأحرص على تقاليد الفلاحين ، وبعد فيهما الأمد بيني وبين أختي التي كانت تعمل في بيت مهندس الري ، ذلك الشاب الرشيق الأنيق ذو الوجه الوسيم ، ذلك الشاب الذي كان يعيش وحيدا في دار واسعة ، تحيط بها حديقة جميلة نضرة ، ولا يعيش معه فيها إلا خادم ريفي ، يحرس الدار ويعنى بالحديقة ، وإلا أختي تنظف الدار وتعنى بمتاع الشاب ، وكان الطعام يأتيه غزيرا موفورا من مطعم المدينة ، فيصيب منه القليل ، ويترك أكثره لخادميه .

وكنت أرى أختي تشبّ مسرعة ، ويستدير جسمها استدارة حسنة ، وتظهر عليها آثار النعمة وآيات من جمال ، ولكنها ظلت كما أقبلت من ريفها المتبدي ، ريفية بدوية ، لاتقرأ ولا تكتب كما كنت أقرأ وأكتب ، ولا تحسن من أمور الترف شيئا كما كنت أحسن منها أشياء . وفي ذات يوم التقينا آخر النهار في حجرتنا تلك الحقيرة القذرة ، وكنت قد أخذت أكره هذا اللقاء ، وأضيق بهذه الحجرة ، وأود لو أعفيت من هذا الاختلاف إليها كل أسبوع ، ولو استطعت أن ألقى أمي وأختي من حين إلى حين حيث كانت ا تعملان ، ولكن أمّنا كانت صارمة حازمة ملحة في الصرامة والحزم ، لا تغير من عادتها شيئا ، فكنا نلتقي آخر الأسبوع دائما ، وكانتا تضحكان وتنعمان بهذا اللقاء ، وكنت أتكلف معهما الضحك وأتكلف معهما النعيم .

فلما كان ذلك اليوم والتقينا مع المساء ، لم أر بشرا ولا ابتساما ، ولم أر بهجة ولا اغتباطا ، وإنما أحسست صمتا عميقا مريبا ، ورأيت وجهين كئي بين مظلمين ، وخيّل إليّ أني أرى دموعا تضطرب في عيني أمّنا ولا تستطيع أن تنحدر ، وهممت أن أسأل عما أرى ، فأعرضت أختي عني إعراضا ، وأشارت إليّ أمي أن لا تسألي . وقضينا وقتا طويلا ثقيلا في هذا الهم الممض الذي لم أكن أفهمه ولا أتبين له مصدرا . ثم انقطع هذا الصمت فجأة بجملة واحدة لم أسمع بعدها شيئا ، ولم أصنع بعدها شيئا حتى كان الصباح ، صدرت هذه الجملة عن أمّنا فوقعت في قلبي موقع الصاعقة ،

ولقيتها أختي بوجوم غريب ، رفعت عينيها إلى السماء ، ثم مضت فيما كانت فيه من صمت وحزن وإعراض . قالت أمنا : إذا كان الغد فسنرتحل عن المدينة المشئومة ! لقد هممت حين سمعت هذه الجملة أن أنكر ، وأن أمتنع ، وأن أناقش وأجادل ، ولكن أمنا قالت هذه الجملة بصوت حزين بعيد محطم ، فلم أستطع أن أقول شيئا ولا أن أظهر شيئا إلا الطاعة والإذعان . وذكرت ما ألمّ بها من البؤس طول حياتها مع ذلك الزوج الماجن الفاجر ، ذكرت ما حرّق فؤادها من الغيرة ، وما آذى نفسها من الذل ، وما روّع قلبها من الخوف . ثم ذكرت ذلك الخطب الذي ألمّ بها فهدّها هدا حين جاءها النبأ بأن زوجها قد صرع ، وبأنه قد صرع فيما لا يشرف به صريع . ثم ذكرت هذه الآلام التي لا حد لها ، والتي غمرتها كما يغمر الماء الغريق ،

حين أنكرتها الأسرة إنكارا ، وحين أخرجتها من القرية ، ثم نفتها مع ابنتيها من الأرض . ذكرت هذا فلم أستطع أن أنكر ولا أن أجادل ، ولم أزد على أن أظهرت الطاعة والإذعان ، والله يعلم أي ليلة قضيت ساهرة حائرة ثائرة ، لا أطمئن إلى شيء ولا أسكن إلى رأي ، حتى إذا كان الصباح نهضت أمنا فأمرت أن نستعد للرحيل ، قلت : أفلا نؤذن سادتنا بهذا الرحيل ؟

قالت في صوت هادئ حزين : إن كان يؤذيك فراقهم فأقيمي فسنرحل نحن ، قلت باكية : إن فراقهم ليؤذيني لكني لن أستطيع أن أقيم ، وإنما هبطت معكما هذه الأرض ، وقد كنت أحب أن أرى خديجة قبل الرحيل . قالت : فإنك إن رأيتها لم تعودي إلينا ، أليس أبوها مأمور المركز ؟ أفئنْ تعلقت بك وكرهت فراقك يخلّ بينك وبين الرحيل ؟ قلت : إذن فلنرحل .

وما هي إلا ساعات حتى كانت أقدامنا قد تجاوزت بنا المدينة ، وانتقلت بنا من قرية إلى قرية نحو الغرب ، حتى إذا بلغ منا الإعياء أقمنا حيث كنا نستريح وننتظر الصباح .