الجزء الأول

8 0 00

الجزء الأول

حوار صحفي

-" أحيانا، أكره الكتابة. كأنها فخ تورطتُ في الوقوع فيه. لو جعلتُ البطل رجلا، يسألونني بابتسامة لزجة: "لماذا لم تجعليها امرأة؟ انت امرأة ولا تكتبين عن تجارب النساء." أو "أهو شخص تعرفتِ عليه مؤخرا؟".. لكن أحداً منهم لا يسأل نفسه مثلاً كيف يمكن لامرأة تدور أحداث قصتها في بلدنا، أن تستيقظ في الثالثة صباحاً لتجد نفسها مدفوعة للنزول إلى الشارع راغبة في استنشاق بعض الهواء الحر، ثم لا يتركها السكارى إلى حالها، ولا الشرطيون، بل والناس عموماً.. عندئذِ لن يكف الجميع عن الاندهاش والتطفل حول سبب خروجها إلى الشارع في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل، ولن يصدق أي منهم أنها خرجت لمجرد استنشاق الهواء!.. لهذا ولغيره، عادة ما يكون أبطال رواياتي رجالاً.. ليكونوا متخففين نسبياً من الأشكال المباشرة لاختراق الآخرين لخصوصياتهم، بحيث يكون المجال مؤهلاً لاسترسال القصة دون انعطافات بفرضها الواقع. فيكون من الطبيعي استيعاب أنه يمكنهم أن يهذوا، في الثالثة صباحاً، وفي الشارع.. حتى لو كانوا مجانين، سيتركهم الناس لحالهم، لأنهم – في بلدنا – رجال."

-" ولو جعلتِ بطلتك امرأة؟"

-" أوه! لو جعلتها امرأة تتسع أمامهم دائرة الأسئلة، والتي عادة ما تكون لا علاقة لها بالعمل الأدبي. مثلاً: "هل تجعلين بطلتك امرأة لأنك بوصفك امرأة متحيزة للأدب النسائي؟" أو "وماذا عن الرجل، أليس له حقوق أيضاً؟" أو "كفاية بقى! وجعتوا دماغنا بحقوق المرأة!" ويبدأ الاستنكار والسخرية، الرثة في أغلب الأحيان.. والمحزن، أنها لا تكون سخرية من كتابتي، ولا حتى مني شخصياً. ليتها كذلك.. لكنها تكون سخرية مني باعتباري ممثله لكل نساء العالم في تلك اللحظة. إنها سخرية من النساء في شخصي. وهذا أمر محبط من الناحيتين: أولا إدراجي ضمن الكل، وأنا أؤمن بفردانية الفرد، ثانياً اعتباري لسان حال الكل، وأنا من التواضع بحيث لا يمكنني أن اعبر إلاّ عن نفسي، وإن كانت هناك تماسات غير مقصودة بيني وبين بقية النساء بحكم الطبيعة البيولوجية والاجتماعية، مثلما هناك تماسات بيني وبين بعض الرجال والنساء أيضاً بحكم المستوى الثقافي والفكرى. لكن أن يروني أنا وأعمالي كاستعاره لفكرة ما أو نموذج ما ل..."

-" ولو لم يروا فيكِ كل هذا؟"

-" الكارثة بعينها! سيسألوني أسخف سؤال يمكن توجيهه لكاتبة: "هل هذه سيرة ذاتيه؟" بل وأحياناً لا يسألون. يصادرون على الإجابة من أول سؤال: "في روايتك الأخيرة صفحة 9 عندما كنت تتجولين على سطح البيت... الخ" كأنني في نظرهم بطلة الرواية وليس كاتبتها!"

-" معك حق.."

-" ثم إنني أكره الاستمرار في الكتابة. أكره أن أصبح أسيرة الخيط الذي بدأته.. تستعبدني الكتابة.. اختيار البداية هو اختياري الوحيد. بعدها أكون مجبرة على الاستمرار داخل إطار الخيط الذي بدأته، ومضطرة لإزاحة أي خيط آخر. العمل الذي تكتبه يشبه الزواج أحياناً. كأنك تتزوج من شخص فيعني هذا أنك تزيح كل الاختيارات الأخرى، وإلاّ تخونه! أقصد تخون العمل الذي تكتبه. وإن لم تفعل فيبقى حاضرك ومستقبلك القريب عبدين للحظة اختيار في الماضى.. هكذا أد نفسي بدأت أربعة أعمال في لحظة واحدة. ولا أجد نفسي أمام شيء سوى البداية. لحظة الاختيار والإزاحة. فأتوقف. وأبتعد.."

-" وهل يرجع اختيار البداية عندك من مدى قدرتها أكثر من غيرها على أن تفتح أبواباً ما، آفاقاً ما للكتابة؟"

-" تأسرني البدايات الجميلة. لمجرد أنها جميله. ولا يهمني ما أصنعه بها بعد ذلك. أعمالي نزواتي. أما الكتابة ذاتها فهيما أنا مرتبطة به فعلاً. قد أشعر أحياناً برغبة في الحكي. أن أقول "كان" و"ذهب" و"فعل كذا وكذا.." وأحياناً أميل إلى الاختصار والتكثيف.. لكنني أريد دوما أن أكتب قصة حب. وكما ترى، لا يريد البطلان أن يلتقيا.."

أغلق الصحفي جهاز التسجيل. تنهد ثم قال:

-" لكنك وضعتِ يدك على الكنز."

-"الكنز؟"

-" نعم، الكنز. تلك البسمة الواهنة. أقصد، محاولات الرسام الشاب تقليد البسمة الواهنة للفتاة في المقهى، بهدف تمثُّل حالتها، والوصول بنفسه إلى التماهي فيما كانت تشعر به لحظة الابتسام. إنها رغبة في التواصل أكبر من اللقاء أو الحوار.."

-" معك حق.. لكن.. لكنني أفكر في شيء آخر."

-" ما هو؟" قال الصحفي ثم عاود التسجيل.

-" ليست مسألة ابتسامة يحاول هو تقليدها، أو نظرة لا يمكنها هي توجيهها إليه.. ليس التواصل هدفهما. التواصل موجود في كل مكان، على عكس ما يظن الناس" ترددتْ لحظة اكتشافها أن الصحفي أعاد تشغيل المسجل. ثم استمرت تقول: " نحن كائنات للتداول، كالعملة، كالهدايا.. سلعة وتجار في الوقت ذاته. أن اراك وتراني. أن أتكلم وتسمعني.. أن نتعانق.. أن نسلم على بعضنا البعض.. إننا نتباجل بكل حواسنا وعقلنا سلعة اسمها التواصل. فهل تراها تصل؟.. في النفس أيضاً أشياء للتداول. أنت تغتم فأغتم لأجلك. أو أشحنك بالفرح.. لكن بالرغم من كل ذلك، يبقى بيننا شيء ما – أو هكذا أظن – أقصد.. شيء لا يتم تداوله. شيء يجعلني ارتاح لك أو أكرهك بدون سبب واضح، ما إن ألمحك تمر أمامي أو استشعر مجالك الأثيري.. لا أعرف.. إنه تعارف ما.. تعارف من نوع خاص، يحدث لأني لا أعرفك. أعتقد إن هذا هدفهما. فلا أحد يعرف الآخر فعلاً.. إنه يعرف عن الآخر، من الآخر، أو حتى عن طريق الآخر.. لكنه أبداً لا يعرف الآخر.. هذه حقيقة يجب تجسيدها كتابة.."

بورتريه البسمة

عندما رآها قرر أن يرسمها. لكنه وجد أن هذا لن يغير شيئاً. عدل عن الأمر بالطريقة التي تعود أن يعدل بها عن أمور كثيرة. قال لنفسه: فيما بعد. ربما. فيما بعد.

كلنت تدخن بأصابع تريد أن تكون نحيلة ذات عظام بارزة. تتلفت حولها كثيراً. عندما تقدم نحوها النادل بالقرف الذي يقابل به النساء الجالسات في المقهى، طلبت منه "حاجة ساقعة" برأس تكاد تصل إلى حزام خصره. مرفوعة رأسها إليه في رجاء بينما هو ينظر إليها بتعالٍ للحظات ثم يرحل دون كلمة واحدة. رأى الرسام الشاب الذي لم ينتبه إليه. بعد فترة، لفت انتباهه شاب يتقدم نحوها. بدت على وجهها علامات الدهشة. سلمت عليه بجرأة وحرارة ثم لفهما الكلام والدخان. قال الرسام لنفسه إن هذا الشاب لم يكن من تنتظره الفتاة. كان تبادل إشعالهم للسجائر يبدو أوتوماتيكياً. تصافحا بفتور، ورحل الشاب. ابتسمت الفتاة ابتسامة واهنة وهي ترفع "الحاجة الساقعة" إلأى فمها. في تلك اللحظة التقت عيناها بنظرة الرسام الشاب. قال لنفسه: فيما بعد. ربما.. فيما بعد.

***

عنقود عنب يؤقد في الثلاجة، بكل الأتربة والشوائب التي حملها البائع إلى المشتري في كيس ورقس أجرب. حاول الرسام أن ينزع فرعاً من العنقود ويرفعه بيده إلى أعلى – مثلما كانت تفعل نساء اللوحات القديمة – ثم يلقى به إلى فمنه. لكنه اكتشف في آخر لحظة أن العنب متسخ. وإنه ليس متكئاً على أريكة الجنة يناوش الحور العين!

مشى كثيرا حتى وصل إلى المطبخ. وضع فرع العنب في طبق في الحوض. فتح الصنبور وركَّز الماء عليه. وسرعان ما كان الماء المندفع لضرب العنب يدوخ عند اصطدامه بقشرته العنيدة فيقتنع أنه من الأفضل أن ينسحب - بنفس القوة التي هاجم بها العنب – فصارت قطرات الماء تندفع بعيداً في فوضة كفلول المهزومين وتنتحر من فوق الحوض: متدان المعركة.

لكن الأتربة مازالت عالقة بالعنب. لم يكن أمام الرسام الشاب سوى أن يتخلى عن رغبته في رفع العنقود إلى فمه، وأن يكتفى بفرط العنب في الطبق وغسله بيده، واحدة واحدة. بعدها أخذ يأكل حباته منفرطة، كاللب والسوداني، أمام أحد البرامج التليفزيونية الضاحكة. شد القماش على الشاسيه الخشبي. أنابيب الألوان مبعثرة حوله. كرسي الحمام الذي يسند إليه قدمه بينما يرسم.. مازال الأسود والأصفر الفوسفوري يلطخان الجدران والسقف بكلام يأخذه بعيداً عن البورتريه:

صباح الخير

كل سنة وانت طيب

وحشتني

إحنا في القهوة

ياريت نفضل أصدقاء..

........

أصدقاء وتواريخ نسيها ونسي معها مفتاحا للشقة مع كل جيب. الآن، ينظر إلى السقف وحده. يئس الجميع من رغبته في مواصلة الصداقة. تركوا له المفاتيح على مائدة الطعام ورحلوا. ربما ليست هذه كل المفاتيح.. وإلاّ بماذا يفسر وجود العنب الذي لم يشتره في الثلاجة؟.. ربما ليس من الضروري جداً أن يغادر هذا البيت القديم.

***

في الطريق من المقهى إلى البيت كانت تفكر: ذهبي يساوي 3525 جنيه مصري. ومعي مثلهم تقريباً في ددفتر التوفير. يكون الإجمالي إذاً سبعة آلاف جنيه مصري. أحتاج إلى سبعة آلاف أخرى لكي أشتري حريتي: شقة إيجار.

وبعدها سيستلزم الأمر أيضاً شراء الجيران، كي لا يتطفلوا على حياتي الداخلية. سأدفع لهم بالعملة التي يفهمونها: حسن المعاملة، إن كانوا يستحقونها. لكنني سأظل أعتبرها رشوة لحماية الجانب الاجتماعي من حريتي. الرشوة جريمة في نظر القانون. يبدو أن حريتي تحتاج لجريمة لكي تؤمِّن حدودها.

في الحمام، عادة ما تبقى فترة طويلة. تقلق أمها عليها من العفاريت والخصوصية وانتفاء الرقابة. فتطرق الباب عليها كل دقيقة: -"عايزة حاجة؟". لكن البنت تريد أن تسترخي فقط. ألاّ يُطرَق عليها الباب في اللحظة التي تبدأ فيها نسيان الوقت والناس والجدران. لم تكن تبكي في الحمام، ولا تدخن سراً، ولا تلعب بأعضاء جسمها كما طرأ على بال أمها المتوترة. كانت فقط متوترة، تماما مثل أمها، وتريد أن تهدأ قليلاً. ويزيدها توتراً أنها كذلك: مثل أمها.

عندما خرجت من الحمام فتحت التليفزيون. وجدت المذيعة تتحدث إلى الأطفال في مسرح التليفزيون، عن سعدون الحطاب، الذي حاول قطع شجرة فأوقفته وطلبت منه أن يتركها مقابل أن تنفذ له بعض الطلبات بشرط أن تكون هذه الطلبات من أجل الخير. في ذلك الوقت، كان الوزير همّام والأميرة نور العيون تحاولان منع الملك من الزواج من أميرة بلاد النعام، التي قامت بين أبيها وبين الملك الهُمام عداوة تقاتلا فيما سبق بسببها. طلبت الأميرة نور العيون من ابيها أن يأتي لها بحمامة ذهب، عند النظر في عيونها يُرى العجب. وإلاّ ستغتم من زواجه بأميرة بلاد النعام. فكلَّف الملك منادياً يإبلاغ الرعية عن الأمر، ومن سيأتي بالحمامة المطلوبة ينال الجائزة المرغوبة.

طلب سعدون من الشجرة أن تأتي له بذه الحمامة ففعلت. وبدأت أغنية عن السلام يشترك فيها العنصر البشري مع عرائس الماريونيت بحركات انسيابية مبالغ فيها. وتحولت الكاميرا للحظة إلى وجه المذيعة المضطرب، وعيونها التي لا تثبت في مكان. ثم إلى الصالة حيث بدأ الأطفال يصيرون إلى الكاميرا ويلوحون بأذرعهم. كان بعضهم يجري في الصالة ورجال الأمن يحاولون تثبيتهم في مقاعدهم. يحملونهم عنوة. وعندما يكتشفون الكاميرا يضحكون كأنما كانوا يؤرجحون الأطفال في أحضانهم أو كأنما يرقصون معهم على أنغام أغنية السلام.

ابتسمت الفتاة ابتسامة واهنة وذهبت إلى الشرفة, فكرت أن العرقة بين الملك الهمام وأميرة بلاد النعام علاقة ملفقة. مثلها مثل علاقة الطفل بالطاعة والأدب. فكرت أيضا أن مَن ألَّف وأخرج هذه المسرحية فكّر في النعام الذي يرمز للخوف ولابد أن يتزاوج مع "ملك همام" يتسم بالشجاعة والاندفاع، حتى يثمرا حياة سلمية ولكن بلا خذلان. هذه الرؤية ستتفق مع المطلوب من الناس الآن. أن يشعروا وكأنهم ذاهبون إلى سلام لا خذلان فيه ولا مهانة. وهو أمر مشكوك فيه.. فالأطفال لم يقتنعوا. نسوا المسرحية ما إن سلطت عليهم أضواء الكاميرا. وأخذوا يرقصون ويلوحون لها، حتى يظهروا في الصورة، التي يبذها التليفزيون..

ثم إن انتصار الملك الهمام يجعل زواجه من أميرة النعام زواج سياسي لتوسيع نطاق دولته. ولكي توافق أميرة دولته على ذلك طلبت منه حمامة، بكل ما تعنيه كلمة حمامة في موروثنا الشعبي.. إنها تريد ثمنا لزواجه من أميرة بلاد النعام.. وهذه كلها مشاكل داخلية في بلد المنتصر الغازي لا يحلها إلاّ شجرة، يقطعها حطاب من عامة الشعب...

***

وضع طبق العنب على ركبتيه وفتح التليفزيون. أخذ صوت ليلى مراد يتردد في أرجاء مرسمه. فيلم "شاطئ الغرام". بعد أن أحكمت عشيقة عادل القديمة الكمين حول ليلى زوجته، وجعلتها تعتقد أنها تحت تأثير المخدر، نامت مع رجل غريب، بينما الحقيقة أن العشيقة نوَّمت ليلي بوضع حبوب منومة في الشاي، أوهموا عادل أنها خانته، شك صديق عادل في صحة الأحداث. فصديق عادل واثق من براءة ليلي الطيبة الشريفة العفيفة منذ أن قابلها أول مرة في مرسى مطروح. وبالصدفة يذهبان إلى عمة عادل التي تريد تزويجه من ابنتها، في اللحظة التي يخرج من عندهم الشاب الذي اتهموا ليلى فيه، بل وفي اللحظة ذاتها التي تشعر فيها ابنة العمة بتأنيب الضمير فجأة، لأنها تبني سعادتها على تعاسة زوجين. فيدرك عادل حقيقة الأمر فيغفر لزوجته ويسافر مرة أخرى إلى مرسى مطروح ليعيدها إلى بيتها معززة مكرمة..!

كان يمكن لعادل ألاّ ينصت لكلام صديقه. أو تتعطل سيارته في الطريق إلى بيت عمته فلا يظهر في اللحظة الحاسمة، أو تكون ابنة العمة لم تقرر أن تتبرأ من سلالة الشر التي أنجبتها. وبالتالي، كانت ليلى ستبقى في مرسي متروح عند أهلها إلى الأبد. مقتنعة أنها مظلومة. وممن؟ من زوجها الذي أحبته ووثقت به، بالرغم من أنه كانت له عشيقة قبل ذلك، بينما هو أول رجل في حياتها. وقد يصل بها الشعور بالوحدة ومرور الزمن إلى التفكير في أن عادل لم يكن يحبها، بل إنه هو الذي ظلمها بسبب شكه فيها. ستشعر أنه لم يثق فيها أكثر من الآخرين بدليل أنه يصدق كلام العشيقة ثم كلام بنت عمته ثم كلام صديقه، ولا يصدقها.. ربما كانت ستسخر من نفسها لأنها ذات يوم أحبت شخصاً كهذا. وربما كان عليها أن تتزوج صديقه الذي لم يصدق أية كلمة مما قيلت عنها.. وتكون في حبها له أكثر حكمة، فلا تتورط بمشاعرها مرة أخرى لدرجة الفناء في الآخر، أو الفناء بدونه.

وأيضاً بورتريه

تركتْ الورق قبل أن تكتب النهاية. كانت الساعة الثالثة صباحاً. اشتدت رغبتها في الخروج إلى الشارع.. ابتسمتْ، وخرجت إلى الشرفة. لكنها سرعان ما عادت إلى الحجرة. أخذت تبحث في حقيبة يدها حتى وجدت الكارت الذي يحمل رقم هاتف الصحفي:

-" ألو؟"

-" صباح الخير! ماذا جرى؟"

-" لماذا لم تسأل عني؟"

-" لم استيقظ بعد! ها أنا أصحو الآن.. ما الأمر؟"

-" أنت لا تهتم"

-" أنا؟ طيب.."

-" يا برودك يا أخي!"

-" حاضر! حاضر! سأحاول أن أصحو. سأكلمك بعج نصف ساعة."

-" لآ! الآن!"

-" ماذا جرى؟! هل حدث مكروه؟"

-" أبداً. لا شيء"

أغلقت السماعة. ووضعت نهاية البوتريه.

حوار غير صحفي

-" على الأقل أحكي لك عما تدور حوله هذه القصة. هناك ولد وبنت. الولد يحل المسائل الهندسية بسرعة. لكن المدرس لا يريد منه سوى حفظ الخطوات التي تؤدي إلى الحل. الولد يحمل أجندة مسطَّرة يرسم فيها عندما يشعر بالملل. سيكون هو نفسه رسام البورتريه في مرحلة عمرية أخرى. المدرسون يلعبون لعبة الكنز مع التلاميذ. يعذبونهم بها لو استطعنا القول. وبدلاً من الوصول إلى الكنز، يصل التلاميذ إلى ورقة مكتوب فيها إن عليهم أن يعودوا أدراجهم متبعين نفي الخطوات التي سلكوها للوصول إلى هذه النقطة. لكن التلاميذ يقفون مكتوفي الأيدي ولا يتذكرون الخطوات. أما المدرسين فيشعرون بانتصار. فكرتُ ألاّ أجعل من الفتى حالة فردية، فجاءت لعبة الكنز لتجعل من مشكلته قضية عامة يواجهها كل التلاميذ. ثم إن هناك بنت في مدرسة البنات المجاورة، يحاول الولد أن يجعلها تحبه. لكنه خول ويخشى المخاطرة في أي شيء بعيد عن الرسم. فيقرر أن ينفذ معها فكرة الخطوات التي كان يطرحها عليه مدرس الهندسة، ولكن في الحب: نظرة فابتسامة.. الخ..، لكن البنت تخشى الناس والمجتمع مع أنها تريد أن تفرح بشبابها، في الوقت نفسه..."

-" كفاية!.. يجب أن أقرأها. أنتِ لا تعرفين كيف تحكين! أقصد إن ما تكتبينه من قصص لا يعتمد بالضرورة على حدث يمكن حكايته! ليست هناك حبكة."

-" أعرف! وأريد أن أكتب أعمالاً ليس بها حبكة. أقصد ليس بها تصاعد إلى ذروة المشكلة ثم النزول بها إلى الحل. لا أحب البناء الهرمي. ربما أكون علىالعكس من ذلك أريد أن أصنع حفرة. ذروتها عمقها، وأصعب نقطة فيها هي اللحظة التي تنفك فيها خيوط الحبكة وليس الحبكة ذاتها. أن تكون تلك اللحظة لحظة صعود لا هبوط سهل يشارك فيه قانون الجاذبية. لكنني عندما أتقدم أقابل هضاباً وتلالاً لم تكن في الحسبان.."

-" لمَ لا تحاولين أن تقرأي قليلاً! عليك أن توسعي العالم الذي تعيشين فيه. أرى أن كتابتك تدور دوماً في مناخك الضيق الواحد. لماذا لا تتوقفين قليلاً بحثاً عن التجديد؟. أتذكر أنني قلت لك نفس الشيء عندما فكرتِ في كتابة رواية "الجسر"."

-" الجسر.. لم أكتبه."

حوار مع الذات

هذا المكعب الدامي الذي أقطنه، يبدو أنه يعاملني بسخرية. أنا. مجرد أسنان تجز. أفتح الكثير من الكتب. أتعجب من كل هذا الحشد من الكتَّاب الذين يرفعون أصواتهم بالكلام، ويعرفون ماذا يقولون. لكن لا كتاب يستهوويني. كل هذه الكتب مهداة لي. لي؟. بوصفي كاتبة؟ طُظ فيّ ككاتبة. إنهم يهدونني كتباً بموجب المهنة! وأنا، لا أحد يعرف، مجرد أسنان تجز داخل علبة ساخرة. أحاول التركيز. بل أحاول على العكس تشتيت تفكيري. لكن كل هذه الكتب لم يمكنها أن ترفع عيني عن البقعة الصفراء المشعة وسط اللون الأخضر الباهت، في حديقة لا وجود لها في حجرتي: الجسر.

الجسر الأصفر الواصل بين أرضين، يؤكد بوجوده على انفصالهما. برغم أن البركة من تحته تجف في الصيف، وتصبح الأرضان أرضاً واحدة. لكن أحداً مع ذلك لا يعبر عليهما باعتبارهما واحد في الصيف. الكل، صيف شتاء، يعبر على الجسر. كأنما يرجو من الجسر أن يؤكد على انفصالهما أكثر منه يصل بينهما.. كلهم يحبون الوقوف على الجسر. كلهم يحبون الأشجار المحيطة ويتأملونها من فوق الجسر. كلهم لا يعرفون الجسر. لا ينظرون إليه. مع أنهم كلهم يقفون مكانه. وبلا وعي منهم، يتقمصونه. أن يحلّوا محله بين أرضين. أرض واحدى في الصيف.. الحياة الموسمية لها رغباتها.

سأذهب للمطبخ. أعد براد النسكافيه الزجاجي. بحركات ليس لها صوت. مع الصوت تهرب كل اللغات الأخرى. ظلي يسبقني إلى المكتب. يعد لي الأوراق والقلم. يهيؤني للكتابة. كأن الجسر في انتظاري. وأنا لا أفكر إلاّ في المدرسة. حصص الرسم الإضافية للراغبين في امتحان القدرات. ينقسم الوجه ثلاثة أثلاث. الخطوط تقطع العينين والفم أفقياً. الأنف والأذن وحدهما بخير وسط الخطين. الألوان الصريحة ثلاثة أيضاً. أزرق وأحمر وأصفر. الروح الزرقاء باردة، لكن أصفرها الحار يملؤها بالصخب. هكذا يحتشد في أخضر الحديقة صخب الرحلات المدرسية. غير أن الروح الزرقاء تضفي على البركة الضارخة برودة وصمتاً. البركة للشتاء فقط.. وربما بسبب هذه البرودة الزرقاء يصعد الجميع إلى الجسر ويلتقطون صوراً للحديقة حوله وهي تفور بالحفيف واللعب. لكن أحداً لا يمكنه أن يواجه أصفر الجسر صريحاً، يكتفي بالتقاطه مموها في الخضرة المحيطة.

تضحك العلبة التب هي حجرتي. كل هذا عن كائن لم يتشكل بعد؟ لم أعد أستطيع أن أحاول مجدداً كتابة الجسر. ربما، صرت أعيشه وحدي. ككائن أصفر حار وصريح، أختفي تحت عباءة روحية زرقاء، وأبدأ في الضمور التدريجي.. حتى صار الجسر يُرى رمز وجوده في اخضرار الشجر، وصرت، عندما يسألني أحد ماذا كنت تريدين أن تكوني لو لم تكوني امرأة، أقول شجرة. انا خائفة.

الكنز