( 30 )

7 0 00

( 30 )

هجم على كيس الخبز ، علبة الجبن ثم أجهز على محتويات الكيس والعرق يتصبب من جبهته ، لم تراه هكذا حتى في أسوأ حالاته وهو عند بابها يشحذ هرباً من جوعه ، حتى أنه غير مكترث تقريباً لساقه اليمنى النازفة إثر عضة الكلب ، يحوم عليها بعض الذباب الفضولي وقد انسحب عنها ظل النخلة . تنظر إليه .. كأنما هو من كوكب آخر ، كثرت الشعرات البيض في لحيته الكثة ، هذا شعره صار مسدلا على كتفيه يتناغم مع لحيته ، وتحمل عينيه وقار منتصف الأربعين و بقايا جنون الشباب و الحلم . أليس كل تسكع الأعوام التي مضت من عمرها على أرصفة الرجال ، تتذوق أجسادهم و أحاسيسهم المزيفة كما كلماتهم ، كلها هراء وهي لاهثة تهرول في السراب ، تبتعد عن ذاك النور الذي كان يسكن داخلها ثم تحول إلى ظلمة مقيته ، يمازجها الخوف و ذوبان الأمان .

عارف ، أنت الآن أحسن ؟

مـ .. مـ .. مـاء ، اللقمة تنحشر في حلقي ، آه ، أه ه ه ه

سامحتني عارف ، سامحت هذه الفاسقة الملعونة ؟

....................

لك كل الحق أن لا تغفر لي ، ومن يغفر لمومس حقيرة و..

الله في سماواته العلا يغفر لخلقه ، فكيف نحن البشر ؟! منصورة ، حياة السجن خلصتني من أنانيتي ، أشعر أن حياة ذاك الغجري التائه ، أشعر بها تغيرت ستبلغ ربما محطتها الأخيرة . آه ه ه ه ، لا ، لا تخافي ، عضة هذا الكلب لن تقتلني !

أنت تنزف ألا ترى نفسك ؟

هههههه عندي ، عندي مناعة ، هي نفس الساق التي عظها كلب المنامة من .. لا أتذكر المدة يا منصورة ! ماذا تفعلين ؟

سأتصل كي أدبر لك مكان حتى ..

هنا مزرعة جدي آمن مكان عندي .

والدليل هجوم الكلب عليك وساقك النازفة .

ههههه صدقيني ، هذه عظة ترحيبية لرفيق يشابهني في تشردي ، هذا ما في الأمر .

تتكرم أن تشابه كلباً ، ماذا تقول ؟!

وما بها الكلاب ؟ على الأقل تحفظ الوفاء لأصحابها أكثر من البشر !

...................

الآن الشرطة تبحث عني هه ؟ ، قلت لكِ أن المزرعة هنا أفضل مكان أتوارى فيه ، لن يجدوني.

وكيف هربت ؟!

ماذا يعني ؟ هل هي قصة من فيلم هوليودي ؟! المجنون الذي يسكن هنا قادر على تجاوز الصعاب ولا يعرف المستحيل.

نعم قصة من فيلم هوليودي .. أنت بطلها عارف . أتبعت حدسي وكدت أتوقف في منتصف شكي ، ولكن .. ها أنا عندك ، عرفت أنك ستكون هنا ، من اللحظة التي أخبرني هاني بهروبك ، لا أدري لماذا تكلم بشأنك.

هذا الداهية وضعك في فخ ربما ويعرف ماذا يفعل .. يهتم بموضوعي أكيد لأنه يخاف على مصالحه مني . لم يفكر حتى في زيارتي هذا التعيس .

المهم أنت .. الحمد لله على السلامة عارف .

أندست في صدره مثل طفلةٍ تعرف خطأها وجاءت تطلب الصفح بآيات البكاء ، لا تعرف إلا التوغل في مساحة هذا الخواء ، تهرب منه إلى صدره ، كأنما يهبها كوناً آخر ، تكتم فيه صرخات عذاباتها ، هنا تغني وتفرح ، تلتئم جراحها ، تسافر أناها للبعيد كما رشة عطر تجود بنفسها ، تؤتي رقصها بسخاء لا يتقن إلا الاحتراق .

لكن في هذه اللحظة أوقف رقص اشتهائه الأهوج ، أستيقظ مستشعراً طعم هذه الهزيمة وأحتقر ندائها الحيواني ، متجلداً يتمرد على لظى نارها اللذيذة وقال بحزم :

كفى منصورة ، يرحم الله والديك كفى .

هيا عارف ، لا تترك مني شيء ، أشعل حريقك ولا تبالي !

قلت لكِ كفى يا مجنونة ( صفعة ) !!

ارتعشت كما نبتةٍ بريه داهمها الغبار الصحراوي الجاف ، حدقت فيه منكسرة مندهشة ومن بين دموعها ، أصبحت الآن لبؤة شرسة ..

لك حق ، نعم أنا أستاهل ، الديكور الذي تراه تعرف التي تختبىء خلفه .

استيقظي خلاص .. ضيعك هاني ، أنت لا تعرفينه ؟

أعرفه أكثر منك . هو صادق في نيته عندما حاول مساعدتك ، حتى تصير واحد آدمي مثل الناس ، لكن ها أنت ، متشرد ثم مسجون وفريت بعمرك التافه ، لا هدف لك في الحياة ، قالها هاني وصدق : حياتك لا تعني شيء ، مجرد زبالة ! عمرك لن تتغير حتى تموت وتذوب عظامك .

.....................

تف على اليوم الذي عرفتك فيه . أنا لا أدري ما الذي خبلني فيك ؟ أنت واحد نكرة أنت .. بصقة على القاع تتقز منها الناس .

انتصب واقفاً يهتز قليلاً والريح تداعب خصلات شعره ، دار ببصره ناحية حوض المضخة التي كانت تسقي الزرع وأجمل الذكريات ، يقف جده هنا يوزع سيمفونية الماء خصباً يروي ألحاناً من الخضرة والهدوء والخير . عند الحوض الحجري الذي لا يزال صامداً ، تقف بقايا الفزاعة ، تهرأ الثوب الذي ترتديه وبقت الرأس الخشبية بشعرها الاصطناعي و بعينين جاحظتين في الفراغ ، كان قد صنعها والده ذات نهار ، هو لا ينسى ذاك اليوم ( ضحك ) ..

هل ترينها ؟ هناك نعم هناك . كل وجودي في الحياة مثلها تماماً . فشلت في التصالح مع نفسي ، صدقيني لم أعرفها يوماً . قرأت الكثير من الكتب ولم أجد لثقبها الأسود غوراً أصل إليه ، ما وصلت إلى شيء . هذه الفزاعة عندك تسكن هنا في رأسي ، تشاركني نومي و صحوي وأحلامي وأكلي و شربي وحزني وكل خيباتي وهزائمي ، فشلت في انتزاعها من رأسي اللعنة عليّ ! ماذا تريدين من معتوه مثلي ؟ صرت أعتقد أن لكلٍ منا فزاعته .

أحبك .. أحبك والله أحبك عارف ، سافرت ورجعت وخيالك لم يفارق تفكيري ، قدري أنت عارف ، أحبك وسأجن مثلك هل تعرف أم لا ؟ أنا مثلك منبوذة يا عارف ، نحن لبعض ألم تفهم هذا بعد ؟

مسكينة وغبية .. تحبين مخبول مثلي ؟!

طالما نظرت لنفسك هكذا ستظل على هذا الحال عارف ، حياتك ستتغير ، أعط نفسك فرصة ، حرام اللي تعمله في نفسك . تدري .. لازم تسافر بأي وسيلة ، ستتعالج في أحسن المستشفيات ، لن أتركك هنا تلاحقك الشرطة و يصير مصيرك مجهول في بلد لا تتصالح مع نفسها.

منصورة ، تغيرتِ كثيراً . أكيد عندكِ مستقبل ، أهتمي بنفسك واتركيني هنا ، لا أريد شيء من كل هذا الضجيج ، صرت أكره هذه الحياة ! إن كانت الشرطة ستقبض عليّ فالتأتي ، لم أعد أبالي ههههه وسأرحب برصاصة مجنونة تخترق رأسي هذه ، تقضي على شبح الفزاعة ، كم سأرتااااااااااااح يا منصورة !

عضة الكلب جعلتك تهلوس عارف ، أنت لا تعرف ما يحصل لك ، لازم أتصل حتى ..

لا ، لا تتصلي بأحد ، صدقيني مرتاح هنا ، اتركيني الآن ، سأفكر في كلامك . تعرفين مكاني إذا أردتِ المجيء ، أريد أن أنام . إنها الليلة الثانية من حرية الغجري الأهبل ، أنا حـــــــر!

مجنونة لو صدقت كلامك . الشرطة تجوب مناطق المزارع من بداية الأحداث وتبحث عن شباب المعارضة ، تظن أنك هنا بأمان ، أسمع كلامي وخلينا نذهب لمكان آخر ، أعتمد عليّ فقط .

هههههه ألا تزال هناك معارضة سياسية ؟ السجن مكتظ عن آخره بالشباب وحمى الاعتقالات تبحث مسعورة عن بشرٍ أبرياء صاروا أسفل التراب ، والله حال هذه البلد لا .. أعرف كيف أتوارى عن الأنظار ، مزرعة جدي لن تخذلني وإن تطلب الأمر ، أعتقد أن شبح (غريغوري راسبوتين * ) سوف يساعدني بتأثيره السحري الطاغي ويهلك أعدائي من الشياطين ، سوف يلهمني بواحدٍ من حلوله العبقرية ، ربما يشفيني من أوجاعي . صدقيني أنا بأمان ، كل أشباحي الصديقة أراها هنا ، لست وحيداً كما تتصورين فقط لا تقلقي عليّ .

غريغوري يفموفيتش راسبوتين .. رجل أعطى العالم نموذجاً فريداً لم يعهد التاريخ مثله عن الرهبنة ، عرف عنه فجوره و دوره المؤثر و الغير عادي على المحيطين حوله ، وعلى مجتمع القيصرية الروسية ، حيث عاش في الفترة ما بين 1869 – 1916 م . عرف عنه انتمائه في شبابه المبكر إلى عدد من الجماعات السرية ذات الممارسات الروحية و الجنسية المشبوهة التي تقترب من عبدة الشيطان و ممارسي السحر الأسود . كما أنه من عام 1881م بدأ سلسلة من الرحلات سيراً على الأقدام ، سافر فيها إلى اليونان و سوريه و الأردن و فلسطين ، زار فيها معظم البقاع المسيحية المقدسة والأديرة الشهيرة في تلك البلاد . ثبت عن راسبوتين قدرته الهائلة على التنويم المغناطيسي ( الإيحائي ) باستخدام صوته فقط ، يتمتع بحضور قوي ، فكان يشتهر بقدرته على شفاء الأمراض و الجروح ، بمجرد وضع يده على مكان العلة ! بعد تنامي نفوذ الراهب راسبوتين على العائلة القيصرية و تأثيره السياسي في روسيا ، قام خصومه بالتآمر لقتله .. قتل بالسم و تلقى طلقات نارية قبل إغراقه في النهر .

# # #

سهام أفهميني وأتركِ هذه المثاليات السخيفة ، أنا لن أكرر العرض مرة ثانيةً . تعرفين الآن أن عارف هرب ، حسب الفريضة الشرعية له نصيب من البيت من بعد وفاة الوالد ، علينا أن نتصرف ، مصلحتنا تضيع ، فكري في هذا .

لا يهديك تفكيرك إلا للشر . يعني تريد ماذا ؟ نقتله حتى تكون التركة لنا نحن الأثنين ؟

تعرفين الآن من بعد إقرار قانون تملك الخليجيين عندنا ، كم صارت أسعار العقارات و الأراضي في السوق ؟ لا تدرين بشيء غير ملابس الأطفال و صدريات النساء ، مكسبها مضحك مثل تفكيرك .

بدا عليها التفكير العميق في كلام هاني ، أنزلت بعض الأغراض عن طاولة البوتيك ثم نهضت لتقفل بابه الخارجي ..

عندك صفقة ومتأكد من نجاحها هاني ؟

جربيني و سترين !

أمنا لها نصيب من البيت ، ما فكرت فيها ؟

أميه ولا تفهم ، أي ورقة يمكن أن تقنعها بأننا أعطينا عارف حقه ونسلمها كم دينار وأنا معك مكسبنا واحد .

أحتاج ضمان حتى لا تغدر بي ، ماذا ستقدم لي حتى أتنازل لك عن نصيبي من البيت ؟

أعفيكِ من قرض البوتيك وخذي مني أربعة آلاف دينار بعد بيع البيت .

لا حبيبي .. يا ولد أمي وأبي ، تعرف كم صارت أسعار العقارات و الأراضي في السوق ؟! هههههه .. أمك وأخوك تصرف معهما كيفما تشاء ، هذا لا يخصني ، أنا لا أقبل بأقل من عشرين ألف دينار ، وحلال عليك ، بكم تبيع البيت ؟ عليك بالعافية .

خبيثة و طماعة و ..

أشكر ربك يا أخي ، أمك في مسؤوليتي وأدفع إيجار البيت و معاش الخدامة من جيبي . وأنت كرمك فائض علينا ، تستنكف تدفع مئة دينار في الشهر حتى نتنفس .

كنت أعرف أنكِ ... لا بأس أنتِ مهما كان أختي العزيزة ، خلاص اتفقنا .

وعارف ؟

عندنا الأوراق التي تثبت حالته الذهنية ، حيلة قانونية من محامي شاطر ونطرد هذا الأهبل من الموضوع نهائياً ، فقط لو يساعدنا المحامي المناسب.

هاني إياك تتهور فهذا مهما يكون أخوك من لحمك ودمك .

عجيبة أنتِ سهام ! تتآمرين معي عليه ثم تبكين ؟! لا تخافي عليه ، إن كان سيموت اليوم أو غداً فلن تقتله إلا الشياطين التي تحوم في رأسه وقراءة كتب الهراء . رجعتِ تفكرين مرة أخرى ؟

مسكين يا عارف ، الدنيا ما تركت له شيء ، لا مستقبل ولا عقل ولا.. لكن مصير أخونا الكبير ..

مصيره تقبض عليه الشرطة ويرجع السجن أو يأخذ الله روحه وتنتهي قصته كما في أحلام أمي المخرفة ! إياكِ تتراجعين سهام ، اتفقنا وانتهى الموضوع .