3

4 0 00

3

رجع عيدان ذات ليلة إلى بيته بعد أن صلى العشاء في جامع القرية، فأسرج بغلته وألجمها ثم ركبها وسار بها في أزقة القرية حتى خرج من بابها الجنوبي المتهدم فوكزها بعصاه وانطلق بها في الخلاء الواسع وهو رخي البال منشرح الصدر يشعر بخفة عجيبة حتى ليخيل إليه أن البغلة قد ركبت لها أجنحة تطير به في الفضاء لتصل به إلى منزل الحبيبة بأسرع الأسباب، إنه سيسمر الليلة عند حمدان وسيستمتع برؤية عالية وسماع حديثها في منزل أهلها ثم لا يراها في المرة التالية إلا عروساً تجلى عليه في بيته.

وكان الهواء منعشاً يتندى بالنسيم العليل الذي يتهادى في ذلك الفضاء ليمسح بأذياله الناعمة الخضلة تلك الرمال المكدودة التي ظلت تتلوى من حر النهار الطويل، وليروح بأنفاسه اللطيفة عما يكتنفها من القريات والدساكر حيث يوزع بلسمه الشافي على فلاحيها المجهدين، ومواشيها اللاغبة حتى ينعم الجميع بلذة النوم الهنيء الذي جعله الله مشاعاً بين الخلائق، لا سبيل للغني أن يحجبه دون الفقير ولا للقوي أن يغتصبه من الضعيف.

وكان بدر التمام مطلاً من علياء سمائه بكل روائه وكامل ضيائه على ذلك الكون المسحور حيث استحال كل حقيقة إلى خيال، وكل خيال إلى حقيقة، فالرمل الأبيض الناعم قد أمسى ذروراً من الفضة تغوص حوافر البغلة فيه، وظلال الأشجار على جانبي الطريق كأنها شخوص من الجن أدركها النعاس وهي تهيم في تلك البطاح فتمددت حيثما حلا لها من الأرض، وقد ارتفع كل حجاب وشف كل شيء حتى أوشك عبدان أن يرى خواطره تتمثل أمامه في صور شتى قوامها من ضوء القمر.

ويمر عبدان بين الفينة والفينة بفارس يركض به جواده، أو فلاح يخفق على حماره، أو رفقة من الناس يمشون الهوينى مستعينين بالحديث على قطع الطريق، فما هو إلا أن يحيي أحد أولئك أو يرد تحيته حتى يلتفت وراءه فلا يكاد يرى أحداً كأنما سدل من الضياء سجف أبيض كبير ستر أولئك الناس عنه.

وعاد عبدان فتخيل السمر الذي سينعم به وشيكاً على الدكة الخارجية من كوخ حمدان حيث يتجاذب معه ومع والدته العجوز وأختيه وزوجته أطراف الحديث، وجعل يزور في نفسه ما هو قائل لعالية أول ما تستقبله عند باب الكوخ وحين يستقر به مجلسه إلى جانبه، ولكن الحديث ذو شجون فأولى به أن يترك نفسه على سجيتها ليملي الموقف عليه ما ينبغي له أن يقول.

وتذكر عند ذلك موقف راجية ومسلكها الغريب نحوه في الأيام الأخيرة، فانقبض صدره قليلاً، وسرح يستعرض صورها وهي تلاطفه أو تعانقه أو تتغنج له أو توري له في القول، على غير مألوف عادتها معه في كل ذلك، وجعل يتلمس لذلك تفسيراً يريح به صدره وينفي به سوء الظن عنها، فأعياه بعد الجهد أن يجد من ذلك ما يريد، ترى ماذا يدفعها إلى هذا السبيل! أهيام به قد بلغ من الشدة أن خلع عنها ربقة الحياء؟ أم كيد لأختها أملاه الحسد والبغضاء حتى جشمها كل هذا العناء؟ ليس أمامه إلا أحد هذين التفسيرين، ولكنه لا يستطيع أن يجزم أي هذين هو التفسير الحق.

ثم أخذ يسائل نفسه كيف ينبغي له أن يعاملها؟ لقد كان يكتفي في ذلك بالتجاهل والإغضاء، أفيبقى على إغضائه وتجاهله؟ إلى متى هذا الحال؟ إن الفتاة لتزداد في جرأتها يوماً بعد يوم، ألا يزجرها عن ذلك؟ أولا ينبه أمها إليه؟ ولكن هل تستطيع أمها أن تصلح من حالها شيئاً؟ إن راجية لجارية شموس لا تبالي ما تأتي وما تدع وإنها لسليطة اللسان فماذا يكون أمره أو سلقته بكلمة نابية أو افترت عليه فرمته بدائها وانسلت؟ أفلا يخشى أن يفسد ذلك ما بينه وبين عالية أو يكدر الصفو بينهما على الأقل؟

وإن عجبه من مسلك عالية لا يقل عن عجبه من مسلك راجية؟ كيف ترى عالية كل هذا فلا يثور لها عرق من عروق الغيرة؟ وبعض هذا كان حرياً أن يزلزل قلب غيرها من النساء لو كانت مكانها؟ ماذا يضطرها إلى هذا السكوت؟ أحبها الشديد لأختها؟ أم حرصها على سمعة أهلها أن تلوكها الألسن؟ أم ثقتها التامة بمكانها عنده أن تحيك فيه مثل هذه الهنات؟ أم أنها لا تبالي كثيراً أن يكون لها أو لأختها ليقينها أنه لو تخلى عنها لتهافت عليها كثير من الخطاب كلهم يفوقه جمالاً، ومالاً وجاهاً ونسباً؟ إنه يعلم علم اليقين أن عالية لا تكرهه، بل عنده من الدلائل القوية ما يثبت أنها تحبه وتعزه، ولكن ما يدريه أن لا يكون ذلك الحب الذي ظهر له منها راجعاً إلى حرصها على مجاراة أهلها فيما يرون وتحقيق ما يحبون؟ ألا يصح أن يتخذ دليلاً على هذا أنه قد مر على خطبته لها زهاء عامين ولا يذكر أنه سمع منها في خلالها كلمة حب قط؟.. ولكن ذلك قد يرجع إلى أنها حيي صموت فضلاً على أنها مدللة متثاقلة، وأنه ليأتي لها بالهدايا الثمينة من حلل وحلي فتقبلها منه بالشكر ويفتر ثغرها عن ابتسامة هادئة، ولكنه لا يذكر أنها اهتزت فرحاً لشيء من ذلك قط، كما تصنع الفتيات، قد يكون هذا لأنها لا تحبه حباً صادقاً، ولكن قد يكون أيضاً، لأن قلبها الكبير لا تستخفه أمثال هذه الأشياء الزائلة، ومهما يكن من شيء فإن صنيع راجية هذا قد كدر الصفو الذي يشعر به في الحاضر، وجعله يتوقع متاعب يخشى أن تعصف بسعادته في المستقبل.

كانت هذه الخواطر تتلاعب برأس عبدان، إذ لاحت له أبراج الحمام التابعة لكوخ حمدان فطامن من سير البغلة وأخذ يصلح من قميصه وجبته وعمامته، وطرد ما بقي من الوساوس في قلبه ليلقي القوم بشوش الوجه باسم الثغر، وخفق قلبه خفوقاً شديداً حين ترجل من دابته دون الزرع النابت حول الكوخ، وأخذ يقودها في الممشى الموصل إليه خلال الزرع، ورمى بطرفه إلى الكوخ فرأى الدكة الخارجية وقد دثرها ضوء القمر النافذ من خلال الغصون، فراعه أنه لم يلمح حمدان ولا أحداً من أهله ينتظره كما كان متوقعاً، وأنه لما اقترب من الكوخ سمع أصواتاً مختلفة يشوبها شجو كالبكاء فانقبض صدره واستعاذ بالله من سوء ما يضمر الليل، ووقف فنادى: حمدان حمدان! فأجابه صوت داخل الكوخ تبين أنه صوت الأم العجوز: من أنت؟ من المنادي؟

- أنا عبدان.

- مرحباً بك يا عبدان.. افتحي له يا راجية.

وتبين عبدان في صوتها نشيج البكاء، فزاد اضطرابه وقلقه وأسرع فربط دابته في المربد عن يمين الدكة.

وفتح باب الكوخ فإذا هو براجية قد وقفت وانية الحركة على غير عادتها، ونظر إلى وجهها في النور الخافت، فرآها تنشج والدموع تنهمر من عينيها، فخطر له أول ما خطر له أن صبر عالية على أختها الرعناء قد نفد، وأن غيظها المكتوم قد انفجر، فوقعت الواقعة بين الأختين، وصلى بنارها أهل البيت جميعاً.

- أين أخوك حمدان يا راجية؟

فأجابته بصوت متهدج: "ألم تعلم بما حدث يا عبدان؟".

- ماذا حدث؟

لم تجبه راجية بل انكفأت راجعة إلى داخل الكوخ، فتبعها عبدان فهاله أن رأى أم حمدان وأم الغيث جالستين تبكيان، ولم ير عالية بينهما، فهجس بباله أن الخطب أعظم مما ظن، فتهيب السؤال ووقف ينظر إليهما واجماً، ثم مد يده إلى العجوز فقبل يدها، وعندئذ مسحت العجوز دمعها وقالت له: "ويحك يا عبدان، ألم تعلم بما حدث لعالية؟".

- ماذا حدث لها؟ وأين هي الآن؟ وأين حمدان؟

- خرجت تحتطب من العصر فلم تعد، وبحثنا عنها في كل مكان فلم نجد لها أثراً.

- هل كانت وحدها في المحتطب؟ هل خرجت وحدها تحتطب؟

- بل كانت معها أختها راجية، ولكنها أبعدت عنها فلم ترجع إليها.

- كانت راجية معها إذن؟

- نعم..

- هذا عجيب!

قال عبدان هذه الجملة وغرق في بحر من الظنون تتدافعه أمواجه المتلاطمة، فإذا ما انتهت به إلى الشط أو ما يشبه الشط وجد راجية واقفة تبكي هناك، وقال في نفسه إنها تتصنع البكاء لتصرف به العيون عن سر رهيب تعلمه هي وحدها ولا تريد أن تبوح به.

وطفق عبدان يسترق النظر في وجه راجية بارتياب لم يستطع إخفاءه حتى صاحت في وجهه محتدة: "ما بالك تنظر هكذا إلي؟ أتتهمني بأن لي ضلعاً في اختفاء خطيبتك؟".

فنهرتها أمها قائلة: "ويلك يا راجية ماذا تقولين لعبدان؟".

قالت راجية: "أما رأيته يا أماه كيف ينظر إلي؟".

فقال عبدان معتذراً: "معاذ الله يا ابنة عمي أن أتهمك بالكيد لأختك وإنما تعجبت من اختفائها وكنت معها!".

- لقد قالت لك أمي إنها أبعدت عني فلما التمستها لم أجد لها أثراً.

- أما رأيت أحداً مر بكما إذ كنتما تحتطبان؟

فسكتت راجية قليلاً ثم قالت: "بلى، رأيت كوكبة من الفرسان مروا بنا منطلقين في عرض الطريق".

فقال لها عبدان: "أكان اختفاؤها عقب مرور أولئك الفرسان؟".

فأشارت راجية برأسها أن نعم.

- أما رأيت فيهم من أحد تعرفينه؟

- أنى لي أن أعرفهم وهم كانوا ملثمين؟

- على هيئة الشطار؟

- كان بعضهم كذلك.

- أما ارتبت بأحدهم أن يكون ثمامة؟

فسكتت راجية هنيهة وبدا عليها شيء من الارتباك، ثم تطلق وجهها قليلاً وهي تقول: "يخيل إلي أن ثمامة كان بينهم ولكني لا أستطيع الجزم بذلك".

فنظرت إليها أم الغيث متعجبة: "لولا ذكرت هذا لأخيك حمدان ليسهل عليه البحث!" فظهر الغضب في وجه راجية وقالت: "ما سألني حمدان هذا السؤال، وبعد فعرضي بي يا أم الغيث ما شاءت لك الضغينة، ولكن لا تنسي أن عالية أختي فلا غرو أن أنساني قلقي عليها كل شيء".

قالت أم الغيث: "حتى ما يعين أخاك في البحث عنها؟".

فصاحت راجية قائلة: "نعم حتى ذاك ما شأنك أنت؟ حسبك أن تنامي في الظل ونحن نعمل في حر الشمس من أجلك!؟.

فقالت لها أمها: "كلا يا راجية، إن أم الغيث لم تقل شيئاً يسيء إليك ولم تقصد إلا الخير".

وأيدها عبدان قائلاً: "أجل لا ينبغي لك أن تغضبي من كل سؤال يوجه إليك".

فقالت راجية: "وأنت أيضاً يا عبدان!" ثم طفقت تنشج بالبكاء وهي قول: "أواه عليك يا أختي يا عالية! ليت الذين اختطفوك اختطفوني مكانك" وما أتمت كلمتها حتى دفنت وجهها في حجر أمها وهي تنتحب.

وانتبه عبدان لهول الحقيقة التي نطقت بها راجية في هذه الجملة الصريحة، وذهب عنه التماسك الذي تصنعه لذلك الحين وهو يستنطقها ليعرف منها جلية الأمر، فدنا منها وأخذ بكتفيها يهزهما هزاً قوياً وهو يقول بصوت متهدج: "إذن فقد أيقنت أنهم اختطفوها؟".

- نعم اختطفوها.. لا ريب عندي أنهم اختطفوها.

- من هم؟

- لا أدري من هم.. دعني.. لا تهزني هكذا..

- قلت إنك رأيت ثمامة بينهم؟

- نعم رأيته بينهم.. هو الذي اختطفها.. لابد أنه هو.. لعنة الله عليه، ليته اختطفني مكانها، إذن لكان ذلك أهون على نفوسكم!

- أما سمعتها تستغيث إذ حملوها؟

- لا..

فعاد عبدان يهز كتفيها بشدة وهو يقول: "ماذا تعنين؟".

- قلت لك لا.. أما تفهم معنى لا؟ دعني.. فقد أوجعت كتفي.. أم تريد أن أكذبك فأزعم لك أنني سمعتها تستغيث؟

- أتعنين أنها استغاثت فما سمعتها أم أنها لم تستغث البتة؟

- من أين لي أن أعلم الحقيقة؟

- هل كان ثمامة يعرف عالية؟

- لو لم يعرفها لما قال فيها يوماً إنها أجمل فتاة قبّل شفتيها.. ماء الفرات!

- هل آنست لديها شيئاً من الميل إليه؟

- ويلك ماذا تريد أن تقول عن أختي؟

- لا شيء.. وإنما أريد التحري فحسب.

- إنها بعد لكتوم قلما يعرف أحد ما يدور غي خلدها.

- بل تعرفين الحقيقة وتتعمدين إخفاءها!

فنهرته العجوز قائلة: "كفى يا عبدان! لقد استطلت على ابنة عمك وتجاوزت حدك!" فرفع عبدان يديه عن الفتاة وابتعد عنها وقد احمر وجهه خجلاً مما أغضب العجوز ثم جعل يقول لها: "معذرة يا خالتي أمينة.. لقد ركبني من هذا الأمر ما ركبني فأخرجني عن طوري وأسلمني إلى ما رأيت".

فقالت له وهي تمسح الدمع عن عيني راجية وتواسيها: "كلنا في المصاب بعالية سواء، فعلينا أن نستشعر الصبر عسى الله أن يعيدها إلينا دون أن يمسها سوء".

فقال عبدان متأثراً: "سمع الله لك يا خالة واستجاب دعاك".

واستأذن عبدان خالته في الانصراف ليبحث هو أيضاً عن عالية، فأشارت عليه بأن يبقى في المزرعة ليكون في بقائه طمأنينة لهن وتسكين لخوفهن، حتى يعود حمدان فيرى ما يكون منه ويتفقا على القيام بما يجب، فاستصوب رأيها وقال لها إنه سيبقى خارج الكوخ على كثب منهن.