(1)
يجلس السيد / سليمان ابو هلال على طاولة بالقرب من باب السوق المركزي أسفل ألعمارة التي تضم عددا من الشقق ويعمل معه في السوق عدد من العمال لمتابعة المتسوقين ومساعدتهم على التسوق وكذلك تفريغ البضاعة التي تصل إلى المحل والعمل على تصنيفها في أماكـــــــــنها وما إلى ذلك..والسيد/سليمان يتابع بمهارة محاسبة العملاء ومراقبة العمال 0
عادة ما يفتح السوق في الصباح الباكر حتى في أيام الجمع... ترى السوق يفتح في الساعة الخامسة صباحا وفي تلك الأوقات تصل الى السوق سيارات بائعي الجملة للمواد الغذائية وادوات التجميل الذين يقومون بتحميل سياراتهم والمرور بها على المحلات التجارية الكبرى لتفريغ حمولتها...
كثيرا ما يثق السيد/سليمان في احد العمال الذي يتمتع ببنيه قوية اسمه نور الدين ...فهو يعرف الاسعار ويصفه السيد/سليمان بانه امين جداً....
وكان للسيد /سليمان ثلاثة اولاد هم :طارق 25 سنة ,وفؤاد 14سنة ,وايمن 12 سنة0.... الابن الاكبر قد انهى دراسته الجامعية والتحق بالعمل في مدينة جدة في ادارة محطة تحلية المياة اما فؤاد وايمن فلا يزالان في مرحلة الدراسة..
كان السيد/ سليمان في العقد الخامس من عمره الا ان اعتناءه بمظهره يجعلك تحسب انه في الثلاثين من العمر فهو لا يترك مجالا لشعر ذقنه ان يظهر 00خوفا من ظهور الشيب فيه ...وقد تعودت زوجته السيدة/خديجة على تجهيز ادوات الحلاقة له على حوض المغسلة الموجودة بجانب غرفة النوم لحلاقة شعر ذقنه قبل ان ينام .
سليمة 00تلك البنت الاندنوسية الاصل التي تعمل في منزل السيد سليمان منذ ان كان عمرها ثلاث عشرة سنة وهي بنت البيت كما تسميها دائما السيدة خديجة ....هي جميلة ومقبولة وفي نفس الوقت ذكية. ونظرا لقرب المنزل من السوق المركزي فقد كانت السيدة خديجة ترسلها الى السيد سليمان في السوق المركزي بورقة فيها مستلزمات البيت وتعود بها الى المنزل ...كما كانت تقوم بدورها في البيت على الوجه الاكمل في مساعدة السيدة خديجة 0كانت محل احترام العائلة بكاملها نظرا لاتزانها وحسن معاملتها بالاظافة الى كونها قد مضى عليها اكثر من عشر سنوات في هذا المنزل ....لقد ولدت في مكة وعائلتها تسكن في مكة ايضاً..
وقد حصلوا جميعا على الجنسية السعودية....... فهي مرتاحة في منزل السيد سليمان ورغم خطوبتها لاحد اقاربها الا ان السيدة خديجة لاتزال متمسكة بها حتى موعد زواجها الذي لم يتحدد بعد 0
السيدة خديجة كانت في العقد الرابع من عمرها أي انها تصغر السيد سليمان بحوالي 9-10 سنوات الا انها تبدوا اكبر منه في السن بسبب زيادة وزنها ..... كانت جميلة الملامح خفيفة الظل وعادة ماكان السيد سليمان يظهر لها انزعاجه من زيادة وزنها ويطلب منها ان تحافظ على وزنها بقدر ما تقدر ..
كما كانت تقوم بدورها كأم على الوجه الاكمل فهي تتابع دروس الاولاد وتعتني بهم بالإضافة لكونها ربة بيت ممتازة .....
كانت عندما يعود السيد سليمان من السوق بعد صلاة العشاء تتلقاه بالطشت الذي يضــــع فيه رجليه ثم تدلـــــكهما بالماء اـــــدافئ وتقوم بتجهيزالعشاء مع ابنتها راوية وسليمة... اما ابناؤها فؤاد وايمن اللذين غالبا مايقضون الوقت بين المغرب والعشاء في اللعب مع اولاد االحارة فيكون التعب قد انهكهما فينامون بعد صلاة العشاء .....
راوية كانت هي البنت الوحيدة للسيد سليمان والسيدة خديجة.. بلغت الآن ..الثانية والعشرين من العمر وتنتظر الزواج... انها جميلة 00فيها شبه كبير من صورة امها وتدرس في كلية التربية للبنات في السنة الاخيرة ..
السيد سليمان ابو هلال اسمر البشره بعض الشئ..... الا انه دائماً يبدو مرحا بروح الشباب وهو ميسور الحال ...وهناك همسة كلام لرواية مع ولد خالتها بين الامهات لكنه لم يتاكد بعد ....علما بان والده من كبارتجار مكة ...
كانت راوية هي المدللة في المنزل فهي البنت الوحيدة وطلباتها دائما مجابة وعادة ماتتخذها السيدة خديجة وسيلة ضغط على ابيها فهي لاتطلب من السيد سليمان طلبا ويرفضه لها ....
السيد سليمان كان دائما يشتكي من ابتعاد ابنه طارق في وظيفة بعيدة عن مكة كذلك عزوفه عن الزواج ... فالسيد سليمان يريد ان يفرح بابنه وان تضئ عقود الشارع ويعلم اهل الحارة ان طارق سليمان من الممكن ان يحل في السوق مستقبلا بدلا عن ابيه.... الا ان عزوفه عن الزواج جعل السيد سليمان يتميز غيظا عليه احيانا ...فهو الابن العاق كما يدعوه دائما وهو الذي يقول عنه اذا لم يتزوج فهو يشك في رجولته ...
كان طارق قوي البنيه مفتول العضلات يجلس امام المنزل بعد عودته من جدة بعد العصر ويجتمع مع شباب الحارة اما للعب البلوت او شرب الشاي والتبشيك امام اعين المارة ..
لقد شاع ذكرهم في الحارة فهم شلة شباب الحارة .... انهم شباب محترمين يهمهم امر الحارة وسكانها ... يجلس طارق معهم اغلب اوقاته..... كان لايحضر مع اهله الا وجبات قليلة.... ان له مجلسه الخاص وشلته الخاصة وغالبا ماكانت امه هي وسيلته الوحيدة للتمرد على والده الذي يطلب منه بصفة دائمة الذهاب معه الى السوق .......وهي المحامي الاول والاخير له ....
وكانت غيرته على اهل الحارة وسيرته الحسنة وعلاقته الطيبة مع الناس شافع له عند والده ايضاً فهو لا يؤذي احد ما لم يستفزه ولا يمكن ان يرى خطأ ويسكت عليه ....فيه من الحمية.. لاهل الحارة الشئ الكثير... اما اخوه الأصغر منه سنا وهو فؤاد فكان اقرب الاولاد شبهاً بإبيه وكان ذكيا وعبقريا في دراسته ويحضرمع والده في السوق المركزي...
كان بيت السيد سليمان لا يبعد عن السوق كثيرأ.. يقع بجانب البازان القديم وبجانبه حديقة كبيرة لا تنقطع عنها المياة التي تنسكب من السقآئين عند تعبئة زفّاتهم من هناك لذلك تجد اشجارها دائما مخضرة.
كان الماء يصل بيت السيد سليمان من شبكة المياة المنتشرة في جميع حارات مكة المكرمة وكان امام البيت اريكة مرتفعة يجلس عليها طارق (وبشكته)بعد صلاة العصراو بعد صلاة العشاء وبجانب المنزل شجرة سدر كبيرة يقال انها قديمة جداً وعادة ما ياتي بعض الافريقيين لياخذوا منها ورق السدر يعتقدون ان فيها البركة..
يجلس السيد سليمان مع اعضاء بشكة طارق اذا اتى وهو رايق كما يقول , اغلبهم من اولاد الجيران وزملاء طارق الذين يكن لهم كل الاحترام...
بجانب السوق المركزي عمارة مكونة من ثلاثة ادوار وبها ثلاثة محلات تجارية احدها مخبز والثاني والثالث يعمل بها العم علي ابو لهب صاحب مطعم اكلات شعبية ...واذا تضايق السيد سليمان من العمل في المحل خرج للقاء العم علي وبعض اهل الحارة امام المطعم للتحدث مع بعضهم والاستماع الى المذياع الذي هو القرين الممتع للعم علي ابو لهب ..وعند ذلك يبدأوا في استعراض اخبارمحطات العالم وماذا قالت لندن ومونت كارلو ومن الجلسة الاولى لك مع العم علي ..تعرف انه رجل سياسي بدرجه بكالوريوس فهو يعرف الوزراء العرب والاجانب والحكومات ورؤساء الدول وكانه قد تخرج من الجامعة ... الا انك تندهش عندما تعلم انه لا يحمل أي مؤهل وانه بصعوبة يعرف جزئين او ثلاثة من القران الكريم ويكتب كذلك بصعوبة ويعرف طرق الحساب والجمع والطرح وتستطيع ان تقول ان مستواه هو الثاني الابتدائي .....
كان للسيد علي ابو لهب ابن يعمل في الجوازات وكان السيد سليمان يحتاج اليه في متابعة بعض فيز العمال الذين يحتاجهم او عند سفرهم والتاشيرات وما الى ذلك .......وكان طلال يطرب من جلوسه مع السيد سليمان فعندما ياتي للتسوق في السوق المركزي للسيد سليمان لا يخرج من عنده الا بصعوبة فصاحب المحل يريد ان يلاطفه ويجلس بجانبه ويشتكي له دائما من ام العيال التي يقول انها افسدت الاولاد وانهم من المفروض ان يساعدوه في المحل ..
ولكن طلال يسمع من العم سليمان وقلبه يرف عندما ياتي اسم البنت راوية على لسانه فهو يعرف انها في المرحلة الجامعية في سنتها الاخيرة وهو يراها عند ذهابها الى الجامعة ولكنه قد نما الى علمه انها سوف تتزوج ابن خالتها وكما قال الشاعر
ويطربني ذكر اسم الحبيب فتنتابني سكرة عابرة
ولا يزال عنده بعض الامل لكنه لا يريد ان يكلمه في الامر حتى لا يصتدم الكلام عنها يذكر ابن خالتها... ويريد ايضا ان يفهم السيد سليمان ان له رغبة فيها.... فقد لا تتزوج بابن خالتها فيكون هو الاولى بها.........لقد آن له ان يتزوج.... انه في سن الثانية والعشرين ويعمل في الجوازات بوظيفة محترمة وكذلك هو صديق مخلص لاخيها طارق بل من اقرب الشلة اليه فهم اصدقاء منذ المرحلة الابتدائية... وقد عرف سر حجزها لابن خالتها من اخيها ....ولكن لايزال قلبه يخفق تجاهها والنصيب مكتوب والصبر يحل كل المشاكل....
كان منزله قريبا من منزل السيد سليمان وكان دائما ينزل الى عمله مبكرا ويرى راوية عندما تكون ذاهبة الى الجامعة وكانت راوية ترى فيه ذلك الشاب الانيق لابساً بدلته العسكرية في كل صباح وعندما يركب سيارته الجديدة وتتمنى شابا مثله سيما وانه وسيم وتزداد وسامته عند ارتدائه البزة العسكرية..