أحمد المؤذّن
فزّاعة بوجه الريح
( رواية )
اهداء ...............
إليك يا ( محمد ) بعد أن عرفتك متجولا على أرصفة الغربة والعمر الضائع ، غارقاً في جبانة الصمت المستسلم ، تنسج من الريح شباكاً تصطاد القوافي التي تشتهي ، تمر عليك الوجوه ولا تراك حيث تنبت يديك براعم الضوء .
لكن قوافل الأشباح تغتال اطمئنانك المؤقت ، وحيداً تنتبذك الأماكن ، تغادرك الجنة التي تريد ، عبثاً ترتدي اخضرارها متعطراً .. وها ضحكهم يرقص في أرضك الحرام !
حيثما أنت واجه قسوة البشر ، ابتسم بسخرية وأنتصر ، أهديك عملي المتواضع هذا ولك تحياتي .
صديقك // أحمد المؤذّن - - 23 أبريل 2010 م
(( 1 ))
المنامة
صباحك كل الألوان
لمي احزان المساكين
وحزني ..
ها ورود قلبي
شيئا لا يشبه ما تعرفين
كلنا نلاصق الظلال
يأكلنا ..
خوف تلك الأيام
و أنت
المنامة ..
رغيف خبزي ها هنا
عند رصيف الوجع
أحلى
ولا أجمل الأماكن
أنت ..
عاصمة موتي الذي أريد
خلع نظارته ونظفها بقماش فانيلته الصفراء وهو يحدق في زكية التي أخذت تغرف بعضاً من حبات الذرة المسلوقة في قدر الألومنيوم ، وتطفيء الموقد الغازي ، يستريح بعض لهاثه ، حضرت كوباً بلاستيكياً وملأته بالحبيبات الطازجة يطير بخارها الشهي ، رشت عليها الملح والفلفل ، تركت فوقها ملعقة وقدمتها للطفل المنتظر ، أخذ وجبته ومضى إلى الحديقة .
تبسمت قليلاً للمجاملة ثم ألتفتت إليه وقالت :
يا عارف .. في هذا الوقت من العصر يكثر الزبائن عندي ولست متفرغة الآن لسماع قصائدك .
أنتِ .. أنتِ لا تحبين الشعر .
صدقني قصائدك جميلة .. أكيد جوعان ؟
خبأ قرطاسته في جيب بنطلونه المهلوك ذي اللون الباهت ، لبس نظارته وأخرج من حقيبته القديمة صحن خزفي مستهلك ، يفشي ابتسامته الخجولة ، تبرز أسنانه الصفراء ..
تلويحك بالملعقة هكذا يذكرني بأمي وهي في المطبخ تعد (الهريس) في شهر رمضان .
أنا أفضل من يطهو الذرة في المنامة . طبخ الهريس ليس صعباً .
وأمامك أشهر شاعر في المنامة ، لا يطبخ قصائده كالآخرين ، تشترين مني القصيدة ؟
وضحكا معاً .. تأمل بعمق وجهها المائل للصفرة وحاجباها الكثيفين والثؤلول المنتفخ كحبة حمص على الجانب الأيسر من أنفها الطويل المعقوف . زكية إنسانة طيبة النفس وتحمل قلباً عطوفاً يسع هذه المدينة ، يتذكر كيف كان اللقاء الأول في صبيحة يوم شتوي .
كان جالساً على حافة الرصيف يقرأ كتاباً رثاً نفض عنه بعض الأوساخ التي لحقت به في مكب الزبالة وهي كانت على بعد أمتار قليلة هنا في نفس المكان قرب الحديقة . تحرش به ثلاثة مراهقين خرجوا لتوهم من الحديقة ، أوسطهم ضخم الجثة رفسه في ظهره أما البقية فأستمتعا بالسخرية والضحك والحركات الوسخة ، كانوا يمرحون في أرض عجزه ، بدا أن الثلاثة يتسلون به كما لو كان كلب رصيف سائب حيث هنا لا أحد يذود عنه من المارة الأجانب ، يكتفون بالفرجة العابرة على غير رغبةٍ منهم في التورط بالمتاعب . كانوا يضحكون عليه والكتاب يرمى متنقلاً من يدٍ إلى أخرى ثم يمزقون كتابه بتحويله إلى كرات ورقية وهو يحاول منعهم فغرز أصابعه في وجه حامل الكتاب وهو يصرخ .. كتابي كتابي يا شياطين الشر !
فحاول الاثنان تخليص صاحبهما .. هنا يذكر أنها سارعت إلى انقاذ غربته وتدخلت قبل أن ينقض عليه الثلاثة ليضربوه ، هددتهم في البداية باستدعاء الشرطة فرد الضخم :
لادخل لك ياقبيحة أبتعدي هيا هيا ..
قال آخر وهو يضحك :
أكيد ستتدخل ، المهبول هذا صاحبها وهو .. (مثل بيديه حركة بذيئة فضحكوا ) . يتذكر كيف جمحت كالفرس البرية ولطمت الأخير بملعقتها الكبيرة ، الضربة حملت كل غضبها المندفع صيانة لكرامتها ، الضربة فتحت في وجه المراهق جرحاً ، لحظة شاهد صديقاه منظر الدم النازف ، أنقلب المشهد ففر الثلاثة من المكان .
نعم ، صباح مختلف ذاك اليوم ، نهض وشكرها ، جمع بقايا اشلاء كتابه الممزق متأسفاً عليه أكثر من نفسه .
يتذكر كيف كانت تنفض عنه غبار الموقف المزعج بكلماتها الطيبة وكيف ساعدته في جمع شتات كرامته المهدورة ، وكيف قدمت له كوب الذرة الساخنة وكوباً من الشاي بالحليب دفأ به احشاءه الخاوية . يشربه على مهل ، ير أمامه هذه التي تلملم نفسها بعباءة رثة متهالكة ، بها ثقب أو أثنين ورغم ذلك هي ذي تبتسم في وجهه المرتبك وكانت تسأله عن الأقدار التي رمته على أرصفة الشقاء في مدينة يختلط فيها كل شيء ، يختلط فيها الحزن والفرح الوجع واللامبالاة ، فلا يتضح شيء في بعض الأحيان كما هو حال المدن المغتربة عن نفسها !
تلوح بكفها أمام وجهه ، تتشتت كل خيالات الذكرى ، يستيقظ من شروده وهو ذاهل الحواس ينظر إليها لتسأله :
واضح أنك بدأت تؤلف قصيدة .
تذكرت أشياء حدثت من .. لا تشغلي نفسك بهلوسات مجنون بائس مثلي . يبحث عن نفسه في التيه ولا يصل إلى مكان ، متورط في نفق حزنه الأخرق ههههه .
أخذت تصفق كفاً بكف متضايقه ..
عارف متى ما أستسلمت لما يقولون ، عندها تنتهي
أنا ... حياتي في المنامة ، واحد نكرة ؟!
أنت أنظف من عرفت في هذه الدنيا القاسية . فقط أنس الماضي . ستتصالح مع أهلك وتنتهي معاناتك ، بيتك ينتظرك . أرجع لأهلك ، ترجع لنفسك .
تنظر إليه وقد زرع فكه في حمى الأكل غير مكترث بكلامها ، يبدو كمن صام عن الطعام وأخذته شهوة المضغ مستعجلاً لقمة بعد أخرى . تعرف بأنه في الغالب لا يطلب منها أي وجبة مجانية ، الأغرب من هذا أنه يجمع بعضاً من قمامة الجزارعلى الضفة الأخرى من الشارع في بعض أيام الأسبوع ، ليقدمها لكلب سائب يتسكع قرب الحديقة . ينسى جوعه مؤقتاً ثم يمارس عطفه الطيب على هذه المخلوقات المسكينة .. لا تعرفه تماماً لكنه أكثر شيء يدهشها في المنامة ويستعصي أحياناً على التفسير . الحالة المزرية التي تكتسيه ، تجعلها تتألم الآن ، كم تحوي هذه الدنيا نماذج بشرية مسحوقة في مثل شخصية عارف ؟ إنه أشبه ما يكون بـ .. خيال رجل بلاستيكي ُيترك مصلوباً عند واجهة بوتيك ملابس بأحد المجمعات الفخمة ، شيء مفرغ من الحياة ، عليه قشرة خارجية ، بدونها يبقى عارياً و لا يكترث به أحد .
لكنها تهتم بأمره و أحياناً تسأله بفضول ، كيف قضى نهاره ؟ يخبرها عن عناوين كتب جديدة تصفحها في بعض الأمكنة التي لا تعرف وجهه فلا تسارع إلى طرده !
ويتحدث عن بعض المكتبات العريقة في المنامة التي هجرها الناس وتركوها لغبار النسيان ، فركع أصحابها لسيل الفواتير فباعوها أو رحلوا عنها مخلفينها ورائهم تركة تنتظر التصفية وإهمال الورثة . يتحدث عن السواح العرب ، يفضحهم السكر على أرصفة الفنادق ، قد باعوا عقولهـــم ولوثوا شرف العربي النبيل ليحولونه إلى دمية غارقة في قعر كأس ( فودكا ) على منضدة بار يحتفل على خراب الأشياء الجميلة ! يتحدث ويتحدث وهي تصغي إليه محاولة فك طلاسم عالمه الثقافي العجيب ونبش مكنوناته . على الأقل فهو من الأشخاص القلائل الذين تقابلهم ، لا يتقزز من قبحها أو تفضحه نظراته المسروقة ، شخص يتحدث معها بإحترام ويشعرها بإنسانيتها . صحيح أنها لا تعرفه إلا من مدة قصيرة فقط ، لكنه شخص مألوف تشعر معه أنه معرفة قديمة ، مثل وجه رجل من طفولتها الماضية يزورها في حلم أو رأته في ساحة السوق ذات يوم ؟!
تستطيع أن تفتح معه حديث آخر ، ليكن حديثاً يلامس شغاف الروح ويبلل بعض يباسها الصحراوي المشتاق إلى مطر المشاعر الجميلة التي تخاف اختبارها كأنثى علمتها تلك العمة العانس معنى أن يشوه حريق ما ذاكرتها البريئة .
تتذكر الآن .. يا ه ه ه ه، يا لتلك السنوات المعجونة بالعذاب كيف اساءت لها ، كانت مجرد طفلة وحيدة لأب أرمل ، عمله يقتضي ركوب صهوة وحشه الحديدي ليعبر حدود الدول حاملا البضائع المختلفة و الأشياء الاستهلاكية من مكان إلى آخر ، فتعودت أن تكون ضيفة غير مرغوبة عند هذه المرأة الغريبة الأطوار ، تضطر لقضاء أيام مملة مع مزاجها الحاد المتقلب ، ثم تحولت الأيام إلى سنون.
امرأة قاربت على الخمسين ، فاتها قطار الزواج ، لسانها يسترسل في النميمة مع صويحباتها أثناء الجلسات المسائية ، حيث تشعل حرائق هنا وتثير زوابع هناك ! لا تعرف شيء من حياتها غير تخريب الأشياء الجميلة .. الآن فقط تتذكر المشهد ، كان باب الحمام موارباً ويحفل المكان بنغمات غريبة يتأوه فيها الصوت بلذة ، صوتها هي في خلوتها الـ.. ما عساها تكون هذه الخلوة التي تجعل من امرأة تتأوه براحة حيناً ثم تلعن حيناً آخر مشتكية غياب هذا الذي تأخر ؟؟ ثم كان هناك خيط الدم الذي زحف باحمراره فوق سطح البلاط الأبيض مختلطاً بسائل ما له رائحة مميزة ، فتغيرت نغمة التأوه وصدرت (ضرطه ) .. ولم تفهم بعد طبيعة ما يجري خلف ذاك الباب ، أفزعها استمرار الخيط الأحمر فخافت على عمتها ، لكنها قبل أن تقرر دفع الباب ، استفسرت بقلق الخائفة المترددة ، تتذكر هذا جيداً .
جاءها صوت مؤنب .. ( وماذا تفعلين خلف الباب يا شيطانه ؟ جعلتي رجلي يهرب وقد فعل فعلته ) . فمدت كفها الملوثة ببعض بقع الدم وكأنها نبتت من جسد الباب وهي تقول : ( هذا ما يفعله الرجال بالنساء ، أترغبين بهذا الاختباراللذيذ المؤلم ) ؟! و كانت الكف تنتفض في فراغ الخوف، يسكن روحها منذ ذاك اليوم الكريه، كيف لا تنساه الذاكرة ؟!
ترغب الآن في الحديث إليه وترغب في أن يقترب من وحدتها ، هو هكذا يجلس منزوياً وكأنها تعاني مرضاً معدياً ! تريده أن يقترب أكثر، لا تريده أن يفعل في نفس الوقت.. الرجال أشرار ولا يفكرون إلا في هاجس واحد ، شهوة الدم و الألم التي تزيدهم غروراً بأنفسهم حينما تقتنص غرائزهم ما تشتهي . عارف في النهاية رجل كبقية الرجال وعليها أن تتخذ حذرها منه ، قد يخبئ خلف هذه الابتسامة الطيبة الساذجة روحاً ذئبية تواقه للافتراس ساعة تحين الفرصة ! الرجال كائنات تتسبب بالشقاء لهذا العالم ، عارف حتى لو كان نصف رجل ، فهو ينتمي إلى جنسهم ومن لحمهم ودمهم .. لا مبرر للحديث معه الآن ، عليها أن لا تتبسط أو ترفع الكلفة معه ، بخبرتها تعرف أن الواحد من هؤلاء ساعة يحصل على اللين والابتسامة يذوب ويبيح لنفسه التدخل في الخصوصيات وكل شاردة و واردة ثم يحسب نفسه معرفة طيبة كصداقة وهكذا ينتابه الغرور ، يصير مثل اللصقة !
لا ، لا عارف إنسان آخر ، لا يهش عن مساحة وجهه ذبابة ! جل ما يفكر فيه ، القراءة والتسكع في شوارع المنامة أو ممارسة التسول أحياناً .. يجالس العمالة الوافدة عند شارع الشيخ حمد ، حيث تجتمع بالمئات ، تراقب أعين المارة بحثاً عن عمل ينتشلها من حرارة الغربة والحاجة . يجلس ويثرثر مع أي شخص ، تعرفه الأماكن ، تألفه كل الوجوه .
فهو مثل الماركة المسجلة على علبة السكائر الرخيصة ، لها شعبية وانتشار بين الجماهير ، إلا أنه مسكين الحال ، حلقات كثيرة من حياته مفقودة .
الاقتراب منه كفيل بفك هذه الأقفال التي تسجن صمته .. تشعر اللحظة بتحد ماثل أمامها يمتحن ذكائها ، علمتها الحياة أشياء كثيرة ، تخمين الوجوه ونبش معادنها ،هي واحدة من هذه الملكات التي تتمتع بها . موهبة ربانية مركبة في وجه قبيح يستفز حسرتها عند مرآة الحمام ذات الصراحة الوقحة ! هي هكذا ولدت وهي تحمل جينات وراثية عجنت هذا القبح الذي تشعر به يسري في دمها ولكن .. إحساس يدها شيء آخر حينما تتحسس طراوة الصدر المشرئب عنفواناً تداعبه الصابونة بفيض الرغوة ويتصاعد منه بخار الماء الدافئ في ليالي الشتاء التي تحن فيها الروح إلى ما يماثلها من طين آدمي تشتهي الرقص معه .
تباً لكل هذه الهلوسات التي تتسلل إلى تفكيرها ، ها هو قد أنهى وجبة الذرة المسلوقة وشرع يدور بأصبعه في حلقات عبثية داخل الاناء الخزفي والذباب المتطفل يحوم على وجهه وبالقرب طفلة صغيرة تكتشف ببراءتها ملامحه الغريبة ، وقفت تنظر إليه فحسب حتى أتى والدها وأقتادها من المكان . نظف الاناء بخرقة متسخة ثم أودعه جوف حقيبته القديمة ، التي بحث فيها عن شيء لعدة دقائق وهي تراقبه ، قد يكون فقد شيئاً ما ، عله يدخر مبلغاً من المال وسيدفع ثمن وجبته ؟ نددت بالفكرة التي طرأت على حسها و استنكرت تفكيرها المادي ، فالرجل مطحون وما من أحدٍ يطمع فيه . على الأرجح لا يملك شيء غير هذه الحقيبة البالية ، يتنقل من مكان لآخر حاملا فيها أغراضه القليلة المتقشفة ، أغراض يجدها في مكبات القمامة على الأرصفة من بعض ما يرميه الناس وكل فائض عن حاجتهم . انها المرة الأولى التي تر فيها محتويات الحقيبة . مشط ، برواز خشبي صغير يطل منه شبح امرأة كبيرة السن ، ربما هي والدته ، مقص ذي مقبض برتقالي ، ملعقة ذات مقبض نصف صدىء ، دمية من البوليستر على شكل الفأر( ميكي ماوس ) ، قلم حبر جاف ودفتر ، آله حاسبة ، عبوة ماء بلاستيكية فارغة ، منديل قماشي مطرز ممزق من الزاوية . أخذ يبحث ويستخرج أشياء أخرى ثم فتح جيباً جانبياً في الحقيبة ويا للمفاجأة .. قدم لها حمالة صدر بيضاء بها بعض البقع ! ابتسم ببلاهة وهو يلوح بيده ليترك لها دهشة الموقف .
الآن تتأكد أن عارف ليس من السهل سبر غوره ، هو أكبر من كل تصوراتها السابقة ، هو أشبه ما يكون بأحجية صعبة الفهم وربما سهلة من زاوية أخرى !
(( 2 ))
يتمشى في ليل المنامة ، تعج بالخلق من كل أصقاع الدنيا ، يضحك على هؤلاء الآسيويين ، يصورون كل شيء يلمع . أحدهم عرض نفسه لخطر الدهس لمجرد التصلب أمام نصب تذكاري من الخرسانة المسلحة وهو يبتسم لصديقه الذي يحمل هاتفه الجوال يتهيأ للتصوير !
يتمشى مطلقا صفيره الموسيقي ، لا يعبأ بشيء الآن ، يقف متأملا طابور الناس المحتشدة عند جهاز الصراف الآلي ، الكل يتلهف صرف الراتب ، الكل يأتي وفي عجلة من أمره . هو أيضاً في هذه اللحظة التي يحدق فيهم يفكر ، لو أنه يشبههم فيكون طبيعياً مثلهم ، يعني .. أن يعاني مثلهم حينما يبحثون في زوايا الشوارع عن مكان لركن السيارة أو يفكر في زوجة تنتظر رجوعه للخروج معها إلى أحد المطاعم العائلية وعندها ثلاثة أطفال وأحمال متراكمة من المسئوليات في نهاية الشهر أو بمنزل أنيق يزرع فيه شجرة و رفاق عاديين عنده الوقت الكافي ليشاطرهم الضحك و الثرثرة ، ثم يرجع إلى البيت .
البيت .. منذ متى غادره ؟
لا تسعفه الذاكرة بشيء ، كأنها استقالت عن عملها حينما تعلم العيش في الشوارع ، لهذا هو ليس طبيعياً مثل هؤلاء المتصنمين في ملل الطابور ، الجميع هنا كالحبوب أسفل طاحونة الحياة .. إنهم حقاً مساكين !
ولكنه الآن يهجس احساساً غريباً يطرق باب قلبه لحظة شاهد امرأة مسنة تنبش حاوية القمامة ، تنتقي من جوفها الوسخ بعض الفواكه الفاسدة . تحسس جيب بنطلونه الأيمن ، خمسمائة فلس بالكاد تكفي لتناول ( صالونة خضرة ) في مطعم عبد الحكيم البنغالي . التسكع في الشوارع يستفز معدته الجائعة ، التضحية بالمبلغ تعني البقاء جائعاً حتى الصباح وانتظار زكية حتى تجهز البسطة .
قرر أن يبدد مخاوفه البسيطة وقدم لها المبلغ عن طيب خاطر ، شكرته بصوتها الواهن ودعت له بالخير وبصلاح الذرية . عاد ثانية يفكر برائحة بيتٍ غادره ويحن إليه ، على بعد خطوات من المكان ، فقط ينعطف غرباً باتجاه جامع المهزع ، قبل أن يبلغ الجامع بأمتار قليلة يصل إليه . ثمة دفء مفقود غادر الروح العطشانة وألقى به في ضياع الأيام .. الأيام التي شهدت حياة الشقاء مع أب مضطرب عقلياً مطحون ، أعتاد انزال شحنات غضبه واحباطاته خبطاً عشوائياً في الأبواب أو على الأجساد . هو من يأكل وجبات غضبه ، يبعثر الكتب والمجلات وكل ألوان أحلامه المخبأة أسفل وسادته ، عندما يتركها ويهرب خارج البيت لينجو بجلده . أب نصفه مضطرب والنصف الآخر من حياته عواصف هوجاء لا أحد يختار الوقوف في وجهها عندما يحين حينها ، هكذا أنتشرت التصدعات وسط أسرةٍ تعيسةٍ .. يتذكر بمرارة تطفر في زوايا ذاكرته الآن .
أسرة غريبة حقاً ، طالما كان يفضل البقاء خارج دفئها وبعيداً عن مشاكلها ليجد لنفسه فسحة من الهدوء والسكينة . هاني على العكس من ذلك ، كان مغناطيس مشاكل في البيت ، تلاحقه شكاوى الناس والاتهامات تتلون يميناً وشمالا ، بعض السرقات الصغيرة من دكاكين المنامة أو ضرب أحد ابناء الجيران . يومها صرخ صرخة غضب في الشرطي المنتظر عند عتبة الباب ، وهو ينادي على هاني الذي جاء صاغراً ذاك اليوم .. بمجرد ظهوره متردداً ، خفت لهجته الحادة قليلا .. ( ولد طايش خذوه ليتأدب ) وهاني يستشفع وبأنه لن يكررها وأنه .. تلك النظرة التي أرتسمت على وجهه شيء لا ينسى . الأم الصابرة تتجرع المتاعب في صمت الذين فارقوا الحياة ، أما سهام الصغيرة فقد بكت عندما رأت المشهد مع أمها التي حاولت في اندفاعتها أن تمنع الشرطي و .. كانت أول تجربة سجن يأكلها هاني في حياته المشحونة بالمتاعب ، أول ستة أشهر يتورط فيها هذا الشقيق المتعفرت ، كم كان غريباً أن يمتنع حضرة الأب عن دفع مبلغ الكفالة !
كان هذا التوتر المشحون بالتعاسة ، سمة البيت .. يتذكر أنه رافق والده إلى مركز الشرطة وشهد هذا الموقف المتخاذل ، كيف لأب أن يطاوعه قلبه ويتخلى عن أبنه في مأزق صعب ؟! يومها تفوه بكلمة وهو يحمل كيساً ورقياً به شيء من طعام خفيف ، شفقة من أمٍ تقاسي أوجاعها ، كان قد منعها من أن ترافقه . هي كلمة واحدة قالها محتجاً ، أعط هاني فرصة يا أبي لا تتركه . فما كان منه إلا أن زجره بصفعة حانقه أمام الضابط ! يتذكر وجه هاني المنكسر خلف سواد القضبان ، ينتظر حلا ما أو يستعد لإعلان توبته كي يغادر حزن المكان ، كان كالغريق يبحث عن منقذ . هاني لم يغادر سجن ذاك اليوم ، قبع في ذاكرته مثل سيخ محمي على نار الصدمة ، تغير هاني كثيراً ، خرج من بيضته وتدرج في عتبات شره وانحرافاته وعرف الكثيرين من أمثاله . تلح عليه الذكرى الآن ، سنوات مضت يحن إلى هذا البيت ولا يستطيع ولوج عتبة بابه ، متآكل الأطراف من هجوم الصدأ ، بيت يبدو مهجوراً لولا اللمبة الصفراء خافتة الضوء تتدلى من الافريز الخرساني المتصدع ذي الطلاء المتقشر . أبتعد عن الباب ومضى إلى زقاق آخر ، يشعر بمثانته المحتقنة ، يواجه أحد الجدران بشكل عشوائي ويتبول واقفاً . فيسمع صدى ضحكات تتسرب من الأعلى ، يرفع رأسه ناحية الصوت ، ثمة فتاتان من مساحة النافذة المضاءة في أحد البنايات ، تراقبانه في هذه اللحظة .. خبأ عضوه ولم يبدو عليه الارتباك قط ولم يكد يبتعد بضع خطوات حتى داهمته برودة الماء المنهمر مسبوقاً من صوت رجولي خشن ، هو الآخر كان يراقبه ويهتف مستنكراً .. ( تطهر يا نجس لا بارك الله فيك ، أنت بهيمة ؟ ) !! أخذ يشتم ظلمة الزقاق والأصوات تحتفل ضاحكة على منظره المبلل ، أنسحب محطماً من المكان .
صادف في طريقه دكة أسمنتية فجلس يلملم حزنه المبلل ويعاين ملابسه الرثة ، يتساءل .. كيف أصبح سكان المنامة هكذا ، قلوبهم من أسمنت ؟ لا فائدة الآن فهو مبلل ومنظره مضحك لو توجه إلى المطعم فستحاصره الأعين بسهام الأسئلة أو لربما تتسلى بالضحك عليه .
هنا يوجد بيت خرب في هذا الحي ، مشى إليه بضع خطوات ، قرر أن يدفن حرجه بين الجدران المهجورة ، من الجيد أن تتوافر هذه البيوت لأمثاله من مشردي المنامة . الجوع يطحن معدته بلا رحمة .. فتح حقيبته وفتشها جيداً ، وجد العلبة التي يبحث عنها ، علبة تمر صغيرة من مأتم ( بن رجب ) حصل عليها بمناسبة المولد النبوي من الأسبوع الفائت . بضع تمرات وها جوعه يستكين ، ثم زاد عليها أخرى وأخرج من الحقيبة مجلة مستعملة شرع يتصفحها ، أحس بالملل ردها مكانها . رائحة البيت الطيني تشده ، تهيج نفسه اللحظة بعبق تلك الأيام ، هي ذات الرائحة من البيت الذي يسكن ذاكرته .. أيعود أدراجه الآن ليقتحم باب شوقه المحبوس كي يعلن طقوس التوبة ويغتسل من أدرانه ومشاكساته وحماقاته ؟
الرائحة تطبق عليه تستفز زوابع في النفس لا يستطيع مواجهتها ، هناك أشياء كثيرة تجيش في عتمة النفس قد لا تحصل على ترجمتها الفورية إلا عندما نكتشفها في لحظات صفاء تجيء هكذا بلا توقيت محدد . يتذكر كيف كانت المرة الأولى مشحونة بالقسوة ، هي شقاوة الطفولة التي لا تعرف التبريرات ، دفعته لتدخين عقب سيكارة رمى بها أحد المارة في الحي ، كح قليلا ثم ضحك مع ذلك الرفيق غائم الملامح الآن ، لكنه أكتشف أمره فجأة !
كان الغضب يتطاير شرراً من عينيه ، كيف يقع هكذا ضحية حنق والده ؟ بصفعة واحدة أطاحت بقامته الصغيرة نحو الأرض ، أخذ يبرق و يرعد ويتهدد ، أمه تريد معرفة ما حصل وتحاول التماس العذر لكن لا فائدة ..
تلك الحجرة الطينية الشبيهة بالزنزانة حاصرته لأربعة أيام معجونة بالكوابيس والأصوات ! المسكينة لا حول لها ولا قوة لا تملك إلا أن تسري عن وحدته تغني حيناً أو تحكي ، ساعة ثم يطبق عليها النوم ، يراها من ثقب الباب .. يخرج من حجرته حانقاً .. أدخلي أنا أعرف ما تنوين عليه ، لازم يتأدب ! يقتادها قسراً وتعود إليه تلك الكوابيس ، أقسى من أن يتحملها قلبه الأخضر الصغير . رائحة الطين لا تفارقه ، ينوس في فراغ الخوف ، أشباح تحتفل أو تصرخ فيه لا يدري ، تخشخش بأقدامها اللا مرئية فتسلبه النوم لكن رغم ذلك ينهكه التعب . أذان الصبح يتسلل بوتيرة منخفضة ، سكينة الكلمات الربانية التي تصعد للسماء ، مثل ماء ينهمر على روحة الضئيلة ، تنسى أفكار الخوف وتستعيد بعض سكينتها . اشراقة الشمس احتفال أحلى حينما تتخلل اشعتها فراغات الباب الخشبي مبلل برائحة الرطوبة الصباحية يصاحبها صياح ديك الجيران ، فتنتعش نفسه أكثر لكن حرارة الحجرة الطينية ترتفع لتفسد طمأنينة نورالنهار.
نهار ماهو شكله وماذا سيحمل ؟ كانت تأتي بحزن وجهها المتعرق وتسمعه سيمفونية قصيرة لامرأةٍ تندب حضها في الرجال والذرية ، لتحارب وجوهاً وتشتمها متهمة إياها بالحسد وما آل إليه حالها ، الباب مقفل فتضطر إلى مد كفها الحنونة من أسفل تجويف عتبته كي تشد على كفه لتواسيه ، تدس صحن ( الباقلاء - الفول ) مع رغيف خبز ونصف ليمونه ، يتذكر الآن الغلاف الورقي الملون لحبة الشوكولاته التي ذابت في فمه شيئاً من فرح الطعم يخدر كدره وحزنه الصغير .
يتذكر .. فقد حاولت جهدها أن تستميل شفقته ، تذكره بأنه ولده الأكبر الذي سيرفع رأس والده عندما يكبر وأنه أكيد تاب عن فعلته وسيسمع الكلام و.. لكنه لم يلين وزجر الحاحها ، غسل وجهه المربد ولبس ثياب عمله وخرج صامتاً . لكنه عندما رجع من عمله عصراً ، كان يحمل عوداً من قصب السكر ولعبة معدنية بدت من شقوق الباب شاحنة و .. بسرعة أتى إليه وفتح ذاك الباب ، أخذه في حضنه وبكى ، كانت المرة الأولى التي ير فيها والده بهذا التدفق الحار من العواطف ، لم يفهم من ذاك الموقف شيء غير أنه قد سامح والده في تلك اللحظات ولكن ..
نفض عنه بقايا الصور التي حاصرت ذاكرته ، تحسس ملابسه ، لم تجف كما يجب لكنه الآن يستطيع الخروج ، سرح شعره على صفحة المرآة الصغيرة التي يدسها في حقيبته الرثة ، خرج للشارع يواجه ما تبقى من ليل المنامة . يمشي ويدندن ليتسلى في هدوء الشارع ، هذه اضواء جامع المهزع تستيقظ وقيم المسجد الحاج محمد غلوم ، يقوم بكنس عتبة الباب الكبير .. ما عساه يريد ، يلوح بيده زاعقاً بصوت مبحوح ؟ بضع خطوات ويصل إليه ، هذا العجوز طيب لا يؤذي أحداً والابتسامة لا تفارق وجهه ، حتى أنه في شهر رمضان يتركه يستريح عند عتبة الجامع يستعطي المصلين ، تنفتح شهيتم وحماسهم لعمل الخير ، العام الماضي كان يكسب حصيلة مالية مشجعة ، حتى عندما كان يمتنع عن أخذ المزيد من الدنانير بحجة أنه حصل على مايكفيه ، كان الحاج محمد غلوم ، يومىء برأسه كإشارة له أن لا يرفض ! إلا أن تلك اللحظة الغبية التي صدرت منه قبيل أذان المغرب ، عندما تصاعد فرحه بالدنانير التي تفرخ بعضها وشرع يعدها قبيلة تلو الأخرى وكانت لحظة الهجوم المباغت .. تلقى لكمة قوية من الشبح الضخم الذي لثم وجهه وكفن الفلوس في جيبه وهرب من المكان .
قد كره الجلوس هنا وكره التسول ، أكتفى بعرض خدماته على المصلين ، يعرق في تنظيف سياراتهم فيجودون عليه بما يتيسر أو يعنفه بعضهم ويتهربون من الدفع ! يعرف أن البعض من هؤلاء مصلين أو سواهم ، هم الذين يحاولون التهريج على الله تعالى ، داخل الجامع يسكبون دموع التوبة والتضرع ، قلوبهم الأسمنتية لا تخشع كما يدعون ، ساعة يخرجون من الجامع تتبدل جلودهم لتعود إلى سيرتها الأولى !
الحاج غلوم عجوز طيب يخاف الله ، وصل إليه فأمسكه بلطف وسلمه منشفة وصابونه وأمره بدخول حمام الشقة الملحقة بالمسجد . ولأنه يحب هذا العجوز الطيب ، لم يمتنع لثقته أن خلف هذه الطيبة خير و أمان . أستمتع بحمام بارد وقتذاك مع شذى الصابون الذي ذكره بفتاة الغلاف متخيلا أنها تضحك بعريها الشهي وهي تستحم معه ، أقصى ما يحصل عليه في الصيف أن يسمح له حارس الأمن في لحظات خلو الحديقة بالتوجه إلى النافورة يستحم بملابسه لدقائق متذوقاً نعيم الماء البارد ثم يصرفه على عجل ، ليتوارى عند شجرة أو يخرج من الحديقة وذلك حسب مزاج الحارس .
حمام بارد وبشذى الصابون رفاهية جميلة ، أعاد النظر إلى وجهها الضاحك بغنج ، فاتنة تعبث في خصلات شعرها الأشقر كيف حضرت هنا ؟ ..
ما بك تنظر إليّ هكذا ، مهلك مهلك لا تأكلني يا .. يا وحش .
أنت جميلة و..
وأنت قبيح محظوظ بحسناء مثلي ، هات هذه الصابونه إنها صابونتي ، صورتي عليها ، هيا أستحم جيدا يا نتن.
...............
صار لك دهر بهذه الرائحة الفضيعة ، أجلس حتى أفرك جسمك ، أوف مليء بالصدأ والأوساخ .
ستتعبين معي ، أخاف على رقة هاتين اليدين .
يجب أن تتنظف ألا تخجل من نفسك عندما تكون معها ؟
من تقصدين ؟
زكيه ومن غيرها ، ما بك تحدق فيّ هكذا ؟!
انها المرة الأولى التي ..
أول مرة تحممك امرأة ؟.. يا مسكين ، رجل بعمرك ولم تدخل دنيا من أي كوكب أنت ؟
كوكب الحزن والتشرد والتعاسة .
امسك نفسك لا تلمسني ، تنظيفك يحتاج إلى ساعة ، مالك تنظر إلى الباب ؟
الحاج محمد ينتظرني و..
العجوز تراه الآن قد نام ، تخاف مني ؟!
.....................
أريدك أن تتشجع ، فأنا أبحث عنهم ..!
من هؤلاء ؟
هه يعني تتذاكى .. رجل مثلك لازم يفهم ماذا تريد المرأة ، أنا على الأقل لست معقدة مثل الخرقاء زكيه .
زكيه فتاة طيبة .
تفكيرها مشوه ومريضة ، ها أنا أمامك كما تشتهي ( ثم ترقص وهي تضحك بصخب عابث ) .
خفضي صوتك لا يسمعنا أحد ، هذا الحمام ليس لنا ، يا متهورة يا ..
اختفى شبحها فجأة من المكان ، فقط صوت العجوز كان يستفسر بغرابة ..
لاشيء يقال غير هلوسات تسربت من احساس العطش المتراكم في الروح لايستقر على ميناء في هذا التيه ، يزداد وجعاً كلما تتالت طعنات الأيام لا تهديه الراحة .
خرج من الحمام وأرتدى ملابس نظيفة من كرم العجوز ، دس في يده مبلغ من المال وأعطاه كيس لا يدري مابه . فقال له :
عارف ولدي أدعوا لي بالصحة والعافية .
ألبسك الله ثوب العافية الله يغنيك من فضله حاج غلوم .
مضى من المكان ، ثواني حتى أنتشر في فضاء المنامة صوت أذانه الجميل ، الصوت يسبح به في غيمةٍ من الطمأنينة والهدوء ، يتعطر بصفاءٍ نفسي يهبط على أرض ذاته ، يستريح من حصار أوجاعه وكل الأشباح التي تطارده ، لا يرحب بزياراتها المفاجئة ماعدا شبح ( العم زوربا ) زياراته مزاجية لكنه يأنس به عندما يأتي متسللا ، يغزو رأسه !
(( 3 ))
تسللت أشعة الشمس من وراء قماش الستارة الكحلية الزرقاء ، منبه الساعة كان توقف عن الحركة وهي تتقلب مكانها فوق السرير .
تستيقظ لتجد الساعة مشلولة الحركة وعقرب الثواني يرقص مكانه لا يقدم ولا يؤخر ، نست تغيير البطارية المستهلكة ، لجأت إلى ساعة معصمها ، الثامنة والنصف ! أزعجها أن تتأخر هكذا عن عملها فقد فاتها الآن موعد احتشادهن عند سور الحديقة ، يتحلقن حولها ويشترين الذرة الساخنة و
الشوكولاته والمرطبات ، طالبات الاعدادي الأنيقات ، لا فائدة الآن من هذا الندم الصباحي الأخرق .
حتى الحاج مرزوق صاحب سيارة ( البيك آب ) الذي يقوم بتوصيلها ، هو الآخر مضي إلى عمله وسط السوق ، اطلالة واحدة من النافذة و .. سيارته ليست في مكانها المعتاد فصرخت محتدة وهي تلعن أشباح خيبتها .. ( كان على هذا الشايب أن يوقظني على الأقل ، هو لا يخدمني حسنة لله ) !
ستيني ولازال يتشهى النساء .. نظراته تفيض برغباته المتأججة ، كلما صعدت معه السيارة تراه يزرع نظراته في تفاصيل جسدها محاولا اختراق سواد العباءة وكأن عيناه أشعة كاشفة تصل إلى المستور بصمت وفحش متلذذ ! أكثر من مرة يعرض في ثرثراته الماسخة ، أن المرأة ليس لها إلا بيت زوجها ، وحرام أن تتوزع الحرمة بين لهاث الشوارع وفضول أعين الناس الجائعة ، المرأة يجب أن تتسيد وتتنعم في بيتها ولا شيء يعيب الرجل مادامت الصحة موجودة .
أصلا هي الحاجة التي تجعلها مغلولة الحيلة وتضطر لمجاملته، كم تتقزز منه عندما ينظف حلقه من البلغم أو حينما يبصق معجون التبغ الذي يلوكه في فمه المليء بالحفر مثل فم بعيرٍ موشكٍ على الهلاك و كلماته تختلط بكحته : الصحة موجودة ؟! ليبحث لنفسه عن مقبرة . يتصنع الكرم ويمتنع عن أخذ أجرة التوصيلة لاعتبارات الجيرية ( حق الجار ) لكي يصل إلى مبتغاه . ثرثراته لا تنتهي ، يتحدث عن زوجته المريضة وأولاده الناكرين للجميل وضجره من الإحساس بالوحدة وحاجته لمن يستمع إليه ويحمل عنه بعض أوجاعه .
ضراوة الشمس خارجاً في هذا الوقت لا تحفز على الخروج ، مكيف حجرتها المستهلك بالكاد يلطف جحيم الحر ، تثاءبت وهي تنظر إلى السرير تتملكها الرغبة في معاودة النوم ولكن .. الشقة الصغيرة تحتاج إلى تنظيف وكذا كومة من الملابس مهملة في الحمام وبعض الأواني في مغسلة المطبخ ، تأففت بضيق وهي تجلس على حافة السرير، طرف بصرها إلى نافذة الحجرة ، فتحت الستارة وتفقدت الشارع بشيء من الفضول . الحاج مرزوق يدخل إلى الحي بسيارته ، فيها بعض الأغراض يقوم بإنزالها ، يبد في عجلة من أمره . هو ليس سيئا إلى هذا الحد ، الرجل يهتم بمنزله و زوجته ، أغراض كثيرة يتضح منها أنها حاجيات جديدة ، لكن من أين ؟ يطوف المنامة و حواليها بسيارته بحثاً عن الركاب الذين يلتقطهم من الشارع ، مكسبه المادي قليل وكثيراً ما كان يشتكي من غلاء المعيشة .
الواحد لا يبوح بكل شيء ، الحاج مرزوق عنده خير لكنه يتحدث عن نفسه بتلك الروح المحبطة كيما يغلف نفسه بالشفقة ليدرأ عنه الحسد وأعين الناس ، هي تعرف ذلك في تحوط الناس في هذه الأحياء الشعبية ، يحاولون حماية أنفسهم بالتمائم خوفاً من ذهاب أشياؤهم البسيطة التي يملكونها .
أغلقت الستارة وهي تتجه إلى خزانتها ، استخرجت صندوق خشبيي صغير كانت قبلته على مضض من الحاج مرزوق ذات مرة ، مؤكدا لها أنه هدية من أحد الركاب الأجانب ويصلح لأن يكون في حوزة امرأة تستعمله لحفظ الأشياء الثمينة . فتحت الصندوق واستنشقت عبير الياسمين العابق في اخضرار القطعة القماشية التي اشترتها من المرأة صاحبة ( ضريح الشيخ عزيز * ) عندما زارت المكان من .. سنتان أو ثلاث ، تفاصيل ذابت من ذاكرتها لكن الرائحة تتشبث بقطعة القماش ! شيء يخترق إحساسها مثل كلام صاحبة الضريح التي رفعت كفها بالدعاء وهي تربط الاخضرار الأنيس في معصمها بأن يثبت قلبها على الإيمان بولاية أهل البيت (عليهم السلام) ويسعدها بزوج صالح وذرية تقر بها عينيها وآخرة حسابها يسير والجنة والرضوان .
شيئاً ما يجعلها ترتبط بهذا الصندوق ، تمنت لو أنها أصرت على رفضه ، هدية من رجل غريب لا مبرر لقبولها وهذه القطعة الخضراء تحمل بقايا ذكرى ، كأن الحاج مرزوق وصاحبة الضريح قد أتفقا سلفاً في تلك اللعبة المدبرة لكي يجعلانها تفكر في نصفها الآخر وتقبل بعريس لا يفوت يترقب اشارة الحظ التي ستطير به إلى السماء . حاولت أن تتخلص منه لكنها في كل مرة تحجم في اللحظات الأخيرة وتتراجع عن ذلك فتشعر بشيء من الندم ، علها قوة خفية طيبة أو بركات ملائكية مسخرة من الضريح ، تنزل اطمئناناً على روحها المعذبة كلما فتحت الصندوق يغمرها شعور بالسكينة ، تضم إلى صدرها أطيافاً من ألوان البهجة تطلقها في جنان واسعة تهرول في مساحاتها السعيدة التي لا تعرف الحزن والشقاء .
خطر على تفكيرها أن تتصل بصديقتها منصورة، قررت أن تجابه ضراوة الجو الخارجي، الخروج من سجن البيت ولا البقاء واجترار الذكريات التي تزيدها عطشاً و قلقاً من الأيام القادمة. منصورة هي دواء اللحظات الأكثر تعاسة ، لا يعادلها شيء آخر ، مرحة تحب المزاح والضحك ، تبني قصوراً من السعادة وليس لها من حطام الدنيا شيء ، ترملت مبكراً ولم تنجب ذرية من زوجها ، كتب لها البيت الذي تقطنه باسمها قبل أن يترجل عن صهوة الحياة .
تعيش لوحدها امرأة مهجورة متروكة لقدرها ، تمضي إلى البنك كل أول شهر كي تصرف راتب زوجها التقاعدي .
آلوو منصورة ما هي الأخبار ؟
عندي فأر في البيت أطارده من نصف ساعة.
هذا فأر اصطياده ليس سهلا ، ما رأيك أن نخرج إلى كورنيش الملك فيصل ؟ بسرعة فالموضوع لا يحتاج تفكير ، سيارة الحاج مرزوق موجودة .
نتوكل على الله و لا تنسي أي شيء بارد لتلطيف هذا الحر المتوحش .
ترجلتا من السيارة بعد عدة دقائق في شوارع المنامة ، كانت فيها منصورة تعلق على كثرة البنايات الشاهقة التي أكلت مساحة الكورنيش وأبتلعت البحر وكيف أن تنزه الناس عند الشاطىء بالمجان لا تربح منه الحكومة !
هبت نسائم صيفية لطيفة على الكورنيش ، ظل النخلة الهزيلة الملاصقة لجدار كشك المرطبات ، كأنه ينتظر أحداً ما ، تجاهلتا الكشك . فرشت زكية بساطاً قماشياً ملوناً وضعت فوقه سلة من البلاستيك وأخذت تتنفس بعمق . لم تكتف منصورة بالمراقبة بل أطلقت نفسها لتستوعب رائحة البحر شوقاً ومحاولة للفرار من الأوجاع التي تحاصرها قبل أن تقول :
رائحة البحر آه ه ه ه ، أنا بصراحة اختنقت من حاج مرزوق ، زكيه كيف تتحملين هذا الشايب ؟
تعودت وخلاص ، لو أركب مع غيره لكانت البسطة ما تكفي همها مصروف أجرة النقل ، سواق النقل المشترك طماعين.
يتكلم في الموضوع ال ..
أي موضوع منصورة ؟ نعم تذكرت .. هالشايب عنده أمل تصوري ؟
كلنا يجب أن يكون عندنا أمل .
إلا أنا .. هالدنيا كل مرة ترميني في مكان ، حالتي ميؤوس منها مثل .....
فتحت السلة وهي في لحظة تفكير توشك على النزف أو التداعي، لا تستطيع حبس كل تلك التفاعلات المضطربة، أتتراجع الآن عن الكلام وتدعي الصمود مثل كل مرة وأن لها حظا مشرقاً سيأتي حتى لو تأخر أوانه، أم .. أتخبرها الآن عن عارف الذي يتسلل إلى تفاصيل حديثها بشكل عفوي لا تستطيع إخفائه ؟
هذا الضائع في شوارع المنامة والمتسكع في خواء الروح يفتش الأماكن عن أشباح يدخل معها في معارك وهمية، أشباح تحوم حوله ويخشاها أن تسلب ما عنده ! وهو المطحون المستلقي على بساط الفقر ، يلتحف أرصفة الشقاء ، لا بوصلة لأحلامه ولا مستقر لشتاته المتواصل . هي لا تدري كيف تصف مشاعرها نحوه ، أحياناً تحن عليه عندما يأتيها مطلا من خرابه وهو يبتسم بوجه متعرق ، أنهى تنظيف بعض السيارات وكسب دنانير معدودة تختلط برائحة عرق يديه أو يحمل أشياء مستعملة نبشها من مكبات القمامة أو .. مسكين لا يسلم من تطاول البعض، كدمات تزخرف وجهه المتعب المنكسر ، يصفها أنها مجرد حوادث صغيرة لا تذكر ، يرتكب ابتسامة مصطنعة ليخفي حرجه وكذبه، لكنها تعرف قسوة بعض الناس، تتسلى على خراب مسحوقٍ مثله، مفرط الطيبة يقع في حبائل هؤلاء العابثين.
وإلا ما رأيك .. كيف أتصرف ؟
................
زكية ، سرحت بعيد عني و أنا أتكلم مع نفسي عن هذا الفأر ، تصوري لقد أفلت مني وأنا خائفة.
تخافين من فأر !
غداً يصطحب من بلاعة الجيران رفيقة ويؤسس قبيلة .
علبة سم صغيرة تحل الموضوع.
جربتها لكن وجدت قطة الجيران ممددة أما باب المطبخ ، ضربني الندم ، قتلت روح يا أختي ، عقابها في رقبتي يوم القيامة ، نعم أضحكي أضحكي !
من وجعي والله ماذا أفعل ؟ هههههههه !
خذي المتيسر و أتركي المتعسر . الحاج مرزوق ما عيبه ؟
أصير ضره ، أقبل بال.. ثم أنه سني . خليه في حاله أحسن وبعيد عني ، لا أريده .
زكيه ، أنا أكبر منك بأربع سنوات ، الدنيا ما ترحم أحياناً السني يصير أحسن بألف مرة من البحراني . زوج عمتي سني ، واحد ذهب .
.............
الوحدة صعبة اسأليني ، أمر بأيام سوداء أكره فيها نفسي ، كأني منبوذة .
لا ينقصك شيء ، أنت تتشاءمين فقط أو ..
أفكر حتى في عامل البلدية الأجنبي الذي يدخل الحي في الصباح .. شاب طويل عريض أراقبه من نافذتي ، عضوه كبير بارز من بنطلونه الضيق و.. ( تكتم نصف شهقتها زكيه ) !
أنا يا حسرتي قضيت مع المرحوم سبع سنوات بس ، قبلت بالرجل حتى لا أعنس بعد أن خنقتني أمي بكلامها اليومي المسموم ، كلنا زكيه نحتاج .. تعرفين قصدي .
الجلسة صارت غم يا اختي ، تكلمي عن أي شيء غير الرجال أو سليني ولو بنكته .
أجتاحها صمت غريب ، أين تكون ذهبت بأفكارها ؟ منصورة أرملة في منتصف شبابها لكنها في مرحلة قنوط يائس ،تدفن أحلامها في حفر الأيام المتشابهة . تحدق فيها وتتمنى في سرها أن تبقى على هذا الحال ! هذه ليست أمنية خبيثة ، لا. هي ليست شريرة أو تكره النعمة والخير لغيرها إنما .. منصورة هي المرأة الوحيدة التي تؤثث وحدتها وتسقي شعورها بشيء من الأمان ، تحكي لها فتسري عنها أو تتبادل معها أرغفة الحزن ، تخفف شعور الانهزام الداخلي الذي يطحنها . وجودها أصلا فيه عزاء لنفسها ، عندما تتزوج ثانية ستنشغل برجل قد يحقق لها حلم أمومتها المفقودة و .. حينئذٍ ستتعذر عن زيارتها أو قد يمنعها زوجها لأي سببٍ كان لو شاهد تقاطيع هذا الوجه القبيح !
تتحدث عن الأمل ، هي تفعل ذلك لأنها تشتهي زوجاً وملت صحبة فتاة قبيحة ذات مزاج سوداوي وأحاديث سمجةً مكررة . أخذت تعزي نفسها ، ألهذه الدرجة أصبحت غير مرغوبة ؟ منصورة هذه تخفي الكثير ،انها المرة الثالثة التي .. مادامت قد تذوقت حلاوة المعاشرة الزوجية فكيف تنسى ؟ أكيد سيكون الجلوس بصحبة فتاة شيء مضجر ، هي تريد رجلا يسامرها ويمدحها ، رجلا يسهر على راحتها ويمتعها بحلال الله ورسوله . منصورة هذه ينقصها فقط أن تكون صريحة الساعة ، لتكن شجاعة ولتقولها الآن ، إذ كانت الصداقة تحولت إلى خناق أو شؤم يحاصرها ، ما الذي يمنعها عن الكلام ؟
كان يبحلق في وجهها من مرآة السائق ، نعم الحاج مرزوق يعرفها بحكم هذه الرحلات المتكررة و.. منصورة تخفي سراً ، رحبت بسرعة وقبلت بالخروج إلى الكورنيش بعدما كانت نبرة صوتها مترددة قليلا .
لا يعقل أن تصوم ثلاث سنوات من الترمل والوحدة ثم ترمي نفسها إلى شبه رجل منته الصلاحية . لا يمكن أن تفكر فيه أصلا ، هي إستقرفت رائحته وكثيراً ما جعلت من هيئته الغريبة مادة كوميدية للضحك والسخرية . من شدة ما بها أخذت تهلوس على الأغلب ، مابين أربع جدران ، الصمت والملل والوحدة تسرع من عطب الذاكرة عند امرأة تحن إلى أحضان رجل ولا تجده !
تحدثت عن الزبال وبلا خجل ، أتكون قد فعلتها وتتظاهر بعكس ذلك ؟! هذا لا يعقل من امرأة تحترم نفسها وسط حي نظيف . ماذا لو كانت تتستر بعفاف كاذب ، في النهار صديقة دمثة تؤنس من يجالسها ، وفي الليل مومس لا يعلم بها إلا الله . فكرت مرة أخرى ، حصار الشك هذا مجرم في حق منصورة الإنسانة الطيبة ، عملت على تنظيف الوساوس وكل الاتهامات التي تراكمت أمامها وطلبت المغفرة من الله في سرها وهي تتظاهر بابتسامة صفراء .
هي على الأغلب بريئة النوايا ، كل ما هو في قلبها تفشيه على لسانها بلهجة مرحة ممزوجة بكلام ترتاح منه النفس . تتحدث حتى عن أحلامها التي تزورها في المنام ، شفافة لا تخفي شيئاً داخلها . تتذكر كم أكرمتها بالمزيد من الهدايا في العام الأول من تعارفهما . طقم فناجين قهوة ، ساعة معصم مرفقة بزجاجة عطر في غلاف كارتوني أنيق ، هذا غير وجبات الأكل والرحلات في الأماكن العامة ، تترافقان في جولات تسوق لشراء الحنة والأقمشة الملونة والعلكة البصرية التي تحبانها ، منصورة تغدق من كرمها بلا حساب ، هي الأخت التي لم تنجبها أمها ، تركتها وحيدة في شقاء هذا العالم . ألتفتت إليها وتمنت في نفسها أن تسامح ظنونها الخرقاء التي لوثت ما تبقى من هذا اليوم .
ضريح الشيخ عزيز ، عبارة عن مسجد ومقام ، لأحد الأولياء الصالحين عند الشيعة في البحرين ، تقام فيه الولائم و النذور وحلقات الدعاء والصلاة .
(( 4 ))
هو لا يدري ماذا يفعل هنا ، لكن الجو يفيض بالغواية التي تشعره بالرغبة والخجل في آن وها ثديا الراقصة يترجرجان باشتعال طري يكاد يحرق ملابسها المتلألئة في رقص الأضواء الليزرية ، تغمر مساحة الصالة . وحدها تنفرد بالمشهد الفاتن فتتمايل وتتثنى بمهارة ورشاقة مدروسة أو تشاكس كاميرا المصور فتكاد تأكل بؤرة العدسة وهي تلتصق بشهوانية هكذا ، تجبره الآن على التلذذ بالمشاهدة ، بينما الحاج مرزوق يدخل إلى الحجرة وفي يده صحن مكسرات مع بعض الفواكه .
ها عارف ، عجبك الجو ؟ المكان هنا أحسن من الشوارع و الأرصفة . شاهد وتمتع !
أنا نظفت السيارة كما طلبت ، أنت حاج مرزوق رجل طيب ، أجرة التنظيف على حسابي .
كل شيء في هذه الدنيا يا ولدي له مقابل ، اعطيك زيادة ، فقط ساعدني .
وماذا عندي حتى تطلب مساعدتي ؟
أنت تجلس عندها وتعرف الكثير ، يعني .. زكيه هذه هل يأتي إليها رجال هكذا هكذا وأنت شاطر ساعدني .
رجال و أطفال ونساء ، الكل يأتون لشراء الذرة .
أفهمني عارف ، ركز معي أقصد ..
حاج مرزوق لا أتصور أن تتهم شرف المسكينة ثم انها في حالها لماذا تسأل عنها ؟
هي مثل بنتي يعني عيب الواحد يخاف على ابنته ؟ جاوبني هل هناك شيء تشك فيه ؟
...................
قصدي شريف طبعاً وها أريدك أن تساعدني ، يعني تكلم عني و أمدحني ( دس في جيبه مبلغاً من المال ) يجب أن تفهم أنني أريدها على سنة الله و رسوله ، افهمني عارف .. أوه نسيت الشاي .
يفكر الآن كيف أوقع نفسه في هذا الدهليز المظلم ؟ الأسلم لو أنه لم يركب السيارة واكتفى بأخذ أجرته أو حتى الاستغناء عنها ، ما دامت هناك صفقه يرتبها هذا المتشهي ، يطمع في امرأة بعمر واحدة من بناته ! قال بأنه يريدها بالحلال ، وما دخله هو بهكذا موضوع ؟ لم يريده حاج مرزوق جسراً يعبر عليه كيما يبلغ مراده ؟ لكن هذا شعور مختلف يداهمه الآن أن هناك من يحتاجه ، كما لو أن أحدهم يحتاج غرضا من وراء جدار . هو الآن سيد اللحظة ، لطالما اعتبرته الناس حثالة على الهامش ، شيء في نهاية الصف ، صفر مهمل أو مجرد حيوان سائب ! شعور جميل بالأهمية يوقظ فيه معنى الحياة ، شعور يأخذه إلى .. هذا أحلى من كل ما يكتب من القصائد .
هي فرصة جيدة ، الحاج مرزوق يستأهل و حتى زكيه ، سوف تكسب رجلا يعتني بها وينتشلها من وحشة الدرب ، الرجل كلامه ونيته نظيفه ، ابتسامته طيبه وهذا يكفي ! نعم فالرجل أعلن نواياه الطيبة ولا ضير من مساعدته ، حتى بدون مقابل ، ليكن هذا شيء في سبيل الله وسط مجتمع يلهث مهرولا وراء الدينار . هو سيكون أفضل من الجميع في مراتب المثالية التي يريد ، أن يتجرد من أنانيتهم ليختبر نفسه و ينتصر عليهم ، هذا الانتصار مكتوب له في الجنة التي يحلم بها خاليةً من الشياطين .
هو يعرفهم طوال هذه الأعوام ، الكثير منهم يطالعونه بلا اكتراث ، البعض يرميه بنظرات الشفقة ، آخرين يزدرونه وهو ملتصق بغبار الرصيف يقرأ جريدته الانجليزية ، كلهم أقزام شيطانية ها هنا في جنته .. نعم أقزام في نظره ، يتطاحنون على بقايا الخراب الذي يحتسونه من كؤوس نواياهم المجهولة ، هو سيكون سيد جنته ويطرد عنها كل الشياطين و يطهرها من الإثم ، خطوة صغيرة ويستطيع تسييج الجنة وحمايتها من غابة الحياة المشحونة بالقسوة المعلنة والصامتة ، هو عاشر البشر في هذه العاصمة و أختبر أقنعتهم وتلون جلودهم و أمزجتهم ، حينما يكونون طيبون ، غاضبون أو متسامحون ، كرماء أو بخلاء . يعرفهم في مآتم الحزن ، يعرفهم في حلقات الدعاء ، وساعة تهيج الجموع بتظاهرات السياسة و الغضب ، يعرف الناس هنا من عرب و عجم . حتى لو كانت مساحة محدودة ، يستطيع أن يفعلها الآن ، هو قادر على بناء الجنة التي يشتهي .
دلف من الباب ثانية وهو يحمل صينية الشاي ، يؤكد أن الزواج من امرأة أخرى حفظ للرجل وستر عليه ، أحسن من الحرام . بعد انتهاء طقس الشاي ، كان الحاج مرزوق يقرأ ساعته ويطلق ابتسامة صفراء عبثية ، فهم عارف الإشارة ونهض مغادراً المكان . فضل العودة راجلا وشكر الحاج مرزوق من على عتبة بابه ، فهو يعرف طرقات و أزقة المنامة جيداً . ذات يوم تجول في نفس الطرقات برفقة والده ، يحمل حقيبة قديمة بها أغراض لا يعرف ماهيتها ، لكن كان صوت ذاك الرجل المشحون بالشباب والصرامة ، يترقق حينما يخاطب ربات البيوت ، يعرض عليهن تصليح أفران الغاز و المواقد . هذه تصرفه وتلك تدعه يدخل وهكذا حتى تنمو في الجيب بعض دنانير الرزق الحلال أو لاشيء من مشوار التعب . يمشي في المكان وها تغيرت مفردات الأشياء ، الكثير من دكاكين باعة التتن ( التبغ ) زالت و البعض الآخر لازال قائماً بتصدعاته المتحدية لفعل الزمن ، حلت هنا دكاكين الإنترنت و البقالات الكبسولية الشكل والمطاعم الآسيوية التي تفوح منها رائحة الثوم المقلي الكريهة . ثمانية دنانير في جيبه الأيمن ، فلا بأس من أن ينفق الآن على وجبة لذيذة ورخيصة تنعش جوفه الخاوي ، صحن المكسرات طعمه مر ، من فيض كرم حاج مرزوق ! فضل تجنب الصحن لكي لا يصاب بنزلة معوية .
أكل بشهية صحنين من العدس ، نظرات النادل الآسيوي كانت تظهر تقززها أو احتقارها الخفي له ، ما أكترث لشيء وتجشأ براحة والرقاب تلتفت إلى لحنه الموسيقي الفاضح وقد أتى على زجاجة الكوكا كولا ، محولا فقاقيعها الغازية إلى تحديق لامبالي وبارد في الوجوه التي تحاصره ، ثم خرج إلى الطرقات يتفقد هذه البيوت المهجورة . لا يصعب إيجادها ، هذا أحدها ، به نخلة عجفاء لا تزال تحتفظ بخضرتها والبيت حطام وأشياء متناثرة وقمامة وقطط تفر من المكان ، استراح عند النخلة وغفا .
غادر المكان بعدها، لا يدري كم مضى من الوقت وهو نائم حتى سأل أحد المارة، فأعلمه أنها الرابعة عصرا. مشى إلى الحديقة، هي ذي عند حافة الرصيف، تمتد إليها الأكف الصغيرة والكبيرة ورائحة الذرة المسلوقة تدغدغ الشهية. جلس على الرصيف بمحاذاة السور الحديدي المزخرف، يقشر بعض دهانه المتهالك بشيء من العبث وهو يحدق إليها منتظرا تفرق الناس عنها. كم هي محظوظة زكيه ولاشك تشعر بأهمية وجودها وتأثيرها بين الناس ولو كان هامشيا بعض الشيء، هاهي تباشر عملها بجد و إخلاص. لكن من الأفضل لها البقاء في المنزل يستر الله عليها مع زوج يحبها، كما قال الحاج مرزوق. وثمة ما يستحق المحاولة هنا مادام الهدف إنساني ، عندما تتزوج زكيه من الحاج مرزوق وتتذوق طعم السعادة وتستريح من لهاثها وطحنها الدئوب ، سيجيء الوقت المناسب كي تعرف أن وراء ذلك وقفة طيبة من عمل الخير لوجه الله تعالى ، لكن قبل ذلك يجب أن ينقل الآن طبيعة تحركات زكيه طوال النهار ، هذا مهم جدا فالنساء تخفي أسرار كثيرة لا يبحن بها للرجال ، كما أكد الرجل وهو يبرر طلبه !
مراقبتها ستكون متاحة إذا ما أستطاع أن يشغلها بشيء .. أخذ يفكر في حل لا يلفت انتباهها ، فجاء الهندي (بابو) موزع الجرائد ، أوقف دراجته الهوائية ، قطع عليه حبل أفكاره ، أعطاه بعض الجرائد والمجلات القديمة ، أبتسم وهو يهز رأسه على عادة الآسيويين وأنطلق مبتعداً ، مثل كل مرة يزوده بعطاياه المجانية ، لا ينتظر كلمة شكر وينصرف بهدوء . عاد ثانية يفكر في زكيه .. ها أضحت لوحدها تهش الذباب عن مكان جلوسها . أقترب منها وقرر أن يجرب شيئاً ..
زكيه تعرفين الهندي بابو ؟
موزع الجرائد الأهبل أو .. آسفه نسيت أنه صديقك .
كلنا بشر زكيه وخالقنا واحد .. المهم ، زودني بابو بمجلات قديمه ، خذي بعضها كي تتسلي بالقراءة .
أراد أن يتأكد من حدسه ، هي على الأرجح لا تحسن القراءة ولا الكتابة . فقط أكتفت بمد يدها وأخذت منه المجلات ودستها في كيس ، لم تتصفح شيء .
مواضيع شيقة تستحق القراءة، ألست مهتمة بتصفح المجلات، جربي الآن .
أ .. أعتقد الوقت غير مناسب، في البيت سأقرأ وأنا مرتاحة، القراءة تحتاج إلى .. مكان هادىء .
هذا صحيح يا زكيه .
تواري كذبها لا أكثر . حذرة وتعرف كيف تراوغ في التوقيت الحرج ، نعم فالحاج مرزوق له الحق فيما طلب . زكيه امرأة تخفي الكثير ولا تحب أن تبدُ بمظهر الضعف مثل أي أنثى ، بلا شك أدركت الفخ المنصوب أمامها ، تفادته ببراعة وحسن تدبير . لن ييأس بسهولة من أول محاولة ، حتماً ستكون هناك فرصة أخرى ، يفكر ثانية ، هي أنشغلت مع امرأة مسنة برفقة حفيدتها الصغيرة تشتري لها الكاكاو ، فغادر المكان ، يحمل كنزه الورقي .
(( 5 ))
هذا المساء صعب ، بقايا حرارة النهار تنبعث ثانية لتشوي مع الرطوبة المتصاعدة من البحر كل شيء ، الكل يندس في مكانه الخاص ، هو هذه اللحظات مثل أي قط متشرد ، لا .. القط يأوي إلى الظل باحثا عن أي مساحة ترابية مبللة بالرطوبة كيما يخفف حرارة جسمه المتصاعدة ، القط أشطر في هذا التكتيك ، هو هنا يدور في حلقات مفرغة من التوهان ، الحر يأكله ويشويه حتى الموت ببطء ، لا يملك الآن إلا مواصلة المشي في هذياناته هنا بالشوارع المنكفئة على صمتها الخائب . قطعة الورق الكرتوني المقوى التي يحملها كي يلطف عنه جو الرطوبة الخانقة لم تعد تنفع ، يشعر بأنه يغلى كالسمكة في قدر عملاقة ، يبلغ بخطواته المتعبة جامع المهزع ، يهرع إلى براد الماء ( السبيل ) الآن يستطيع الاحتيال على الحر ويطفيء حريق جسمه ، كالملهوف جاء ليتزود من خيبة الموقف ، براد الماء كأنه يضحك ساخرا في وجهه ، التيار الكهربائي مقطوع أو هناك عطل ما لايدري ، فقط أستند إلى حائط المسجد خائر القوى . المكيفات تحاصره وهي معلقة على جدران البيوت والعمارات ، تهدر بصخبها وبرودتها لأصحابها فقط وهو هنا لقمة سائغة للحر يكاد يموت في الشوارع التي أخلتها عساكر الحر و الرطوبة بقوانينهما العرفية القاسية .
الحديقة بعيدة بعض الشيء والوصول إليها يعني المزيد من المعاناة والتورط في مصيدة الحر و الرطوبة ، فهؤلاء الأجانب الموظفين ضمن الشركات الأمنية لهم قلوب من أسمنت تحرس إخضرار الحديقة ، مرات كثيرة يصطاده الحر في أوقات حرجة فلا يجد الرحمة منهم ، أصبح للحديقة بكل تفتحها الجميل وقت رسمي للزيارة ، ربما هؤلاء الحراس مزودين بعدادات تحسب كمية الأوكسجين التي تتسرب من الأشجار كهدايا لهذه المدينة ، لكي تتحول فيما بعد إلى ضرائب عامة واجبة الدفع !
لا حيلة أمامه الآن غير الجلوس حائراً .. يراقب خواء الشارع ، يحرك ورقته الكرتونية و.. صوت واهن يحبو من نافذةٍ ما قريبة منه ، صوت يشبه حشرجة أو اختناقا ، لايبدو أنه صادر عن جهاز التلفاز في شقة أحد السهارى المشدودين لمشاهدة فيلم سينمائي ، الصوت يغيب ببطء و يحضر مقاوماً يتعلق بالمزيد من الركض نحو النجاة من مصيرٍ ما .
في باديء الأمر أعتقد أن الصوت يأتيه من الأعلى ، الزقاق أمامه طويل ، المكيفات تهدر ، قلبه مضطربا يرسم سيناريوهات سوداء تذكره بمشهد مدمن مخدرات قضى بجرعة زائدة ها هنا من عامين فقط ، كان أشبه شيء بكيس زبالة عند أحد الأبواب ، يعرفه شاباً ثلاثيني من حمالين السوق المركزي ، يسحب عربته الخشبية الطويلة المحملة بالبطاطس متمنطقاً بحزامها المشدود إلى خاصرته ومنكبه ، يقوم بنقل الكميات المطلوبة ويوزعها مابين تجار السوق وسط الضجيج و الزحام .
وها هو شبحه لم يغادر الزقاق ، كان مجرد شيء مهمل ، مطروداً من رحمة و حب أهله قبع عند عتبة الباب وقربه صينية بلاستيكية عليها عشاء بارد ومتواضع لم يمس ، ملعون أبو الجوع ، سرق ذاك العشاء كغنيمة من جيب الشقاء ، كلما تذكر هذا يشعر بالتقزز من دناءته ، كيف أستنفع من عشاء رجلٍ ميت بلا دعوة مسبقه ؟!
الصوت يستمر متسرباً في الزقاق ، شعر أنه توقف ، لا فالصوت لم يتوقف ، فقط عليه العودة أدراجه للخلف ، فالصوت يكاد يضيع منه ، سيل الرطوبة بات ينهكه أكثر في هذا البحث المجنون . ربما الصوت قادم من هذا البيت المهجور ، أطل بسرعة وخوف على المكان ، لاشيء هنا غير قطط تتعارك على مناطق نفوذها ، فمضى إلى اقتفاء الطيف الصوتي المجهول ، أصبح يتقطع أكثر ومعجوناً بالمزيد من الألم و النهاية .
طاقة فضولية تتسلط على حواسه الآن فيتمسك بها ويحدق في النوافذ أعلى و أسفل يحاول تخمين مكان الصوت في غابة الأسمنت أمامه ، اللعنة .. داست قدمه اليمنى قاع زجاجة ( بيبسي ) مهشمة ، جرح غائر لكن ..
تلفت حوله فأدرك مكان الصوت ، كيف غفل عن المكان ؟! هذه شقـــة الحاج محمد غلوم ، هنا مصدر الصوت و هنا الجامع ، كيف ضاعت منه حواسه الخرقاء في متاهة الحيرة كل هذا الوقت ؟ فطرق الباب لكن لا أحد يجيبه غير ذاك الأنين المستغيث وها هنا الباب الحديدي الواقف بعناد موصدا أمامه يحدق ببرود قاتل ، دفعه و دفعتين وثلاث ، يفتش في عقله عن وسيلة لفك عناد هذا المعدن الأخرق ، نعم .. حاوية القمامة في مفترق الزقاق جهة اليمين ، يفتش عن قضيب حديد أو شيء يستعين به لكن لا شيء غير قمامة متراكمة ، فرجع إلى المكان بسرعة وطرق الأبواب يستجدي نخوتها ، بجنون من باب إلى باب لكن لا جواب في متاهة البيوت التي تندب أهلها ، متروكة لغزو الأغراب يفيض ماء وجودهم مسيطراً فكلٌ يعتزل جزيرته الأسمنتية هنا ولا يعنيه العالم لو أحترق أو غرق !
هو فقط من أطل غاضباً من ركام الخراب ، بحريني وسط غزوهم البارد القاسي أستيقظت نخوته العربية ، بضع كلمات قليلة شرح فيها الموقف وانطلقا نحو الحاج غلوم . بطريقة ما فتحا الباب ثم .. الحجرة ذي يتسرب منها الصوت ، يعبر من ظلمة المكان ، طيف روحٍ تكاد تتمزق من وجعها .
وجعها .. الذي يلعب بهذه اللحظات الحرجة في حجرةٍ مسكونةٍ بالقلق والغربة ذات الأنياب التي تنهش الجسد الضعيف المستكين لقدره ..
أي قدرٍ هذا يختار المساكين ليغتال اطمئنانهم المؤقت ويعصر وحدتهم في كأس مرارته مستنفداً أحلامهم و ذكرياتهم وفرحهم هكذا يباغت بلا توقيت مسبق ، يسرق الروائح الأنيسة للنفس ، يشعل حرائق بلا دخان هنا .. عبوات الدواء بعضها فارغ على ( كمدينو ) السرير وهذه عبوة أخرى أندلق محتواها فوق السطح الخشبي العتيق يتكاثر عليه الذباب في وليمة طارئة .
طارئة ، الحالة طارئة هكذا قال الرجل وهو يجري اتصالا يستعجل فيه سيارة الإسعاف . خمسة عشرة دقيقة أو أقل و وصلت إلى المكان ، فبدأ فضول الأغراب يستيقظ على وقع الصفارة ، كالجراد يحتشدون ، كانت عيونهم تتفقد بقايا القصة عند عتبات الفجر ، يفتقد صوت الحاج محمد غلوم وهو ككل يوم جمعه يفتح مايكرفون الجامع قبيل أذان الصبح ، يرتل سورة البلد و الليل و القدر ، تباعا هكذا وبصوت خافت يتسلل حنونا يغمر الأزقة بنسمات الرحمة .
دقائق وحملت آلام العجوز على بياض السرير المدولب إلى صندوق السيارة ، ألتفت المسعف إليه .. كيف بهذا الجرح النازف ممارسة المزيد من الانتظار على سطح النعال النايلونية المستهلكة ؟
# # #
مضت السيارة تشق طريقها نحو المستشفى ، تفرق فضول الأعين ، أنفضت ثرثرات الألسن المستفسرة .. جاء يشد على يده لشهامته :
أحسنت عارف ، لولاك لمات الحاج غلوم ولم يدري به أحد والجيران في المنامة تدري ؟ ، كل الذين من حولنا أجانب يحاصرونا من كل الجهات .
أنا لم أفعل ....
أحسنت عارف ، هذه شهامة العربي والله .
شكراً ولو لم تفتح باب بيتك يا طيب لكنا الآن .. الحمد لله المنامة لاتزال بخير وفيها ( أجاويد ) أمثالك . المهم أن الحاج غلوم يتعافى .
رأى نفسه نهب أفكارٍ شتى ، كيف خرج من جلده المسكين ليلعب دور البطولة ؟! أنقذ روحا كادت تزهق في عزلتها ، الحاج محمد غلوم عجوز أرمل ، له من الذرية شابين . الأول وهو الأكبر مهاجر ما وراء البحار في كندا ، أنقطعت أخباره و زياراته ، والثاني مات بنوبة قلبية في احد الملاعب الرياضية خارج المنامة من مدة طويلة . هذا كل ما يتذكره من حديث الحاج .
أراد التحرك فوجد صعوبة في ذلك بقدم مجروحة مغطاة بالشاش ، فأستمهله الرجل لحظات قليلة ثم أعطاه كيس ..
حذاء ؟
ستحتاجه ، قديم بعض الشيء لكنه أفضل من .. اعتن بنفسك عارف و تفضل خذ ..
أحاول أن أتوب عن التسول و أنت الآن ...
عارف .. هل تر تلك السيارة الرمادية ( تويوتا ) ؟
فهمت فهمت ، سأجعلها تلمع كأنها جديدة ، هكذا نتفق يا أخي .
نسيت ، رجل الإسعاف أخذ رقم هاتفي من أجل كتابة تقرير عن الحادث وسأحتاجك في مركز الشرطة .
لا لا ، لا تذكر أسمي يرحم الله والديك ، أعتبرني جندي مجهول .
شرع يعرج في الزقاق يتخطى الظل ، ينفض عن ملابسه غبار الليلة الماضية ، كأنه يكتشف في طريقه نهار مختلف . يعرج وئيد الخطوات يدخل للشوارع التي بدأت تدب فيها الحركة ، المنامة تستيقظ ، سكينة هناك قرب الحديقة يستطيع رؤيتها ، كأنه يشتم رائحة الذرة المسلوقة ، فمشى وضجيج الشارع آخذ في التصاعد ، الآن فقط تذكر أنه فقد حقيبته التي تلازمه ، لا يدري أين ذهبت في خضم الريح العاصف التي حاصرته البارحة ؟ لابأس .. سوف يتسامح مع خسارتها ، أو سيبحث عنها لاحقاً ، متأكد أن لا أحد في المنامة يطمع فيها . أحد العمال الوافدين مر بدراجته من المكان ، أستوقفه طالباً توصيله ، فكان له ما أراد . الجو هذا الصباح مختلف قليلا عن جحيم البارحة ، لحظات ثم وصل إلى الحديقة وهو يبتسم في وجه زكية تراقبه ينزل عن الدراجة ، يشكر صاحبها وهو يضم كفيه كما يفعل ( رهبان التيبت ) . في الحال جهزت له كوب من الذرة الساخنة ، لم تتفوه بكلمة غير أنها عندما ألتفتت إلى عرجته وهو يجلس بصعوبة عند سور الحديقة سألته :
عسى ما شر ، آذاك أحدهم كالعادة ؟
أنها مجرد .. شيء بسيط في قاموس المتشرد ، عضة كلب سائب غافلني أثناء نومي ، هذا أسلم من أن يعضك بشر، الشر بعيد عنكِ لا تقلقي !
آذاك أحد الأشرار أو السكارى ، أنت فقط لا تريد أن تتكلم عارف ، حسناً براحتك .
طفل بدين جاء مهرولا وأشترى بعض الحلوى وأسرع يتقافز مثل القرد نحو الحديقة ، ألتفتت إليه ثانية وهي تحدق في قدمه ..
قدمك ملفوفة بعناية .
أحد الطيبين نقلني إلى مستشفى السلمانية البارحة .
نعم عارف ذكرتني .. الحاج مرزوق أخبرني أن مؤذن جامع المهزع نقلوه إلى الطوارىء .
الرجل لا يستأهل ، أنا أيضا سمعت الخبر !
تناول منها كوب الذرة ، أكل بشهية فقدمت إليه الكوب الثاني وهي تبتسم عن طيب خاطر ، تنظر إلى هذا الجالس وتقلب أحواله في عينيها ، كأنه لا ينتمي لهذا العالم بكل صخبه ولهاثه الحياتي المحموم ، هذه المرة لا يحمل حقيبته الرثة كما تعودت أن تراه ، لا تدري إن كان قد فقدها أو نسيها في مكانٍ ما ، حقيبة عادية كالتي يستعملها العمال الكبار في السن وهم يتوجهون إلى المصانع أو عمال البناء ، تعودت أن تراه يحملها معه أينما ذهب ، تفكر في .. نعم فكرة حسنه كيما تفتح صفحة جديدة مع هذا المخلوق ، تريد أن تقترب منه حتى تكتشف عالمه الخفي ، الفضول يأكلها وهناك صوت خافت يباغت عقلها ، يتساءل عن سر هذا الرجل . شكت منذ اللحظة التي رأته فيها ، هناك ما يخفيه ؟! أومأ برأسه يشكرها ، حدق في قدمه المصابه ثم ..
قام وهو يتثاءب ، دخل إلى الحديقة واختار ظل شجرة الليمون ، أستلقى على بساط الحشائش الخضراء ونام ، غير عابيء بشيء .
(( 6 ))
شيء ما يداعب أنفه ، الشيء يستمر في التجول على خارطة وجهه . يحرك وجهه محاولا التخلص منه ، قد يكون .. على الأرجح حشرة أو ربما ، شيء لا يتوقف بدا مزعجا بشكل لا يمكن أن ..
أستيقظ من نومه ، تفاصيل الصورة زالت غمامتها أمامه الآن ، مجرد طفلة صغيرة في سن الروضة بملابس وردية أنيقة ، كانت تحمل عود أخضر وهي تضحك بروح مشاكسة . قبل أن يتحدث إلى براءتها ، جاءت خادمة آسيوية تهرول بانزعاج واقتادت الطفلة من يدها ، كانت تلوح بكفها الصغيرة إليه ، رأسها تتمايل فرحا ، تمنى لو تحدث معها كي يروي عطشا ما يرقد في خافقه المتصدع عطشا و عذابا و غربه .
ألتفت ناحية مدخل الحديقة ، مكان جلوسها خال ، غادرت اليوم مبكرا قبل موعدها ، يشغلها أمرا ما يستدعي انصرافها المبكر ، هذا ممكن . ماذا تفعل غير الجلوس هنا صباحا وعصرا تسترزق ؟ هو حتى لم يسألها أين تسكن ؟ قام يتمشى في شوارع المنامة ويصفر في خواء عالمه ، يتأمل البنايات الشاهقة ذات الواجهات الزجاجية التي تسطع في ضوء الشمس وسيل من السواح الأجانب يتفقد معالم المكان . واصل طريقه يمشي حتى أبتعد كثيرا عن حي جامع المهزع ، المنامة بكل تفاصيلها لا تشعره بالغربة ، فقد حفظ رائحة الشوارع و الأمكنة ، هنا أكل شطيرة همبرجر بالجبنة من شخص لا يعرفه ، وهناك لحق بأحد السواح كي ينبهه إلى غرض سقط منه سهوا و هنا عند هذه البناية فاجأه كلب شرس عض ساقه اليمنى . كل هذه الأماكن تستفز ذاكرته الآن ، يتمشى ويكتشف تغيرات كثيرة تداهم منامة قلبه التي تحفظ ظله وصوت وقع خطواته ، بنايات كثيرة تنبت في جوف البحر وأرصفة من الطوب الأحمر تلون الشوارع ، يشتغل عليها العمال الآسيويين المصلوبين في جحيم الصيف بلا رحمة.
اللعنة .. قطعة البلاستيك المهترئة تلفظ آخر نفس ، ماذا يفعل الآن ؟ بحث في جوف حقيبته عن حل ، فوجد سلكا معدنيا أمكنه من اجراء تصليح عاجل للنعال المهلوكة ، لكنه قبل أن يواصل تسكعه محاولا مغادرة جلسته الطارئة فوق الرصيف الكونكريتي الساخن الذي شوى مؤخرته ، داهمه صوت أحد العمال الأجانب ، ينظف حلقه بالقرب من أحد الأسبلة الوقفية ، تذكر عطشه الآن ومضى إلى هناك ، وها قطرات الماء تتكثف فوق سطح الصنبور الفضي ، ماء بارد يدعوه للشرب ، سارع يروي ظمأه وكفه تتجمد من انهمار الماء ولكن في منتصف ارتواؤه سمع صوتا غادره منذ زمن ..
-أتشرب من هذه الوساخة ؟!
-كل الدنيا وسخة !!
أراد أن يبتعد عنه ، من عساه يكون ؟ سيارة فخمة تحيط صاحبها بأجواء النعمة والأبهة ، نظارة شمسية تشبه ما يلبسه نجوم السينما ، هذا الوجه يرقد في الذاكرة لكنها تستيقظ ببطء أو ماذا ؟ شيء ما يعيق ذاكرته أو يضبب رؤيتها ، الرجل في عنفوان شبابه و ابتسامته الخفيفة تشي باستمتاعه بما يجري .
اركب السيارة .
اذهب عني لا أريد الركوب معك .
السبب ؟
مرة ركبت مع واحد ابن حرام فأخذني إلى مكان بعيد وتشارك مع آخرين و .. قضيت خمسة أيام في السلمانية ، حتى قضاء حاجتي عذاب صعب معه تكاد تطفر روحي من الوجع ، أذهب واتركني .
اللعنة .. أخبرني عنهم وسأذيقهم طعم جهنم ، أحقاً فعلوا بك هذا يا أخي ؟!
كل حواسه تعلن الفرح لهذا اللقاء غير المرتقب .. هذه هي أعلى الجبين تلك الندبة التي يتذكر سببها الآن ، سقط هاني قرب عشة الدجاج فأستقبله مسمار ناتء أسال دمه ودمع تلك الأم الصابرة ، هاني يا شقيق الذكريات المشحونة بالحزن والعناء ، شبابك متورد وأيامك شيء آخر مختلف ، تلبس أغلى الثياب وتركب أفخم السيارات وتأكل في مطاعم الخمس نجوم .
كيف لم تعرفني ؟!
ما تفعله الأيام يا أخي ، أخوك نصف شاب آيل للسقوط أو مجرد مجنون ، قط متشرد !
لا تتكلم هكذا أرجوك .. أرجوك عارف ، هيا أطلب شيئا تأكله ولا تهتم بنظرات الناس ، نصف هؤلاء هنا حثالة متأنقين ، أنت أنظف واحد فيهم .
هاني لا تغلط على الناس .
لا تزال على براءتك ، صحيح أنا أخوك الأصغر لكني معجون ببلاوي هالدنيا ، أنا .. الناس التي تدافع عنها هي التي أتهمتك بالجنون و ورطتك فيه فوصلت لمستشفى الأعصاب ، عمي هو من قدم ضدك بلاغ في الشرطة ألا تعرف ؟؟ في يوم الحادث ، أبي كان ثملا وكمية كبيرة من الكحول تدفقت على ملابسه وهو سكران ، أشتهى تدخين سيجارة لكنه ولع في نفسه ، أنت هربت بدلا من انقاذ الموقف .. دفع ثمن قسوته علينا !
أرجوك .. بعد تلك السنوات جئت لتخبرني هذه الكذبة ، ثلاث سنوات أقمت بمستشفى الأمراض النفسية حتى كرهت حياتي ..لا أطيق أكل لقمة واحدة معك هنا .
لو كذبك كل الناس ، أنا أصدقك عارف ، الحادثة أنتهت و .. أنت مسجون في الماضي . كل شرطي في الشارع تتصوره يتعقبك ، ما هذا الاستهبال ؟! عيش حياتك يا أخي خلاص ، لا الشرطة أو المستشفى لا دخل لأحد بك ، تتوهم فقط من فراغ . عندك وسواس قهري سيدمر حياتك ، هذا تشخيص المستشفى وليس كلامي .
ولكن الناس لا ترحم ولا تنسى أنني الشاب الشرير المجنون الذي أحرق والده .
أنت من يجب أن ينسى ، لا تجلد نفسك . تعال معي حتى تعيش مثل أي آدمي آخر في المنامة ، سأجد لك فرصة عمل ومكان تسكنه ، أنت وافق فقط .
المنامة كلها بيتي ، الله يغنيني عنك ، رأسي لا تزال تتنفس ، هل مددت يدي لك ؟
عنيد ولم تتغير ، والدنا الآن مجرد عجوز مشوه على كرسي متنقل غارق في قاذوراته ، أخذناه لدار العجزة ، خليه يقضي آخر أيامه وننتهي من القصة ، عارف أنت لو تقـ ..
أنا أستثقل هذه الجلسة و ألا تخجلون من كلام الناس .. أبي ترمونه هناك ؟! أنت و سهام من خطط للموضوع أنا متأكد . بعدها تنقلبون على أمي ، حرام عليكم .
قسى قلبك عارف نسيت أنني أخاك الأصغر ، حقاً غيرتك حياة التشرد .
ليس أكثر منك ، فتحت سجلات صورية باسم أمك وأخذت تتاجر بها بالشطارة والغش ، تعتقد أني لا أعرف . هاني لا تتمسكن عليّ .
أذهب لأي مزبلة تريد ، الكلام معك مضيعة للوقت و وجع رأس على قلة الفائدة ولكن .. كيف سأراك ثانية ؟
كل المنامة تعرفني فلن تتوه عني لو سألت.
انسل خارجاً من بوابة المطعم الزجاجية الأنيقة ، موظف الاستقبال الأسيوي أستحقر هيئته واستنكف عن فتح الباب له ، وحدها تلك الأجنبية الشقراء هي من سبقته لهذا التشريف . نظر خلفه لواجهة المطعم ومعدته تجابه الجوع ونفسه تصارع كبريائها المجروح ، سارع للأختفاء في أزقة المنامة تحسبا لهاني كي لا يلحق به أو يهتدي إليه سبيلا ، بسرعة أغرق نفسه وسط الزحام .
يفر من تلك الأيام ، كل ما فيها يطارده الآن ، ما بال أشباح الماضي تخربش صفحة صفائه الداخلي ؟ لم يختر تشرده التعيس وضياع أيامه وأحلامه لكنه مع مرور الوقت تصالح مع نفسه وتعود مرارة الشوارع وذل الأرصفة وتباين طباع الناس ، تكويه بقسوتها أحيانا وتنعمه برحمتها كما ملائكة تنشر الخير في أحيان أخرى . فكر أن هاني لم تكشفه الظروف مصادفة هكذا كأي لقاء عابر .. مرت سنوات من الجفاف ، حيث لا تواصل فيما بين أفراد الأسرة ، على الأقل من ناحيته هو ، عندما آثر أن يضرب بعرض الحائط كل طقوس فرحهم و حزنهم ، نسي كل شيء يتعلق بهم ، هاني محق بكلمة القسوة ! هذه هي ضريبة التشرد ، غدا كل شيء متكلس في مساحات النفس المتداعية والمنهكة من شقاء الحياة . ضحك من نفسه هذه اللحظة وكأنه لأول مرة يعرف خارطته الجوفية .. هكذا أحيانا نحتاج لمن يصفعنا بحقيقتنا ويعريها ، حيث لا نحتاج إلى المزيد من التبريرات الدفاعية التي تزيد من ذاك اللمعان الخادع بدواخلنا . تعب من سيره المتواصل ، الشمس تتوسط كبد السماء ، أدركه العطش والإحباط و الندم .
لماذا لم يأخذه إلى أحضانه ؟ لا يزال يتذكر تلك الدموع الشقية من خلف القضبان ، كما يتذكر صندوق المانجو .. كان يوماً صيفياً ملتهباً من شهر أغسطس حينما دخل إلى البيت وصدره يعلو و يهبط من التعب و الخوف ! لحظات حتى نبش حبات المانجو من بين حشوة الورق المبشور في العلبة الملونة ..
خذ خذ يا أخي ، ملعون أبو الجوع هيا كل !
من أين جئت ب..
أعطوني اياها بالمجان يمكن .. ألا تراني ألهث ونفسي ينقطع يا غبي ؟!
عدت للسرقة من جديد هاني ؟؟
غصباً عني .. كان الهندي يعرضها في الشارع صفراء ولذيذة .. كيف سأتحمل إغرائها هه ؟
كل حبة شعلة من النار في بطنك لع.. لعنك الله .
أخذت رأسه تدور، تأثير حرارة الشمس تنهش من تركيزه فلجأ إلى مظلة خشبية ترتفع فوق أحد الدكاكين المنتشرة التي تشيع في الأزقة وتغص بالهنود ، بحث في جيب بنطلونه عن أي مبلغ ، لا شيء في هذا الجيب المثقوب ، لايريد أن يمد يده كي يتسول هؤلاء الغرباء . أفترش الأرض وشرع يفتش حقيبته الرثة ، حتى رغيف الخبز المدخر لحالات الجفاف كهذه لا ينفعه الآن وهو مخضراً تلونه بقع العفن ، تعافه العصافير لو كان على الرصيف ، فكيف يأكله ؟
أكتفى بالجلوس عند عتبة جوعه يعالج انقباضات معدته الخاوية في صبر ، لكنه لم يفقد تركيزه بعد ، المرأة التي خرجت من الدكان وهي ترفع عباءتها عن غبار الزقاق وتكشف عن لحم جسدها الأبيض ، سقط منها شيء . سارع إلى تنبيهها خشية أن تتعرض للسرقة في وضح النهار ، ألتفتت إليه ..
الحمد لله ، رحم الله والديك ، سقط مني ولم أدري .
الواحد منا تضيع حواسه أحيانا .
للتو صرفت معاش زوجي التقاعدي من البنك ، لولاك لتورطت ، كمل جميلك معي وساعدني في حمل ..
فطن إلى بقية كلامها المبتور وسارع يحمل عنها أغراضها ، كانت تتثنى في مشيتها وهي تتقدمه ، تكشف عن ساقيها وهذا عطرها يكمل سيرة الغواية ، تلتفت إليه في نظرات خاطفة وهي تتبسم ، أسنانها ناصعة البياض تلوك اللبان البصري ، تحاول اخفاء وجهها بتصنع شيء من الحياء والعفة ، يديها موشاة بالحناء . يضحك في سره من تصرفها ، ما الذي يطمعها في هيكل شبه حي وسخ و فوضوي مثله ؟!
على الأغلب أنها فقط مجرد امرأة مناميه مائعة تتغنج كي تسري عن كبتها الداخلي لا أكثر ، توقع أنها بمجرد بلوغه عتبة بابها ، تعطيه نصف دينار وتشكره أو تكتفي بالترحم على والديه كما تفعل الناس هنا . سألته العذر إن شعر بالتعب لثقل الأغراض .. نفى أن تكون كذلك وأبتسم لها يجامل لطفها ثم توقفت عند باب حديدي متواضع داخل أحد الأزقة ، لاحظ بأنها تلتفت بحذر ، الحركة بدت هادئة في الزقاق ماعدا طفلة هندية بمريول المدرسة كانت تعبر المكان وتغني بلغتها شيئا ما .
ابتسمت وهي تزيح بعض خصلات شعرها الأسود القاتم ، دست سريعا مفتاحها في تجويف القفل ، كأنها دست سهماً في إحساسه المتفاجىء وهي ذي تستعجل نظرته البلهاء ، طالبة منه الدخول بسرعة !
امرأة تدعوه لل.. تذكره بنداء الطين للطين وبآدميته . لطالما تعود ممارسة اشياء تافهة لا تروي عطش الروح ، الانزواء في أحد الأزقة أو منزلٍ خرب كي يفك سحاب البنطلون ويطلق العنان لجلدته اللحمية ترمي ارتعاش بياضها اللزج في اللاشيء ، هذا أقصى ما يستطيع حتى يحصل على اكتفاء ذاتي تعيس ، يهبه بعض النشوة التي يحتاج . لكنه هنا أمام امرأة تشتهيه وتستعد لدعوته ضيفاً على مائدة جسدها !
عتبت قدمه اليمنى أول الخطوات نحو أنس الروح ، تشتعل أحاسيسه في ذروة اللحظات وهي تخطف المفتاح إلى صدرها وتكاد تأكله بعينين شبقتين لكنها لم تقد قميصه من دبر ، بل أخذته إلى مساحة ظمأها الصحراوي ، أحتضنته بقوة وشعر بوجع لذيذ لحظت أعتصرت (..........) ، تفح فحيح الأفعى التي وجدت شريكها ثم .. لفظته بعيدا وتجهم وجهها الجميل ، تسد أنفها مستقرفة .
رائحتك لا تحتمل ، ربما زكية لا تشم شيء هذه المسكينة وأنت قرب البسطة . حاسة الشم عندها معطلة لا أشك في ذلك .
تعرفينها ؟ ثم من أنتِ ؟
صديقتي ، لا تصير غبياً وتخبرها ، صحيح ستعلمها القراءة ؟
نويت أن أفعل لكن زكية صعبة قليلا .
لكنها قالت .. هذا ليس مهماً .
وهكذا قررتِ حكاية حمل الأغراض إلى هنا !
ذكي يا عارف ، كشفت خطتي ، تعجبك زكية ؟
لم تسألين ؟
أخذت منه الأغراض ووضعتها جانباً ، رتبت زهوراً اصطناعية في مزهرية من الزجاج الأخضر ثم وضعت إبريقا معدنيا على موقد غازي مركون في أحد زوايا البيت ، أشعلت عود كبريت ، فتحت نهم الموقد لشرارة البدء ..
لا تضيع وقتك معها ، وحده معقدة ، أنا أصلا أرافقها شفقة و مجاملة ، شيء لوجه الله ، ما رأيك ألست جميلة ؟
يتوقف هنا عند حدود ارتيابه أو الخوف من القفز على طيبة نفسه ، لا يدري الآن كيف تتهيأ الفرصة مثل برتقالة مقشرة متاحة في راحة كفه . فرصة .. ماهو شكل هذه الفرصة ؟! المرأة تشته رجل وكفى !! أتحسب انه صيد سهل هكذا ؟ لا ضير من فعلها ما دامت .. لكن لكل هذا ثمن ، ربما ورطة يتعثر في دوامتها ، المرأة تريد أن تلعب لعبة ما كي تصل إلى غايتها ، وهو هنا تلك الدابة العمياء المطلوبة لتأدية الدور . مجرد شاب متشرد يثير الشفقة ، يستعان به للعب الأدوار الوسخة و.. حانت منه إلتفاته إلى نفسه المكسورة ، كيف أصبح هكذا في نظر الناس ( طرطور) مسحوق الكيان أو شيء تافه لقضاء الحاجة و التسلية العابرة !
هي على الأغلب تعرف بأنه أشتهر في المنامة ( كمجنون ) أو متهم ألصقت به تهمة محاولة إحراق والده .. ثم أن الظروف قد تكون جمعتها بأحد هؤلاء الشياطين الذين يسعون خلفه للنيل منه ، وهي ذي هنا تتصنع فوران الشهوة كي تستبقيه كجزء من الخطة ريثما تحظر الشرطة ثم ..
أتركيني أذهب ، أغراضك وصلت للبيت ولا شيء بيني وبينك أكثر من هذا .
أحتاجك عارف و.. ألا تشفق عليّ أو على نفسك؟ أنت ألا تحتاج امرأة ؟! ألست من جنس البشر ؟ أو أنك بهيمة تهيم في الشوارع بلا هدف ؟ حتى البهائم تفعلها ؟
مكث مكانه عند الباب حائراً لا يعرف كيف .. هذا اختبار صعب لم يتوقع السقوط في مطبه ، معادلة صعبة تتحداه ، سيجرب ثانية لعلها تفرج عنه ، هو لا يرغب في ورطة من المؤكد أنها ستجر عليه المزيد من المصائب . لتذهب هذه المجنونة إلى الجحيم وما تريده ، هي أخطأت العنوان ، ولتصفه بأي شيء آخر لكن .. تفتح باب عفوها عنه وترجع إلى رشدها !
عادت تحدق فيه ، تململت من انتظار جوابه ، أقتربت منه وأخذت تعبث بياقة قميصه المتآكلة الحواف والمتسخة .
يعني لو أغسل قميصك هذا وآخذ ماءه وأتركه لتشرب منه العصافير لماتت ، عارف سأجهز لك الحمام ، عندي لك ثياب نظيفة وسأقلي لك سمك صافي بالزبدة ، فقط نم معي وإن لم أعجبك إنساني .
.....................
أوف ف ف ، الكلام معك ضائع .
قامت وفتحت قفل الباب ، بدت محبطة ومشمئزة ، تلوح عليها مشاعر المصابة في أنوثتها ترقب حالته عند الجدار ، عندما نهض من مكانه كان واضحاً تلوث قميصه الأزرق بالدهان الأبيض المتقشر ، فأستثار المشهد ضحكها ،غرقت في طرافة الموقف .
(( 7 ))
أوقف سيارته ( البيك آب ) عند سور الحديقة يعد حصيلة كده اليومي ، لم تعجبه النتيجة فبصق خارجا في حنق مكتوم . أحد المارة نقر زجاج نافذته الخلفية طالبا توصيلة ، مسد بأصبعه شاربه الأشيب وهو يحدق في الشاب ..
نوصلك للمريخ لو تريد ، على حسابك ؟
تأخذني للمحرق ، كم تطلب ؟
التوصيلة أقل من ثلاثة دنانير ما تستأهل يا الطيب .
تسلخون الناس ، حرام عليكم و.. أنا أذهب مع غيرك بأقل من هذا المبلغ .
امسك غضبه من الانفلات ، الشاب أكتفى بالإنسحاب من الموقف . عاد ثانية الحاج مرزوق يداعب أوراقه النقدية فيما يبدو أنه يتأكد من الرقم ورأسه تنتفخ من طحن يومه المتعب . دس أوراقه في محفظته الجلدية القديمة ، أشعل لنفسه سيكاره وتلذذ بتدخينها ، يستريح من ركضه اليومي ، بصره يتجه إلى مكان جلوسها ، غادرت قبل وقتها بنصف ساعة ، توجد بعض المخلفات التي ترمينها الفتيات على عجل وهن يركبن حافلة المدرسة ، أغلفة الكاكاو وبعض أكواب الذرة البلاستيكية وخلافه ، فقط كان يحدق في فوضى الأوساخ ويهز رأسه .
عراك قطين عند حاوية القمامة أستلفت انتباهه ، فوجده هناك ينبش كومة الأوساخ وقد اتكأ على صندوق برتقال . يتمنى هذه المرة أن يجد عنده شيء ، يجب أن يحصل على ما هو مفيد لقاء الدنانير التي دفعها ، سكينة يجب أن تصدق ، فهو جاد في الموضوع ويريدها بالحلال .
أطلق نفير سيارته لكن هذا الأخير كان غارقا في حاوية القمامة في حمى البحث .
عارف ، عارف
رفع رأسه ومسح عرقه وهو يبحث عن مصدر الصوت ، أدرك أنه لن يصل إلى الحصول على شيء مفيد . وجد الحاج مرزوق يلوح له ، خلع نظارته ونظفها ثم ركزها على أرنبة أنفه و دقق النظر ، حك لحيته الفوضوية ومشى ..
حاج مرزوق ، أهلا .
لا تمد يدك يا وسخ ، قف عندك ، هه طمني عن الأخبار .
حسب جريدة أمس ، حكومة نتنايهو لا تريد وقف مشاريع البناء الاستيطانية وتصادر المزيد من الأراضي وتريد السلام ، الجامعة العربية تندد فقط !
صرت مسلياً عارف أو سخيف ، يا غبي أقصد تلك العنيدة التي طلبت منك مراقبتها ؟
تذكرت تذكرت ، إنها .. حياتها عادية جداً ، أنت تتعب نفسك حاج مرزوق.
الحق عليّ اعتمد على مخبول مثلك .
.................
خسارة الفلوس التي اعطيتك إياها ، ادلف عن وجهي !
ركب سيارته وأنطلق بها غاضباً . أخذ يراقب الموقف ، متأكد من هذه اللحظة أنه أستفز الحاج مرزوق للمرة الأولى ! إذن هو قادر على إستفزاز الناس مثل أي إنسان عادي في الحياة . هذا شيء جيد يبث بداخله معنى آخر للحياة ، يحرك مياهه الراكدة .. أليس هذا رائعا ؟!
جلس قرب سور الحديقة وأخذ يضحك ، كأنه يكتشف متعة أن يضحك من أعماقه المصابة بالمهانة . مشى بضع خطوات قصيرة نحو السور ثم فتح حقيبته وفتش عن شيء يطرد به جوعه ، علبة بسكويت ( ماري ) صغيرة مدخرة من يوم أمس عندما أكل وجبة متواضعة من الخضروات باللحم في أحد المطاعم الهندية ، وجد العلبة متروكه فوق طاولة مليئة ببقايا الطعام ، أستغنى عنها أحد الشبعانين ، هي هكذا صيد هين ، فخطفها . تباً .. النمل تسلل خلسة إلى جوف العلبة ونفذ غزوه المباغت ، فرش منديلا قماشياً رثاً وفتح العلبة محاولا تنظيف وجبته ، مسح عرق شقائه ، ها قد جاء هاني في وعيه بهذه اللحظة.
لمَ يطل عليه الآن ؟ مشاعر متناقضة من الغضب والإحباط .. كان يتباهى بأشيائه الثمينة ، ساعة من البلاتين تزين معصمه وسيارة فخمة ، أيظن هو أن شقائه وتشرده في الشوارع شيء قابل للبيع ؟! يقول .. سأعطيك مكاناً تسكن فيه وأسهل لك عملا تزاوله مثل أي آدمي محترم في المنامة . أهذا يعني أنه كمتشرد لا احترام له إلا عندما يحنط نفسه ضمن وظيفة ويصبح نسخة مكررة مثل كل الناس ؟ ماعيب أن تأكل وتشرب وتتسكع في هذه الشوارع ؟ ممارسة الحياة بشكل مجاني و الهرب من كل أشكال المسئولية هي قناعة ! يعتقد هاني هذا أن .. لا يريد ذلك ولا يرغب في شفقته الأخوية التي تخفي ورائها هدفاً ما أو مصلحة ، هاني له مصلحة في الموضوع هذا أكيد . كثيرون يعتقدون أنه غبي ، لكن هذا ينافي ما يعرفه عن نفسه ، هو يعرف مدى زيفهم حينما يتصنعون الطيبة يدهنون بها مصافحاتهم الودودة ويعرف كذبهم المتواري خلف ابتساماتهم الصفراء المجاملة ، يعرف نفاقهم الاجتماعي الملون ، ما هم إلا شياطين جواله ، تقتحم اخضرار نفسه وتخرب هدوء قيلولته النهارية في الخرائب أو الحدائق ، شياطين تتطفل على عالمه وتحسده على نمط حياته البسيطة الحرة المتقشفة وغير المكلفة!
يتلذذ بقراءة كتاب أو جريدة وهو يتفيأ أشجار الحديقة ، ينس الدنيا وكل ضجيجها المتشظي ولهاث المخدوعين ببريقها ، يراقب حركة الشارع وهو يمضغ العلكة ، يتطفل على جموع المشيعين في مقبرة المنامة ، يعرف المكان المناسب كي يحصل على هباتهم وصدقاتهم ، الخميس و الجمعة هما أنسب أيام الأسبوع عندما تجتمع الخلق لتسلية أمواتها وقراءة القرآن على أرواحها المتوارية أسفل طبقات التراب . يجلس تحت واحدةٍ من سقائف الخشب ويبيع أحيانا ( المشموم ) * لزوار المقبرة ، تنصاع أحاسيسهم و بعض دموعهم وتنصهر حزناً على أقاربهم الراحلون ، فتتحول إلى بركات من غيث دنانيري في جيبه .
يصدقون هيئته ، لحية كثة مختلطة بالشيب وجلسة ساهمة في خشوع التسبيح والسفر إلى أكوان قصية متصلة بالخالق ، هكذا يظنون وعليهم أن يصدقوا ، فهو يستعير هذا القناع وقت الحاجة لكن سرعان ما يعود إلى طبيعته بعدما يسأم هذا الدور على خشبة الحياة ، يريد فقط البقاء بوجه حقيقي بعيداً عن الزيف الخارجي ، الحاج مرزوق بات واضحا ، هو منهم بلا شك .. شيطان ينصاع إلى طمعه ، يزحف مثل الأفعى نحو فريسة سهلة ، هو واهم إن كان يعتقد أن زكيه تفكر فيه كزوج . هو لا يعرف أن نقاء زكيه ونفسها الطيبة يجعلها خارج دائرة هؤلاء المنتفعين ، طينتهم من فصيلة الشياطين إلا هي تتمختر الآن أمامه في ثوب أخلاقها الدمثة ، ألتفت إلى مكانها خالٍ ، مسكون برائحة وجودها .
ودّ لو يبوح لها الآن ماذا قالت منصورة عنها .. فتاة غبية و معقدة تفكر بشكل مقلوب ولا تفهم الحياة ؟! الحياة ليست طحناً متواصلا وغرقاً في دوامة التعب والتسمر في دروب الشقاء ، إنها مجرد فتاة خائبة ، زكية لا تعرف نفسها أو فكرت حتى في التعرف على نفسها مثل أي إنسانة .
الكثير من أسرار الفتاة تعرت على لسانها .. منصورة هذه أثملها جمر اللقاء وحمحمت مثل خيل عربية ألتقت بفحلها ، شبقة ومجنونة ترقص بالمزيد من الأشتعال تشبه في رغبتها النار ! يتذكر الآن تلك اللحظات ، سمع كلامها حرفيا ونفذه ، أستحم وتنظف من صدأ ومايكروبات الأيام الماضية ، لبس واحدة من ثياب المرحوم ، بسط أصابعه الخمس على الرز المحمر وترك سمك الصافي المقلي مجرد هيكل عظمي فارغ . و .. غابت لحظات قصيرة لتخرج إليه امرأةٍ أخرى لا تشبه نفسها كما كانت منذ لقيها في الطريق . لم تتكلم ، فقط تركت يدها حرة تقصد في لمساتٍ جريئة .. امرأة خبيرة مثلها تعرف للمعصية طعماً آخر لا يخجل من شيء !
يود الآن لو يخبر زكيه ، ظاهرياً هي مجرد امرأة أرملة و مسكينة تعيش حياتها بنصف جناح ! لم تكن كذلك .. رقصت و ناورت وحولت فراشها إلى رماد تبقى فوق سطح الجمر الذي ذاب عليه البخور . كانت تستحثه لكي يستعر أكثر وتذكره أن عليه أن يكون رجلا صلباً لا يهاب اقتحام قلعتها ، تطلب و تطلب في ذروة اشتهائها أن يقدم أفضل ما عنده ، فهناك من سبقوه تمتعوا بفحولة بركانية جارفة تفوقه بمراحل ؟!
وعدته بالمزيد إذا ما أثبت كفاءته كرجل في فراش امرأة ظلمها قدرها في شرخ شبابها . نعم أضطر هنا أن يتشبه مثل الشياطين التي يكرهها ، يفكر كيف ترك غوايتها أن تسيطر عليه ؟ ترى هل يصل إلى ضفة من الأمان مع هذه المجنونة التي تطلب الجنس وتدعي أنها تعيش من أجله فقط ! التجربة وحدها أشبعت حواسه المتصحرة ، لا معنى لأي تساؤل عن رخام الأخلاق .. كلما تذكر أنه وحيدا في هذه الحياة أحس بالتعاسة والانسحاق ، أنه غارق في تيه اللاشيء ، سيأتي عليه يوماً ما يتحول إلى ذرات من بقايا عظام أسفل لحدٍ مع أو بدون شاهد يُعرفه لزوار مقبرة المنامة ، فلم عليه أن يؤجل لذة الأشياء السهلة التي تطرق بابه ؟
هو هكذا أسعد حالا من أحد رفاقه المشردين ، أنتهى به المطاف في حجرة العناية المشددة ، الغبي أختار أنبوباً معدنياً كي يختبر فحولته ، أنحشر قضيبه في لذة اللحظات ثم تحول الأمر إلى ورطة حقيقية مخجلة ! أختفى ذاك المسكين ولم يعد يراه في سكك المنامة . منصورة ستعوده من الآن كيف يكون إنسان سوي .. كلامها صحيح ، زكيه مجرد فتاة معقدة . مرات كثيرة وهو يجلس ليس بعيداً عنها ، يختلس النظر إلى صدرها ، فتتكور على نفسها داخل عباءتها محتمية عن نظراته . أما منصورة فتبيح نفسها بكل سعادة ، صحيح أنها أربكته عندما بكت في ختام اللقاء العاصف وتذكرت أيامها مع المرحوم . ما كانت حماسته ولا الوصفات الشعبية التي يجربها تنفعه في فراشها الملتهب المشتاق ، تظلمت من أهلها حينما زوجوها به . فهي على حد قولها أنه مجرد شيخ منته الصلاحية يريد امرأة تؤنس وحدته وتطبخ لقمته وتداريه في مرضه .. كان جسده المنهار والمليء بالتجاعيد تتوزع عليه دمامل حمراء يهرشها فتنفجر دماً و قيحاً يستجلب حفلات الذباب وشقاءها .
فتكره نفسها وتلعن حظها العاثر . لكنها رغم تعبها كسبت حب و تعاطف المرحوم ، شربت المر ثم أحسنت العناية به في أيامه الأخيرة ، متحملة مزاجه المتقلب ، يعصف ويغضب لأتفه الهفوات مثل طفل أو يضحك ويلاطف كهبة النسيم .
تقول بأن أكثر الأشياء التي كانت تخيفها عن المرحوم .. يذكرها أين وضع كفنه ، شيء غريب أن يتآلف مع قطعة القماش تلك و يوليها تلك الأهمية ، الكفن من كربلاء وممسوح بعبق ضريح الحسين (ع) كما قال لها . لا تذكر من شكله إلا كثرة الآيات القرآنية التي تزخرف مساحته المتواضعة . كم خافت لمس الكفن حتى لا تنجسه يداها الآثمتين . كان يذكرها بالكفن ، في خزانة ال..حفظت المكان و ملت اسطوانة حزنه ورثائه لنفسه ، يذكرها كيف كان شاباً معافى البدن ، لم يأنف العمل في مواقع كثيرة بأجر بخس ، صادق الإنجليز وتعلم كيف يتكلم لغتهم فتمت تزكيته للعمل في ( بابكو ) فشاهد مارد الزيت الأسود يندفع من القاع يهدر غضباً على من أيقض سباته القديم و.. شريط ذكرياته يتدفق كل يوم ، يتلو صفحات من مذكراته الشخصية حتى يتصدع رأسها وهي مضطرة لمجاملته.
يسكت حينما تشتد عليه أعراض المرض ولا يعود قادراً على الكلام ، فقط يتمتم أو يهذي، يكح بشدة حتى يكاد يقذف برئتيه خارج صدره المعذب . منصورة تعود لبكائها وتحمد الله أن لها صدراً حنوناً يحتوي ضعفها في هذه الدنيا ، يتذكر كيف أخذته إلى حضنها ودللته مثل الأطفال راجية منه أن لا يقطعها ، تتعهد له أن لا تفتح بابها لرجل غيره ؟!
ملئت له كيساً من الفواكه ، أعطته زجاجة عطر وأشياء أخرى ، بدت كمن توشك على خسارةٍ لا تعوض ، احتضنته ثانية كأنها لا تريد لطراوة الحلم أن يفارقها ، نصف ساعة ، ربما أكثر سنحت لها أن ترتب و تشكل إحساسها الداخلي بفرح آخر يكسر طوق الوحدة و السأم اللذان يخنقانها .
الآن يقلب مشاعره نحوها ، أكيد تتوقع منه العودة ثانية . تلك لحظات ومرت ، أيعقل أن يترك نفسه هكذا رهين ثرثرة وجنون امرأة تعيش هاجس اللذة وتخاف الوحدة ؟ هي أعترفت بأنها تستقبل آخرين ، مقدمة جسدها كمائدة ، ما نفع أن يورط نفسه معها ؟ سيحاول الآن صرف أفكاره عنها ، فهي تستولي على يقظته ، تشتهيه وتريده أن يكون عبداً لها . رفض أن يبيع نفسه لهاني ، فإذا به يقع في فخ منصورة ليكون كأي شيء تشتريه هذه المرأة ؟؟ اللعنة على تلك الساعة الفاجرة في سريرها ، اللعنة .. كيف يستعيد صفاء ذهنه ؟ وخز أسود يتدحرج داخله مثل كرة مزروعة بالمسامير ولكنها .. ياه ه ه ه ، كم هي طيبة الروح . طاف بذهنه خاطر مجنون ، منصورة لو كانت مشردة تحمل نفس جيناته الوراثية ، أما كان ليتحد معها أكثر وتصبح أحلى ؟!
(( 8 ))
هذا المساء له طعم مختلف ، تم تغيير ناطور الحديقة . ذاك الأجنبي صاحب السحنة المتجهمة ما كان ليسمح له بالنوم ليلا في الحديقة ، الله تعالى قدر و لطف ، هذا الشاب الذي لا يتجاوز عمره الرابعة و العشرين ، ينظف زيه الخاص كلما داعبته بعض الأغصان المتدلية اثناء مروره ، ليس صارما ولا يبدو عليه من ملامحه أي غطرسة ، يدخن في قمرة الحراسة ويحب الاستماع إلى محطات الأغاني من هاتفه المحمول ويتمايل في فرح مثل أي شاب مقبل على الحياة ، حتى أنه يتشارك وبعض الفتية بلعب كرة القدم في ساحة الحديقة . اسمه حامد وهذه أول عتبة حياتية ينطلق منها كي يكتشف ذاته ويؤسس مستقبله كحارس أمن . يؤيد نادي برشلونة الإسباني وهو من لاعبي النادي الأهلي ، حارس مرمى احتياطي ويحلم بالسفر إلى إسبانيا ، هكذا تحدث عن نفسه .
المهم أن هذا الشاب متساهل ، الآن ليس مهما أن يثرثر أكثر معه ، هنا في حقيبته بعض السكاكر بطعم الفاكهة ، هطلت في كفه من كرم ولطف منصورة ، ربما قطعة واحدة كفيلة بكسب وده في اللقاء الأول كبادرة تعارف .
شكراً شكراً يا .. لم تعرفني عليك .
عارف ، عارف المظلوم !
هذا لقب العائلة أو ..
أنا أخربط فقط ، يا أخي الصغير ولا تهتم ، قلت بأنك تسمح لي بالنوم في الحديقة ، صح ؟
واضح أن ظروفك صعبة جداً ، من رأيي أن تصالح زوجتك وترجع للبيت .
الكذبة أنطلت عليه ، يجرب طعم الكذب ها هنا ما دام يكسبه بعض الأصدقاء لوقت الحاجة ، أليس هذا التكتيك رائجاً في عالم البشر الذين يحيطونه ؟ ما أعجب هؤلاء البشر ، يمارسون الزيف ويعرفون لكنهم يتآمرون من أجل حفظ مصالحهم . هو يعرف كيف يستعير بعض مواهبهم دون أن يوسخ نفسه ، الاحتيال من أجل الحياة ليس إلا ؟!
عارف عارف ، عندي سؤال شخصي لو سمحت ، جيد انك تتحمل فضولي ، طبعا الناس لا نحكم عليها من ملابسها لكن .. يعني أنت لماذا تلبس هكذا ؟
لأني هكذا فحسب ، هذه هي حياتي بلا تعقيدات ، أسافر في آفاق أخرى . هناك مثل إيطالي يقول : قناعتك نصف سعادتك ، هذه حياتي كما تراها ، مقتنع أنا بها .
عفوا ، لم أفهم شيء ، تتحدث مثل المثقفين عندما اشاهدهم صدفة على التليفزيون أمرك غريب .
لامثقف ولا بطيخ ، مجرد إنسان عادي ، اسمح لي سأذهب لأنام .
سامحني على الإزعاج .
أندس بين الأشجار يلتمس سكينة النفس ، أخذ يتنفس بعمق ملتحما مع الطبيعة ، هذه رائحة شجر العوسج تتفاعل مع الرطوبة المسائية ، تنكفيء على نفسها وتنام ، وهو كذلك الآن يرتاح من دوران الشوارع ، يتفقد قدميه ، كالحتين بالرغم من أن منصورة أعطته نعال مستعملة لكنه دسها في حقيبته ، تبدو جديدة وسوف تتلف لو أستعملها . أوى إلى عشه الأخضر ، أستخرج من حقيبته رداء بسيط ، تغطى ونام .
# # #
في اليوم التالي كانت الشمس تمد أشعتها الذهبية إلى تقاسيم وجهه ، بهره الشعاع فأستيقظ ، وصلت لأنفه رائحة سجائر حامد ، ألتفت إليه ، يجلس فوق مقعده الخشبي ويلوح له بعينين متعبتين من السهر ، بادله التحية ولملم نفسه بسرعة حسب الاتفاق ، حامد لايريد أن يكتشف الناطور الآخر والذي سيستلم وردية النهار أمر عارف . بسرعة خبأ أغراضه وجلس عند سور الحديقة ، معدته تطحن الفراغ من شدة الجوع ، فكر بالذهاب إليها ، منصورة طيبة القلب وسترحب به و .. تراجع عن الفكرة واخذ يهرش لحيته الكثة ، أحس باحتقان مثانته ، يعرف زاوية مفضلة ليختبيء فيها ويرتاح ، بدلا من استعمال حمام الحديقة المخرب .
بدأت الطالبات تتوافد عند محطة الانتظار ، ربما تتأخر زكية ، سيضطر إلى تصبير جوعه قليلا ريثما تصل ، آه ه ه ، كم يشتاق لطعم الذرة المسلوقة ، يتذكر أنه قال جملة مضحكة أنفلتت منه بعفوية .. ( الذرة لا تكتمل طعمها بدون الليمون ، فبدون الليمون كأني بعربة بلا حمار ) !
زكية لا تدري ما هو وراء تلك الجملة ، ضحكت وأعجبها التشبيه الطريف ، لكنه الآن يسرح بذكرياته .. هو يوم واحد من أيام الصفاء التي لا تتكرر ، كان ذاك الصباح مختلفاً حقاً . قرر والده وهذه فرصة مناسبة أغتنمها ، قرر أن يقوم بزيارة استجمام إلى مزرعة العائلة ، هناك كان الجد ( حاج عبد الكريم ) يوزع البرسيم على الماشية والدجاجات تسرح في المزرعة ، نار الحطب يتصاعد دخانها الأبيض وإبريق الشاي يبقبق برائحته الطازجة .
شتلات الطماطم و خضروات أخرى ما تعود رؤيتها إلا في تلك الصناديق الخشبية و الورقية في سوق المنامة المركزي ، ها هي هنا تزهو بأوراقها النضرة ، يشم رائحة التراب الذي تتبرعم من رحمه . يطارد الحشرات الغريبة التي تندس في جحورها ويكثر من تساؤلاته عن أشياء يكتشفها لأول مرة .
مثل طعم التمر بالزبدة التي حضرتها جدته ، يتذكر طعمها مترافقا مع بعض حكايات الذين أحتضنتهم غابات النخيل ، فهذا ( خليلوه ) الذي أبتلعته العين وغاص في عمقها ولم يظهر له أثر ! وهذه حورية البنت اليتيمة التي جاءت تغسل ثياب زوجة أبيها فخطفتها الجنيات ؟! حكايات كثيرة روتها الجدة الطيبة لا تشبه ما تعلمه في المدرسة ، تمنى لو يطول به المقام في تلك المزرعة ، يوم واحد لا يكفي في هذا الاخضرار الذي يداعب الروح ، شيء جميل بعيدا عن تكدس البيوت و العمارات و زحام الطرقات وصخب السيارات الصغيرة و الكبيرة والخلق التي تذهب و تأتي .
يوم واحد لا يتكرر ، في قرية الهدوء والفرح .. طاف في ذهنه لو يستطيع أن يخترع شيئاً يوفر للناس السعادة وقتما يحتاجونها ! كيف غادرته السعادة وأصبح .. مثلها تماماً ، فزاعة بوجه الريح متروكة تنتصب ببلاهة في حقل الطماطم بمزرعة جده ذاك اليوم . اللعنة هاهو هجوم الجوع يتصارع بمعدته الخاوية ترسل نداءاتها الغاضبة من جديد و سكينة ، الحمد لله ، هي ذي تنزل من سيارة ( البيك آب ) والحاج مرزوق يساعدها في وضع أغراضها على رصيف الحديقة ، ينظر إليه شزراً ، وزكية تتساءل في سرها عن السبب لما رأت ذلك.
لحظات حتى أستعدت لاستقبال تكاثر الأيدي ، كاكاو ، بسكويت ، علكة ، ذرة مسلوقة بطعم الزبدة والفلفل ، عصائر رخيصة ، بطاقات شحن الهاتف المحمول . وهو يجلس مراقبا إياها توزع انتباهها للفتيات ، يرسم الصور أمامه ..
هي ذي تتأبط ذراع العجوز وتصعد مسرح العرس وصخب الأغاني يتطاير مثل العطر ويرقص ال.. لا لا ، زكية تستحق شاباً يتناسب وسنها ، أليس من الظلم أن تقدم نفسها ذبيحة جاهزة للسلخ لهذا المتعب الحالم بالصبا والشباب ؟! ، يهرول خلف أوهامه فحسب . الآن يلوم نفسه كيف فكر .. مجنونة أفكاره تتخبط في الظلام و الورطة ، ربما من حق زكية أن تعرف . نظرته المستاءة وهو يركب سيارته ، كم هي مقرفة وتطفح بالشر ، يوشك على أمـــــرٍ ما ، ربما .. شيء عصي على تفكيره لكنه يشعر باقترابه ، حاج مرزوق هذا يتلون حسب مصلحته ويبدل أقنعته ، قناع للصباح وآخر للمساء ، الآن سيبوح لها ولن يكترث ..
ثلاث حافلات أنحشرت فيها الطالبات ثم ساد الهدوء . أقترب منها مترددا وكأنه يتعرف إليها للمرة الأولى ، كانت تغطي أنفها بمنديل تحاول الهرب من قاذورات الديزل التي تقيأتها الحافلات التي غادرت المحطة ، ألتفتت إليه ..
ياربي سأختنق ، أوف ، مابك تضحك عارف ؟
............
إن لم تتكلم ، ستبقى بجوعك ، أعرف أنك جائع ثم تعال .. تلبس قميص نظيف وماهذا ، نعال جديد أيضا ، هل سرقت أحدهم ؟!
زكية .. أنت تأتمنيني على الفرشة أحياناً ، إنسان مثلي مطحون مهلوك تعيس ، صفيني كما تشائين ، ماذا يريد من هذه الدنيا ؟؟
بدا أنها شعرت بالذنب وأستسخفت ما قالته بلا تأني ، أخذت تعبث بالفوطة القطنية التي تمسح بها عرقها في شيء من ارتباك حواسها هذه اللحظة ، حاولت تغيير مسار الموضوع أو تتهرب من حرجها وقد حاصرتها شباك الورطة ، فهي تعرف عارف .. يبقى أنه أكبر منها بثلاثة أعوام ، الشعرات البيض التي تتوزع على لحيته الكثة توحي لها أنه مثل هؤلاء الدراويش الذين تشاهدهم في المسلسلات المصرية ، عارف لا يحمل مبخرة نحاسية مثلهم ويدور بها في الأسواق ، لكنه بدلاً من ذلك يحمل بعض الكتب والمجلات وحقيبة بسيطة وضحكته متسامحة بين الناس .
عارف سأحضّر لك كوب من الذرة الطازجة التي .. أوه نسيت ، اليوم البنات ماشاء الله ، شهيتهن مفتوحة و.. تأكل حلاوة طحينية ؟
كانت المرة الأولى ، خبز وملح يجمعهما ، فأكلت معه ولم تستقرف أو ترفض ، تفتح الكيس الورقي الصغير وتقطع الحلاوة إلى مكعبات وتقتسم معه رغيف الخبز ، كأنها تعيش أحد المشاهد الرومانسية لفيلم عربي قد تكون شاهدته أو هو من نسج ذاكرتها ، عارف تقترب منه هكذا بفيض إحساسٍ يستنطق شيئاً يرقص داخلها ، عارف له عينين عسليتين تبينت لونهما في شعاع الشمس ، واضح أنهما محملتين بذاكرةٍ من الوجع الصامت من النوع الذي لا يبوح . له أصابع طويلة و.. حركة عفوية منه فلمس يدها عن غير قصد !
لا تريده أن يعتذر ! فقط هو حماس الأكل بالنسبة لجائعٍ مثله قد يكون قضى ليلته خاوي البطن في مدينة فيض رحمتها يتفاوت من وقت لآخر ! الآن أتراها تخطو نحو فك حلقة خجلها وتعترف بأميتها ؟ عمتها لم تتركها تتم دراستها الإبتدائية ، صيرتها خادمة في البيت ، بالكاد تحفظ أشكال الحروف التي تدور في غمام الذاكرة والحظ التعيس ! فكرت .. ماذا لو رفض ذلك ؟ ستصبح أمامه مثل النملة ومن يدري ربما يضحك ؟! هي فكرت ليلة البارحة وكانت قد حسمت الأمر ، عارف سيفتح لها طريقاً آخر ، فقط عليها الآن أن تتحلى بالشجاعة لتعترف بما هي عليه .
(( 9 ))
كانت تقف في بداية الزقاق تتطلع إلى الوجوه وتبحث عنه ، المنامة تستيقظ من نومها وكذلك هي لا تعرف كيف أستيقظ خيال عارف في حلم ليلة البارحة ، تستمر في البحث عنه و تتجاوز الزقاق إلى دكاكين الأحذية غير منتبهة إلى فضول بعض المارة يحدقون في حيرة وجهها ، تغطي جسدها بعباءة سوداء تنحسر عن مفرق شعرها قليلاً للوراء .
علهُ حدسها الأنثوي ينذر بأن خطراً وشيكاً سيصيبه ، كان هناك بين زوايا عجزه كما لو كان مشلول الحركة يتضاحكون عليه ، نعم رأتهم و عرفت الشر المبيت في وجوههم ، أحاطوا به وهناك رجل غريب يتحاسب مع آخر ، تبرز محفظته المنتفخة و ..
هكذا تبخر أمامها الحلم ، عنيد الركض فر منها قبل أن تعرف شيئاً ، لكن خيال عارف يحدث زلزالا ما في داخلها لا تعرف له تفسير واضح غير أنها الآن تريد أن تراه بخير و تحتضنه ، تقوم بإعداد وجبــــة له أو تهديه شيئاً ما أو ربما تقدم جسدها شوقاً مشتعلاً فائراً بالجنون كما المرة الأولى وما أحلاها ! .. تشعر بالتعب و الإحباط ، تستغرب كيف يسيطر عارف على أحاسيسها ، غامض في صمته ، أنيس بضحكته العفوية ، وعندما يتحدث تتدفق من فكره المعرفة بغزارة تستعصي على فهمها المتواضع كطالبة سابقة غير مبالية بالكاد أتمت المرحلة الإعدادية ، يا لتلك الأيام الماضية .
نعم هي تستطيع .. حدسها يحدثها أنه يحبها ، ما هذا بجنون ، عارف إنسان طيب لم تلوثه هذه الحياة ، هي تعرف أنها ليست مثله ، هرولت خلف كل ما هو يلمع ، لكن تحدق إلى الشارع متراكمة اليأس فتعود أدراجها خائبة . بداخلها شيء غامض لم تقبض عليه بعد لتعرف كنهه .
# # #
يمشي إليه حر الظهيرة وهو هنا عند حافة رصيف بريد المنامة ، طوابير السيارات تتدفق من المنطقة الديبلوماسية و تتوغل في وسط السوق ، ظل شجرة السدر التي نبتت بشكل عشوائي قرب مبنى البريد يهرب عنه ، عمال البلدية أخضعوا الشجرة المسكينة إلى تقليم جائر و فوضوي ، شوه هذا الاخضرار البديع ، فتح حقيبته يبحث عن جريدة الأوبزيرفر ، ها هي مصفرة و معتقة بحبرها ، قديمة ولكن يعاود قراءتها كلما داهمه ملل المنامة ، تسير بوتيرتها المعتادة و تلهث بأناسها ، هذه هي سيرتها .
قلب صفحات الجريدة بسرعة ، هذا الحر يتصاعد و عرقه المالح يغزو عينيه و يسيل من فوق جبهته وصولا إلى نظارته ، يرسم خيوطاً مائية مزعجة ، ما حاجته بالقراءة الآن ؟ طوى أوراقه المصفرة ، واتته فكرة الذهاب إلى كورنيش الملك فيصل . حاسة الشم تتعطل ما دمت في هذه المدينة المكتظة بكل شيء ، لا تستطيع التمتع برائحة البحر ، قاذورات دخان محركات الديزل و البترول تملأ الجو ، الزحام يشتد و كل الشوارع تلهث ، جلدها الأسفلتي يتوهج حرارة جحيمية ، نعاله تكاد تتآكل ، مساكين هؤلاء .. رجال في منتصف العمر أو شباب في عمر الورد ، تنتصب قاماتهم أمام ساعات الانتظار في هذا اللهيب القاسي ، يبيعون قارورات الماء البارد بوجوه تتصبب عرقاً ، بان عليها أثر التعب و الحزن الصامت .
آثر العودة وهو في منتصف المسافة ، أصلا هذا الكورنيش لم يعد مثلما كان متنفساً تطرب النفس له عندما تصافح زرقة موجه التي تهديك السكينة و لذيذ الأحلام ، ليس بعيداً عنه ، قامت الحكومة وألقت بجوف الزرقة أكوام الرمل و الحصى ، فنبتت كتل الأسمنت كالفطر الرمادي الزاحف القبيح ، محاط بعفونة المياه التي غادرها رقص الموج ، ليس إلا صخب الرافعات الهيدروليكية و أرتال الشاحنات و حركة العمال الأجانب وسحب الغبار الناتجة عن شهية الدفن وبريق الدولار آه ه ه يا بحر أه ه ه يا بلد !
توغل في طرقات المنامة ، كل شوقه يتجمع سحباً حبلى بالمطر ، وجد لتعب خطواته مكاناً يأوي إليه .. يتأمل قدميه ، تتخثر الدوالي على جانبيها ، يدركه التعب ، سطوة الزمن لا ترحم ، فكل صغيرٍ يكبر وكل نظيرٍ يذبل ، يتأجج بين ضلوعه خيالها أسير الأيام ، راكمت عليه غبار القسوة ، نعم هاني لم يخطيء في كلامه ، هي ذي قسوة الروح تعلن عن جفافها مع أعز حبيبه.
ما بال تلك الأم المسكينة تعض على جراحاتها تداوي صبرها بالمزيد من الصبر ، منزوية في بيت سكنت فيه عتمة الأيام الخاوية من الفرح ، تستسلم ذاكرته لطيفها وكلما أراد طرق الباب كي يداوي عطشه التواق لحنانها ، يحجم في كل مرة وينسحب ، هي أيضاً صدقت تلك القصة الملفقة ، اللعنة على الكحول المندلق ، كيف حول ذلك الأب التعيس لنصف شيء مشوي لازال يتنفس ! يسحق شوق نفسه المشتعلة ، يطفئها وهي تناشد استغاثات النجاة .
تجيش مشاعره نحو صفاء نفسها المعطاءة ، يشده الحنين اليوم ولا يفلح مثل كل مرة في أن يدوس شوقه ، ها هو يحث الخطى نحو ذاك الزقاق الأنيس ، يمشي و يمشي تؤنسه بعض الذكريات الحلوة ، مثل طعم الحلوى المحرقية التي أكلها للمرة الأولى ، كانت تخبئها له وهي قادمة من عرس ابنة الجيران ، حلوى لذيذة الطعم ترقص في فمه وهي ساخنة يأكلها مع خبز الخمير .
يتذكر .. هاني عندما أرتفع صوته بالبكاء في صباح الجمعة ذاك ، لم يكن يتشاكس أو يلعب مع أحد ، يطلب شيئاً ، يحتج ، يعاند . كان مشلول الحركة تمسك به قبضتين رجوليتين لأب باسم الوجه ( يصلي على محمد وآل محمد ) وهناك رجل آخر أصلع الرأس ، أسنانه الأمامية سقطت ، تلمع بين يمناه شفرة الموس ، يبسمل ويدفع الحد القاطع في طراوة النتوء اللحمي الصغير ، وبكاء هاني لا ينفعه أو يخلصه من طقس التطهير ، يترافق بذلك النزيف ، تشبعت منه خرقة ( المختن ) وهو يضمد الجرح بيد ماهرة لا ترتعش رغم كبر سنه . وقف عند عشة الدجاج يتألم ذلك الصباح حيث لا تغادره الذكرى ، عرف المغزى وراء هذا الطقس الغريب ولكن الذكرى هكذا تشحنه بالألم فحسب .
تتعرق هذه الذاكرة من شدة لهاثها وهي تثب من محطة إلى أخرى ، ولا تلك الحادثة الطريفة التي .. كانت آتية من السوق ، تحمل سمك ( الصافي ) بان عليها أثر تعب المشي في لهيب الظهيرة ، لم تريح تعبها وسارعت إلى تنظيف السمك بمهارة يديها وكان يراقبها ويبتسم تمنيه نفسه و بطنه الجائع بطعم الشواء اللذيذ ، دقائق حتى أرتفعت أدخنة السمكات ، شهية تقوم أمه بتقليبها على صفيحة التنك وهي تستوي على مهل ، كان يراقبها بصبر إلى أن فرغت من مهمتها ، مثانته محتقنة لكنها تطلب منه حراسة السمكات ، فالرائحة كفيلة بحشد قطط الحي ، مستعدة لتمارس لصوصيتها في هجمة واحدة . الأمر لا يبدو كذلك وهذه الأم تبالغ في كلامها .
مثانته محتقنة ولايستطيع تأجيل حاجته ، هي تتحدث مع جارتها من على عتبة الباب ، السمك يستريح في الصينية وسط حوش البيت ساخناً برائحته الطازجة يحرق أصابعه ، أخيراً اندفع نحو الحمام ، الأمر لم يتعدى دقيقتين أو أكثر ، خرج وهو يشعر بأنه أفضل و أن الطعم الأبيض سيذوب في فمه كالزبدة ولكن ها قد فعلها ..
قام هذا الرمادي المبقع ونفذ غزوه المباغت وهجم على السمكات ، هو أيضاً جائع مثله ولكنه غنم شيئاً يأكله وفر من السور ، أما هو فوقع في مصيدة الورطة و الحرج ، يومها هدأت جارتهم من غضب هذه الأم المكدودة و نصحت بعدم لمس السمك المتبقي على الصينية ، قطط الشوارع وسخة وتحمل بلاوي من الجراثيم ، هرولت الجارة إلى بيتها وأعتبرت ما حصل بسببها و ..
نعم تتذكر .. جاءت بغذاء جاهز أشترته من مطعم قريب كي تحل المشكلة . تلك الأيام كيف كان طعمها يشبه رائحة الهيل في قهوتها عندما تسكبها لوالده في العصاري وهو منشد إلى متابعة الأخبار و تطورات جبهات القتال في الحرب العراقية الإيرانية ، يضرب بعصبية جهاز الراديو ، محاولا التركيز على صوت المذيع يكاد يبتلعه التشويش على إذاعة طهران العربية .
يمشي إلى البيت ، إلى حيث الأمان الذي غادره ، إلى هناك يأكل من طراوة الحلم ويشرب من جداول الأماني التي تداعب صباه المخنوق ، يمشي بالزقاق وهارائحته مألوفة لديه يعرفها كما الباب الحديدي ، متآكل تقادم عليه الدهر ، يمد يمينه إليه مصافحاً شوق قلبه يحتبس فيه الحب و اللهفة ، الباب موصد أمامه ولكنها بالتأكيد هناك تقوم بكنس فناء البيت أو ربما تسكب الماء والصابون فوق أوكار النمل داخل الحجرات ، قرع الباب وعلى وجهه لهفة اللقاء تضيء يومه هذا وهو ينتظر مضطرباً مرتبكاً الجواب ، ينتظر غيث سماء سخية تبعد عنه قحط الأعوام الماضية .
مثلك أنت يا شريد الطرقات والأزقة والتعب يجب أن .. لا أحد بعد يفتح هذا الباب ، طرقه مجدداً وكل خلية في جسمه تنتظر ، شيء مختلف يسري في عروقه الآن ، ارتعاشة فرح تتأهب كي تتشظى مثل رائحة المشموم في خضرة أوراقه تتناثر فوق رأسه كما لو أن جماعة من الناس تزفه الآن ، ولكن انتظار الجواب من هذا الفراغ المتبجح هنا ، عذاب يجلده بسياط الخيبة ، تتأكد في هطولها القبيح .. الباب يفتح أخيراً . كان هندياً نصف جسمه عارياً يبربر ساخطاً . فهم منه القصة .. هو مجرد مستأجر تفاهم مع أصحاب المنزل الذين غادروا من .. لا يتذكر حتى إلى أين ذهبوا ، كان منزعجاً . روحه الآن تتزلزل من فيض الصدمة ، كيف أعتقد واهماً أنها تقيم هنا ؟! ما كل هذا ال.. دخل إلى البيت ، روائح الثوم المقلي تختلط بدخان مواقد الكاز التي تتناثر في بعض الزوايا مثل الغسيل و هذه الوجوه المستغربة التي تحدق إليه وهي هنا تستوطن ذاكرته ، كأنها الآن تصادر منه عنوة كل اللحظات الحلوة و المرة التي عاشها في هنا ، يمتليء بهم البيت وكل جدرانه تمارس حزنها الصامت ، تتألم وتحن على الوجوه التي غادرت ، تركت هنا أشباح أرواحها تحوم ولا تنعتق من أسر غربتها .
هذا المنزل يصرخ مطالباً ومستنكراً جفاء أصحابه ، هو فقط الآن من يسمع ذاك النداء الخفي ، يهجم على روحه ساخطاً ، الجدران ترفض هؤلاء الغرباء ، يبحلق في أسف ولا يسترجع إلا سرابات الأيام المضمحلة من ذاكرته المشحونة بالجراح ، حمل نزفها وتحامل على أوجاعه ، أمامه وجوههم المستغربة وخلفه ماضٍ حزم حقائبه عابراً النسيان ، فخرج من الباب كسير الخطوات ، كان يحدق في الفراغ تسكنه الدهشة .
أفكاره تروح وتجيء ، يقف في مساحة ذاكرته الآن هو وليس سواه أحد ، هاني من فعلها ! بالطبع هرول خلف الدينار وكبرت كرشه من الجشع ، من أين له بتلك السيارة الفخمة ؟! يا خسارة الأخوة فيك يا هاني .. أخذ يتلفت في مساحة شارع الشيخ حمد لربما وجد السيارة عينها . أعياه التحديق تحت أشعة الشمس ، بضع دقائق ويتحول إلى لقمة ذائبة ، الأفضل أن يهدأ الآن ، سيحاول ترتيب فوضاه الداخلية أو يكنس فناء روحه من قلق هذا النهار ، لقد تعب من كل هذا .
يتجه تفكيره هكذا بوعي أو لا وعي منه إليها .. منصورة قادرة على احتضان وجعه أو انهزاماته ، الظهيرة تذيب المعدن وتجعل الشوارع مقفرة ، هي هنا الشجرة التي تظلله وسط الهجير المتوحش . إنها تحمل جينات متفردة من الطيبة ، يحتاج الآن وقفة معنوية منها أو حتى أي شيء آخر يخفف عليه عبء اختناقاته ، المنامة تلوي ذراعه وتكوي قلبه و الأسى يطحن بداخله . يمضي إلى هناك ومنصورة لا شك ستفتح باب كرمها ، هي ببساطة لا تفكر في ينبغيات المجتمع من حرام أو حلال ، تقتنص طزاجة اللحظة من فم القدر ، تضم إلى صدرها الرجل كي تتعرف إلى رجولته وتمتص ماءه الذي يجدد حيويتها و شبابها . فهذا شغفها و حرارة الرقص المحموم فوق سرير تسدل عليه ستائر من خوف ، يحتم عليها تفقد الزقاق الذي تسكنه و إحكام إغلاق الباب الحديدي مرتين ، فهي على حد قولها .. أن غضب جيرانها مسألة وقت قبل أن ينفجر جرّاء توسيخها طهارة الحي ، سكانه من أهل الله ، يحجون و يعتمرون و يتصدقون وأن وجودها مثل شيطان يضرم حرائق الرذيلة بلا وجل ، غير مرغوب به ، تترجمه رسائل التهديد ، تصل إليها ، مرة يدسها أحدهم أسفل عتبة الباب أو يسلمها طفل ما .
يفكر مجدداً بها ، أتكون في انتظاره ؟ حتى وإن كانت كذلك ، لكن إيجاد حجة مناسبة لهكذا زيارة سيكون أفضل ، هي الآن موضع ثقة . علبة كارتونية عند مكب قمامة ، ضحك في سره ثم دخل الزقاق وأستمر في التقدم ، فتح حقيبته وأنزوى قرب أحد الأبواب ، مشط شعره اليابس ، نفض الغبار والحزن و البراغيث عن ملابسه الرثة ورفع العلبة على كتفه وطرق بابها .
صاح عند حدود لهفته وخوفه .. ( الأغراض وصلت ، ياالله يا الله ) . وجد الباب يُفتح على مهل ، كما نفسه تفتح قارورة السحر المحبوس ، انتفاضة لهبٍ يشتعل الآن ، شيء يغوص في أعماق خلاياه ، تركض نحو هذا الآتي . يدخل فتتبدى أمامه ، يديها منقوشة بالحناء وعلى وجنتيها بعض الدموع ..
عارف ، الحمد لله أنك بخير ، هل آذاك أحد ؟ تختفي ولا أدري عنك ، تبلعك الأرض ، أين تذهب يا كريه؟
قلت لك من قبل ، المنامة هي بيتي الكبير ، آكل في أي مكان ، أنام في أي زاوية ، أتسكع أبكي أحلـــــــم!
تحلم بي عارف ؟
فقط أقولها عبثاً ، مشرد ملعون أبو أصلي لا يحلم يا منصورة .
طريقة كلامك اليائس هكذا أ.. أخاف منها وكأنك ستنتحر مثل أي آسيوي هنا في المنامة لما تظلم الدنيا في وجهه.
عندما ينتحر أحدهم على الأقل عنده شيء كان يخاف عليه وظيفة أو شيء آخر ، أنا ماعندي شيء في يدي غير التراب ، حتى البيت الذي تربيت فيه ..
محمل بعذابك عارف ، تكلم إن كان هذا يريح أعصابك .
هاني الكلب ، طلع مثل البحر ، يبلع كل شيء ، آخ لو أ .. لا فائدة . أنا أضعف من أن أواجهه .
من هاني هذا ؟
يقلب الأمور فوق تحت ، يحسن كيفية تجميل الفحمة ليحولها في عين الرائي ، لجوهرة ، بمكره و خداعه ، يتلون أمام الكل ، يعب من دسامة اللحظة و يمتص سوائلها حتى يقرمش عظم ضحيته حياً ! لا يخاف وهو ماهر في الصيد متى ما أستهدف شيء مغري أمامه ، يتتبع آثاره حتى يصل إليه ، فيفتك به في ظلام الغفلة ، يعرف كيف ينقب تلك الزوايا كي يحتال ، لا مبادىء في قاموسه الحياتي ، فقط الهرولة خلف الدينار ، لكنه لا يبخل على ذائقته ، يتنعم في أفخم الفنادق ، يصطاف في بلاد الدنيا ، يتذوق لحوم النساء ، يركب صهوة الخطر و .. حينما يحجم الآخرون خوفاً من سرعة التيار ، يرمي بنفسه غير هياب ، لا يشبع ولا يتوقف ، يسبح في بحر هذه الحياة مثل الحوت ، تصيبه بعض الجراح من أسماك القرش الآدمية التي تنافسه ، لكنه قادر على تخطي أوجاعه وتأجيل انتقاماته حتى اللحظة المناسبة ، بينما يواصل الغوص واستخراج المزيد من لؤلؤ الفرص التي تتساقط من موائد الكبار .
نهضت من جلستها وأحضرت طبق من الفواكه مع خليط من المكسرات ..
هذا أخوك لماذا تتكلم عنه هكذا ؟ تكرهه إلى هذه الدرجة ؟
أخ يبيع كل شيء أو يساوم على أي شيء ، لا أدري أين طرد أمي من بيتها ؟ البيت أجره على آسيويون ، النذل !
كيف أتعرف عليه لو وجدته ؟
هاني يعيش عالم آخر ، تضنين أنك ستجدينه في برادة الزقاق أو يصطف في طابور الخباز ؟!
عارف لا تكهرب أعصابك ، أنا لا شأن لي بأخيك . هيا كل ، ما رأيك نطلب غداء من المطعم ؟
قالت جملتها الأخيرة ونظرة فرح تتألق في عينيها ، بدى اللون الكستنائي لفستانها مع تلك الخطوط عند شهوة الصدر الفائر المتأهب للغزو ، كأنها .. فتاة (ديلمونية) خرجت بكامل أبهتها وفتنتها من كتب التاريخ ، في كل مرة تتلهف لاستقباله ، منصورة فتاة مختلفة تعرف كيف تضع لمساتها ، تعرف كيف تزرع أشياء جميلة في تفكيره اليابس ، باتت تستطيع تغييره من الداخل حتى بدون أن يشعر ؟!
يتأملها الآن ، أنوثتها تختلف عن تلك المتدثرة في عباءتها عند بساط فقرها ، تراب الرصيف يختلط ببؤسها ، تبيع البهجة و الأوقات المسلية للناس وفي داخلها يعوي الصمت ، عمرها ينشف عوده ولا تزال مستسلمة تضحك أمام قدرها . منصورة شيء آخر .. تجيد تلوين الأشياء وتحرك فيها دماء الحياة ، الزمن عندها جزء كبير من حركته يجب أن يكون مشغولا بالفرفشة ، تحب الاستماع للأغاني الشبابية ، تتابع برامج الفضائيات ، تأسرها الأفلام الأمريكية ، وكما أخبرته في مناسبة سابقة بأنها تحن إلى طفولتها وتشاهد أفلام الكارتون على قناة (m b c 3 ) وأحياناً تشتريها على الأقراص المدمجة .
ربما هذا الأمر يذكرها ببراءة الخاطر يوم كان على رصيف الطهارة والشرف ، منصورة لا تستطيع إلا ممارسة هذا الفعل ، حولت نفسها لمكب قمامة ، كل رجل يمر من سريرها يترك خلفه شبح جيفةٍ يتوارى في جسدها . الجنس في فكرها هي تلك النار المشتهى لهبها ، تنفذ إلى عمق الروح وتشوي على مهل إحساس اللذة النهم الذي لا يرتوي أو يشبع ، زوجها الأول في تفتح صباها ، كان شبه عاجز ، وهي لا بد من أن تجد التعويض الذي تستحقه لترضي أنوثتها قبل هرولة الذبول . رداء الأرملة المسكينة و المستسلمة أو تلك التي تتشاءم النسوة منها ، شيء يدعو للقرف لا تريده ، يضغط على كل احساسها ، يجعل خلاياها تستصرخ حالات العطش المجنون !
يعرفها تثرثر أشياء كثيرة ، قالت ذات مرة .. أن حظها يشبه حظ خالتها ( بدرية ) تأخرت في ركوب قطار الحياة الحقيقية ، ثم عندما زفوا لها الخبر ، وجدت العريس كهلا يصافح والدها بيد مرتعشة وكان واضحاً أن فروة رأسه مصبوغة ، أنفق الكثير من أمواله لكي يعيد ترميم عمره المتآكل ، طقم أسنانه الناصعة البياض شاهد مفضوح وصريح . الكهل توفيت زوجته ، فجاء لكي يجد أخرى ، يومها وافقت تلك الخالة حتى لا تنزوي في صمت الوحدة وتتحول لعانس عاطلة عن الحياة !
عارف عارف ، سرحت بعيد ، أين وصلت ؟
أشياء متشابكة في عقلي و.. آه ه أي !
عارف ماذا بك ؟ عارف حبيبي كلمني .
(( 10 ))
مصدومة تقلب في بصرها الخراب المستعجل الذي زارها ، ياله من صباح كئيب ، هكذا تحلقوا حولها مثل العصابة وبدأ مسئولهم بصوته القبيح وهيئته المتعجرفة ، يتكلم عن القانون وأن ال .. موظفين مجانين ، تحت أمرته بعثروا البضاعة البسيطة ، هناك ما داسته الأقدام وما صادرته أيديهم إلى سيارة ( البيك آب ) .. حاصرها الموقف وهي وحيدة ، أحكمت حول جسدها عباءتها واستسلمت بعد مقاومة يائسة للموقف وقد أعطت المفتش وجهاً متحدياً و هي تتسلم إشعار المخالفة غير نادمة ولا معترضة !
لكنه خرج من كابينة الحراسة ثم تقدم بخطوات مترددة ، لحظتها بدا الأسف على وجهه جاء يحاول مواساتها ولملم شتات بعض الأغراض التي نجت من غارة مفتش البلدية ، قام بتجميعها حولها ..
ما عليه بسيطه بسيطه ، هذا حكم القوي .
..............
أقدر أساعدك في شيء ، أنا حاضر في الخدمة لا تستحين مني .
شكراً يرحم الله والديك ، أصلا أنا كنت متوقعة هذا اليوم وهذا رزقي وأخذته !
أكيد هناك من قدم ضدك بلاغ كيدي ، المسألة ليست عادية أختي ، لا بارك الله فيهم يتشطرون على الضعفاء .
ما عرفت زكية بعد ، كم خسرت لا يهم ، ستراني بعد كم يوم هنا ، حقي لا يضيع .
تأخذين حقك من البلدية ؟! هذه حكومة يا أختي لا أنا و لا أنتِ نقدر عليها !
أعرف من وراء كل اللي حصل ؟!
# # #
كأن سواد هذا العالم يحتشد أمامها ، تدس المفتاح في تجويف القفل ، ليت عندها مفتاح لكل شيء ، ثقل هذا اليوم كفيل بإستنفار جحافل الأرق ، تقرأ الوقت .. الثامنة مساءاً ولا شيء في دوامة الروتين والأشياء المكررة التي تألفها ، اليوم فقط هناك الإشكال الحاصل مع مفتش البلدية ، هذا ما يوفر حدثاً مختلفاً تستطيع أن توزعه في دوائر صغيرة ثم تفكر في حل مناسب . لكن ماذا عن هذه الرسالة المدسوسة أسفل الباب ؟
هي ذي مصيبة أخرى تضاف إلى شقائها اليومي ، ترجح أنها من مالك العمارة ، الشعار تتذكره جيداً ، يماثل ذاك المطبوع على تحصيل إيصالات الإيجار . ما يعزيها أن الكثير من المصائب خبرت حموضة طعمها .. عندما قررت الفرار من بيت عمتها ، خبأت بعض الحاجات الصغيرة في صرة قماشية ، أشياء تصلح لبدء رحلة إلى مجهول الأيام القادمة ، علبة جبن شيدر و مقدار من الشاي و السكر ، كوب ملعقة و صحن مع سكين ، كما استولت على عبوة الشامبو وأشياء أخرى و أغلقت خلفها الباب بهدوء بينما العجوز تغط في سيمفونية شخيرها القبيح.
نامت في أماكن متعددة ، تارة عند قريبة من بعيد وتارة عند .. ماذا تتذكر الآن ؟ هي ليست بحاجة إلى أوجاع أخرى تفاقم نزفها الداخلي ولكن رغم ما حصل اليوم إلا أنها أفضل حالا من عارف ولكنها ذاقت التشرد مثله . لا تدري لم يقفز الآن إلى ذاكرتها ، يطل من خرابه متجملا بتلك الابتسامة البلهاء ، العمر يمضي به نحو ما لا يعرف ، يستظل بأشياء لا تقيه لهيب الأيام ، طاحونة العمر الشقي توغل في تحويله إلى شبحٍ مذبوح ، زوادة طريقه حزن وشقاء .
هي هكذا الآن .. شبح متروك للوحدة والضجر ، بالكاد وفرت بعض الدنانير لتستر وجهها عن الحاجة إلى الناس لكن ما عساها تفعل في شأن هذا المؤجر ؟ الناس تركض خلف الفلوس ، أكيد وجد مستأجر آخر جيبه دسم ومستعد ، هذا محتمل فالرسالة تحتاج لمن يفك طلاسم حروفها ولكنها .. تتنبأ الآن بشيء ما يتجه نحوها قادماً من العتمة .
تكاد رأسها تنفجر من سيل الأفكار ، متعبة ولا تستطيع أن تستمر في هذا الدوران ، أخذت قرصي (panadol ) ، استلقت على سريرها . لا راحة تأتي و لا تتوقف الأفكار السابحة في رأسها .. المفتش من سكان المنامة ، نعم ربما هو كذلك ، كانت نظرته مشحونة بالغطرسة ، نظرة تحمل في طياتها حقد بغيض يتعدى حدود الزي الرسمي ، هي متأكدة من هذا ، برود لهجته التي تتحجج بالقانون ، قسوة وجفاف . لم هؤلاء البشر يتصرفون هكذا وكأنهم آلهة على الأرض ؟! يعتقد الواحد من هذه الطينة .. أن كلامه بمثابة قانون سماوي لا يأتيه الباطل !
لمن تلجأ الآن وها قد يبس اخضرار الأرواح في عالمٍ قاسٍ ، تعيش غربته وتلوك وحدته في جحيم الأيام . من قال أن الدنيا بخير واهم أو يتفاءل وسط الظلام وأمامه طريق محفرة تنتظر تصيد ضحاياها ! هي ليست بضحية هكذا تظل محاصرة وسط المصيدة تنتظر المصيبة ، حارس الحديقة محق في كلامه ، هي دعوى كيدية من أحدهم ، له مصلحة أكيدة و رغبة شريرة تدفعه للنيل منها .
أصبح واضحاً وعارياً ، هو في خبثه يتلون مثل الشيطان ، لا يستحي من شيبته ولا وقار في تصرفاته ، كلما ركبت معه امرأة فحصها بعينيه الجائعتين و تصنع تسبيح نفاقه الكاذب ! ( تفوووووو ) عليك حاج مرزوق ، هذا أنت .. خسيس الطبع تلجأ لهذا الأسلوب الرخيص و لا تمتلك صراحة المواجهة فتطعن في الظهر و تهرب ؟! تتذكر الآن حديثه المكرر المزعج ، كان يلمح بفكرة الزواج وأن البقاء على الرصيف من أجل بيع أشياء بسيطة لا يستحق كل هذا الشقاء ، فالمرأة ليس لها إلا بيتها فتكون معززة و مكرمة . يريد أن يجبرها على ترك ( البسطة ) ولكن هذه محاولة فاشلة ، أيظن أنها ستركع أمامه ؟؟ هذا الشيبة صاحب الوجه التعس ، يشته ربيع الدنيا غير مبالٍ بآخرته ، تعرف كيف تداويه !
جميل هذا التداعي الكلامي المتصارع بداخلها ، هنا شيء يتحرك في صمت عالمها الروتيني الممل ، دور الطيبة وسط مجتمع تستذئب فيه الناس ، هذا لا ينفع الآن ، الحاج مرزوق فعل فعلته معتقداً أنه ذكي ولن يكشفه أحد . سيرا من هي زكية ، لا تشبه هدوء الريشة المحلقة في الهواء ، أينما تحل لا تؤذي أحداً !
إنها العاشرة ، سكنت الحركة في الحي ، ( البيك آب ) في مرمى بصرها من محيط النافذة تراه كما بيت الحاج مرزوق مظلم ، أصحابه الآن نيام ، هذا جيد . نزلت في الحال إلى الشارع وتدثرت بعباءتها ، وجدت شابين دخلا الحي فأستوقفتهما وهي تبكي ..
خير إن شاء الله أختي ؟
هل ترضى على شرف أخواتك لو ..
أكيد لا ، تعرض لكِ أحد ؟ تحتاجين مساعدة ؟
صاحب ( البيك آب ) هناك ، الصبح اليوم ، كنت أركب معه ولمسني في ..
ولد (......) ولازم يتأدب ، لكن الرجل غير موجود .
أنت قلتها لازم يتأدب ، أنا أخاف على شرفي لو قدمت بلاغ إلى الشرطة والناس يا أخي ألسنتها لا ترحم ، فما رأيك أن ..
هز رأسه الشاب الآخر و هو يحك شعره اللامع في ضوء الشارع و يرمي سيجارته ينفخ دخانها عالياً :
ننتقم منه بطريقه أخرى ، هذا مفهوم ، الأمر بسيط واعتبري هذه الخدمة منا ، ألستِ منامية ؟
من أصل وفصل .
خلاص ، أرجعي بيتك مستورة ونحن نتصرف !
صعدت إلى شقتها ، أخذت تراقبهم من نافذتها ، طابت لها المشاهدة ، والله أنها شيء يشبه مشهد في مسلسل أو فيلم ، كم أعجبها فعل هذين الشابين الغيورين ، جذبت كرسيها وجلست تشاهدهما وهي تأكل حبات الفول السوداني و تضحك متأكدة أن العجوز الكريه عندما يركب سيارته غداً ، ستكون مثل دابةٍ تحرن مكانها ولا تتحرك ؟!
يا حاج مرزوق طاب شخيرك و تلونت أحلامك ، عليك بالعافية . أمثالك من بني البشر ، طفيليات تقتات من الآخرين حتى تعيش ، لكن أنت من بدأ الشر ، تستحق النتيجة و ( الدجاجة ما تحفي إلا على عيونها ) ، أنصرف الشابين من الحي بسرعة وهي أخذت ترسم صوراً لليوم القادم ، تتلهف رؤية العجوز يأكل مفاجأته الصباحية ومن العيار الثقيل . الآن عليها تدبير موضوع البلدية ، تتذكر أن منصورة نصحتها ذات يوم بالحصول على ترخيص كشك بدل الوضع المؤقت و المهزوز ، منصورة محقة وكانت تستشعر لدغ الأيام وإلا ما كان لمفتش مغرور ومتعجرف أن يباغتها في الضحى بهجومه هكذا ، كل هذا سيتغير ، عليهم أن يعرفوا جيداً أن زكية ليست لقمة سائغة وإنما كرة من الشوك !
(( 11 ))
نزل من سيارة الأجرة ونقد سائقها حق التوصيلة ، حاملا حقيبة صغيرة ، متعكزاً بعض خسارات العمر و تعبه و وجعه ، يشعر ببعض الدوار الخفيف عله تأثير ناتج من ركوب السيارة أو ربما الصحة ما عادت كعهدها ، ما أغرب الحياة ! أليس هذا هو نفس الشارع الذي أحتوى خطواته المتقافزة ، يلم حوله أصحابه من الجيران ، أطفال طرية أحلامهم مثل ( المارشملو ) يحتويهم جو اللعب و المشاكسات المتبادلة ، يريدون أن يكبروا قبل الأوان . هو نفس الشارع ولكن العمر يهرول إلى نهاياتٍ متجهمة ، قدماه الآن لا تتجاوبا بسرعة وكأنهما تصلبتا ، هما مثل كتلتين لحميتين باردتين ، تحريكهما عبء إضافي كالأدوية المتكدسة في الحقيبة ، تكفل له حلول وقتية تسكن آلامه هنا خلف هذا الصدر ، شاخ القلب اللاهث ركضاً في دروب الوحدة ، فبمن يلوذ الآن ؟
كانت أياماً ثقيلة ، بالرغم من لطف ممرضات قسم قسطرة القلب و دماثة أخلاق بعضهن ، لكن إحساس المرء وهو ملقى على سرير المرض قرب نافذة مشرعة على ركض الحياة ، أمر مزعج يزرع في النفس الكثير من الإحباط ، ينمو مثل دمامل في التفكير اليومي بقرب النهاية الحتمية حيث ليس أمامه إلا نفر قليل من رفاق المسجد ، هم عزاءه الوحيد على مر الصبر و قلة الحيلة .. ذاك الغائب الذي أدخره لنوائب الدهر ، سرقته الغربة ، حتى تلك الرسائل البسيطة والمحادثات الهاتفية مابين عدة أشهر ، يكرر فيها طلبه بالسفر وأنه سيعتني به ، أصبحت شحيحة ثم انقطعت ؟! أرفق في خطابه الأخير صورة شمسية له ، ينتعل حذاء رعاة البقر وقبعة غريبة الشكل ، كان متكئاً على سيارته ( الكاديلاك ) الجديدة التي يقول أنه اشتراها مفتخراً بنجاحه العملي في بلدٍ يؤمن تكافؤ الفرص ويحترم حقوق الإنسان . كندا لا تشبه بقية دول العالم ، حيث لا شيء فيها مستحيل ؟! كما أرفق بخطابه صورة أخرى له ، يحتضن فيها زوجة شقراء وبرفقته طفل صغير في عربته وبنت يافعة في سن المراهقة .
ما هكذا يكون الأبناء ، تتصحر مشاعرهم فيداهمهم النكران والعقوق ، ما الذي يمنعه من العودة إلى الوطن ؟ قد نبت لحمه من رحم ترابه المغسول بماء النخيل ، لم لا يرجع ؟ عجوز متهالك مثله لا يريد من هذه الفانية غير رؤية ابنه الوحيد قبل أوان الرحيل ، ما يطمع في تلك الدولارات المرسلة كل بضعة أشهر ولا يريد ترفاً من هنا أو هناك حتى يغترب في أقصى الأرض . يتلفت في المكان ، تم تخريب جزء من الشارع ، أعمال حفريات وضجيج العمال الآسيويين بالقرب من المسجد ، هوذا شامخ الجدران ، أكلت حرارة الشمس دهانه الترابي ، بدا متغيراً يميل إلى التقشر و ها قد بدأ ذلك الأزيز الخفيف الصادر عن السماعات الخارجية المثبته في رأس المئذنة ، ( المايكرفون ) خلفه صوت شاب النبرات قويها ، يتنحنح أمام الظهيرة ليرفع صوت الأذان . يشعر الآن أن الزمن تجاوزه وهذا ما تفعله الحياة ، فكر بدخول الجامع لبرهة حتى يتعرف إلى المؤذن الجديد الذي حل مكانه ولكن عدل عن الفكرة لما أشتد عليه الوجع ، فتدارك بالدكة الأسمنتية الملتصقة بجدار الجامع وجلس لكي يستريح ، بعض وجوه المارة كانت تسلم عليه ، حتى الآسيويين من سكان الحي كانوا يتفقدون فيه وجهاً يعرفونه ولطالما سمعوا صوت أذانه وهم يدخلون الجامع أو يفيض بهم المكان فيفترشون الشارع ظهر الجمعة ، يسلمون عليه ويسألون عن أحواله ، طبعاً فالحاج محمد غلوم بركة ، كما وجهه في الحي وصوته العذب تعطي الحيوية و الحب في المكان . يراقب الشارع ثانية مترقباً مروره من المكان ، يفتش مكب قمامة أو يجتهد في تنظيف سيارة ، ربما ماشياً يأكل خبز خمير ، يقرأ صفحات مجلة ، يستظل تحت أحد الدكاكين .. أين ذهب ؟
أه .. هذا هو البنغالي ( عبد الحكيم ) يقود دراجته محملة بالطلبات الخارجية من مطعمه ، يوزعها على زبائنه ، فكر في سؤاله عن عارف لكن أبعد الفكرة من ذهنه مستبعداً أن يعرف هذا الأخير شيء .
أنصرف بدراجته يتوارى في عمق الحي ، صوت الأذان يصل إلى عتبات لا إله إلا الله ، الأقدام تتوافد إلى الجامع ، قبل أن يرفع جسمه محاولا النهوض ، ألتفت إلى ملصق من الورق المقوى ، يد مشدودة على قبضة سيف وكلمات غاضبة ( حاربوا الفئة الضالة ) ! لا شيء آخر يتضمن الملصق ، يكشف الجهة التي تتبناه وهذا ما يجعله الآن يقلق ، في طفولته ما كان يفرق بين أصحابه ، هذا سني أو شيعي أو هولي ، فقط كان يلعب ولا يحس بالخطر إلا حينما تداهم العساكر الهنود التابعين للأنجليز أحياء المنامة لمطاردة المتظاهرين .
من يوزع مثل هذه القنابل الموقوته ؟ كيف تغيرت الأحوال يا دنيا ؟ كأنه يكتشف المنامة من جديد ، جدران منازلها و دكاكينها تتحارب فوقها شعارات شتى ، أخذ في قراءة بعضها .. ( دولة بوليسية تدعي الديمقراطية – لا للفساد و المتنفذين – عاش مليك القلوب – نعم للقانون و النظام ) . هز رأسه آسفاً وقام يتعكز حتى وصل باب الشقة التي يقطنها ، دس المفتاح في جوف القفل ، دار بصعوبة لكنه أنفتح ، الشقة مشبعة بالغبار و الإهمال وعفونة تنبعث من .. آه تذكر كيس النايلون البنفسجي ، قبل الحادث ملأ الكيس فواكه متنوعة مع علبة شاي و حلاوة طحينية ، كان ينوي تسليمها إليه ، هكذا صدقة لوجه الله تعالى ، شاب مسكين مثل عارف يلوب في الأزقة و الطرقات هائماً على وجهه ، شيء يؤذي إحساسه حتماً . فكر أكثر من مرة أن يتحدث إليه كي يكف عن حياة التشرد البائسة هذه لكن .. لسببٍ ما أمتنع عن الموضوع ، عارف يلقى التعاطف الكافي في المنامة ، على الأقل هو معروف للجميع أنه لا يتعاطى المخدرات أو الخمرة من حصيلة تسوله .
تلفت في زوايا الشقة ، فتح نوافذها للضوء و الهواء ، شكلها ينم عن قبر ، كيف نقرأ الأماكن من جديد ونكتشف دهشة الأسئلة التي تداهم اطمئناننا ؟ تخلص من بعض الجرائد القديمة لكن لم يرهق نفسه ، من بعد الصلاة سيستعين بخدامة أحد رفاقه المصلين كي تتولى أمر الشقة وتنظفها وتطرد العنكبوت القبيحة التي أستوطنت أعلى السقف الخرساني ، نسجت شباكها تلتصق عليها بقايا ضحاياها من الذباب و البعوض . رن جرس الهاتف ، تذكر الآن أن عنده خط هاتفي كان قد نسيه ، من عساه يكون هذا المتصل ؟ تركه يزعق مكانه من الصالة غير راغب في الرد ، استرخى على كنبته العتيقة مستشعراً بعض وخز الضمير من مجرد مرور خمسة عشر دقيقة على أذان الظهر ، كأنه ولد مراهق يستخف بصلاته مسوفاً تأديتها . ذلك الرجل الراسخ في ذاكرته يعود ثانية إليه ، يلوح بعصا غليظة .. محمد ألم تسمع الأذان ؟ صلاتك عمود دينك .. عمود دينك يا ولدي أأنت كافر ؟! وتنهال موجات غضبه ! كم كان درساً قاسياً .
رن الهاتف من جديد ، بضع خطوات حتى ألتقط السماعة ..
آلو نعم ، نعم الحاج محمد غلوم يتكلم ، خير إن شاء الله .
نكلمك من المستشفى يا حاج ، أنا الدكتور ( ......... ) نعم الذي أشرفت على علاجك ، أجرينا لك فحوص ونحتاج إلى إعادتها حتى نتأكد فقط من وضعك الصحي فلو ترجع و..
والله يا ابني ما أتحمل أكثر ، صدقني العودة إلى المستشفى صعبة ، جسمي هزيل لا يستحمل ثقوب الإبر وهذه الأدوية التي .. أديتم دوركم ولم تقصروا ، يعني ماذا سيحصل ؟ الروح بيد خالقها يا دكتور .
يا حاج محمد ، أنت أمانة عندنا ومن واجبنا العناية بك.
والله ما عملتم إلا كل خير ، عندما أشعر أنني بدأت أتعب سأتصل بسيارة التاكسي أو بالإسعاف ، أريد أن أرتاح في بيتي والله .. رائحة التعقيم في المستشفى تذبحني ، أنا بخير و عافية لا تقلق دكتور ، من عنده أهله فمما يقلق ؟
حاج محمد اسمح لي .. هذه كذبة بيضاء غير صحيحة ، تقرير الطواريء يشير إلى شخص اسمه عارف المظلوم هو الذي أبلغ عنك وأنت في النفس الأخير والحمد لله ُكتب لك عمر جديد ، احتشاء في القلب سبب كافِ ليقتل أي إنسان . ما عندك أقارب أو أولاد ؟
لا تقلب عليّ أوجاعي يرحم الله والديك . غداً آتيكم وأعملوا الفحوص التي ترونها والله مشتاق أجلس في بيتي .
لا تجهد نفسك بأي عمل . متى ما أحسست بأي وخز في الصدر ، اتصل في الحال ، مع السلامة .
أقفل السماعة ، هربت به صور اللحظات الأخيرة وهو يكابد اختناقات الأيدي السوداء التي حاولت خنقه وهي تدور حوله تتناوب تعذيبه بموتٍ بطيء ، كانت الحجرة تحاصره وحيداً ، حتى أتعس من محكوم في زنزانة . هو إذاً صاحب اللحية الفوضوية الذي انبثق في مساحة اليتم ، هل ضوءاً في عتمة الموت الزاحف أو مطراً على حافة اليباس ، جاء وأنتشل الأنفاس الأخيرة . عارف المظلوم ، جئت كأي ملاكٍ حارس بعثه الله في خواء هذا العالم ، لا أحد يكترث بأحد أو يسأل عن أحد !
أنت هو إذاً ذاك الشبح ! ما جزاء الإحسان إلا الإحسان .. عارف أين أنت الآن ؟ نعم .. وقت الظهيرة يستعطي الناس أحياناً من بعد الانتهاء من صلاة الظهر ، قام وفتح النافذة ، المصلين انتشروا خارج جامع المهزع ، عند الباب امرأة متكورة في عباءتها تتسول . هذا المسكين لا يملك حتى رقم هاتف ، هكذا يعيش الحياة بلا هوية أو عنوان ، شيء مفقود في غوغاء هذا العالم الوحشي ، قشة تلهو بها الريح في جميع الاتجاهات ، لا فرق في سقوطها بوادي أو بحر ، هي على كل حال تهوي إلى مجهولها . سيفكر منذ الآن بإقناعه في ترك حياة التشرد والسكنى عنده ، الشقة رغم صغر مساحتها إلا أنها تكفي اثنين والخير موجود ، عارف إنسان مختلف ، ليس شيئاً جافاً ، هو على الأقل أحسن حالا من ذاك الغائب ما وراء البحار ، نسي أن عنده أب ؟! وكيف له قلب يعلمه كل هذه القسوة ؟!! بكى من فرط غربته ، هذه الجدران الباردة شاهدةٌ على حزنه ، أحس بخدرٍ يسري في عروقه فنام .
(( 12 ))
أصوات فقط تطرق عالمه ، أصوات بعيدة أو قريبة من فوق أو تحت لا يدري على وجه الدقة مصدرها ، هي هكذا تأتي فقط من عالم سريالي غارق في المجهول ، يستمع إليها وهي تحاصره هنا يحدق في صخبها بسمعه وكأنه مهبول لا يعرف ما حوله ! جسده مجمد ، ربما مقيد ، شيء من هذا القبيل ، لا لا الحالة التي يستسلم فيها الآن تستعصي على فهمه كهذه الصور التي غبشها التعب وبدأت تظهر الآن .
فضاء حجرة مصبوغة باللون البصلي ، لوحة فنية من البلاستيك الرخيص لغابةٍ ما ، ساعة مصلوبة على الحائط ، خزانة قديمة وقربها طاولة حديدية يرقد فوقها التلفاز .وهذه المرأة تسند ذقنها إلى يدها اليمنى ، لا يرى إلا ظهرها ، ترتدي فستاناً قصيراً .. من عساها تكون ؟ وما علاقته بها لكي ينام هنا في سريرها ؟
أمامها صحن من الخزف الصيني ، تأكل منه . لا حاجة لأن يترك نفسه تائهة في هذه الدوامة المشوشة من الأفكار . جرب صوته شبه المخنوق ، ألتفتت إليه ..
عارف عارف سلامات حبيبي ، هكذا فجأة تنقلب أحوالك . يعني تمرض وأنا من يتورط بك ؟
عطشان .
بس عطشان حبيبي ، من ثلاثة أيام وأنت شبه غائب عن الدنيا .
خرجت من الحجرة وهي تتثنى في مشيتها بشكل مغري ، السعادة بادية على وجهها ، امرأة يعرفها من قبل أو أن فكره الآن مشوش قليلا مما حصل له ، ألم بسيط حاصره ثم بدأ يتفاقم ، أهو يعرف هذه المرأة ؟ دارت عيناه في المكان ، لاحظ وجود حقيبته مركونة عند الشماعة ، تذكر الآن أن لديه حقيبة مشابهة وهي .. إنها حقيبته لا شك ، كان قد خبأ فيها بعض التفاح الفاسد من محل للخضراوات ، أكل تفاحتين لا غير ، ليته لم يفعل .
تفضل أشرب ، على مهلك لا تستعجل ، الآن عشائك شوربة دجاج لم تأكل مثلها في حياتك هههههه ، بعدها تأخذ ( باسكوبان ) كما أوصى الدكتور راج كومار جاري من كيرالا . مالك تبحلق فيّ هكذا ؟ أنا منصورة .
لكن منصورة شعرها .. شعرها كان أسود .
حبيبي صبغته لأجلك ، يعجبك اللون الكستنائي ؟على فكرة واشتريت أيضاً ( موبايل ) هدية خاصة من أجلك عارف ، أحس أني مجنونة عليك وأخاف .. أموت من الخوف لو يصيبك مكروه ، لو كنت مرضت وأنت في الشارع لأخذ عزرائيل روحك وما شعر بك أحد . هه نزلة معوية وتزول .
تذكرتك منصورة ، أنا بس أحس بدوار و خدر في جسمي ، لم أمرض هكذا قبلا .
وأنا اعتنيت هنا برجل متهالك في يومٍ ما ، واحد سكراب منتهي الصلاحية . لا تستهين بخبرتي ، أشطر من أي ممرضة في مستشفيات الحكومة .
رجع إلى دوامة حزنه القديم ، هو لم يتعود دفء البيت ، أخذته الشوارع والأرصفة تارة كانت تأكل من كرامة وجهه البائس أو تزيد من أحمال تعب العمر الهارب الضائع وتارة أخرى تورطه في متاعب تلاحقه لا يختارها ، هو هكذا يستطيع التعرف على وجهه في أي مرآة ، غريب تعصر عظامه هذه الحياة الملونة بالعذاب والشقاء . منصورة محقه ، كان من الممكن أن يموت وحيداً في أي شارع أو قرب حاوية قمامة مثل القطط المدهوسة على سخونة الإسفلت ، تلتصق مصارينها بإطارات السيارات المستعجلة .
يتذكر ذات ظهيرة ساخنة ، كيف كان المشهد .. لم يفلح السائق في تفادي القطة ، دهسها من منتصف جذعها ولم يتوقف . راقبها كيف سحبت نفسها بصعوبة وهي تنزف نصف أنفاس حياتها المتبقية ، قبل أن تلتقط آخر رمق لها ، داهمها كلب سائب ، وأكلها مثل أي وجبةٍ جاهزة تنتظر أول من يظفر بها !
من هو في هذا العالم الكئيب ؟ آن له الأوان أن يعترف بضعفه وشفقته على نفسه ، بني آدم هش مثل فقاعة صابون . لكن أي حياة ترتهن داخل الجدران طوعاً من صاحبها أمر يبعث على السأم ، هكذا عندما يتنسم المرء هواء الفضاء ملتحفاً لاشيء يشعر بالمزيد من الحرية كأي غجري ، بيته حيث يشتهي المكوث ثم يسافر مثل غيمةٍ بلا محطات ، هكذا حلاوة الحياة!
هه عارف ، تسرح بعيد ، أعتقد أنك اليوم أفضل ، كنت تهلوس وحرارتك مرتفعة ، ولكن تعرف .. مرضك فرصة بالنسبة لي لكي أجعلك تسكن هنا ، حياة الشوارع صعبة . تبخس نفسك في الدنيا و تتبهدل من أجل ماذا ؟
حدق في وجهها الجميل الطيب ، لاحظ شفتها السفلى متورمة ، الجهة اليمنى من عنقها به خدش لم يمضي عليه وقت طويل ، فضحكت في وجهه وقالت :
أعرف فيما تفكر ؟! لم أتمكن من التملص منه ، زبون من المحرق ويعز عليّ أن أخيبه ، هكذا هي حياتي ، والله أحياناً أستنجس هذه العيشة ، لا أعرف نفسي حتى ، كأن طيفاً من داخلي هو من يفعل جنونه ويشعل كل تلك الحرائق اللذيذة ، أحب رائحة شوائها ولا أتوب !
لستُ زوجكِ أو قريبكِ حتى أحاسبك منصورة ، أنا أرتضيت لنفسي حياة التشرد وهربت من أي مسئولية حياتية تقيدني كما الناس الأسوياء ، أهيم في الشوارع ، دفعت ثمن خياراتي ال.. الحمقاء ، لا ما كانت خياراتي التي أرتضيتها ، حينما تصطادني لحظات غضب أبي تحولني لكتلة منتفخة من الوجع والخيبة ، ثم هناك مرحلة المستشفى عندما .. كنت أهرب من البيت ، الشارع هو الذي أطعمني و وقاني شر وجنون أبي . أنتِ أيضاً لكِ خياراتك .
عارف أرجوك لا تقلب عليّ أوجاعي . لا أحد يخلو من الهموم ، أهلي لو فكرت يوماً أرجع لهم لوضعوني في جلف وأحرقوني بالكاز ، شبابي نصفه ضاع مع هذا الشايب المعلقة صورته خلفك ، يسألني الزبائن عنه فأكذب عليهم وأقول بأنه جدي ، أليس ظلماً أن ُينتهك حق فتاة صغيرة ليرموا بها وسط خرابة واحد مسن ؟ كل ما تبقى منه مجرد ظل رجل آيل للسقوط . رحل عني وبقيت في البيت ، هل أقدر على إعلان نفسي في السوق وأصرخ طالبة الزواج ؟! حتى عندما فاتحني ابن عمي الأصغر مني بسنة في الموضوع ، قامت عليه القيامة واتهموني بعمل سحر أسود له لكي أتخلص من ترملي . تركوني وحيدة ، تعرف ما معنى أن تكون المرأة وحيدة وهي تشتعل بالرغبة و بركان خامد في أحشائها ما عاد يطيق صبراً ! قررت تفجيره وليحترق بناره كل من وقف في طريقي . أنا ضحية وهم السبب.
كان سائق سيارة الماء الباكستاني ممشوق القامة ، مثل كل مرة كان يملأ جرة الماء وهو عند عتبة الباب ، أعطيه حق الماء ويذهب . لكنه تبسم في وجهي و ربما عرف بحدسه أنني وحيدة ، بادلته الابتسامة وأحسست حينها أنني لا أزال أنتمي لعالم الأحياء وأن هنا رجل يستلطفني أو يشتهيني .
منصورة خففي عن نفسك قليلا ، لا أقصد أن تعذبي نفسك هكذا ، هذا أنا أنكد على الناس ، سامحيني .
البكاء يفيدني ويغسل روحي المخنوقة عارف . سمحت له في المرة الأولى بلمس كفي . المرة الثانية لمس كتفي ، كنت كمن يحترق بجنون وأريد المزيد ، رجل بطوله وعرضه فجر صمت جسدي ينابيع من الخمرة ، ما عرفت شعوراً مشابهاً كهذا من قبل مع ذاك الشايب ، ثم وجدتني أستقبل الثاني و الثالث ، آه ه ه لا أستطيع عدهم ولكني لم أمنح روحي لهم . أنت فقط أعطيتك نبض قلبي عارف ، مختلف أنت عنهم لكن لا تعرف نفسك .
تعيس مثلي لا يصلح للحب ، ما عندي بيت أو سيارة فخمة أو رصيد بنكي دسم حتى تحبيني يا منصورة . متسكع أهبل تؤويه الشوارع والمقابر ، يأكل من الزبالة ومآتم المتوفين ولا يشبع إلا في شهر رمضان و موسم عاشوراء ، حياته بلا معنى .
كل هذا لا يهمني ، لو تدري عارف .. أنني لا أقدر على ، سأطلق كل هؤلاء الأنذال الذين عرفتهم في حياتي ، سأكون امرأة أخرى ، تسلم قلبها و روحها وإخلاصها لرجل واحد .
هههههه صدقيني ، تحرثين في بحر ليس أكثر ، أنا رجل وحيد تعيس سأموت يوماً ما في خرابة أو تدهسني سيارة ، يمكن أتسمم من وجبة طعام مرة أخرى و أقدم استقالتي من هذه الحياة . أحبي شخص آخر أحسن مني.
أين ستذهب عارف ، لا تغادر سريرك ، أنت مريض .
أحس بالاختناق هنا ، لا أقصدك طبعاً . شكراً على صنيعك الطيب ، لولاك كنت الآن مجرد جثة محمولة ، وجوقة من الأصوات تشيعني لحفرتي و مـــــلاّ يقرأ عليّ كم بيت شعر حسيني ، لكن لا أتصور أن هناك الكثير ممن سيهتم بحضور جنازة واحد منبوذ مثلي . أرجوكِ اتركيني أذهب ، لا تخافي فأنا قادر على شقائي سأعيش عمري المكتوب لي!
خلاص مصمم على رأيك ، لن أمنعك . هاتفك الجديد معك جاهز للاستعمال اتصل بي وقتما تريد ، رقمي قمت بتخزينه في الذاكرة ، لا تتردد حبيبي . هذا صحن شوربة أحمله معك و تعشى به .
مرن ساقيه قليلا وكأنه يتأكد من صلاحيتهما للعمل ، حمل حقيبته وعلقها على كتفه ، لبس قبعته الحائلة اللون كمن يستعد لجولة خلوية في غاباته العجائبية التي لا تشبه أي شيء آخر . وصل إلى الباب الخارجي ثم رفع قبعته كأي ( جنتلمان ) يحيي امرأة جميلة ، ابتسمت منصورة . احتواه الزقاق وهو يصفر لحن أغنية قديمة ، شيء يتسلى به كي يطرد وحشة الأشياء السوداء التي تتراقص في وجهه .
# # #
الأضواء البرتقالية تغسل الشارع بتدفقها الأنيس ، يمشي مصفراً لحنه المفضل في ليل المنامة ، هكذا تطيب نفسه وهنا تصعد عصافير فرحه إلى عوالم أخرى ، الشارع حركته خفيفة عند الحديقة ، أشتاق إلى الجلوس في اخضرارها ، تعريشة الجهنمية مكان آخر يحن إليه . المدخل حيث كابينة الناطور فارغة ، الشاب حامد لا يداوم اليوم على ما يبدو .
شاب لطيف يتمنى لو يراه الآن حتى يتبادل معه ثرثرة خفيفة ، الروح تحتاج من وقت لآخر تسلية عابرة توسع من احتقان شرايينها . حتى في الليل يبدو منظر بعض الأشجار الميتة كريهاً على نفسه ، الحديقة تعاني الإهمال ، البلدية تفتح مشاريع حدائق كثيرة لا تتابع صيانتها كما يجب ، كم هو مزعج رؤية شجرة تموت ، حياة خضراء صامته تمضي بهدوء . جلس على البساط الأخضر ، فتح الحقيبة ، صحن الشوربة محتفظاً برائحته الشهية وإن برد قليلا ، غلفته منصورة بورق القصدير الفضي مع ثلاثة أرغفة من الخبز . فكر لو يمشي بضع خطوات نحو النافورة الأسمنتية المتصدعة ، يتحلى ببعض العادات الصحية للبشر العاديين ويغسل يديه قبل الأكل بدل هذا الاستعجال والهبل . قرب النافورة فوجىء به يجلس ومعه نفرين ، جلسة عشاء هو من رتبها ربما ، وأخذ يضحك مع صاحبيه ، كان الحاج مرزوق بوجه متعرق ومنفعل يقول :
المصيبة أنكم لم تتورطوا مثلي ، البيك آب ظل مكانه وأنا لا أدري من يكون هذا ( ابن ال .... ) الذي عمل فيّ هذا المقلب الوسخ ، أربع إطارات مفرغة من الهواء مصيبة.
أكل أحدهم قطعة لحم من السفرة وشرب عليها بعض البيرة وسأل :
أنت صاحبي وأعرف نجاساتك ، شرير و تفعلها ، أكيد آذيت أحد ، غير معقول أن يكون هذا المقلب هكذا بلا سبب . تريد تقنعني أن واحد من خلق الله يترصد لك الأذية بلا مناسبة ؟!
أردف الرجل الآخر وهو يضحك ،كرشه المنتفخة تهتز :
ما تخيلتك مرزوق تتورط هذه الورطة ، سيارتك أصلا قديمة ومنتهية ولو كنت في إدارة المرور ما أنجحها في الفحص لكن .. أنت أكيد آذيت أحد .
وحده غبية تفرش بسطتها عند باب هالحديقة ، حبيت بس أعلمها درس ، رأسها يابس وعنيدة . قدمت ضدها بلاغ في البلدية . كنت مقهور منها . يمكن شباب طائش فعل هذه الفعلة ، لا أدري . هالبنية بالحلال بالحرام لازم آخذها .
أنت بس تتحدى على لاشيء ، البنية فاهمه وغلبتك وقصة السيارة تقول أنك لا تستطيع المواجهة ، أتركها في سبيلها أحسن لك . واضح أن لحمها مر و لا تؤكل .
أحس بالخوف من تآمرهم وكم تقززت نفسه من عصابة حاج مرزوق ، عشاء جريمة تتحضر قريباً . بان وجهك القبيح حاج مرزوق . انسحب بهدوء ، حمل حقيبته وترك صحن عشاءه ، خرج مسرعاً من الحديقة . أحياء المنامة متشابكة وكثيرة ، في أي بقعة تقطن زكية ؟ أين يمكن أن تأخذه الشوارع المتقاطعة ؟ أيهيم على وجهه هكذا حتى يضيع الوقت بلا طائل ؟ لا فائدة .. لكن زكيه في خطر ، ماذا عساه يفعل الآن ؟ تمتزج الحيرة مع خطواته ، يمقت هذا العالم الوحشي الماثل أمامه ، لا مكان فيه للضعفاء ، الذئاب تتوالد في أرجائه بكل أشكالها وألوانها . ها ليل المنامة يبدل جلده الآن ، من هدوء جميل تغسله الأضواء البرتقالية إلى خبث هؤلاء الأشرار .. يستمر في مشيه إلى لا مكان ، يا منامة لم تتحولين إلى قسوتك هكذا فيهجرك الصفاء ؟!
قدميه تتعب من تأثير الشد الذي يضرب في أسفل الكعبين وأعلى الساق ، يتراجع تحت إلحاح الوجع إلى الحديقة ، يختار زاوية أخرى كي لا يلتفت إليه الحاج مرزوق و عصابته ، المصباح المعلق أعلى عامود الإنارة مكسور ، هنا يختار البقاء في الظلام ، ينتظر الصباح وينتظرها ، ربما تأتي . عند تخوم الحيرة يتوقف الآن ، هواجس كثيرة تلعب في عقله ، يحاول تشتيتها متشبثاً بقشه وسط أمواج خوفه . فيظهر مرة أخرى من ذاك الغياب وهو يعتمر قبعته ، يلف براحة يده سيجارة ثم يشعلها ويخاطبه :
صديقي عارف ، صدقني لن تكسب شيء من هذا القلق ، أحياناً يقضي المرء نصف عمره يقلق من أجل حبيب قد لا يستحق ولك أن تتخيل بعدها .
ها أنت ( عمي زوربا ) كم أحتاج مشورتك الآن .
ههههههه أتدري ؟ نحن البشر نظل نحترق مثل هذه .. لكن هناك من يحترق عمره بعبث وآخر يحلق بعيداً .
هه استفزاز مبطن ، لست في حاجةٍ إليه ، تكلم بصراحة ، سأتقبلها منك مهما كانت شائكة .
لا تغرق نفسك في التشاؤم ، عش حياتك مثلي ، قلت من قبل أنك تشبهني و..
لحظة لحظة ( عمي زوربا ) تأتي بسرعة ومستعجل دائماً !
انتهى وقتي معك ، لا أستطيع المكوث أكثر ، لعالم الأشباح قوانين يا رجل ، حتى زوربا المتمرد لا يستطيع خرقها هههههههه !
(( 13 ))
تعد و تعد و تعد ، رزم من الدنانير تكدسها فوق بعضها البعض ، تتنسم رائحة إغرائها اللذيذة ثم فتحت علبة من المخمل الخمري ، وقعت تحت تأثير الشعاع الملون الصادر عن قرطي الألماس الساحرين ، قامت تجربهما أمام صفحة المرآة ، تختال في فرح وغرور ، روح ملكية تتلبسها هذه اللحظات ، تستعد لصعود عربتها الفاخرة كي تنطلق إلى أمير تلك الحكاية التي تحفظها منذ أيام الدراسة ، تلك كانت مجرد خيالات البنات الصغيرات و عقولهن المليئة بهراء المدرسة . هنا صفحة ناطقة من حياة مرفهة تتلون كل يوم ، هنا هي أميرة حقيقية يتوجها كل الرجال المتلهفين ، يصلون إلى فردوسها الخرافي ، وكل زبون وله وزنه !
رن هاتفها الجوال وقاطع تموجات الحلم المسافر في فضاء الروح ، الشاشة الوامضة ترقص بنغم أحد أغاني أليسا .. إنه هاني ، فتهلل وجهها وردت :
هاي حبيبي ، صباحك عسل . لا أصدق ، أنت خطير ومن لا يعرفك يجهلك ، كلفت نفسك كثيراً . تعرف أنني أول مرة عرفت الألماس ، عندما رأيت ملكة بريطانيا إليزابيث ترتديه في اذنيها على تليفزيون بي بي سي . لكن الفرق واضح بيني و بينها طبعاً ،أنا شباب و هي عجوز على باب قبرها .
أوصيت صاحب محل المجوهرات أن يوصل ال..
كلك ذوق هاني ، من نصف ساعة فقط تسلمت هديتك الغالية .
المهم أنتِ معي في كل خطوة وكل شيء بحسابه منصورة . عارف أقتنع بالموضوع ؟ استلم الهاتف ؟
أعتمد عليّ ، حتى أنه اتصل اليوم وقرأ قصيدة شعر حديث أو هراء حديث . انطلت عليه الحيلة خلاص .
طول عمره يكتب هذه الخرابيط ، المهم أن تمثلي عليه كما أخبرتك .
لا تخاف عليّ هو الآن مقتنع ، صحيح هاني أنك غيرت مكان سكن أمك وقمت بتأجير..
يا وسخة لا تتدخلي في أمور لا تعنيك و .. خلينا في الشغل ولا تحرقين أعصابي .
آسفه آسفه ، كل ما تريده مني سأفعله بس لا تغضب ، أنقل لك تحركاته كما طلبت . تعال عندي الليلة .
منصورة هل صدقتي نفسك المومس الخرافية الوحيدة في المنامة ؟ ههههههه .. الديرة مليانه من جنسيات العالم وأجمل منك بآلاف المرات . يمكن بعد يومين أزورك . أموري مرتبكة قليلا ، مزرعتي تعرضت لتخريب متعمد ولا أدري .
السياسة ستحرق البلد بمن فيه ، شفت المنشورات التي تسب مذهبنا وتتهمنا بالخيانة ؟
منصورة أنت من حضن هذا إلى هذا ، بالعقل يعني .. ما علاقتك بالمذهب ؟
مهما يكون أنا شيعية ومن يسب مذهبي أحرقه بالكاز. أنا منحرفة وسوداء الأفعال لكن لا أسمح لأحد بأن يغلط على مذهبنا وجماعتنا .
بعد قليل ستتكلمين عن البرلمان والفساد والتجنيس وحقوق الإنسان ،اسمعي لا تدخليني معك في هذه الدوامة ولا شأن لي بها . منذ كنت صغيراً إلى أن كبرت وأنا في مآتم المنامة ، في كل موسم عاشوراء أسمع نفس القصة يزيد قتل الإمام الحسين . خلينا نشوف مصالحنا بلا سياسة بلا مذهب .
يمكن الدور عليك هاني ، مجهولين قاموا بتكسير محلات كثيرة لجماعتنا هنا في المنامة . ما تخاف على حلالك ؟
المهم اسمعيني .. راقبي هذا الأهبل عارف . بس أحل بعض الأمور المؤجلة ثم أتفرغ له و.. نصيحة مني ، وظفي لكِ ( بدي غارد ) يحميكِ . سمعت أول أمس عن هجوم نفذته مجموعة تسمي نفسها الشباب الرسالي ، كل من كان في ذاك البيت من بنات أو زبائن أكل عشاه من الضرب ، باي يا حلوه .
مستعجل دائماً ، أنت تمزح أكيد . لا يستطيعون ولا أحد يقترب من منصورة ، يهددون فقط .
لا مانع من الحيطة منصورة ، أفهميني جيداً وبلا عناد ، أنا أريد مصلحتك .. مع السلامة .
توجهت بعينين حذرتين نحو الباب ، تركت هاتفها الجوال فوق السرير ، تفكر في إضافة قفل آخر إلى الباب الحديدي . متى ما أصبح معززاً بقفل جديد ، سيفشل حينئذٍ أي اقتحام مدبر للبيت . هاني يتلاعب بأعصابها فقط ، فكرت في هذا الاحتمال . ضحكت في وجه قلقها التافه ، عادت تتفقد رزم الدنانير ، شيء يبعث الخدر أو النشوة في أوصالها ، شيء يجعلها الآن أكثر قوة ، تماماً مثل هاني . فكلامه أوامر لا تناقش ، وهكذا تكون القوة فقط.
ولكن ما هو شكل هذه القوة المجمدة بلا فائدة ؟ عد الدنانير في كل مرة يشبه فرحة طفل مندهش غير مصدق كمية المال التي بين أنامله الصغيرة من حصيلة العيد ! أكيد هاني يستطيع مساعدتها في استثمار المبلغ ، هاني شاطر وشيطان في هكذا أمور . من الغريب كيف أن الأقدار جمعت الأخوين تحت سقف واحد فيما مضى ، هاني الداهية والجشع مثل الجمرة أو الشوكة التي لا تداس ، شقيق عارف المسكين المتسول في الأسواق وعلى أبواب المساجد ، طيب وغبي ، متسكع مثقف ، زاهد متصوف ، مجنون وعاقل . كيف يكونا من بطن واحدة ؟! لكن .. عارف ليس أهبل كما يصوره شقيقه هاني . عارف لغز وليس أي لغز ، لا يشبه أي رجل آخر مر من سريرها ، كلهم متشابهون في الشر و القبح ، يشتهون الوصول إلى ارتعاشات شبقهم ومتى ما شبعوا ، فاضت قمامة ألسنتهم بالشتم أحياناً وكأن الواحد منهم ، يستيقظ من حرارة اللهفة ، ينفض عنه رماد جمره وشهوته ، فجأة يتذكر أو يستنكر لقيمات الحرام من لحم الغانية التي شاركها الرقص !! عارف إنسان مختلف عما عرفته في وجوه الرجال ، شتمتهم في سرها واستحقرتهم ، يأتون إليها متبرمين من الحياة ، لا يرضيهم شيء ، يبحثون عن أنثى خيالية تلبث في دواخلهم المسكونة بالمرض وترضي غرورهم و وساخاتهم .. من أنت يا عارف ؟
لم تقحم نفسها في دوامة تافهة من الأسئلة التي ليس لها معنى ؟ حرياً بها الاهتمام بالكسب ، هاني ما دام يدفع بسخاء ويحصل على الخدمات التي يريدها ، فلا داعي لكل هذا التفكير الساذج . الحياة مكسب وعلى الأذكياء البحث عن أصغر الفرص المنتظرة في طريق الحظ . الرقص على حبلين في وقت واحد ، مهارة مطلوبة في هذا الزمن ، لا بد من لي رقبته !
# # #
خبز بالجبن يستخرجه خطاف الخباز المعدني الطويل . طازج وساخن بين يديه المتلهفتين ، يطحن الجوع معدته ، الحقيبة فارغة إلا من بعض المجلات والكتب القديمة . رجلٌ ما كان يصوب إليه نظراته المتقززة ، نكس رأسه ومضى لأحد الأزقة وأكل بشهية ، بيد أن الوجبة لا تكفي لإسكات هذا الجوع المتمرد ، في جيب البنطلون ثلاثمائة فلس فقط ، هو هكذا سريع الجوع.
أسبوع منذ غابت زكية عن الظهور ، مكانها خالٍ .. وجودها يخفف عليه قليلا ، قرب بسطتها دفء و ثرثرة ولقمة . تمنى في سره أن تكون بخير . الجو مناسب وخفيف الحرارة ، سيمشي الآن إلى مقبرة الحوره ، يوم الخميس تتوافد الناس لقراءة الفاتحة على أرواح موتاها ، هناك يعرف كيف يمارس خبراته في الاحتيال على العيش .
مشردي الدول الأوروبية يعزفون الموسيقى في الطرقات وقرب محطات المترو فينالون عطف المارة و شفقتهم ، هو .. لا كمان و لا مزمار عنده ، الكثيرين هنا يشمئزون من الموسيقى ويحرمونها وخلق كثيرة تستعملها كنغمات لهواتفهم الجوالة. لا شأن له بتناقضات الناس أو ما يعتقدون . مصحف صغير في حقيبته وجلسة خاشعة عند باب المقبرة ، تكفل له تعاطف الناس ، المفجوعة حديثاً على موتاها ، هذه فقدت زوجها وتلك أبنتها .. من مشهد الحزن المتواتر والقلوب الموجوعة يستطيع أن يسترزق ، يقرأ على أرواح الراحلين ، تتجمع في جيبه حفنة دنانير . هناك وجوه انقطعت ولم يعد يراها ، الناس هم هكذا دائماً ، في بداية الأمر يستمرون في البكاء و التفجع على فقدهم عزيزاً ، وكأنهم يوشكون على اللحاق به إلى القبر ، يلتصقون بقبره ويكثرون من الزيارة ثم عندما تتحول القصة إلى مجرد طقس اجتماعي مكرر ، تبدأ تفقد ذلك الحماس الذي كان وبعدها يصير الميت وحيداً ، ما من أحد يتذكره بزيارة !
الكل يلهث في جحيم هذا العالم .. كيف لهم الانشغال بعالم الأموات ؟! ينظر إلى المقبرة متأملا سورها الأسمنتي المرتفع ، أرتال من السيارات تفيض بالمكان ، إذا ما تبدت مميزة الفخامة فإن المتوفى من علية القوم ، شخصية مهمة في المجتمع ، وزير سابق ، تاجر معروف ، موظف عالي المقام في أحد الدواوين الرسمية . يعرف كيف يكون شكل المقبرة حينها .. يأتون بثيابهم الأنيقة أو بذلاتهم الرسمية ، روائحم العطرية تخلق سوقاً من الأبهة والتفاخر الصامت ، الكثير منهم يفشلون في تقمص أدوار الحزن حتى من أجل المجاملة العابرة ! ليسوا أكثر من منافقين ، لهم أغراضهم الخفية التي يهرولون خلفها بالالتصاق بفلان من الناس .
أما عندما يكون المتوفى مجرد فقير معدم ، فلا يتواجد في المقبرة إلا أهله وأقاربه ومحبيه ، مجاميع قليلة العدد يكون حزنها أكثر صدقاً وشفافية ، تنثر آهات الخسارة و شظايا الذكريات ، مع بركات الآيات القدسية فتتعاون الأيدي في تجهيز حفرته ، تنصب شاهدة قبره ثم تتفقده بنظرات وداعٍ أخير . يشعر بهم هنا على حافة أحزانهم ، يلتصقون بالموت ويتشربون رائحة التراب المبلل بالماء والدموع ، يعرف كيف تكون إنتظاراتهم هنا وهم يودعون ميتٍ تلو آخر ، حقاً .. أيختلف حزن الأغنياء عن الفقراء ؟!
أنغمس في طقسه الخاشع مفتتحاً قراءته بسورة البقرة ، لم يتمم الصفحة الأولى حتى ظهر ظلها أمامه ، زكية تلملم جسدها النحيل بعباءةٍ أكل أطرافها الغبار ، تحمل بعض ( المشموم ) و زجاجة ماء الورد الإيراني ..
عارف كيف حالك ؟ مالك اختفيت فجأة ؟
أبداً ، كنت مريضاً . الحمد لله أنا الآن أفضل . أنت أيضاً لا أراك عند الحديقة ، خير إن شاء الله .
مشاكل مع البلدية ، لكن سأحل الموضوع ، لو الرزق على أيدي الناس لقطعوه على هواهم . تحتاج مساعدة عارف ؟
أنتِ من يحتاج المساعدة ، كوني حذرة زكية . حاج مرزوق مع شخصين يدبرون لك مصيبة . أنا سمعتهم يتآمرون ضدكِ . هذا الرجل وسخ وشيطان .
كنت تحدثني عن أحلامك في مرات سابقة ، هذا حلم آخر عارف ؟ ههههههه لا تكف عن خفة دمك .
زكية .. الموضوع ليس مزحة أو حلم هلوست به ، كوني حذرة فقط .
تشوشني الآن ولا أدري ماذا ..؟ أفكر في مشاكل كثيرة ،حاج مرزوق لا أخافه . أفكر الآن في صاحب العمارة باعها والمالك الجديد قلبه بلا رحمه ، رفع الإيجار ، سأصبح قريباً مشردة مثلك . لو فكرت في السكن بمكان آخر ربما .. جئت الجبانة كي أغسل بعضاً من حزني . أتحدث إلى روح أبي وأهديه الفاتحة تنور عليه قبره . أشعر بالراحة هنا . ليت الناس تتعظ من الموت ، الكل يتقاتلون على الدنيا ، يتقاتلون على لا شيء . سراب ينخدعون ببريقه .
زكيه أنتِ طيبة ، أرجعي عند الحديقة ، أناس كثيرون يفتقدونك ، أساعدك في ترتيب البسطة والله أنا مستعد .
شكراً عارف . خذ ، لا تعتبر المبلغ صدقة مني ، اقرأ بعض السور القصيرة على روح أبي .
آخذ من كل الناس ولكن أنتِ ..
لا تضطرني أحلف . أعرف حالتك ، هيا خذ لا تجعلني واقفة ، الناس ترانا .
ابتسمت بوجه متعب تعلوه بعض الكآبة ، لم تفلح في اخفائها ، مضت في طريقها وسط شواهد القبور ، تختلط عباءتها مع عباءات النسوة ، تتحول إلى خيال أسود . صفرة الغروب تضفي لونها على خضرة الأشجار المزروعة حديثاً ، تنسحب الناس بطيئة من المكان .
قرأ بعض السور القصار ، أغلق المصحف وخبأه في حقيبته ، قرفص يتأمل الناس ، يمرون عليه حيث لا أحد يكترث به هنا ، يعاوده شعور الفزاعة .. كما هو حالها دائماً ، مصلوبة في وجه الريح ، فراغ ينهش داخلها ، أتعرف ماذا تفعل في قفر وحدتها وهي مهملة هكذا ؟
مهمل هنا .. يزاد في غربته وحزنه يتذكر المرة الأولى عندما دخل لهذا المكان ، قبر جدته في .. نسي مكانه الآن . كان يأتي برفقتها وهي تصطحبه في عصاري الخميس بالذات . كانت جدتك امرأة طيبة و تحبها الناس ، كانت و كانت .. حتى سأل ذات مساء ( لماذا تموت الناس يا أمي ؟! ) يتذكر كيف أدهشها السؤال وأخذت تتلفت حولها محرجة من مباغتة المشاكسة الطفولية . قالت : ( لا تكفر بالله .. لا دائم إلا وجهه . أسكت ولا تخسف بنا الدنيا !! ) .
يتذكر .. أهي طبيعة فطرية في هذا المجتمع أن يقمع التفكير بصوت مسموع في دواخل أفراده ؟ شيء يلح أو ربما يضغط على أنفاسه . أن تقرأ فأنت تفتح مغاليق ما تجهل و تلك الأم الصابرة حرمها والدها من التعليم ، لم تقرأ حرفاً ولم تكب جملة ، هكذا قولبها مجتمعها ، كلما رأت كابوساً في منامها ، تكسر بيضة و تتلو تعاويذ غريبة لطرد روح الشر القادم حول بيتها ! لكنها لم تنجح في طرد الروح الانهزامية والمزاج المتقلب لرجلٍ دارت أيامها حوله ، تعصف به ساعات الغضب من لا شيء ؟! قالوا لها : ابن عمك وهو أولى بك ! زوجوها لرجل مريض ، فتراكم صبرها المخنوق على ورطتها من أجل إرضاء أعراف وتقاليد المجتمع وثقافة تلك الأيام .
كم كان يحطم كل الأشياء الجميلة داخله أو خارجه لا فرق .. ثم يسقط مرتعشاً في نوبات الصرع التي تنهش عمره ، مليء بالمرارة والشقاء . ما كان بيتاً يشبه بقية البيوت ، أفراحه استثناء من جعبة الأيام وأحزانه قاعدة تتراكم فوقها ذخيرة تكفي لوجبات الكآبة السوداء ، لا تمهل النفس هنيهة لتتنفس بعض الطمأنينة الهاربة.
ألتفت إلى رقصه الموسيقي ، إنه هذا الشيء الصغير ، الذي يشغل الناس ، أصلا لم يكن ليفكر في اقتناءه لولا أن منصورة قدمته كهدية من طيب لطفها .. حدق في لوحة المفاتيح وكما علمته تحديداً لكيلا يفقد من ذاكرته الزر الخاص بالرد . تذكر أنها أشارت على اللون الأخضر .
أهلا منصورة ، كيف حالك ؟
ممتاز ممتاز أصبحت تعرف استعمال الجوال أكثر مني . أنت محظوظ عارف ، أكيد الآن تستمتع بالجلوس في الحديقة وسط خضرة الأشجار وتسمع زقزقة العصافير .
ههههههه أنا في مقبرة الحورة ، في ضيافة الأموات . أسترزق بقراءة القرآن ، قلة من الناس تحفل بي ، لكن ثلاثة دنانير أو أقل تدخل إلى جيبي نعمة من ربي .
أذكر في قلبك جدة منصورة وأهديها سورة الفاتحة وبعض السور التي تختارها ، وتعال عندي وخذ عشرة دنانير حلال عليك . والله ما دخلت المقبرة من ثلاث سنوات . تذكرت .. لا تنسى زوجي المرحوم حاج حسين بن علي الصراف . سمعت مرة من الشيخ أن ثواب الفاتحة على الميت ، هدية تخفف عنه أهوال البرزخ .
كل أقاربك الموتى أعتني بهم ولكن الفاتورة بدون خصم ههههههه .
شكراً عارف ولا تهتم ، أعتني بنفسك . مع السلامة حبيبي .
لحظة لا تقفلي الخط ، عندي بعض المجلات لو ..
قراءتي قليلة عارف ، لكن لا مانع يمكن أتعلم شيء مفيد ، الليلة أين ستنام ؟
في الحديقة طبعاً ، الناطور حامد واحد طيب ، يسمح لي بالنوم هناك وحتى يدعوني على عشائه في بعض المرات ، على عكس الأجانب ، يطردونني . الأجنبي لا يتعاطف إلا مع بني جنسه . مع السلامة .
كانت الشمس قد غابت ، المقبرة الآن متروكة لصمت ترابها ، حدق في فضاء المكان وهو يخبأ الهاتف في الحقيبة . يداهمه السؤال .. أحقاً منصورة تتحدث بهذه اللهجة الدينية ؟! تتكلم عن هدية الميت و أهوال البرزخ ، كم تبدو متناقضة وغريبة الأطوار، تصطلي بجمر خطاياها ضاحكة وتعرف أن هناك برزخ !! . تكثر من الأسئلة ، ما الذي تبغي الوصول إليه ؟
منصورة لم تقل أنها تحب زوجها المتوفى أو تنفي ذلك ، لا تتوانى في خيانته فكيف الآن توصي بشأنه طالبة له الرحمة وثواب الفاتحة ؟! أشباح الرجال تتراكم في حضنها وتشعل نيران آثامها مراراً وتكراراً ، فسقت هذه المرأة ، تنافق وتحتال ليس إلا و.. هي تكذب بالتأكيد .
تدعي حباً وهمياً ليس أكثر ، لكن كيف يقدم إنسان هديةً ما إن لم يكن .. خاف من أفكاره التي تهاجمه . أيحذر من هذه المرأة أم ينساق بعفويته طائعاً كيما تقدمه قرباناً لشخص ما ! هذه صيغ مبالغة تتدفق من تفكيره المرتبك فقط . لكن هذا وارد الحدوث ، كل امرءٍ طيبٍ في ورطة هذه الحياة بمثابة مشروع كبش فداء أو جسر يقتات وجعه حتى يعيش الأقوياء . روما القديمة لطالما اصطفت الجواري والعبيد والأغبياء و المجانين ، كقرابين للآلهة حتى يكفرون عن خطاياهم .
حتماً هناك هدف تسعى خلفه منصورة أو ربما أحدهم يلجأ إليها .. أيكون الحاج مرزوق متواطئاً معها ؟ ربما في الأمر شيء آخر يستعصي على تفكيره الآن ولا يستطيع حل الأحجية . محاولة نصب شراك الاستغفال ، يميز هكذا رائحة كريهة من أول مرة ، هي ذات الرائحة التي تفوح من كلام هاني . كم هي وقحة هذه الحياة ، اللحظة التي تعتقد فيها أنها رحيمة بك وتحن عليك ، ليست أكثر من دخان وهمي يحوطك . أصلا منصورة تريد مصلحتها قبل أي اعتبار آخر ، أي شكلٍ للوفاء المزيف يعيش في داخلك منصورة ؟
من هذا الذي اشتراكِ ؟ آه ه ه ه ، سكاكين تطعن نفسه الخائبة ، كلهم شياطين تتنكر في ثياب الملائكة ، الكل يهرول من أجل مصالحه فقط . هو هنا فقط مصلوب أمام سهامهم كالفزاعة المنتظرة مصيرها . منصورة شيطانه كبقية القطيع وربما قصة المرض .. نعم ، هذا وارد جداً أن تكون هي السبب ، هي من دبر القصة ونفذها ولكن من أجل ماذا ؟
هكذا هي الناس تعامله على أنه نكره أو أهبل لا يفهم ، أحياناً يفسر الأمور ببطء لكنه ليس أخرقاً كما يظنون . منصورة تنصب شركاً ما .. لكنه الآن يعرف قصر المسافة التي تفصله عن الملعوب المدسوس ضده ، المسافة قصيرة في ظنكِ منصورة ريثما تحكمين جدران الفخ ، ههههههه لكن رائحة الشياطين يعرفها تماماً كما فخاخهم . اللعنة .. حدق في صمت المقبرة وتذكر كلمات زكية ، وجدت راحة نفسها في هذا المكان ! لم تقل ذلك عبثاً أو زهداً في الحياة ، هي ليست من حزب هؤلاء الذئاب الشيطانية ، هي طيف من الطيبة بين جبالٍ من الشر والقبح والتصنع الكاذب والمجاملة .
هنا المكان يحمل حقيقة واحدة .. كل آثامنا وأحقادنا المتبادلة ومعاركنا ونزواتنا وشهواتنا تصل إلى بساطة التراب و رائحته ، تحدق في وجوهنا بتحدٍ واستهزاء فنرجع إلى حفرةٍ متواضعةٍ يغادرها آخر بصيصٍ من نور الدنيا . حقاً هذه الحياة غريبة . هرش لحيته الكثة ، نملة أحس بها تدب على كفه الأيمن ، قرب كفه من سور المقبرة الخرساني ، تركها تنزل لتلتحق برفيقاتها ، غادر المكان وأذان المغرب يتردد في سماء المنامة ، هي ذي تستعد لتوديع يوم آخر .
(( 14 ))
يسأل هاني نفسه .. ما التعريف الدقيق لمعنى الأبوة ؟ يريد أن ينزوي هنا في المطعم الإيطالي في فندق الريجنسي ويحظى بوقته الخاص بعيداً عن كل ضجيج خارجي يشوش صفاء ذهنه ويعكر عليه التفكير . لو تتوقف فقط عازفة البيانو الأجنبية الشقراء عن العزف ، يفكر الآن في وجهه المحروق التعيس ، هناك في دار العجزة يقبع في انتظار مصيره .
انتهى أمره كلياً ، الحياة تقصيه عن رقعة اللعب ، رقماً منتهي الصلاحية لا أحد يراهن عليه أو يرغب حتى في الشفقة على حاله .. كذا مرة أثناء زيارته لاحظ كيف يقوم الموظف بتغيير تلك القطعة النايلونية المحشوة بالبوليستر القطني ، ما أفضع رائحتها . المشهد بائس حقاً أن تعجز عن خدمة نفسك .. الموظف يعري السوءة المجعدة المليئة بالبراز ويمسح ذل الأيام عن رجل ودع تلك السطوة والعنفوان ! هذه هي آخرتها يا هذا الرجل الخرب يا .. يا أبي ؟!
ما معنى الأبوة ؟ أن تتزوج امرأة تحبل منك فتنجب وتكون أباً هكذا ببساطة حتى لو حولت حياة ابنائك لجحيم ؟! أهذا هو شكل الأبوة في أبسط تفسير قد تفكر فيه يا هذا العجوز الهرم المثير للشفقة والعاجز عن تنظيف قاذوراته ؟ يسيل مخاطه الأنفي أمام زائريه مثل طفل ولا يقوى على تنظيف نفسه . أبوة خرقاء كيف أختارتها الأقدار والأيام ، لم ينجح هذا العجوز في شيء ، فاشل في كل شيء . أيظن أن نيران شهوته التي تلاشت منذ زمن حققت له ما يستحق من حلم انجاب الأبناء ؟ زرعهم بالعقد و شتتهم بالمشاكل والقسوة .
تعيس صاحب هذا الوجه المشوي .. يعرف الآن هو كيف يستمتع بممارسة تلك الرحمة المزيفة التي يغدقها عليه أثناء زيارته . الشلل النصفي أكل ماتبقى من عافيته ، عندما يريد أن يتكلم لا تصدر عنه سوى همهمات مشفرة مصحوبة بلعابه المقزز فوق شفتيه . يتشفى فيه لكن لا يستطيع أن يكرهه كلياً ! على الأقل لا يزال والده البيولوجي من الناحية القانونية والرسمية .
يديه تنتفضان ، رخوتين ليس كسالف عهدهما .. والله كنت جبلا وهدك ربك يا .. أنت أكثر من مسكين ؟! أخذ يراقب طيفه في استيقاظ الذاكرة المشحونة بالجراح ، مرات كثيرة يتمنى لو أن هذا العجوز يلفظ آخر أنفاسه وتنتهي القصة هنا . حال موته ستستدعيه المحكمة من أجل إجراءات الفريضة الشرعية لتقاسم الإرث كما يحصل مع بقية خلق الله . أي إرثٍ هذا ؟؟ مطحون لا يملك إلا بيته و ليس له راتب تقاعدي ، قضت عليه الحياة و لو يموت أحسن من مقاساة عذاباته .
كبار السن في أوروبا عندهم الجرأة الكافية ليختاروا أسلوباً للموت الرحيم في المستشفيات أو النزل الخاصة ، إبرة واحدة في الوريد تنهي معاناة أعوام من المرض والشقاء ، لمِ لا يأخذ واحدة ويريح نفسه ويرتاح . كلما فكر فيه يجده مجرد بقايا إنسان ، هناك من يحاول ترميم خرابه المستفحل وإعطائه وقت قصير للحياة فقط بشكل عبثي !
أليس الإنفاق على هؤلاء العواجيز هدر للمال ؟ محاولة بعث الحياة في أوصالهم المنتفخة وعظامهم الهشة وقلوبهم الضعيفة شيء لا يبعث على الأمل في شفائهم أو أنهم سيتعافون لكي يصبحوا طاقة منتجه تحرك اقتصاد البلد . يستحقون خيار الموت الرحيم لو.. ضحك في سره قبل أن يقطع عليه نادل المطعم خلوته . طلب منه أن يمهله لحظات . انصرف النادل ، عاد يفكر ثانية في مأزق والده ، بلغه أن الناس تعيب عليه رمي الوالد في دار العجزة وإهماله . عادة هو لا يكترث بالقيل والقال من كلام الأقارب ، ير أنهم مجرد ثرثارين يراعون عاداتٍ باليةٍ عفى عليها الزمن ، يتدخلون فيما لا يعنيهم .
معاول تفكيره تنقب موضوع الإرث الآن ، عقارات المنامة ترتفع بجنون ناري ، خصوصاً هذه المحاذية للوسط التجاري ، عملية حسابية واحدة للمنزل القديم المؤجر على هؤلاء الهنود ، تكشف أنه .. خسارة ، خسارة تأجير العقار لقاء دنانير معدودات لا يستحق . لا بد من الاستحواذ على البيت . ما الفرق ؟ لطالما كان يضرب أمه ليستولي على بعض مدخراتها من بيع البيض والمخللات !
يتذكر .. كانت عندما تتكاثر مشاكلها تشكوه لأحد أخواله . كان مثل برميل الكاز ، مرات كثيرة كان يأتي بتلك الخيزرانة الغليظة التي تأكل من جلده بقسوة ! جاءه ذات يوم وهو عند .. يتذكر فقط كيف شده من قميصه حتى تمزقت الياقة ، صفعه بقوة ثم سقط أرضاً . الوحش البدين هدد و توعد بتكرار نفس الدرس لو سرق فلساً من أمه أو من أي أحد . يومها عرف كيف أن هؤلاء البشر يحقدون عليه أو يحاربونه ولكي لا يهتز أمامهم فلا بد من التعامل معهم بنفس الأسلوب .
لحظتها مسح دم فكه من أثر تلك الصفعة وقرر الانتقام بروح المراهق التي تطاول رأسه علياء الريح ! كم كانت ذكرى شيطنته متوقدة الحماس وهو ينتظر قدومه ، يركب سيارته الأمريكية ( شيفروليت ) يوقفها عند الباب ويدخل لبيته . لا أحد معه تلك اللحظة غير جرة البنزين و علبة كبريت ومنتصف الليل و رغبة شريرة وزعت السائل السريع الاشتعال ، أيقظ جوعه عود كبريت واحد أكل وجبته بنهم وحشي ! اختفى من المكان مخلفاً وراءه اللهب البرتقالي يحتفل على ذعر الجيران يستنفرهم الحريق !
الأخبار وصلته اليوم التالي ، أن السيارة في حكم المنتهية الصلاحية بعد أن تعشت بها النار والخال العزيز أغشي عليه وكادت تطفر روحه بهبوط ضغطه المفاجىء . ضحك و ضحك و ضحك ثم أحتفل بزجاجة ( أمستيل ) مع بعض الأصحاب وهو يسرد تفاصيل قصته البطولية !
مرة أخرى ينقطع حبل أفكاره ، جواله يرن . تجاهله في غير اكتراث لكن إلحاح المتصل أجبره على الرد :
آلووو ، أهلا سهام ، متى غيرتي رقمك ؟
أترك عنك هذه التفاصيل التافهة ، شركات الاتصالات اليوم تبوس يدك حتى تشترك فيها ، أحتاجك تساعدني هاني .
أطلبي أي شيء غير الفلوس .
الله يخليك هاني ، ألفين دينار فقط ، ما أعتقد أنك تعجز عن توفيرها ، ساعدتني في مشروع البوتيك فتمم جميلك أو .. المشروع ينتهي .
مشروع مشروع ، تدخلين عالم مجهول وتغامرين ، عندما كانت أمنا تبيع البيض و المخللات ، كانت أشطر منك .
وكنت أنا من يتستر عليك عندما تسرقها وأحيان كثيرة كنت أغافل أبي وأفتح لك الباب حتى لا تنام في الشارع مثل عارف ، نسيت يا أخي أو ..
خلي عنك هذه الثرثرة الفارغة ، متى تقدرين على رد السلفه ؟
طبعاً أستطيع أرد لك فلوسك ، لكن أصبر عليّ يا أخي ، تذكرت .. خالك محمد و عباس يعتبون عليك ، خالك عبدالله يرقد في السلمانية ولم تزوره ؟!
إيه .. هذا الفيل الهرم ههههههه ، أربعة ممرضين لم يستطيعوا تحريكه من مكانه ، أعرف أنه في المستشفى ولكن يا أختي لا أطيق هذا الخال ، يده الطائشة يا ما حفرت الوجع على خدي وعقدت حياتي ، الناس تموت من الضغط وهذا الوحش لا يزال حياً ؟!
عيب عليك هاني ، هذا خالك ، على الأقل قم بزيارة مجاملة من أجل الشكليات الاجتماعية بس .
الكثير منها فارغ بالنسبة لي ولكن .. للمجاملة فقط وإلا فإن هذا الكريه لا يستحق . ماذا عندكِ أيضاً ؟
عارف أوجع قلبي ، الأسبوع الماضي رأيته .. والله كأنه سنور ، عند حاوية القمامة و..
لا تفتحي هذه السيرة ، المهبول يتخيل أنه بمجرد عودته إلى البيت ستأتي إليه الشرطة وتعتقله وتخليه في المستشفى النفسي.
لو يموت أحسن من هذه العيشة لكنه يظل أخونا .
عارف غسلنا أيدينا منه ، لماذا تتعاطفين معه الآن ؟ أكيد سيتنازل لكِ عن نصيبه من الإرث عندما يموت الوالد ؟
أحياناً أكره فيك هاني نيتك السيئة ، هذا كلام بشع ، أنا لست أنانية لهذه الدرجة .
يا أختي كل هؤلاء الذين يحسنون النية ، يصبحون تحت الأقدام ، لا يستحقون عندي بصقه ! ضعفاء وينتهي أمرهم ، هذه الدنيا إن لم تتغدى بخصمك ، كن طيباً وأتركه يتعشى بك ويالها من غباوة .
خليني من نصائحك الذهبية ، أحتاج المبلغ في أسرع وقت ، سأسافر إلى دبي حتى أشتري البضاعة .
حسناً حسناً لقد أكلتي رأسي ، عندما تريدين شيئاً تصبحين ملحاحة ومزعجة ، تعالي غداً إلى البيت .
بيت زوجتك سامية أو الثانية فخرية التي لا تعاشر الناس ، لا أدري كيف تتحملها ؟ أو لأنك خلاص شممت عفونتها وغرقت في عسلها !
ما عليك منها ولا تتدخلين في حياتي ، تعالي عند زوجتي الأولى ، أنا لا تنقصني المشاكل .
خلاص لا تحرق أعصابك ، أوه تذكرت لحظة لحظة لا تقفل الخط ، أمنا أمس أرتفع عليها الضغط ، حبيت أخبرك .
أنا مشغول يا أختي و.. حسناً هل أخذتيها إلى المركز؟
مراكزنا الصحية تعطيك ( PANADOL ) ومع السلامة ، هاني لا تبخل على أمك ، المستشفيات الخاصة تملأ البلد .
سأرى الموضوع ، صدعتِ لي رأسي سهام مع السلامة خليني في حالي .
عاد ثانية ينسج حول فكرة هذا الأب التعيس .. لماذا لا يموت هكذا ببساطة ؟! ما الجدوى من بقاء عجوزٍ مثله ؟ بعدها تتحول الأمور إلى شيء لذيذ وكامل الدسم له معنى ، يستطيع أن يشتري نصيب سهام من الميراث وحتى أمه ، وإن لزم الأمر ، خداع عارف أو حتى قتله ! وسيلعب بعدها كيفما يريد ، المنزل سيهدم ، ما نفع هذا المكان المتصدع في ذاكرته ؟ لطالما كره كل ركنٍ فيه ، لا ذكريات حلوة له في المكان غير المزيد من القسوة والمرارة والحزن ، إنها فرصة ذهبية ، فقط لو يسلم العجوز آخر أنفاسه ويستريح في ملحودته أو لا يستريح .. لا فرق !
(( 15 )) كالدودة يتكور على نفسه ، يختبيء وراء الأشجار ، نوبة الحراسة على مسئولية حارس أجنبي ، لو أكتشفه .. لا يريد أن يغادر الحديقة ، أحياء المنامة مثل الجحيم ، يعربد فيها الحر و رطوبتها تسلق الأجساد بلا رحمة ، لذلك فالخروج ليس وارداً هذه الليلة ، يستطيع تحمل قرص الجوع لكنما الطرد من هذا الاخضرار سيكون مزعجاً .
من مكانه عرف بأن الحارس قد دخل إلى حجرته ، أخيراً يستطيع أن يستوي في جلسته أو يدلك ظهره كي يخفف بعض أوجاعه . أستسلم للنوم ، لكن ما بال هذه الاستراحة تنقلب كريهة الطعم لزجة كالعرق الملتصق بجسده هكذا ..
كأنه بين جدران تلك الحجرة الطينية المغروزة في ذاكرته كوتدٍ من حديد ، يتضرع أن يخرجه أحد وما من أحد غير هاني يقف على بعد خطوات ، كان يهزأ ويضحك منه ثم تشفى .. ( الآن سترى يا شيطان يا مجنون ، أخيراً وقعت ! لحظات ويأتيك أبي ولن ينقذك أحد من غضبه ، المسكين دمرت حياته ، وجهه محروق يا مجرم ، هل ترى هذه .. جرة كاز وهذه خيشه ندفنك فيها ثم نحرقك ونفتك من هبلك !
سأله بصوت مرتعش : لا أصدق .. حقاً تفعلها في أخوك عارف ؟
ضحك عالياً وأعترف بأنه لا يستنكر المهمة ، صحيح أنه يكره أبيه ولكنه لن يرفض له أمراً عندما يتعلق بالتخلص من زبالة .. أنت زبالة عارف وهذه الأسرة لا ترحب بك ، جلبت عليها العار والقيل و القال ، التخلص منك أيسر الحلول .
فقال : تريدوني أن أعترف بماذا ؟ خذوني إلى الشرطة وسأعترف بأي شيء يريده أبي لكن لا ..
ضحك ثانية وشره يتصاعد .. يا عارف خلاص ما عندك فرصة ، أنا لا أتعمد أذيتك يا أخي ولكني عبد المأمور ، أبي دفع لي أتعاب المهمة ( بيزنس أوف بيزنس ) ولا تعتقد أن أمي أو سهام سينقذونك ، لكنهما ستعرفان بالخبر كما كل المنامة ، أن عارف المظلوم الأهبل والمشرد انتابته لوثة في عقله ، يعني أعصابه تعطلت في رأسه أكثر مما هي متعطلة أصلا ، فأحرق نفسه ! ههههههههه فكرة عبقرية هه ؟
الخطة التي في بالي أكبر يا غبي ، أخرس أخرس يا أهبل ، الآن قل لي كيف ستنقذك الكتب التافهة التي تقرأها ههههه ؟! سيأتي بعد قليل ، أتخلص منك ثم .. آه ه ه ه ، عندي ما يكفي من السائل الجهنمي ، أنتقم منه أيضاً ، أنتما الاثنين عقدة عويصة في حياتي .
ثم قام يفرغ جرته في حماس مجنون ويرشق باب الحجرة الطينية بالكاز ويضحك بهستريا مخيفة تتردد في فضاءٍ من الوحشة والخوف ..
الخوف عجل بخروج الحلم من رأسه ، كان يطبق على عنقه وأنفاسه ، تكاد روحه تفر من جسده الذي أستحم ونضج من الحر ، يختنق هنا ولا بد أن يفر كيما يتنفس بعيداً عن كابوسه ، أصبح خارج الحديقة ذاهل العينين لا يدري أين تأخذه قدماه ، تحذره أبواق السيارات في حنق ، يتخبط على غير هدى ، لا يدري عند أي شارع هو وعلى أي رصيفٍ يجلس .
لحظات مرت قبل أن يستعيد اتزانه ، هاهو معافى ولم يعلق به شيء من شر هاني ، تهدأ أنفاسه أخيراً . يمشي من زقاق إلى آخر وعلى غير قصدٍ منه أو بدون أن يشعر وجد نفسه عند عتبة بابها ، تأخرت حتى تفتح له ، وجد في لهجتها بعض الفضاضة اليابسة :
هذا أنت ؟! أنا مشغولة الآن تعال في وقت آخر .
أموت من الحر ، جائع و رأسي تتفجر من الوجع و..
أنت غبي أو لم .. سامحني عارف لم اقصد لكن صدقني لا أستطيع ..
عليكِ اللعنة ، عاهرة مثلك تخجل من الاعتراف أن لديها زبون !
إن لم تدلف من هنا يا كلب يا عفن سأ .. أبتعد عن بيتي .
تسمين هذا بيتاً يا فاسقة ، الكلام لا ينفع مع الخونة ، أعرف أنكِ بعتني ، تتصورين أن عارف المظلوم أهبل لا يعرف ما حوله؟
أهبل و وسخ و مجنون ، مكانك مستشفى الأمراض النفسية مع أشكالك هناك ، هاني طلب مني المساعدة ، أنا وافقت ، قلنا يمكن أن ينصلح حالك وتصير آدمي مثل الناس .
...........................
هه تعرف نفسك لهذا سكت لسانك ، أبحث لنفسك عن مقبرة وأذهب لجهنم ، خذ مشي كرشك بهذا ، أذهب وكل في أي مكان أي مطعم ، لا تخليني أرى وجهك الحزين النكد مرة أخرى .. أدلف لعنك الله .
ممتاز ممتاز حصلتِ على درجة عالية في الأخلاق والتمثيل الكاذب والله أنتم عبء على الدنيا وتوسخونها بسوادكم ، خسارة منصورة .
هههههههههه ، حبيبي أشبع بفلسفاتك الغبية مثلك ، فرق كبير بينك و بين هاني ، غريبة أنتما الاثنين من بطن واحد !
لا تفرحي به ، هاني لم تعرفيه بعد ، دخلتي حقل ألغام وعليكِ السلام .
انسحب بهدوء يتساقط في شظاياه وجعاً و نزيفاً من داخله ، هكذا تبدو معادن الناس في لحظات الحسم ، يبهر بريقهم المزيف الأبصار ثم تكتشف عفونة ما يخبئون من نوايا . ليل المنامة يحاصر الروح تعباً ويمتص الفرح الشحيح من نفسه المنفية ، خطواته غير متعجلة ، ولِم العجلة ؟ أيلهث هو خلف شيء من ماديات الحياة ؟ كما تفعل منصورة ، مثل عنكبوت الأرملة السوداء ، تستلذ بالذكر القوي الذي يعجبها ثم تنشب فيه سمها الفتاك وتستأنف طمعها الناري الضاري بغيره !
# # #
كأن الطريق تاهت معالمها منه فجأة ، طريق مليئة بالشوك لا يقين له وهو يمشي مخترقاً تعرجاتها ، ما لهذا القلب مشحوناً بالحزن لا يبرأ ، لكنه الآن .. لن يستسلم لحزنه ، هؤلاء الذين يسيئون إليه مجرد أقزام متطفلة تعمل على تخريب فرحه الداخلي الذي لا يهزم ، هذا هو المهم ، ليكن في عمق خلايا النفس وفي أغزر نقطة من البدن ، روح وثابة فرحها لا يُهزم أو ينال منه طارىء .
هي عصية الهزيمة ، تنهض من رمادها ، هاني ، منصورة ، وكل التافهين مجرد دمى في كف الحياة ، تسيرهم مصالحم الوسخة الآنية ولكنه شامخ النفس ها هنا يتفرج على طابع حيواتهم الاستهلاكية ، معبودهم الدينار و الدولار لا يتحررون من رقهم ، مكبلون في طابور المادة الفانية. ها هو يستمر في التفرج عليهم ، يمرون في مخيلته ، وجوه يزداد تورطها في الطمع و الخيانة و الفحش والكذب .
هو ذا بيت خرب يقدم له دعوة مجانية بلا من أو أذى ، يدخل بغية قضاء الليلة ، هنا كل شيء محطم والقمامة تملأ المكان و قط يمتطي ظهر أنثاه ، ذكره بمنصورة التي تفاخر بعهرها ، ذات مرة أخبرته أنها في لحظات النشوة ، تطلب من زبائنها بأن تركب ظهورهم ، فهي على حد قولها .. أن الأمر ممتع ، هؤلاء جاءوا محروقين بشهوتهم ، وعندما يحترق الشيء يصبح سهل التطويع ، فيحلو لها ركوبهم وكأنهم حمير ! تستمتع هي بذلك وتجده احسن انتقام لكرامتها التي تورطت في الحرام !
القط ضخم البنية أما القطة فبدت هزيلة تنوء تحت ثقله وهو يموء بانزعاج محدقاً فيه كأنما هو غير مرحب بالزائر الآدمي في هذه اللحظات الفاصلة . حمل حصاة و صوبها نحوهما . تبدو له الآن منصورة ترتدي روح القطة الشهوانية الوسخة وهي تستدرج الرجال .. ليسوا برجال بل نكرات لا أكثر !
طرح حقيبته وأخذ يبحث عن أنسب بقعة حتى يريح شقاء روحه . هنا حوض أسمنتي وحنفية ، يا للمفاجأة مياه متوفرة في بيت خرب ! مرات كثيرة لا يجد هذه النعمة في البيوت الخربة التي يتردد عليها . في الحال خلع أسماله البالية وأستحم ليهرب من حريق الحر و الرطوبة .
شعور من الراحة والانتعاش يغمرانه ، لكن الجوع لا شيء يسكته غير الطعام ، تعلن معدته أصوات احتجاج لا يحتمل سماعها ، لبس ثيابه وخرج ثانية كي يواجه ليل المنامة ، ها جيبه الأيمن فارغ والحقيبة كذلك ، لكن الجيب الأيسر يحوى .. دينار ، دينار من كرم منصورة العاهرة ، يزهو هذا الدينار مستفزاً جوعه الآن ويعلن تحديه السافر ، كأنما يرقص كيما يغيض كبريائه المجروح ، أطلق صرخته الغاضبة ومزقه أشلاء .
ثم قرر أن يعود أدراجه لمكانه ، سيتحمل جوع هذه الليلة لكنه هيهات يذل نفسه لتلك الفاسقة ويأكل من مالها المدنس ، أختلط بقاذورات أشباه الرجال ، شياطين لذتها الأنذال . وجد نفسه محاصراً ها هنا في سجن نفسه ، تظهر أمامه الآن تتدفق ضحكاتها المائعة تحصد انتصاراً ما أو .. هاتفه يرن ، الشاشة الإلكترونية لا تعلن هوية المتصل ، أصلا هو لم يكن مرحباً بهذه التكنولوجيا ..
آلو نعم .
أنا أخوك هاني ، أين أنت الآن ؟
أينما أكون حتى لو كنت في (غوانتانامو) ، ما دخلك ؟ أتركني في حالي وكف عني شرك ، رفيقتك منصورة فضحتك ، هكذا تفعل بي هاني !
منحرفة ومنحطة لعبت بأفكارك يا أخي ، أنت مثقف وتفهم ، هذه عاهرة وتريد إشعال الفتنة بيني و بينك ، تصدقها وتكذب أخوك ؟!
دارت في رأسه أكثر من فكرة تشوش تركيزه .. لا يتصل في هذا التوقيت إلا لأنه يريد إنقاذ خطته الخبيثة ، هاني ماكر ويعرف كيف يراوغ ومن أي زاوية يرمي حربة صيده ، لو يحلف بأقدس الأشياء ، كاذب و يرتدي ألف قناع .
عارف الله يخليك أتكلم معك رد عليّ .. قلت لك أني أريد مصلحتك ، غريب أمرك ! سأوفر لك وظيفة مريحة ، ما رأيك بالإشراف على عامل آسيوي عندي ، يبيع في دكان خضرة ؟ ولك مائتين دينار كل شهر و تسكن في شقة مؤثثة و بالمجان .
عندك مصلحة في الموضوع ، تظنني أهبل هه ؟
أوهامك هذه ستضيعك ، تشعر بالاضطهاد وكل الناس تحاربك تكرهك تستقذر منك ، أستيقظ عارف ، أنا بالفعل عندي مصلحة ، مصلحتي أن تكف عن هبلك وتصير آدمي مثل الناس . من شارع لشارع ومن مزبلة إلى رصيف ، تتسول تتسكع ، أنا سافرت أوروبا ولم أرى مشردين يحملون ذات أوصافك الجينية ، عارف أعقل وأسمع كلامي .
أترك هذا المجنون في حاله ، أنا لا أحتاجك ، حياتي هكذا جنة من الحرية وتعجبني يا أخي ، ارتاح وأجمع أموالك وأنشغل باستثماراتك ولا توجع رأسك معي بلا فائدة . يوماً ما إذا وجدتني جثة هامدة في ثلاجة مستشفى السلمانية ، تكرم عليّ بنقلي للمقبرة وأعترف بي أمام الناس أني أخوك من لحمك ودمك وأنصب لي مأتم عزاء كي ترتاح نفسي المعذبة .
انتهيت من نواحِك التعبان الـ .. عارف إذا اتصلت بك منصورة و غلطت عليك خبرني وأنا آخذ لك حقك منها لكن .. عندي مكالمة مهمة سأتصل في وقت آخر ، مع السلامة .
تحيطه جدران البيت الخرب ، ها أمامه السماء مفتوحة ، كأنما هو أحد هذه الشهب المنفلتة في الفضاء ، تسلك طريقها نحو الغلاف الجوي لكوكب الأرض تقترب و تقترب ثم تتلاشى احتراقاً في منتصف رحلتها .. لِم هو هنا لا يزال في وقفته العبثية مثل الفزاعة ؟ روح الفزاعة تتلبسه ولا يتخلص منها ، هي ظله حينما يمشي ويأكل يتكلم يتألم أو يبكي في لحظات العجز و القهر ، وتحاصره الأقزام متجرئة على إنسانيته تذيقه خسارات جديدة لتتحول إلى رماحٍ في الخاصرة .
قرفص في جلسته متكوراً على بؤسه يحاول الهرب من هواجسه . هيأ لجسده المتعب مكاناً لينام ، بسط على التراب خرقه أستخرجها من حقيبته ، جمع تحت رأسه شتات أفكاره وتوسد أوجاعه ، طرد كل الأقزام والشياطين المتضاحكة أمام عينيه ، أسدل ستار فرجتهم المجانية وبصق في وجوههم لكن الأرق أقتحم الخشبة وأعاد فتح الأضواء وأرتجل حضوره الصامت بكل تبجح ، فكيف لهُ الآن الاستسلام للنوم وهو الشيء الوحيد المتاح ، كهدية موت مؤقت للفرار من قبح الحياة وآلامها ؟
لا يستطيع شيئاً حيال الأرق ، مرت الساعات وهو هنا مفتوح العينين يبحلق لسماءٍ اغتسلت نجومها بندى الفجر ، مصحوباً بأذان الحاج محمد غلوم يعود ثانية ، يوقظ النائمين ، معلناً انقضاء ليل المنامة ، لا يتصالح معه ولا يحبه أحياناً .
لكنما أذان الحاج غلوم من مسجد المهزع يحبه كثيراً ، صوت هذا المؤذن الشيخ يشيع طمأنينة غريبة في روحه القلقة ، ينتزعه من عذاباته ، شيئاً ما يغادر خارجاً من جسده ، هناك شخص آخر يقف عنده يشاهده ! لا يعرف كيف يتصرف غير التوجه للمسجد . عند المكان يستطيع فعل شيءٍ ما ، شيء ولو كان صغيراً لكنه حتماً يعالج الجوع ، لقمة مبيته كحسنة من أحد المصلين ، أو بعض النقود ، المنامة تستيقظ مبكراً ، صحن باقلاء سيكون ألذ من أي مخبز ، قام من مكانه ولملم حاجياته البسيطة يمشي دروبه المتعبة من جديد .
(( 16 ))
سيارات الشحن القادمة من الميناء تصل تباعاً إلى وسط سوق المنامة محملة بمختلف أنواع البضائع ، مخازن و دكاكين وحمالين وحركة الناس ، خليط من الأجناس ، يمشي في هذا النهار المتوسط الحرارة ، رفع قبعته وعصر قماشها الكالح من عرق الطريق ، تفرج صامتاً على ما حوله ، لا يسعه الآن ممارسة هذا الفضول الصباحي ، يفضل الذهاب إلى الحديقة . صحن الباقلاء لذيذ ولكن منظر الخباز البنغالي وهو ينظف أنفه بطريقة مقززة جعله يستنكف عن الأكل ، فأنسحب من أمام الخباز .
زكية .. شيء يرقص في داخله ، شيء تفسيره الآن صعب وهو على وشك أن يتحول إلى شظايا ألعاب نارية لا يدري من أين تجيء في إحساسه المتردد ، يخلو من منغصات كريهة تعودها ، زكية لها حكاية تطلع من صفحات كتابٍ تستأنس بهِ الروح ، هي شبيهة غصن أخضر عصارته الطازجة تنعش بشرة راحة اليد ، قد تكون رجعت تنصب في وجه القدر دفتر وجع و صرخة تحدي بأنها لن تستسلم .
وهي ذي هنا .. في مكانها المعتاد عند الحديقة تفترش الرصيف مع الأشياء البسيطة التي تبيعها ، رائحة الذرة المسلوقة تعلن نفسها للمارة ، قبل أن يعبر الشارع تريث قليلا حتى ينصرف آخر زبون لديها ، ثم جاء يمشي وقد بدأ يهرش لحيته الكثة ، الرائحة تخترق مسامات جوعه ويأمل منها أن تبادر و .. لم يكن راغباً أن ترى شفقة الطلب والاستجداء المتسربين من وجهه المتعب و عينين فيهما توسل الجائع المتورط ، منصورة علمته درساً قاسياً ، ما أصعب تكرار الدرس مرتين ، تخرج بالكاد من حفرة ثم تسقط في أختها !
مقايضة الهاتف بوجبة معتبرة أفضل خيار لإسكات الجوع ، وليس هذا بجنون ، حينما يتخلص من هذه القطعة البلاستيكية الالكترونية التافهة ، فلا هاني ولا فتاته الفاسقة تطاردانه . يتوقف عندها وكانت تعد بعض قطع النقود المعدنية ، ملامحها تكتسي بقنوط و صمت مخنوق ، رفعت رأسها ..
أهلا و سهلا تفضل ، عندنا ذرة حارة و بالزبدة و .. هذا أنت عارف ؟ كيف حالك ؟ أخبارك ؟
زكية لا تعرفين كيف يصبح هذا المكان بدونك ، تركتي خلفكِ فراغاً لم يشغره أحد ، طالبات المدارس هنا يتساءلن عنكِ ، نعم أنا أعرف .
أجلس عارف ، خلِ عنك هذا الكلام ، في هذه الدنيا من يهتم أو يسأل عن أحد ؟! ما هذا ؟
هاتف مستعمل ، أعتقد أنه يصلح للمقايضة و..
عارف خذ وجبتك مني بلا مقابل ، لا تحرج نفسك هكذا .
تقوقع في فقاعة صمته ، يشهد ذاك التصميم في نظرة عينيها ، كأنما تحاول منعه من حفرة ضعفٍ وقع في حصارها ، لكن مرارة ما حصل مع منصورة ، تدعس المزيد من أنصال الألم في خاصرته ، تريد أن تتصدق عليه ؟! تباً لها من صدقة ، أصلا هو يكره نفسه حينما يتحول لموضع شفقة الآخرين ، كأن شبحاً يتحرر من جلده ، يضحك على ذله و يسخر منه .
كلكم هكذا .. تعاملوني على أنني عاجز محطم يستحق الشفقة ، أنا .. زكية خذي الهاتف واعطيني أي شيء يؤكل ، رأسي تدور .
مشكلتك لا تعرف من يضرك ومن ينفعك ، تريد الصراحة ؟ نعم أنت عاجز عارف . تركت الناس تتفرج عليك وأنت تضعف أمامهم ، أنا ما نسيت مجموعة المراهقين الذين اعتدوا عليك هنا في الحديقة .
حسناً .. سأبحث عن مكان آخر أجد فيه وجبة طعام تسد جوعي ، رحم الله والديك ، مع السلامة.
عارف ، هروبك هكذا لا يحل مشاكلك .
ما أدراكِ عن مشاكلي ، خلاص لا أشعر بالجوع ، شبعت من كلامك زكية .
عدل من وضعية حقيبته الرثة على كتفه الأيمن و رفع وجهه نحو صخب المنامة ، لم يلتفت خلفه ثم مشى مبتعداً ، لكن داخله أصبح دامياً أكثر أو ربما مبعثراً أكثر مما مضى . إلى أين يهيم في هذه الشوارع ؟ لم يكن يعرف أين يمكن أن يغسل كل هذه الأحزان المتراكمة التي ما عاد يحتمل ثقلها على صدره المليء بثقوب التعاسة .
دقائق حتى وصل إلى الشارع الملاصق لجامع المهزع ، اللعنة على هذا الفردة اليمين ، ها انقطعت مجدداً ، صعبٌ ترقيعها للمرة الثالثة ، صعب المشي على إسفلت الشارع ، تلهبه الشمس بتدفق متواصل من الحرارة . أختار الجلوس عند جدار الجامع ، يحاول إنعاش الفردة لكن بلا جدوى .. بحلق في محيط الشارع متململا و وجهه يتصبب عرقاً ، جدران معدته تكاد تأكل نفسها من الجوع !
فجأة تعالت الأصوات في الشارع ، هاهي القبضات ترتفع بتلويحات غاضبة وسيل من الحناجر البشرية تهتف للحرية ، تتدفق الناس من كل الشوارع و الأزقة ، كل أحلامهم تجتمع هنا وكذا إحباطاتهم وقهرهم المتراكم في التظاهرة ، ما همهم شيء ، خرجوا متحدين خوفهم ، خرجوا كيما يرسمون غــــدٍ أفضل لبلدٍ يوشك على الخراب . راقب الحشد المتزايد أمامه وهو يفور بالغضب و الحماس ، الانسحاب من المكان أفضل ، رائحة البيض الفاسد للغازات المسيلة للدموع والسامة جربها مرات عديدة و وقع في مصيدتها الخانقة ، سيبحث لنفسه عن مكان آخر ، لا ناقة ولا جمل له فيما يحدث هنا .
في مدخل الزقاق وجد أمامه قامة متوسطة الطول ، تعطيه قفاها ، تحمل بعض الحاجيات ، فكرة مساعدة الرجل ستكون أفضل من التسول ، هذه خبرة جيدة في التعامل مع بساطة الناس في المنامة ، قد يعرض هذا الأخير مبلغاً من المال على سبيل اللطافة أو المجاملة أو ..
حجي حجي ، أساعدك إن احتجت ، أغراضك أكيد ثقيلة عليك في هذا الجو الحار .
عارف .. عارف والله أنك مثل العفريـ .. ، تعال أدخل البيت قبل أن تهاجم شرطة الشغب المظاهرة .
شكراً حاج محمد غلوم ، والله ما عرفتك ، خسرت وزناً ليس بالقليل . عساك بخير ؟
أضاء مساحة الشقة الصغيرة التي تفوح منها روائح غريبة ، بدت كأنها روائح المرض أو النهاية الحتمية التي تثقل آخر أيام رجلٍ وحيدٍ لا أحد يسأل عنه أو يفتقده على أقل تقدير ، الحاج غلوم فطن لما يدور في ذهن عارف ..
يا ولدي الرائحة كريهة بعض الشيء ، لا أحد هنا معي فينظف المكان وصحتي على قدر الحال ، اترك الأغراض عندك هنا ، أجلس عارف وأعتبر نفسك في بيتك ، أنا أبحث عنك ولا أعرف لك أرض . كيف هي أحوالك في هذه الدنيا ؟
أعيش وأمشي وأتبهدل في هذا الشارع أو على هذا الرصيف ، أجوع وأتعب و.. لكني في النهاية أعيش يا حاج .
عارف أنت عملت فيّ معروف ، أخبروني أنك أنت من بادر إلى إنقاذي ، رحم الله والديك .
كنت يا حاج بين الحياة و الموت ، هل أتفرج عليك ؟!
قام من مكانه فرتب بعض الأغراض ، أفرغ كيس السكر في مستوعب بلاستيكي ، وضع إبريقاً قديماً فوق الفرن ، جلب بعض البسكويت المدهون بكريمة الفانيلا في صحن خزفي صغير مع بعض حبات التين المجفف ، وأنهمك في تحضير الفطور . وها هي الصينية عامرة بالخير ، ملعونٌ هذا الجوع ، الحاج غلوم شيخ طيب القلب ، بشوش الوجه كأنه من عالم آخر !
هنا يقطن في شقة متواضعة التأثيث ، زاهدة في بساطتها مثل صاحبها ، جدران مطلية بلون حليبي قديم ومتقشر في بعض الزوايا مع تصدعات أحدثها الزمن ، تلفاز مؤطر بصندوق خشبي مستعار ، بعض الملابس المهملة على بلاط الصالة وهذا عصفور كناري يفصح عن وجوده بغناء منفرد وسط قفص حديدي عند الباب الخارجي . يرجع الحاج حاملا إبريق الشاي وقد فتح المذياع على راديو مونتي كارلو وهو يبتسم .
هيا عارف بسمل وشاركني الفطور ، أسمع تغريد العصفور كم هو مميز اليوم لأنك معي ، والله أني تمر عليّ أيام طويلة من الصمت لا يعلم بحالي إلا وجهه تعالى ، وجدت سلوى روحي في هذا الملون اللطيف .
أغناك الله حاج غلوم ، صحتك الآن أحسن ؟
الطاولة قربك ، أدوية من كل مكان ، كل مرة يبدلونها ، الثوب المرقعة هيهات تعود إلى زهوها ، بياض هذه اللحية علمني الكثير من تعب الدنيا يا ولدي . هاك أنظر إلى يدي هزيلة صح ؟
عافاك الله ولا تيأس من رحمته ، كل الناس تمرض و ..
وتموت أيضاً ههههههه ، يا عارف خلينا نتهنى بالفطور الله يهديك لكن تدري ؟ أبي يرحمه الله مات بمرض القلب وأنا في صغري لم أكمل العاشرة من عمري ، لا تتفاجأ إن سمعت أن الحاج غلوم مات بنفس المرض ههههههه اضحك عارف ولا تفكر في هم الدنيا . أوه نسيت الخبز في المطبخ .
قام ثانية وهاهو يتعب نفسه ويحاول أن يكون حيوياً في حركته ، كان من الواضح أنه مريض ، يروض وحشاً ما يجهز على بدنه الضعيف . الآن ها غيوم كثيرة من الحزن تتبدد من سماءه ، تأمل مصائب الناس خير دواء لمصائب الواحد منا ، يهز رأسه عارف فيقع بصره على صورة فوتغرافية يحيط بها برواز مذهب باهت ، يتألق فيها شاب لا يزيد عمره عن الثلاثين ، هناك تشابه واضح جداً ، لكن لماذا يعيش حاج غلوم وحيداً ؟! كثيرين هم هؤلاء الذين يعيشون الوحدة ، أوجاعهم صامته ، يفشون ابتسامة حب في وجه الحياة المتوحشة في الخارج ، قلوبهم تتحمل عبء الحزن وتمتص كما الأسفنج تراكم الأوجاع بصبرٍ نبيـــــــل.
لكن هو يعرف .. كل هذا يخلف مرارة عميقة تنخر في الداخل بلا هوادة ، الحزن حينئذٍ يتحول إلى شيء أليف يعتاد المرء رفقته ، فلا يلتفت إلى رؤيته في صفحة المرآة و يعتقد رغم ذلك أنه بخير ! ( أدولف هتلر ) في بواكير شبابه أنصهر بقضية شعبه وآمن بأفكار كثيرة متطرفة ، غير أنه عندما وصل للسلطة نسي بأنه مجرد هيكل فارغ ، تطفح من داخله الأحزان ، والساعة التي أيقن فيها أن لا مهرب من مشنقة حزنه المريض ، ولما أيقن اللحظة التي اصطاد فيها حزنه ، قرر أن يشدد قبضته على أنفاس هذا الشيء الهلامي الساكن في روحه ويطلق رصاصة الخلاص نحو هروب لا يعرف سوى المجهول .
النتيجة أنه لا أحد يعرف سر السعادة أو حتى من أين يجيء الحزن ؟! ولو قيض ذلك لإنسان ما على مر الأزمان ، لأحتفظ بالسر معه حتى يقبر ! كل هؤلاء الذين يفلسفون و ينظرون ، خبروا جزء يسير من الحياة وغاب عنهم الكثير ، ليس بالضرورة أن يكونوا قد شقوا بطن السر الحياتي العصي و من ثم فهموا كيمياء الحزن وكيف تمطر مياهها في نفوس المتعبين والمساكين .
الحاج غلوم .. يحاول مراوغة حزنه ، أي تحايل على الحزن تعرفه نفوسنا ، الأمر أشبه شيء بمرآة بالغة الصفاء تقبع هناك في روحي وروحك ، تخبر المرء عن رؤية واضحة بلا تشويش ، تبرز في زواياها أصغر التفاصيل ، عندئذ لاشيء سوى الخجل نرتدي أقمصته في لحظة التجلي النفسي الذي يتلبسنا ، فيدركنا عري آخر نتذوق هزيمته نتقبله بديبلوماسية منافقة لا أكثر .
حضر الحاج غلوم وابتسامة طيبة تعلو وجهه ..
مد يدك وبسمل ، والله أن وجودك معي يؤنس وحدتي ، يا عارف الوحدة صعبة على شايب مثلي . تصدق لو قلت لك أنني أحياناً أرى أناس تحوم حولي ، أقابل جدران أربعة طوال النهار فيرتبك عقلي .
أعانك الله . الواحد هكذا أحسن ، الاقتراب من الناس لا شيء وراءه إلا المشاكل .
لا يا ولدي .. الوحدة لا تجوز إلا لله تعالى ، نحن بشر أمس لما شعرت بالشقة تضيق عليّ خرجت ، ارتاحت نفسي في خضرة الحديقة ، جربت أكل الذرة المسلوقة من عند فتاة من جماعتكم .
المهم أنك غيرت جو الشقة حاج غلوم .
وتعرفت على هذه الفتاة الطيبة ، تكلمت معها ونسيت اسألها عن اسمها .
دخل في أعماقه وها نفسه تضطرب .. إحساس مباغت يقتحم هدوءه الآن ، شيء يدب تحت جلده ويحدثه أن حاج غلوم ربما يفكر في اتخاذ زكية كزوجة . كل حديث الرجل عن الوحدة والسأم ، واضح أنه يضع خطة ما . أو ربما .. الحاج غلوم ليس من هذا النوع الذي يطمع في زوجة أخرى ، هو قانع بحاله وينتظر انقضاء الأجل ، يتصالح مع وحدته .
ثم ما هو عيب الوحدة بالنسبة لعجوز مثل الحاج غلوم ، من هم في مثل سنه الآن يتوكئون على العصي المعدنية أو فوق كراسي متحركة تحت رحمة الخدم ، هو هكذا أفضل حالا من غيره و ليترك زكية لحالها . زكية هذه قصيدة نصف مكتملة ، رائحة حبرها يتوارى فيها السر العصي على البوح ! لهجتها قاسية قليلا ولكن هذه الحدة المبّهرة بفلفل كلماتها بين وقتٍ و آخر تعجبه ، عندها كبرياء الفتاة العربية التي لا تقدم نفسها لقمة سائغة لكل من هب ودب ، تعتز بنفسها رغم انهزامها الظاهري في طاحونة الحياة ، يعرف الآن أن عليه الاعتراف فقط بأن له قلب مثل أي إنسان لابد يوماً ما أن يتمرد فيعلن تلك الرقصة المشتهية لرائحة الأنثى .
تنتفض كل أوردته وكرياته الحمراء وعصارات جسمه وعضلاته تصرخ طلباً لتلك المتهادية في غوايتها ، تأتي مثل حورية الحكايات في منام الفتى ، قلبه راعش الجوف ما هو بحجر . ربما هاني محق حينما قال له : ( متى ستصير بني آدم مثل الناس ؟! ) .
رغم مكره ونفسه الشريرة إلا أنه صادق في كلمته تنزل مثل لقمة متعسرة البلع ، هو يدرك رثاثة الحال التي وصل إليها ، مرات كثيرة يلعن حياته التعيسة ، لولا أن الانتحار سقوط في هاوية المهزومين الذين اختاروا التوقف عن عبور منتصف أزقتهم المعتمة ، لكان اختار فكرة الحبل وترك لخياله أي مكان يصلح لوداع هذه الدنيا ولتأخذه زبانية الجحيم أنى تشاء ، سيرحب بموته وهو مبتسم ! لكنه .. رجح في خياله أن هناك مساحة أخرى من النفق لابد من اجتيازها مهما كانت الظلمة .
كل هؤلاء الحمقى الذين يختارون الانسحاب من الحياة ، يتوهمون الخلاص وبلوغ ضفة أخرى يتخيلون الوصل إليها . الجنود اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية في جبهات القتال كانوا ينسفون أنفسهم بالقنابل لكيلا يقعون في أسر أعدائهم ، أي ولاء أعمى ينتهي بهذا الخبل المريع ، أمن أجل كل الطغاة الذين يؤلهون أنفسهم على حساب خلق الله ؟!
هو لن ينسف عمره كلما تطارده كل تلك الأفكار السوداء الشوكية الكريهة . الحاج غلوم ربما يسلي نفسه بالحديث عن غيره بهذه النبرة . عله تمنى لو أنه أنجب فتاة تعينه في شيخوخته ، حينما أمتدح طيبة زكية . أجل فما يحصل هنا ، شيء ناقص يحاصر روح أي إنسان تغرق في عطش الحاجة ، مسكين يا حاج غلوم ، طحن العمر يلقيك على طريق وعرة تمشيها وحيداً تعالج فيها أوجاعك بمر الصبر فلا تعود تعرف نفسك حينما تتفقد ما سقط من ذاكرتك ، تعلق صورة هذا الابن ذي الابتسامة المحنطة في الإطار العتيق ، لا يعطي أي معنى صادق ، الأشياء تتغير طالما دورة الحياة تواصل حراكها .
يا عارف دنيانا فيها كل أشكال الظلم ، كسب الرزق بأي طريقة ما دامت شريفة ليس عيباً ولكن هذه المسكينة تعاني الكثير، أنا أتفرس في وجوه الناس وأعرف ! هل تعرفها ؟
من تقصد ؟
بائعة الذرة المسلوقة ، قد تكون مررت بها أو ..
أنا أصلا لا أمر من تلك الناحية ، حاج غلوم أترك عنك هذه القصة . الافطار لذيذ حقاً ، أ أ أ أعتقد أنني سآخذ مكعب جبنه كي ..
عارف لا تخجل مني ، العلبة بما فيها لك ، تدبر نفسك بها عندما تجوع . هه ستذهب ؟ والله أنستني يا ولدي ، متى ما أحتجت شيء ، تعرف بيتي .
شكراً شكراً ، مع السلامة .
تفقد الشارع يميناً ثم يساراً .. الحركة طبيعية ، واضح أن المتظاهرين تفرقوا بسلام ، مضى نحو توهان الشوارع الصيفية التي يعرفها ، لكن لا يدري الآن .. ماذا دهاه كي يغرق هكذا في خيال زكية تعود لتطرق ذاكرته ؟ أصبح يخاف من نفسه ، الآن لا يستطيع الهرب ، ما أعجب خفقان القلب حينما تتدفق إليه مشاعر الحنين فتهزم كل هواجس الهذيان الذي يخطف اطمئنانه ! يسامحها في داخله و يهديها مقاعد وثيرة في قلبه . الفكرة تشاغبه الآن ، صوت يهتف من بعيد ، أن يفعلها ولا يتأخر . زكية لابد أن تتغير وسوف تنطلق إلى فضاءات أخرى ، روح التحدي التي تعيش في داخلها جديرة بهذا الاختبار .
إن تخلت ولو قليلا عن بعض عنادها ، ستكون المهمة سهلة عليه . هذا سيكون رائعاً ، ينجز مهمة إنسانية قد وطد نفسه على القيام بها ، فقط عليه أن يعرف اتجاه الزاوية الصحيحة التي تجعل زكية تسمع كلامه . المرأة لاشك أن عندها نقطة محددة تستجيب بواسطتها . ابتسم وهو يعرف كيف يبدأ أول خطوة ، ألم يقولوا : أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة ! حسناً .. ها ميدان التحدي ينتظر كل من يملك جرأة المبادرة وعزيمة الإرادة ، سيختبر نفسه الآن ، وبالتعب سيتحول التراب إلى ذهب !
# # #
على عكس ما توقع ، ردت عليه وهي تحاول أن تحبس نصف ابتسامتها ، كأنها تتهكم من نفسها أو تراوغ ..
تسألني عن القراءة ؟! أي فتاة في مثل عمري تعرف تقرأ ، هذه لا تحتاج إلى جواب أصلا !
زكية بصراحة يعني .. أشك أنك لا تعرفين .
عارف لو سمحت لا تغلط .
نظر في عينيها محاولا اصطياد بادرة حرج أو ارتباك ظاهري يكشف كذب ما تدعي ، لكنها هذه المرة تراخت في تقمص دورها ، فسقطت عند عتبة هروبها وآثرت ترك الجرح ينزف ، كيما يرمي قيحه القديم المحبوس ..
لما أعطيتني المجلات ، تتذكر أني قلت لك ، سأقرأها في البيت . كنت أ.. أكذب حتى لا يكشف أحد ..
زكية أنتِ مثلي ضعيفة من الداخل لكن لا تظهري ضعفكِ .
تأمل صمتها المفاجيء ، كيف تسكت الآن ؟! كأنها إنسان مختلف ، لكن هذا بالضبط ما يريده الآن ، أليس من الجيد بالنسبة له أن تعترف هي بضعفها أمامه ؟؟
ما بال الناس تخشى الاعتراف بالجانب الأضعف في دواخلها ؟ تكوين البشر في النهاية يعتريه الوهن مهما يبلغ من شأن وقوة ، أي شيء ينال منه الزمن ، ما من أحد يمر من بوابة الزمن بلا ضريبة ؟!
فقط قولي لي أنك مستعدة وسأعلمك القراءة والكتابة ، العلم نور يبدد ظلمات ما نجهل ، أنت زكية تستحقين الأفضل .
والله أنت متفائل أكثر من اللازم ، هذا الكلام لا ينفع معي ، أنس الموضوع .
زكية ، هذه جريدة ( الحياة ) عدد أمس ، تنقل هنا خبر عجوز تجاوز السبعين قرر مواصلة دراسته وسجل في الجامعة ، هه ما رأيك ؟
مسكين .. واحد خرفان أكيد .
بالعكس زكية ، أنا أحترم مثل هذا الإنسان ، عنده إرادة صلبة لا تتزعزع وأعرف أنك أقوى منه !
أنا لا أسمح لأحد يضغط عليّ هكذا ، دعني .. دعني أفكر فأنت تربكني يا أبو أربع عيون !
ضحكا معاً .. بدا أنه الآن يستهل أول العتبات ، يتذكر ذات مرة وهو يتحدث مع هاني ، دائما ً ما كان حديثه مستفزاً لا يطاق . صرخ في وجهه بإستخفاف و سأله : تعجبك حياتك هكذا متسكع من مكان لمكان ، ماذا حققت في حياتك العظيمة ؟! يتمنى الآن هذه الفرصة ، جمرها يكوي كفه لكن عندما توافق زكية ، فسوف يتحدى نفسه ، لا بد أن يفعل ، حفر العجز التي أستسلم لها ، أكلت من عمره وأحلامه ، كل هذا لا بد أن يحترق ، ها أمامه مارد على وشك أن يرسل برقه و رعده !
(( 17 ))
هذا الحي تتجمع فيه القمامة بشكل غريب ، أخذ يتجول من حاويةٍ إلى أخرى ، يفتش عن أي شيء يمكن الاستفادة منه . القمامة تفوح روائحها و تحتفل عليها أسراب الذباب وأفواج القطط حتى المساء ، فمنذ أن قامت الحكومة بخصخصة خدمات النظافة بالبلدية ، حيث دخلت الشركات الاستثمارية ، انقلبت الصورة وتحولت إلى .. هكذا تتكوم كل مخلفات المنامة ، يهز رأسه و يضحك . يعرف أن مشاهد الأوساخ هي أحقر شيء تفرزه أجمل عواصم العالم ، وهذا هو الجانب الآخر من كل العظمة و الأبهة التي تتباهى بها المدن !
ماذا هنا ؟ لوحة مفاتيح كومبيوتر و حفاضات أطفال مليئة بالإسهال و بقايا رز بخاري بالدجاج المقلي و رسائل مخطوطة بلغة غريبة تشبه .. لا يدري أي لغة هذه ، يستمر في نبش الحاوية . هنا مقبض نحاسي من ذاك النوع الذي يستخدم في دق حبات الهيل ، يصلح للبيع وجني بعض المال ، خبأه في حقيبته . الرائحة لم تعد تحتمل ، نفض عنه بعض الأوساخ التي علقت بقميصه الكالح وغادر المكان .
مشى هذه الشوارع المزدحمة ، مشى وهو يتأمل لهاث البشر ، مشى وهو يكتشف كيف تسير هذه الحياة ، ها أمامه غريبين كلٌ يغرز أصابعه في عنق الآخر ! هوذا صراع الحياة عندما تسفر عن وجهها الآخر ، حيث لا أحد يجامل في الغربة أو يتنازل ، غابة الحياة التي تلعب فيها الحملان و الذئاب ، بينهم مواثيق غير مكتوبة أن تكون جلاد و ضحية في نفس الوقت !
صاحب القميص الأبيض هو من أذعن وأستسلم ، أليست مفارقة غريبة ؟! يحمل هذا الرجل قلب طيب على الأرجح ، ربما هو أختار اللون الأبيض لشعور داخلي مبهم بأنه لون الطهارة والتسامح الذي يناسب هؤلاء ممن تكتسي وجوههم بالحزن والبشاشة ، كائنات لطيفة لا تؤذي أحد ، تشبهه تماماً . لكن .. وخز الشعور بالعجز أمام الناس ، شيء صعب الهضم ، هو شيء يجعل المرء تافهاً أمام ذاته أو حتى مسحوق يجعل من أتفه قط عند حاوية قمامة ، أحسن حالا من فزاعة تمشي ولا تخيف أحد أصلا سوى ظلها !
تباً لهذا الشعور الذي يهاجمه الآن ، لم هذه الفزاعة المنتصبة في داخله تباغته هكذا ، منتهزةً الفرصة كي تنال منه ، لا يجد مفراً منها ؟ هي في صحوه وفي منامه مثل كوابيس شقية لا تكف أذيتها . زكية عندما تحدثه تبدو في عينيها تلك النظرة الحادة أحياناً ، كأنها تستخف به ، نعم يحس بهذا يكويه من العمق ، هي طيبة ولكن للنظرة تفسير آخر . هاني يمارس نظرته المتبرمة أو المشمئزة ، ينسى نفسه أنه ولد الحاج جابر المظلوم ، ذاك العامل البسيط لا أكثر ! منصورة هي الأخرى تتعلك وفي عينيها خبث يدعي المسكنة والضعف ، حينما تنظر إليه كأنها تستشفق على حاله أو تقوم بترقيع أسمال الفزاعة التي لا تستر شيء من روحة المعذبة العارية الغارقة في الجحيم .
أشاح بنظره عن الغريبين ، صاحب القميص الأبيض ينسحب ، هكذا هم الضعفاء يبتعدون ململمين خسائرهم أو يتركون خلفهم الأشلاء التي تساقطت من نزيف أرواحهم الممتحنة في هجير الحياة ، ضحك بداخله بمرارة ، هوذا يمشي والريح تعبث بخصلات شعره المنكوش ، منتصب القامة يستطيع هذه اللحظات أن يرحب بموته لو جاء .. ليكن كمثل شجرة يابسة تستقبل موتها وهي واقفة في وجه قدرها لا يضرها نخر الدود لجذعها فهي انتهت !
يمشي وها صباح المنامة يشبه كل الصباحات الماضية ، تلفت في محيط الشارع ، مأتم بن سلوم يقيم مجلس فاتحة على روح أحد المتوفين ، صوت المقريء يصدح بآيات الذكر الحكيم ، في مثل هذه المناسبات يتوافر الطعام المجاني الخفيف ، أي شيء يصلح ليكون ذخيرة في أوقات العسر .
# # #
خطوات فقط تفصله عن الحديقة ، لحظات ثم بلغ المكان . زكية مكانها كالمعتاد ولكنها عالقة في مأزق ، مفتش البلدية يستمتع بتعذيب المسكينة ، كان يصرخ :
أنتِ تتجاهلين القانون هه ؟ سجلت عليك مخالفة من قبل ، البيع في هذا المكان ممنوع ألا تفهمين عربي ؟
زكية ترد بلا خوف وهي ترتب بعض الحاجيات ، كأنها غير مهتمة بوجود المفتش واقفاً وعلى وجهه نظرة قرف ..
البلدية رفضت تعطيني ترخيص ، يعني حتى أنفذ قانونكم أموت جوع أو أتسول في المنامة ؟
هيه أنظري إليّ وأنا أكلمك ، أمامك مفتش البلدية و ..
من يعني ؟ حتى لو كان أمامي الوزير ، لن أسمح لأحد بقطع رزقي ، لو سمحت أتركني في حالي ، خليني أترزق الله ، المنامة مليئة ببسطات الأجانب ، تتشطرون على حرمه مثلي بس!
فجأة جن جنون المفتش ونزل كالإعصار يخرب البسطة ! جاء يركض و يعبر تلك الخطوات المتبقية ، كان محبطاً ومعبئاً بسخطه وكل عجزه الذي ينوي التخلص منه ، لا شيء سيردعه الآن ، ها أمامه ذاك المارد المنفجر من داخله يضحك ويشير إليه مستصغراً إياه ، لكن ليس هذه المرة ، كل أطياف الخيبة أمامه تحترق الآن ، يفتح حقيبته يتناول المقبض النحاسي الثقيل و ها هو هاني في ذاكرته يضحك منه ذات يوم ، يصفه بأنه جبان . اللعنة على كل هذه الأطياف المستهزئة الشامتة في وجهه !
هي ذي فرصة تنفيس كل احتقاناته الموجعة التعيسة المؤلمة ، و يا شياطين الجحيم تعالي الآن لتشهدي بطش الغضب المتمرد على كل شيء في هذه المدينة ويا هذا المتبجح بزيه الرسمي ..
كل جنونه يعربد بنشوة انتصار جاء متأخراً لكنه يحتفل بالمشهد ، دم ينزف من رأسٍ مغدورة ، زكية تصرخ مرتاعة .
ها حارس الحديقة يتدخل في التوقيت الحرج ، زكية مصدومة بالمشهد ، وها هو يستيقظ من ثورة الشيطان في داخله ، لحظة شاهد المفتش مطروح أرضاً وحدق في يديه الملوثتين بالدم ، دفع بالحارس بكل ما أوتي من قوة وأنفلت في الشارع يركض .
حتى مع حلول المساء لم تكن عواصفه قد هدأت ، ينزوي في بيت خرب ، بين الفينة والأخرى يطل على الشارع متفقداً المكان ، عل أحدهم يراقبه أو يبلغ الشرطة عن مكان وجوده . لا يعرف كيف يتعامل مع ارتباك حواسه ، مشلول التفكير والطرق أمامه مسدودة ، لم يصدق نفسه بعد ، ماذا فعل ذاك المارد الأهوج ؟ صرخ من أعماقه وأعلنها لحظة جنون فهجم على خيال الفزاعة التي تسكنه و شرع يمزق خوفها و غربتها و تعاستها ولكنها لم تغادره .. ماذا فعل ؟
كان ساخناً ينفجر من الرأس الأصلع ، تهاوى المفتش أرضاً وغرق في دمه ، أي شيطانٍ تلبسه تلك الساعة ؟! لكنه .. شيطان رائع ، على الأقل أطلق له العنان كي يغضب بكل زخم القوة الخفية المتوارية المعتقلة في جسمه ، هذه المرة لم يضطر إلى مهدئات غبائه كيما يترك الناس تتمادى و تسلبه كرامته و إنسانيته . زكية كانت تنعته بالضعف أمام المراهقين .. هي ذي شاهدت كيف أنتهت فاتورة حساب كبته المحبوس ! وكذا حارس الحديقة و بعض المارة ربما ، لا يدري من بالضبط كان حاضراً وقت ثورة جنونه اللذيذة ، لكن الجميع يعرفون الآن من هو عارف . هوذا خرج من عالمه المستكين ، قرر أن لا يكون مجرد فزاعة تنتصب في فراغ الحياة ، قرر أن .. ليكن كما كل الناس تراه . مجرد مجنون وقاتل فعل فعلته في وضح النهار وفر هارباً .. هــــه لا يبالي .
للحيطة أكثر قام فوضع بعض الطوب أسفل الباب ، أي شيء يصلح لعرقلة من يفكر في تفتيش المكان ، قد لا يصمد الباب المهترىء ولكن لا يوجد مكان آخر يؤويه هذه الليلة ، يقرفص في صمت و خيال المفتش يرفع كفه في وجه المفاجأة ، ملوثة بالدم و .. ما تتركه الصور الآن ، تتناوب هجماتها بلا رحمة ، ما أقساه من عذاب !
هل مر الوقت أم كل هذا القلق الذي حشد جيوش الخوف هيأ له شيئاً غير ذلك ؟ ربما هي غفوة فقط من أثر التعب المتراكم في جسمه ، لا تزال قدماه مشدودتين لأي خوف أو طارىء ، توجعانه بعد أن أستنفر عزمهما و ركض بعيداً ، اللعنة على هذا الهاتف لا يكف عن ... قبل الرد على أي كائنٍ كان ، فكر في شبح المتصل ، قد يكون .. نعم هو أحدهم ممن يحاول الوصول إليه ، مخبر أو شرطي لا يدري . اللعنة على هذا الرنين الموسيقي ، ينزل على سمعه إرباكاً ، رفع حجراً قربه وأسكت الجهاز بضربة واحدة أثنتين ثلاث ، ثم ألتقط أنفاسه ، ما عاد يرغب بهذه الهدية السخيفة من تلك العاهرة منصورة ، هي أحد الشياطين الملعونة في قائمته . طلع النهار وئيداً ، قد تكون السادسة أو ربما أكثر ، اطمأن لحركة الزقاق ، أطفال يمضون إلى مدارسهم و بعض العمال ، متسول عجوز وجهه مألوف ينظف حلقه ثم يشعل سيجارته ، امرأة للتو اشترت بعض الخبز الشعبي .. آه ه ه ه ه ، إنه الجوع ، وها رائحة الأرغفة الشهية تستفز إحساسه ، كان لا بد أن يغادر مكانه . البقاء هنا يعني الانتحار جوعاً ، هذا الحي قريب من محطة الحافلات العمومية و سيارات النقل المشترك ، أفواج كثيرة من الخلق تدخل المنامة صباحاً ، لن يعدم الوسيلة في الحصول على لقمة هناك.
للاحتياط لثم وجهه بغتره قديمة كانت في حقيبته و مشى . المحطة مزدحمة كالعادة و هذا هدير محركات الديزل و الناس تصعد و تنزل تثرثر تأكل تتمازح . هناك عند كافتيريا المحطة بالإمكان تسول شطيرة و كوب شاي بالحليب . دقائق قليلة وجاء الخير ، ليس من المهم من يتعطف عليه وما هو شكله ، المهم أن تسكت لبعض الوقت هذه المعدة المحتجة . جلس في ركنٍ قصي من المحطة ، استعجل لقيماته حتى أنهى إفطاره المتواضع ، وكمن يحدث نفسه ..
( حتى نعيش لا بد من الخطر ، تعالوا وخذوني لكن لن تصلوا إليّ أبداً ) !! ( ما أنا هذه الفزاعة التي عهدتموها ، تقف مستكينة و مهللهلة ، أنا هنا يا ملاعين أحمل منجلا في وجه الريح ، مستعد لكم لا أحد يجرب حتى .. إياكم الاقتراب ) ؟!
فكر فيها الآن مضطراً ، المحطة ليست المكان الأمثل ، بالأمس فقط حدث كل شيء ، الرجل ربما مات . هكذا وجد خطواته تمضي بلا رغبةٍ منه لكن .. طرق بابها و مرارة كريهة تصعد في حلقه . جاء صوتها مستفسراً بقرف واضح وقبيح ..
نعم ، من عند الباب ؟
أنا ..
من يعني ؟ لا أستقبل أحد الآن ، تعال فيما ..
هذا أنا منصورة افتحي الباب الله يخليك .
ذاكرتك خرفانه عارف ؟ طردتك آخر مرة ، ماذا تريد ؟ والله ما عرفت غير المشاكل من ورائك مع أخوك هاني الكلب ، الحرامي الـ ..
افتحي الباب منصورة ، أنتِ تغضبين من كل هذه الدنيا ولكن أنا غير !
خلاص خلاص ، ينقصني بعد تبكي كأنك حرمه .
أغلقت الباب ثم أخذت تمضغ علكتها التي لا تفارق فمها ، شفاه مرسومة بعناية عليهما علامات التبرم والقرف و عينين غير مرحبتين فيهما غرور و حقارة أصبحت سافرة و متوحشة أكثر من أي وقتٍ مضى . جلست إلى طاولة بلاستيكية أنيقة وعليها شرشف قطني مزخرف ببعض الورود . قشطة و عسل و بيض مقلي و شاي و زيتون ، مغرية هذه الجلسة ، فقالت ببرود يعكس عدم ترحيبها :
حياك ، ما تحتاج دعوة مني ، لا أستطيع وضع لقمة واحدة في جوفي وأنت واقف بغباء هكذا تحدق فيّ ، تعال ( إنبطن * ) .
أكلت في المحطة من نصف ساعة ، شبعان . الله يغنيك منصورة .
إيه شبعان بس يمكن من أي مزبلة ! الناس لا تفرق بينك و بين ( السنانير – القطط ) .
لهجتها عدائية وكريهة تجعل الدماء تغلي في عروقه ، لكنها الآن أفضل ملجأ مؤقت ، الشرطة تبحث عنه الآن ، مليون في المئة لن تترك مكاناً إلا و تجري تحرياتها ، وبعدها يرجع إلى تلك الجدران الجحيمية اللعينة و رجال ضخام البنية يثبتونه على سرير معدني بارد ، طالما حقنوه بسوائل غريبة ، لا يزال يعتقد أن مفعولها مستمراً في تدمير خلايا رأسه المتبقية ! لن يمكنهم من إرجاعه إلى هناك ، لا ، لا ، لا . الانتقام من هذه المغرورة لا فائدة منه الآن ، يشعر الآن بتراكم التعب في جسده .
أريد أن أنام ، متعب يا منصورة .
تنام ، لا حبيبي ، أصلا أنا قبلت بك من قبل لأن أخوك الزفت دفع مبلغ محترم ، أنت بشكلك القبيح و هذه الفوضى مستحيل أغبى وحده في العالم كله ، لا يمكن تنام معك ، ولا تحلم حتى تضاجعك !
فهمتيني غلط .. أنا تعبان بس ، أريد أن أنام وحدى ، تلك الحجرة هناك تناسبني ، حتى لو لم تشغلي المكيف .
اذهب اذهب لا ينقصني وجع رأس من الصباح أربعين دقيقة بس وبعدها تعرف طريق الباب ، عندي شغل ولست بطالية مثلك.
منصورة لم تعامليني كأني حشرة ، على الأقل اعتبريني معرفة وتقدمين لي خدمة بسيطة لا أريد منك أكثر .
معرفة ؟! معرفة لا تشرف ولا فائدة منها .
رمقته بنظرات أكثر استفزازاً واكتفت بالصمت وهي تأكل . الحجرة بها مرتبة قطنية ( دوشق ) وبعض الأشياء المخزنة في علب كارتونية ، المرتبة نظيفة فأرتاح عليها محاولا النوم ، لكن أي راحةٍ هذه هنا ، ماذا لو وشت به منصورة . يعرف كيف تفكر هذه الأفعى ، من الخطأ اختيار هذا المكان ، هذه حركة غبية قد يدفع ثمنها غالياً .
ماذا لو ... طرق خفيف على الباب الخارجي ربما ، هذا أكيد . نهض من مكانه و زرع عينة اليسرى في ثقب القفل ، المفاجأة أنه الحاج مرزوق ! هذا العجوز المتسكع أحد زبائنها ؟! ها هو يجلس إلى مائدتها وهي تتغنج أمامه .
فكرت أمر عليك يا حلوة ، كأنك تتوقعين حضوري اليوم ، كل هذه الخيرات تنتظرني ! ( لمس ثديها وهي تأوهت بقبح ) .
مثلك حاج مرزوق هههههه تدخل و .. تحرق الأخضر و اليابس ، والله أنت مؤنس ، بس لا يكون بعدك تفكر في زكية .
تركتها ولا شأن لي بها ، نفسيتها مريضة مثل صاحبها المجنون عارف ، ألوووو ما وصلك الخبر ؟
كل الأخبار عندك يا أبو الأخبار.
عارف هذا المخبول ، أعتدى على مفتش البلدية ، المسكين يرقد في السلمانية ، لحقوا على الرجل قبل ما يذوب مثل الملح .
عارف معقول ..! هذا عارف يخاف يحذف حصى على سنور في الشارع معقول يضـــ ..
واحد مجنون تخرج من مستشفى الأعصاب ، أو لا تدرين منصورة ، من قبل ولعها نار في والده المسكين ، ها هو مرمي في دار العجزة .. هذا واحد خطير. أنتم ( البحارنة ) هكذا تعملون أشياء ، البلد صارت مقلوبة أكثر بغضبكم والله يستر .
حاج مرزوق خلنا حبايب أحسن ، أنا لا شأن لي بالبرلمان و لا حكومة منتخبة ولا تجنيس سياسي ولا شهداء ، آخذ بنصيحة هاني أحسن لي . خذ وقتك عندي على أحسن ما يكون ، ادفع حسابك واذهب ! آه ه ه ه لا يكون أنك صرت ( بلطجي ) تشتغل مع ..
أنا يا منصورة تظنين فيّ هذا الظن ؟! واحد فقير مثلي أطحن عمري من الصبح ، معقول ( بلطجي ) أنا لا أحب (........) مثلكم ولكن .. يعني كل واحد ( سني ) ضروري يصير جاسوس على الشيعة !
ما أثقلك حاج مرزوق ، مهلك مهلك لا تأكلني ، ماذا بك ولعتها نار ؟ المهم خليك من هذا الكلام تعال .
الفاسقة .. توشوش له سراً ما ، مؤكد أخبرته ! من الغباء اللجوء إليها ، لا فرق بينه الآن وبين فأرٍ في ورطة المصيدة ينتظر حتفه ، الإعدام غرقاً في الماء المغلي أو حرقاً ( بالكيروسين – الكاز ) كما كان يفعل والده عندما تقع بعض الفئران في قبضته ، يتسلى بتعذيبها ويتلذذ بسماع أصواتها الحادة وهي تلفظ أنفاسها ، خصوصاً عندما يتفقد بعض التلفيات التي تحدثها في البيت ، فيجن جنونه ، متهماً الجيران الذين يصدرون تلك المخلوقات القذرة بسبب قمامتهم ! ما عساها تفعل الآن هذه الملعونة ؟؟
لا يستطيع سماع كلمة واحدة مما تقوله ، ولا يستطيع مغادرة الحجرة ، وها هما يبتعدان عن الطاولة ثم يختفيان .. ويحل صمت مريب .
(( 18 ))
ضحك ودخان سيجارته يتفرق من منخريه ، من وراء طاولة مكتبه الفخم ..
لا لا يا حبيبي ، المواضيع التجارية لا تدار بهذه الطريقة ، اسمك جديد في السوق وتحتاج لخبرة ، طبعاً هذه الخبرة لا أحد مستعد يعطيك إياها بالمجان و .. اسمح لي سأتركك ، عندي اتصال ضروري ، مع السلامة . نعم نعم تكررين الاتصال وكأن مصيبة حصلت ، سهام أنا عندي أشغال ولست متفرغاً لكم .
ولا حتى متفرغ لأخيك ، حتى الآن لا تدري ؟ ألم تقرأ الجرائد اليوم ؟
قلت لكِ من قبل ، عارف أنا متبرىء منه ، أحد يقبل أن يكون أخوه متشرد ومتسول ، كل الأهل نسوه ولا أحد يسأل عنه ، لا توجعي رأسكِ ، اتركيه في جهنم .
أعرف أولا ماذا حصل ثم قرر ، عارف من دمنا و لحمنا ، وأنت إن لم ..
قلت لكِ لا أريد أن أتدخل من أجل هذا المخبول ، أنا قرأت الخبر ، ماذا أفعل ؟ هو ورط نفسه ومع من ؟ مع موظف حكومي ومن ( السنة ) ! والبلد لا تتحمل اليوم ، عندنا كتاب جرائد مهووسين طائفياً سيحولون الحادث لاعتداء طائفي و الأصعب أن ..
هاني ، هذا أخوك ، خلاص الشرطة قبضت عليه ، يعني .. عليك أن تتصرف .
ماذا أفعل يعني ، أقنع الناس أن أخي في كامل قواه العقلية ؟
وكّل محامي ، أستخرج من مستشفى الطب النفسي شهادة تثبت أن أخوك ..
اللعنة اللعنة .. هو مجنون ومليون في المئة مجنون ، لا يحتاج شهادة رسمية ولا .. سأرى الموضوع . سهام هذا يكفي ، رأسي تكاد تنفجر .
أقفل هاتفه الجوال و رمى به على سطح المكتب ، يفكر الآن في دواعي سهام من وراء هذا الاهتمام بعارف . هذا يؤكد شكوكه السابقة ، سهام تسعى لمصلحتها الخاصة بكل تأكيد ، هي كأنثى لا حصة مؤثرة لها في إرث البيت لو .. نعم نعم ترتب وضعها منذ الآن ، ليكون لها نصيباً دسماً ، والشهادة التي تريد استخراجها من أجل عارف ، في النهاية هي المستفيدة منها ، وذاك المهبول خارج الدائرة .
ليكن خارج الدائرة ، هذا ليس مهماً ، لكن .. يقلب الأمور في تفكيره محاولا قراءة إصرار سهام على إنقاذ وضع عارف . ( إيه يا سهام .. تعتقدين هاني واحد سهل كي تضحكين عليه ، تتسللين بغدر ولكن ليس على هاني ، أنا متيقظ لكِ وأعرف فيما تفكرين هههههههههه لا لا لن تأخذي الكعكة وحدكِ ، تصرف هاني وأحسم الموضوع ، فإذا فات الفوت لا ينفع الصوت . ويا عارف ، لا أدري كيف سماك أبي بهذا الاسم وأنت لا تعرف شيء من هذه الحياة ، تعفن في سجنك ، لا شأن لي بك ، هنيئاً لك ورطتك ، خلينا نرتاح منك و من همك ) !
# # #
سجن ، غرباء ، وعواصف تقتلع من أديم روحه كل شيء جميل ، بدئاً من شعور البدوي الذي يسكن أعماقه متذوقاً حرية التجوال ، وصولا إلى اختناقاته هنا من الخوف ، أشياء لا يعرفها تختبىء في الظلام منتظرةً الانقضاض عليه بغتة ، هو يستشعر رائحتها فقط . مثانته محتقنة بالبول وهذا الازدحام الكريه على المرحاض الوسخ يفاقم عذابه الآن . كل الوجوه هنا تجتمع على أوجاعٍ مختلفة . الوجع هو في النهاية وجع أينما نشبت مخالبه في الروح أو الجسد ، فاتورته لا بد وأن تدفع !
هو يعرف مقدار شرها ، تفكر في مصلحتها فقط ، ترمي كل من هم خلفها في الطوفان . الملعونة أقفلت الباب و ذاك العجوز العاهر اتصل بالشرطة . حجرة الاعتقال تستعيد هدوئها ، لكن هذه الفزاعة تظهر هكذا دائماً فجأة كما يحلو لها كيما تنغص عليه و تستفزه ..
هه أخيراً أصبحت رجلا وعرفت كيف تغضب كبقية خلق الله ، ما رأيك في شهوة الانتقام ؟ لحظة صعود (الأدرينالين ) للرأس شيء مدهش و مختلف ، تجعلك بطل . يا مسكين ، ليس عيباً أن تنتقم ، حسناً فعلت ، ذاك المفتش المغرور أخذ جزاءه . تعرف ؟ لو أن كل هؤلاء الشياطين التي أذاقتك العذاب طوال الأعوام الماضية ، وجدت ما يردعها لما تطاول عليك أحد . لما كنت دائماً تلك الشاة التي يأتيها قدرها ، مستسلمة لذئبها في الدقيقة و الثانية والساعة و اليوم و الشهر و العام تسلخ أكثر من مرة ! مهلا .. متضايق مني ؟ أريدك أن تتضايق ولكن عليك أن تسمعني . أنا رفيقك الوحيد هنا ، سبني كما تشاء ، لن أتركك . هنا أنت جربت .. لهذه الدرجة كانت التجربة سيئة ؟ جاوبني ولا تسكت يا اخرق . تعلم أن ترد حتى و لو بوقاحة ، لا تخاف من أحد ، الكثير من الناس اليوم تردعهم الكلمة الشرسة الحامضة الملتهبة بنار غضبك فقط لو جربت . لا تخيفك أشكال هؤلاء ، في كثير من الأحيان ، ضخامة المرء لا تعكس شخصيته الحقيقية ، تعتقد أنه وحش ولكنه يبتعد عن طريقك و يحسب لك حساب فيما لو كشرت عن أنيابك ، تكتشفه بعدها من يكون ! عليك أن تكون جريئاً ، تعلم كيف تكون شريراً وجرب بعض المعاصي ولتحتفل مع شيطانك ولتترك مثلك التي .. أنت فقط جرب يا أهبل عليك اللعنة ، ألا ترى كل هؤلاء معك ؟ كل واحد له قصة ، هذا العجوز عن يمينك . تشفق على حاله معتقداً بنواياك الساذجة أنه مسكين ! أتعرف ؟ هذا العجوز واحد نصاب وحرامي ، يقتنص الطيبين و المغفلين ، مستعد لأن يحلف بكل مقدس في سبيل الفلس ! ذاك جهة الشرق ، أتعرف أنه يبيع المخدرات لطلبة المدارس ؟ كلهم هنا مجرمون ، المرء يجرب حظه ويقتنص لقمته من فم الموت والمجهول ، هكذا هي الحياة . أنت ماذا تعرف في حياتك غير التسكع في الشوارع ، تأكل مثل البهيمة السائبة و تنام في أي مكان ، تقرأ و تقرأ ، ماذا تعطيك هذه التفاهات أو تغير فيك . جرب شيء آخر قبل أن .. ستموت يا غبي ولم تتذوق طعم الدنيا الحقيقي .
وهل التلويح في الفراغ ينجح ؟ عبثاً يرقص أمام عينيه خيال الفزاعة ، عبثاً يحاول تسكين هواجسه ، ها تنفرد به الآن في مساحات الظلام التي يخشى السير في دروبها . أخيراً غادر شبح الفزاعة الكريه بعدما استباح وحدته . كلما جاء الشرطي كي يأخذ أحد النزلاء ، ظن أنه التالي ، ما هو شكل حجرة الضابط ؟ كيف ستكون حالته المزاجية ؟ الصورة الوحيدة التي يعرفها ولا تزال عالقة في خياله ، مشهد الضابط المصري في مسلسل رأفت الهجان ، يشعل سيجارته بهدوء ويخاطب العسكري بسخرية .. ( وضبوه ، يمكن يحرم يلعب بديلوه ) . ثم يخرج رأفت ثانية كي يعرض على الضابط وقد امتلأ وجهه بالكدمات و تؤشر عينه اليمنى عن لكمة قوية أكلها و رغم ذلك يضحك ! كانت مشاهد رائعة ولكنها في نفس الوقت تؤرقه الآن ، كأنه شاهدها للتو وهو واقف عند أحد متاجر المنامة التي تبيع الإلكترونيات ، تعرض خلف الواجهة الزجاجية للمحل ، شاشات تلفازية كبيرة . يتذكر الآن سحر المشاهدة لكنه على وشك تلقي .. كيف سيبدو الضابط المناوب ؟ أي حجة الآن تصلح لتبرير ما فعل ؟ أيعقل أن يعلن لهم أن المفتش رجل يستغل زيه الرسمي و.. هذه تهمة جد خطيرة تقترب من المحرمات السياسية في هذا البلد .
تباً .. لم يصل إلى شيء . هههههههههههه ، رأفت الهجان يضحك عنده الآن ! يحوم في خياله اللحظة ، يقف بجانبه وقد أخذ يتفقد بعض كدمات وجهه على مرآة صغيرة ، يضحك وكأنه يختبر شيئاً بسيطاً عابراً ، يحك رأسه أو يبحث عن ولاعة سجائره ثم يقول : ( تعيش وتاخد غيرها ، هونها وخليها على ربك يا بلدينا ) ! يتثاءب وقد تسلل إليه الخوف مرة أخرى ، الحيرة تضرب عقله وتضرب حواسه ، ليس غير تخيلات مرعبة تتقافز في مساحة الحجرة ، ماذا يفعل كي يغادر مساحة البياض المتصحر في داخله ؟ منصورة اللعينة كأنها هذه الساعة من يشمت في وجهه وهي توجه أصبع سخرية وقحة ، يا لهذه المساحات المتصحرة التي تغزو روحه ، كيف تأكله الآن ؟! لا يفلح في تغطية شيء من برد روحه وهذه الغربة تجهز عليه ، أي عالمٍ هذا الذي يقيد تحليقه الحر ؟
يتثاءب من جديد ، متعب من دوامة هواجسه ، أخيراً يسرقه النوم ..
(( 19 ))
وقفت منصورة في فناء بيتها الصغير ، تنظر لثوب النوم الوردي الشفاف يلهو به نسيم الصبح ، اللعنة .. كيف نست أن ترمي هذا الثوب ؟! هي أقسمت أن تحذف هاني من ذاكرتها ، لا تريد هداياه كلها ، فرن المايكرويف و الساعة و عقد الألماس ، ستبيع كل شيء يذكرها به ، مثلما فعلت بأشياء ( المرحوم ) . خسرت المبلغ الذي .. هذا اللص ، عن طيب خاطر وافقت على تسليمه المبلغ رغبةً في استثماره . ما كانت تدري أنه يبيت لها مصيبة ، طار المبلغ ولا فائدة الآن من اجترار غصص الندم !
على الأقل تستطيع بيع عقد الألماس لتعوض بعض خسائرها ، ما عادت ترغب في هذا الحي ، أصلا حتى العمل هنا أصبح صعباً .. جميع أحياء المنامة يستوطنها الآسيويين ، باتت لهم مناطق تمركز يمارسون فيها أنشطتهم ، العجيب أنهم يغلقون بعض الشوارع و الطرق في عطلة نهاية الأسبوع ، اللعنة على هذا الوضع التعيس و ما أسخف بعض الزبائن حينما يستنكفون عن دفع أجرة الـ ... يقارنونها بأي خادمة آسيوية هاربة تتجول في أحياء هؤلاء الأغراب كي تبيع لحمها بأرخص ثمن ، آخرهم طلب منها تخفيض المبلغ نظراً لغلاء الأسعار !
سارعت تخلع عنها القميص ، بعدما استبدلته رمت به فوق بلاط الحوش ، سكبت عليه بقايا زجاجة كحول تركها آخر زبون ثم أشعلت شهية اللهب ، تاركةً إياه يحتفل ، هاتفها يرن .
كشرت عن غضبها وتمنت لو تنشب أظافرها في وجهه وهي ترد :
نعم يا وجه النحس يا حرامي ، ماذا تريد ؟
توقعت مجرد سوء تفاهم بيننا منصورة ، خسارة خسارة أنا العزيز الغالي تفعلين معي هكذا ؟!
صدقت روحك ، أنت لا تستحق أحد يحترمك ، و.. تعرف قميص النوم الوردي الذي أهديتني إياه ؟ هو أمامي الآن أشعلته ولو كنت أنت مكانه ..
أوف يا حلوه ، غاضبة ومستعدة تحرقين بلدة ، لست سهلة منصورة ، المهم أعصابك أنت لا تحترق !
لا شأن لك بي هل تفهم ، تف عليك و على أشكالك !
أغلقت الهاتف وهي تشتعل غيضاً ، مرت لحظات وهي لا تعرف ما تفعل ، هاني خدعها وأستغفلها بكل سهولة ولا تستطيع أن تنال منه ، كيف تفعل وهي لم تستمسك ضده بشيء ! اللعنة على الثقة العمياء التي وقعت في مستنقع غباوتها فكان ما كان . رجعت إلى حجرتها ، المرآة تكشف كل إحباط وجهها ، صباحها هذا تكدر صفوه وبات كريه المنظر و الطعم ، لا تشعر حتى بالرغبة في الخروج لقضاء بعض الحاجيات رغم أنها التاسعة صباحاً فقط .
فكرت أنه مر عليها وقت طويل لم تتصل بصديقتها زكية ، على الأقل تتسلى قليلا ، هي لا تريد أكثر من تسليةٍ عابرة مع فتاة تعتبرها غبية وتصدق كل كلمة تقال حتى وإن كانت مجرد مزحة ! اتصلت وها جوالها لا يرد ، تأففت ثم تخلت عن المحاولة وجلست يعاود زيارتها طيف هاني وهو يضحك ساخراً منها وكأنما هو هنا يحوم في المكان يطاردها !
ستنتقم منه ، بحثت في هاتفها عن رقم تعتقد الآن أنه الشخص المناسب ، دقائق حتى جاءها صوته ..
نعم يا منصورة .
حاجي مرزوق ، لا تسأل ولا تتصل فقط عندما تزداد الحكة في ( ........... ) تأتي عندي محترق ولهفان وكأنك ما رأيت خير في حياتك .
مشاغل الدنيا ماذا أفعل ؟ مشتاقه لي أكيد هذا ما جعلكِ تتصلين ، أعرف أنا هذه الحركات .
زمت شفتيها تتقزز منه ، أصلا هي لا تحبه وتجامله لا أكثر ، لكنه بلا شك الشخص المناسب لكي ينفذ مآربها ..
تعال عندي اليوم ، طبعاً في الليل ، أنا أخاف على سمعتي أكيد ، موضوع صغير نتكلم فيه و .. أبشر بالخير !
منصورة أنتِ من الجن أو الإنس لا أدري ؟! تجننيني والله ، الساعة ثمان ؟
ملهوف يا ملعون .. لا ، التاسعة أحسن ولا تستبخل هذه المرة ، العشاء على حسابك ، دجاج شيش طاووق مضبوط و طبعاً بيرة أمستيل هل تفهم ؟
ههههههههههههه إيه منصورة السهرة حلوة ، خلاص كما تحبين ، هناك بعد شيء آخر ؟
سلامتك يا مرزوقي لا تتأخر باي ي ي ي .
# # #
قرفصت على سريرها تموج بها أفكارها في كل الجهات ، تقرأ ساعة المنبه في غير اهتمام بانتصاف الليل ، تحاول تفسير ما حصل وقد حاصرتها الأسئلة . هي لا تدري من أين ظهر فجأة ؟! عارف .. السر أو اللغز ، هي لا تعرف أي توصيف يناسبه ، لكن ما الذي دعاها إلى التقوقع في حيز الصدمة هكذا ولم تشكر في سرها هذا الشهم المسكين ، لما جاء يدافع عنها ؟
مفتش البلدية كان محبطاً ، جاء كيما يفرغ أوساخ نفسه المشبعة بالكراهية ، هي أدركت ذلك من نظرته المليئة بالاشمئزاز و القرف ، هو تقصد استهدافها مستغلا صفته الرسمية . ما أقبح الإنسان عندما يكره أخوه الإنسان فلا يتركه في سبيله أو عقيدته حراً ، يستجلب عليه كل ألوان العذاب ، فقط لأنه لا ينسجم معه !
وهي صبية ناحلة تعرف كيف تكون خارطة الكراهية في عين أحدهم ، مهما كانت مسحة المجاملة الخداعة ، تتذكر الآن عمتها . على سفرة الغداء كيف كانت تحدق فيها وهي تلم الرز في راحة كفها الصغيرة ، عندما تغص باللقمة ، تلعنها و تدعو عليها بأن يقصف الله عمرها كي ترتاح من مسئوليتها ، معتبرة أنها هي سبب عنوستها في البيت و حظها التعيس !
يا لتلك النظرة .. نظرة نافذة من الحقد تشتعل ناراً ، تتذكر الآن بؤس تلك الأيام ، حيث كانت تعتقد أنها أشقى الناس ، تتحول حياتها إلى جحيم لو سقط منها صحن خزفي في المطبخ . عمة ساخطة من كل شيء ، تنتقي أسلوب العقاب حسب مزاجها المظلم الشرير ، كنس حوش البيت من أوله لآخره أو النوم بلا عشاء ، لكن الأسوأ عندما تتشفى منها باحتجازها في الحمام ، لا تفتح لها الباب إلا من بعد أن تتأكد من بريق المرحاض ! ما أصعبها من أيام تصرمت محملةً بالألم و الدموع و الوجع الذي لا يفارق مخيلة طفلةٍ تنام في داخلها ، لا تنسى اليتم . المفتش كان يحمل ذات النظرة ، أبداً هو جاء إليها حتى ينتقم و يتشفى فيها . شكراً عارف .. لقد داويت شره ولكن .. كيف عساك الآن تخلص نفسك من الورطة التي وقعت في حفرتها ؟؟ وكأنه خفقان شيءٍ ما تهجسه الآن وتحار في التفسير ، ربما هي مشاعر متضاربة ، هكذا تنبثق من لهفة العطش الذي يغطي الروح ، طال ظمأها . عارف يا من تسكن الجوف المحترق من أقاصي الروح ، جمراً لا يخبو أواره ، هي ذي الأيام لم تخيب ظنها ، هو هكذا نقياً وقف في وجه الظلم وأنتصر على ضعفه .
ما أكثر الناس الملوثة بحب ( الأنا ) ، عارف مختلف ولا يشبه كل هؤلاء ، ينتصب في قحط هذا العالم مثل شجرة خضراء ، تكاد الآن تلامس ندى روحه وتقرأ سطوره الداخلية التي يحفظ سرها ، ترغب الساعة في معرفته أكثر ، هو أكثر شيء يهمها الآن و الأيام القادمة . هواء بارد يجتاحها وشيء عصي على التفسير يراقص احساسها الأنثوي .
ما من داعٍ للخوف ، عارف موضع ثقتها ، قد أظهر شهامته واكتفى بالهرب حينما حاصره الفزع ، كان مضطراً ولكن يبقى رغم ما فعل ، إنسان رائع تحلى بالنبل ، أغرق نفسه من أجلها ! الأرجح أنه .. تتمنى في سرها لو أنه تماماً على ذات الخارطة من الإحساس وفي قلب الموضع ، يتفق مع تضاريس روحها وهي تشتهي الفوران ، تتشقق كما بركان حبٍ و رغبةٍ لتغادر عقدتها النفسية في الخوف من الرجال ، تريد أن تكون شيئاً آخر . تلك العمة العانس صورة أرشيفية تداهمها في يقظتها أو منامها وتذكرها أنها على نفس الدرب ، وأن الله سيبتليها بذات المصير !
لا يغادر تفكيرها منذ تلك اللحظة ، بدل الدوران في متاهة التفكير بلا طائل ، الأحسن أن تسأل عنه في أقرب مركز شرطة . ليس مهماً أي صفةٍ تدعيها أمام الضابط كمبرر للسؤال عنه ولكن لا بد أن تفعل . الاطمئنان عليه كواجب أخلاقي يريح ضميرها قليلا ، ربما تنجح أو تفشل ، لكن هذا سيكون عزائها الوحيد ، هي ورطة صعبة أوقعته فيها ، فكرت في حمل بعض الفواكه ، وضعت صحن هريسه ، جمعت كل الأشياء التي خطرت في تفكيرها ، استعدت لمشوارها ، كان لا بد من حركةٍ ما مهما كانت صغيرة ، قد تبدد قلقها المتراكم . عارف مقطوع عن عالمه ، من سيسأل عنه أو سيهتم بشأنه ؟ تطلعت زكية لمحيط الشارع تترقب أيما سيارة أجرة ، لم يطل بقائها حتى وجدت ضالتها .
مركز شرطة وسط المنامة ثم منطقة النعيم ثم العدلية ، ها تبخر الوقت و عارف لقمة سهلة البلع في فم القدر ، لم يفصح أحد عن مكان وجوده أو يؤكد شيء ؟! انتابها القلق أكثر وغاصت في ظلمة أفكارها ، ترتسم أمامها أشياء .. تخاف من مجرد التفكير فيها ! هي ذي مرةً أخرى تسقط في دوامة التساؤلات الكابوسية لا تعرف بعد إلى أي مكان تأخذ شتاتها ، يتوسع في صمت نحو الفراغ . أكثر ما كان يخيفها في وحدتها ، الفراغ الذي يبتلع حتى أحلامها البسيطة ، هو ذا عالم قاسٍ تقف أمامه كما يفعل عارف . ذات نهار تحدث وكأنه يهذي ، مصوباً نظراته نحو أسفلت الشارع ، لكنه كان ينزف : ( كم أكره حياتي هذه ، أحياناً لا أعرف نفسي ! أحياناً أخرى يمر عليّ شعور مختلف ، أنا ( باشا أو مهراجا ) في قلبي فرح العالم كله ، حراً أنا لا يشبهني أحد ، حتى لو مت ، قصتي ستتحول لأسطورة شرقية ، ربما أصبح أكثر شهرة من ( جلجامش ) أو ربما في مثل نجومية ( كلينت أستيود ) . حياتي سلسلة من الهزائم لا أعرف في ضبابها من أنا في هذه الغابة أمام كل الشياطين التي تحاصرني . نعم شياطين تلبس أثواب الطهارة والتقى والزيف والخداع ، أنا هنا محاصر في علبتي الداخلية ، أخاف أن أتلوث مثلهم فأتحول لمجرد رقم مكرر . ما وجدت صديق يفهم جنوني العقلاني ، غير كتاب ٍ أتجول فيه ، هو كل عالمي الجميل والمثالي ، ههههه على الأقل هذا الكائن الورقي اللطيف لا يتأفف مني ولا يزجرني ولا يستقرف من رائحتي أو يشتمني كيما يتسلى وحسب . مرات كثيرة لا أبالي بأي ضفةٍ ينتهي بي الأمر ، سأكون مرتاحاً لو تركتني الناس أعيش حراً دونما نصائحها المزعجة ، أنا هكذا وأريد أن أعيش كما في قناعاتي ، ولست مجبراً على إرضاء الناس من حولي ، لو فعلت سأفقد ذاتي مني وتصبح غريبةً عليّ .
ربما أنا الوحيد في المنامة المتصالح مع أحلامه المهزومة البسيطة المضحكة الحمقاء ، أي مرآة هنا أو هناك تصطاد خيالي ، أكرهها ببساطة ، لا أريد رؤية هذا الآخر الذي يحدق فيّ بتحدٍ أو وقاحة ، كلما شاهدته تشاءمت منه ، خيال يجلب ظهوره عليّ الحزن ! لكن رغم ذلك أنا لست حزيناً ولا يهمني أن يخبرني أحدهم بأني كذلك ، سأصنع فرحي ولن أقف عند مشارف اليأس . هذه رأسي مصدر كل شقائي وما ألاقيه ، اليوم الذي أموت فيه ، ستتحرر كل تلك الأشياء المعتقلة بالداخل وتنتهي إقامتها الجبرية . أحب الحياة و أكرهها ، لكثرة ما قرأت يستبد بي وجع العمر ، محبوس أنا في عنق الزجاجة ، لست مفقوداً ولا مولوداً ، لا أملك لنفسي مخرج من نهاية الزقاق الذي وجدت نفسي فيه ، لأني أنا .. تضيع مني ( أناي ) هل قمت بجلدها أم هي من جلدني ؟! أعطيتها ما تريد أم هي أخذت مني ما تريد فتركتني هيكل فارغ و مشحون بالعذاب الذي يرتضيه صاحبه و حتى يتواطأ بقبوله صاغراً . ما همتني هذه الدنيا كثيراً ، كسرة خبز عندك زكية أو في أي مكان آخر ، سآكلها قانع النفس لسد جوعي ، طمع الناس كيف يزداد ما داموا يعرفون أن النهاية حتمية ؟! لا أدري إن كانت روحي مريضة لكني لا أجمل الأشياء المحتضرة و القبيحة يا زكية ) .
تتذكر .. آخر جملة قالها قبل أن يتوقف ، نهض من جلسته ، نفض عن ملابسه غبار الطريق ، حمل حقيبته وسار بهدوء غير مكترث بشيء . ها هو أذان الصبح ينطلق لينتشلها من فيضان أفكارها المتلاحقة . الاستعداد ليوم عمل جديد ، تعرف ما تفعل ؟ وتعرف كيف تسحر الفتيات الصغيرات بطعم الذرة المسلوقة بطعم الزبدة و المبهرة بالفلفل و الملح . ليت عندها ملح لجروحها .. لكنها تعرف طريقةً ما ، عارف في قلب إحساسها ولن تتخلى عنه . كيف يتخلى المرء عن شخصٍ ما أكل معه عيش وملح ؟ سيكون المشهد مربكاً لحواسها لو تمكنت من رؤيته مسجون ، لكنها ستحاول وهذا ما عزمت على فعله . هناك بعض الجلبة في الشارع ، تفقدت من نافذتها ما يجري ، أحد الهنود يقوم بتنظيف بعض السيارات في الحي ، إنه ... نست اسمه ولكنها تتذكره جيداً ، كان يقود دراجته ، يقترب من مدخل الحديقة ويعطي عارف جرائد ومجلات قديمة . لا ، لا بسرعة نفت الفكرة من رأسها مستبعدةً أن يعرف هذا الغريب شيء عن عارف . واضح أنه خسر عمله بطريقةٍ ما ، الكثير من الهنود في هذه الحالة ، لا يتورطون أبداً و لا يحتار بهم الدرب ، يعرفون كيف ينحتون أنفاقهم في كبد الحياة كيما يستخرجون الفلس و الدينار . يا ترى أي مجهولٍ يحتويك عارف ؟ تشرق شمس المنامة . هي ذي تسأل نفسها من جديد عن مصير عارف .
وكما هي سيرة كل يوم ، يتزاحمن عليها أثناء انتظار حافلة ( tata ) الهندية التي تقلهن إلى المدرسة ، تحضر أطباق كثيرة من الذرة الساخنة وتشاهد كيف يتراشقن بالمزاح والضحك وتلك التي تتحدث عن ولد الجيران الذي غازلها وهذه التي يتودد إليها زوج أمها و .. و.. وقصص كثيرة يحاصرها ضجيجها ، لكنها تبقى مشغولةً بضجيج قلبها الخائف ، يشاكس صمتها ويستفز بداخلها تساؤلات كثيرة تعشقها روح الأنثى التي تسكنها ، كل طالبات الثانوية مشغولات بقلوبهن الصغيرة التي تتنفس حريق الحب المراهق الأول ، هي أيضاً أنثى مثلهن وتشعر بنفس حرارة الشواء اللذيذ الذي يداهم الذاكرة و الشم و الذوق و السمع حينما يكون هناك رجل . رجل تسلمه ضعفها ويا ليتها لو ..
يعم الهدوء رويداً على المكان ، تهدأ الحركة في الحديقة ، فقط بعض الزوجات الآسيويات يتجولن في الحديقة أو يمرجحن أبنائهم ، تعود تطأطـأ رأسها نحو الصمت ولا رغة لها حتى في عد حصيلة كدها اليومي ، تعرف هي بالتجربة أن المبلغ المتحصل في أحسن الأحوال لا يتجاوز بضع دنانير من القطع المعدنية ، تعدادها ممل كهذه الحياة ، تحتشد بصفرة الاهتراء والغربة والحزن .
نفضت عنها مشاعرها السلبية وانتصبت واقفةً أمام طيف التعاسة المتغطرسة ، رجعت لشقتها بالرغم من توجسها الخوف وكل تلك التوقعات التي داهمت تفكيرها القلق على عارف ، لكنها قررت مرة أخرى تفقد أمر هذا المسكين لدى مركز شرطة باب البحرين ، رجحت في ظنها أن تجد الآن ضابط آخر عله يتعاون وتحل في قلبه الرحمة فيفصح عن شيء ذي أهمية . فقط مرت حوالي خمسة عشر دقيقة وهي هنا تعتب باب مركز الشرطة ، كالمرة الأولى شعرت بالخوف ، فهي لا تحب مثل هذه الأماكن ويستقر في ذهنها رعب القصص التي تسمعها بين وقتٍ وآخر عن المعارضين السياسيين الذين ينكل بهم أو يعذبون بالـ .. خافت حتى من مجرد حديث أفكارها الداخلية ، ماذا لو تمكنوا من استراق السمع ؟!
وجدته أمامها جالساً خلف مكتبه وقد وضع جانباً قبعته العسكرية وأصابعه تحرك قصب السواك ، بالكاد رد السلام في تثاقل ، مما حداها على التشاؤم وعبث المحاولة فسألت :
عندكم هنا واحد .. واحد اسمه عارف المظلوم ؟
لحظة خليني اتأكد .
حمدت ربها في سرها أن وجدت هذا الرجل ، هيئته لا تعكس شيء إلا صورة نكده عن النموذج المتخشب للشرطي العربي كأنما هو صورة طبق الأصل عن الشاويش عطية في أفلام اسماعيل ياسين ، لكنه على العكس تماماً فسبحان الله . تنحنح قليلا ثم توقف عند حافة الدفتر متأرجحاً أو متردداً يريد أن يقلب الصفحة وليس بعدها إلا البياض الفارغ ثم قال :
موجود في .. لكن ما صفتك كي تسألي عنه ؟
ابن خالتي و مسكين .
هذا مسكين ؟! المحضر هنا عندي ، أن قريبك حاول قتل موظف حكومي لا يزال راقد في مستشفى السلمانية ، يعيش أو يستقيل من هذه الدنيا لا ندري . عموماً .. قريبك موجود في مركز شرطة الخميس ولم يحول إلى النيابة العامة بعد ، هه خدمة أخرى أختي ؟
شكراً لك ، جزاك الله خيراً ، سؤال أخير ، تعرف اسم الموظف ، موظف البلدية المصاب ؟
تناول ورقة و دون عليها اسم الموظف وسلمها بهدوء ، ثم عاد ينظف أسنانه ويسترخي في جلسته . أما هي فغادرت سريعاً وها شتلات الأمل تتبرعم في مراعي قلبها يخفق فرحاً ، حققت شيء صغير على مسار تعبها وتمكنت من اختراق حالة العجز التي ضغطت أنفاسها وكثفت غيوم الحيرة حولها ، ها كل شيء ثقيل ينزاح عن صدرها ، تعرف الآن الخطوة التالية . كان عليها أن تتحمل زحام الأجساد المتعرقة في حافلة النقل العام ، لما وصلت المستشفى ، صدم نظرها احتشاد العسكر عند البوابات الحديدية ، يفتشون سيارات الناس و نواياهم وهواتفهم وحتى أحلامهم ، ومن تقتنصه زبانية الشؤم والكراهية يقتاد بسهولة من المكان ، كل شيء هنا قابل للتفتيش وكأنما كهنة الملكة الإسبانية إيزابيلا في حمى البحث والصيد ، عادوا يبحثون عن العرب من أجل تطهير الأندلس ، الفرق هنا أن هؤلاء القوم بلباس مختلف فقط ولكنه ذات الدور ، حيث حمى التطهير والكراهية والطائفية تستعر وتأكل في قلب الوطن يكاد يسقط في قبضة هذا الظلام الشره الفاجر الملعون . فماذا عساها تفعل هذه اللحظات ؟
لا تدري كيف مرت منهم بسلام ، العسكري الواقف عند البوابة لم يسألها في شيء ، لكنه بدا بوجه متضايق وهو يرمقها وحتى لم يكلمها ، فقط كان يشير بيده مستقرفاً ، كي تمر فحسب ، هذه أول مرة تكتشف مدى فائدة وجهها القبيح ! هذا أفضل من أن يعرف ذاك الجلف الأجنبي أن هويتها شيعية ، لو كان طلب بطاقتها الشخصية ، حيث لا يؤمن جانب هؤلاء ، يحرقون البلد و يتغنون بحب الوطن و يتشدقون بمحاربة رؤوس الفتنة وحفظ الأمن و.. لا تريد أن تشغل تفكيرها في شيء آخر ، بسرعة دخلت إلى رواق المستشفى الرئيس ، وبالسؤال عرفت مكان الرجل .
فقط انتابها بعض الندم ، من اللباقة لو أنها اشترت بعض العصائر أو حتى علبة حلاوة حتى لا تدخل على مريض ويدها فارغة ، تقبلت ورطتها في التوقيت الضائع وحشرت جسدها مع الناس في المصعد . هي ذاتها المستشفى ولم تتغير كثيراً ، آخر مرة كانت هنا منذ سنوات مضت ، الآن لا تدري كيف أستيقظ غبار الذاكرة من رقادها ، جاءت هنا برفقة بعض النسوة تزور عمة السوء ( مدينه ) ارتفاع في الضغط على أثره رقدت لأسبوع فقط ، ثرثارة متبرمة لا يعجبها العجب ، لا تكف عن غيبة من تعرفهم و من لا علاقة لها بهم ! وقت الزيارة ثقيل ، كانت لا تكف عن طلباتها .. الفواكه في صحن الضيافة غير نظيفة كفاية ، قلمي أظافر قدميّ ، إنهما تؤلماني من البارحة دلكيهما ، شعري يابس ادهنيه بزيت الورد ، لعنك الله أما وصيتك أن لا تنسينه و .. و .. و ..
حتى وهي مريضة مزعجة ولا تحتمل ، تختلق بعض القصص المفبركة عنها أمام صديقاتها فيضحكن عليها ولا تبخل بعضهن بالتعليقات الساخرة التي تشعل في إحساسها نيران الغضب ، ثم يترمد ذاك الإحساس لتتصالح معه مؤقتاً فقط ولكنها لا تنسى أيام العناء تلك قبل أن تقرر الفرار من جدران جحيمها . أربع سنوات مرت ، ماذا فعلت الأيام بتلك الشريرة ؟ ينتابها الآن تأنيب ضمير يزورها مذكراً إياها أنها قاطعةً للرحم ، تحاشت التفكير في هذا الخاطر الذي يقتحم يومها ، استيقظت لتجد نفسها أصبحت وحيدة في المصعد . فرقت غيوم هواجسها وأفكارها و سألت أول مكتب استقبال عن .. بحثت عن تلك الورقة التي تحوي اسمه ، هز موظف الاستقبال رأسه مؤكداً وجود المريض بالاسم على شاشة الكومبيوتر ( مرجان خالد الدحسامي ) حجرة 22 ، وفي الحال قصدت الحجرة .
الستارة نصف مفتوحة ، هو نعم ولكن هذه المرة بدون زيه الرسمي ، صفرة تعلو وجهه بلحية بيضاء تكشف عمره الحقيقي ، وكان يتسلى بسماع شيء من هاتفه الجوال ، ثم تنبه لها . متفاجىء أو غير مرحب و ربما مرتبك .
السلام عليكم مرجان ، أجر و عافية ما عليك شر ولا مكروه .
تحسس الضمادة التي تغطي رأسه ، عله يحاول الهرب من شيءٍ ما أو يحاول انتزاع ذكرى بغيضة ، لا تعرف تماماً كيف تقرأ ملامحه ، لكنه تدارك الموقف وقرب مقعداً بلاستيكياً نحوها داعياً إياها للجلوس . أربع باقات لا يزال وردها طرياً كانت تشاركه مساحة مرضه ، تخفض بصرها أمامه ، يساورها الآن ذنب ما حصل و يتشابك في ذاكرتها كل ارتباك الحادثة .
أهلا بك زكية ، ارفعي رأسك . أنا من عليه أن يخجل من نفسه ( سكت فجأة ) .
الموقف الـ.. أعتذر منك أو أعاتب نفسي ، أو .. لا أدري ماذا أقول لك ؟ لكن الموقف ماكان بالامكان تفاديه .
الملام الوحيد في هذه القصة أنا ! زكية .. قبلك الكثير من خلق الله ، آذيتهم ولم أهتم ، أنا .. أنا لا أحب الشيعة . أحس بالقهر منكم ، يكفي أن مصائب البلد هذه الأيام أنتم السبب فيها بس .. أنا عـ ..
أخ مرجان ، ما جئتك حتى نتكلم في السياسة أو إن كنت تحب الشيعة أم لا ، أنت يعني ستصاهرهم ؟ في النهاية كل مشاكلنا هي على مركب واحدة ، أما أن ننجو معاً أو نغرق معاً . ولو أن الكبار فهموا المشكلة من الأساس لكان هناك .. أدعوا ربك يفرجها قبل أن يحل علينا الخراب ، أنا آسفة لما حصل لك .
تتأسفين بالنيابة عن واحد مخبول ؟!
سامحت عارف ؟ تنازلت عن القضية ؟
تضيعين وقتك مع أمثاله ، أنتِ حرة ، ولا دخل لي في أي شيء بينكما ، عارف قريبك ؟
نعم ، من بعيد ، و..
هذا واحد مشرد ،طوال عمره ضائع ، واحد .. كل المنامة تعرفه . ماذا ستقول عني الناس ؟ ارفع قضية ضد مجنون ؟!
شكراً يا أخ مرجان ، رحم الله والديك .
بالمناسبة ، عندما أصير أحسن و يصرفني الطبيب من هنا ، أول شيء أعمله ، سأحصل لك على ترخيص كشك صغير تسترزقين فيه ، فلا شيء مضمون ، يمكن أي موظف رسمي آخر يستعرض عليك عضلاته في المستقبل ويكون أفضل مني و ... ههههههههههه . أنا غلطان في حقك ، هذا الذي صار كان درس أو عقاب لي من الله ، الواحد لا بد من أن يرتب حساباته ، هذا لا يعني أني رديىء ، لا تفهميني غلط .
يا أخ مرجان .. الـ
لا تهتمي ، أعرف بماذا تفكرين ! مسألة بسيطة بالنسبة لي ، سأسهل لكِ ترخيص الكشك ، بما أنكم مضيق عليكم في كل شيء ، مثلكم أنا ابن البلد واعرف رائحة الدود الذي يعيث في بطنها . فقط عندي شرط واحد صغير ، نرخص الكشك باسم ( أبو وليد ) .
الله يحفظه لك ويتربى في عزك .
ذكية ، عرفتي أنه ابني ، و .. أوه عندي زوار !
نهضت في الحال ، أومأت برأسها تشكره من جديد وغادرت المكان ، تتهجد في داخلها قراءة أخرى لما كانت تعتقده أنه حقيقة ، ما أكثر تطامننا وتسليمنا لكل تلك الرؤى التي تمر في وجداننا ، هناك فرق بين القشرة الخارجية و حقيقة الباطن المتواري عنا ، مرجان إنسان طيب في داخله ، لكنما هناك شيطان آخر يتلبسه في قسوته مستغلا ضعفه . لكن القشرة الخارجية ما كان لها أن ينكسر عنادها المكابر لولا مجيء عارف .
سعيدة الآن بكل هذا البهاء الذي يغمر روحها ، مجدداً انطلاقات الأمل ، ها أمامه واحات خضراء ، سوف تستقبل شتلات الحلم ، مهما كان صغيراً سيكبر ، مهما كان الطريق طويلا ، سيختصر المسافة ويبلغ المراد ، الأيام القادمة ستكون أفضل حالا ، هكذا جملت بستان تفاؤلها ، كأنما بمواجهتها أرض جديدة تختبر عزيمتها .
الآن بات بالإمكان تخليص عارف من مأزقه ، هذا شعور أفضل يغمرها بالرضا عن نفسها ، خطوات صغيرة ستنفذها ويصبح حراً ، لن تتوقف عن ما بدأته ، صبح الفرج آتٍ يا عارف ، كأنها أغنية شجية النغم تتردد في داخلها الساعة .
(( 20 ))
دم ، عرق ، صراخ يتسول الرحمة ، ركلات تحطم الأضلاع ، شتائم داعرة تشوي كرامة المرء على صفيح المذلة و.. آه ه ه ه ه ه ه ه . ما هذه الأشباح الـ .. هو أصلا لا يراها ولا يشعر ببصره ، غمامة سوداء تحجب النور . إحساسه واحد ومتكرر هنا ، طحن الألم نازلا على روحه من الأنبوب البلاستيكي ، يعربد قبيحاً في أي بقعة من جسده ، مع كل ضربة تتزعزع الروح من برجها لتعتفر في هذا الجحيم يأكلها اشتعال العذاب ، ما عاد يحتمل الآن .
هو ذا توقف ، الرجل الغامض ، ( ابن الـ ..) الآن فقط عرف أنه مسجون عن حق ، حرية ذاك الغجري السارح في فضاء الحياة غير عابيء بشيء و المتجول على تخوم القناعة و الجوع حيناً والراكض في مساحة الضحك والفرح الزائف حيناً آخر ، كل هذا مجرد دخان يتبدد في الهواء ، فاسد هواء الحرية المزعومة والمعلنة في الخارج . أحقاً تعيش هذه الوحوش وتأكل وتتنقل ، تضحك و تلهو و تتناسل ؟! وحوش بشرية مغلفة ببريق خارجي كاذب ، هي ذي تنهال عليه مرة أخرى بالضرب ، كل ألفاضها مشبعة بالكراهية حتى آخر الحدود .
يسمع صوت سحاب البنطلون ! يهجس اللحظة شيئاً ما ، لكن لا يعرف من الظلمة شيء غير ضحكة هازئة لأحدهم حيث هكذا فجأة تغزو وجهه ثم جسمه ، عفونة البول !! و .. دفعة قوية تطيح به وهو مقيد بكرسيه ، صوت ارتطامه بالأرضية الأسمنتية يزيد من تكسير ضلوعه المكسرة أصلا . يباغته صوت هذا المجهول الذي لا يزال يطلق ضحكته الساخرة :
يا (......) هه . مستعد تتكلم ؟ إياك تغلط أو تدعي الجنون ، هنا يا حبيبي ، عندنا تخصص لكل الحالات المستعصية . أنت مكشوف ومصادرنا تعرفك ، سهل علينا و على نفسك ، هيا سمعني أحلى موال ، من معك في عصابة كتابة الشعارات و منشورات الفيس بوك ؟ أنت واحد منهم ، تسدون الشوارع بالإطارات المحروقة ، حرقتم البلد عساكم تحترقون و.. تكلم أحسن وإلا أذقتك طعم جهنم .
البصقة في الوجه مسمار ! كل خليةٍ الآن ترتجف في جسمه ، ماذا يجيب هؤلاء وكيف سيقنع الضابط ، الضرب حطم صبره على التحمل ، مشلول لا يسمع شيء هذه الساعة . هؤلاء ليسوا عصابات الشارع من مراهقين أو ثملين ، قد ينجح في مراوغتهم أو يهرب بعض الوقت . هؤلاء شيء آخر ، حكومة .. آه ه ه ه ه كيف سيتصرف ؟ تركض إليه كل جيوش القلق و الرهبة ، ثانية صمت سيعقبها المزيد من الضرب ، صبرهم قليل ، لا بل هو معدوم أصلا ، أنهم بالطبع ليسوا من سكان المدينة الفاضلة ولا دخل لهم بمقولات الفلسفة و الجمال ، لكنهم بكل تأكيد يحبون طقوس السلخ ويعرفون بالخبرة ، أكثر ما يحطم صبر أي نزيل عندهم ، ما أحلى ضيافتهم العربية الأصيلة ؟! ما أحلى هذه التهم التي .. هم مخطئون أكيد أو يمكن اشتباه في موضعٍ ما ، الأمر يحتمل تفسير منطقي ، لحد الآن لم يحاسبه أحد على ضرب ذاك المفتش ! مستعد أن يقبل يديه أو رجليه وليأخذ وجبة أخرى من الضرب ولكن بلوى السياسة في هذه البلد ، ورطة عويصة ، حتى لو كان المرء يحمل فوق ظهره جلد سلحفاة ، فلن ينجو من السلخ .
# # #
في أزقة المنامة المغسولة بالمطر ، رائحة التراب تنفذ إلى مسام الروح ، فما أحلى الجري واللعب ، ما أحلى ( مصاميص الفراولة * ) تلون الشفاه بالفرحة و الضحك ، من هذا الدكان إلى هذا الآخر ، اللعب لا يعرف برودة الجو ، قلوب صغيرة ترتع وأرجل هزيلة ، بعضها عارٍ في حمى اللعب البريء و.. خوانةً هذه الذاكرة تتبخر منها الكثير من التفاصيل ، عجز عن تذكر أي تفاصيل أخرى . لولا فسحة الهدوء المؤقتة ما تمكن من تجميع شتات تلك الأيام ، مضت و تركت خلفها بقايا طعمٍ سكري عالق في الوجدان تتشبث به النفس في هذا الجحيم لا يبرد أو قد يطول لظاه أكثر مما يتوقع !
يعرف .. يعرف أن للمصائب طاقة شحن تصمد أطول من طاقة الفرح التي تستنفذها نفوسنا الظمآنة ويذوب طعمها في فم القدر أسرع . يعرف أن هذه الوجوه المسكينة التي تشاطره شقاء السجن تعيش الغربة والامتحان و الألم ، الآن زاد ذكريات الطفولة وبعضاً من لحظاتها الجميلة هي زورق نجاة تبحر به بعيداً . هوذا هناك في زحمة الطابور المدرسي ، أشار له مدرس اللغة العربية أستاذ ، أستاذ .. لا يتذكر اسمه الآن ، لكن له قبضة خشنة كادت تسحق أصابعه الضئيلة ، طبعاً فكل طالب يهمل تقليم اضافره ، عليه يقع العقاب و التأنيب ، وليتحمل أو لا يتحمل طعم المسطرة الخشبية التي تجلد رؤوس الأصابع حتى لا يعود صاحبها إلى النسيان ، هي ضريبة كريهة يكره دفعها كل الطلاب . لكن أستاذ اللغة العربية ذاك ، ذي الوجه الأبيض الشاحب واللحية الحليقة ، يتذكره كيف كانت أصابعه وسخة ، هو أصلا لا يكترث بتنظيف اضافره ، فكيف يكلف بمراقبة الطلاب المساكين وتأنيبهم ، عدا إحراجهم العلني والعقاب المجاني في حقهم ! يومها كان صديقه عبد الكريم يقف بجانبه ويتناول ذات الوجبة ، فهمس في أذنه : ( والله العظيم سأنتقم منه لي ولك ، وجهه يشبه نرجيلة أبي سوف أعملها فيه ) ! عبد الكريم ، ولد عنيد ، يتذكر هذا جيداً فقد قام بتحطيم مرآة السيارة الجانبية وكسر أحد مصابيحها ، الشرير فعلها و نفذ انتقامه .
يتذكر كيف صرخ فرحاً يومها ، هو أيضاً لم يكن يحب هذا المعلم المتغطرس ، تذوق ضربه مرات كثيرة داخل الصف أو في الطابور ، كأنه لعنة على طلاب المدرسة ، حتى و هو يشرح الدرس مزعج بصوته الذكوري الخشن و الكريه ، كيف سمحوا له بأن يصبح معلماً وهو هكذا ؟؟ ثم ها تأخذه ضفةً أخرى من ضفاف الطفولة ، كان يوم جمعه وكان يمشي وسط سوق المنامة يسلي نفسه بمشاهدة ما لا يستطيع شراؤه ، ملابس ملونة وألعاب غريبة من بلاد الدنيا مغلفة بالنايلون يلعب فوق سطحها البراق شعاع الشمس ، كما تلعب وقتها كل حسراته الظمآنة ، ما تستطيع أن تهبه شيء غير سذاجة الحلم المباح ، يتبخر سريعاً من مخيلته فحسب ، فمن أين له أن يشتري ؟! هو أكثر بؤساً من الطفل الإنجليزي ( أوليفر تويست ) فقط يسلي يومه ثم يعود للبيت خائباً ككل مرة .
لكن وجود هذه الأجنبية الشقراء الشابة تمشي أمامه مشغولة بنظراتها السياحية المستكشفة ، وهي تحمل أكياس تسوقها غير ملتفتة ، تسقط منها حقيبة يدها ، هو من ينقذ الموقف ، هو من يهرول سريعاً إلى غفلتها ، أصابها الذهول ، فشكرته على الأغلب بكلماتٍ لم يفهم منها شيء . شجعته أن يأخذ مكافأته وهي تحدق فيه بعينين زرقاوين لا يمكن لرائيها أن ينساهما .
ما عساهُ يتذكر وأي شيء بعد .. تلك الأيام الماضية ، يتمنى في سره أن يستعيدها ليهرب من جحيم المكان ، وكيف ذلك ؟ هنا رفيقه عبد الغني من قرية السنابس ذي القامة الطويلة والذي ينام في الطابق العلوي من السرير الحديدي فوقه مباشرة ، يسمع شخيره فلا ينام ، يقول : غلطان تضرب واحد منهم ، هذه لحيتي أحلقها إذا ما ورطوك في إعتداء طائفي ، خلاص يا حبيبي موضوعك عندهم باي باي ، أهم شيء أن تصمد و إياك تعترف ، نحن أبناء الحسين ( ع ) لا نرضى بالظلم ، أصبر يا صديقي ، لو صارت كل جيوش الدنيا معهم ، يكفينا أن جبار السماوات معنا . يسمعه وهو ذا متورط في فجوات الوجع ، كل فجوة بمساحة الجرح ، وطن يزداد تعباً ، أي وطنٍ مجبول على الحزن يسربله الظلام هنا ؟ يا كل شياطين الخبث والدجل و البغاء ، الأرض طاهرةً تنزل عليها بركات السماء ، فلا خبز لكم فيها.. آه ه ه تعب يا دنيا !
هو ذا عبد الغني يستأنف سيمفونية شخيره ، يربك تسلسل حبل أفكاره ، جرته بعيداً ولكنها الجدران الكئيبة ذاتها التي فارقها منذ قليل ، يعود إليها كسير النظرات ، الحزن ينهش داخله ، هو حزن فرانز كافكا وشبح الانتحار يلازمه ، هو حيرة زوربا عندما يتسلى بآلة السانتوري كيما يطرد غربته ، أو شارلوت برونتي تتسلق ذرى الألم متجرعةً يتمها لا اخضرار في طريقها الوعرة . ألم قبيح الوجه ينتهك خلايا روحة يجلده كما الحلاج ، يرحب بموته راضياً بقضاء الله . هي ذي كل أرواح السطور التي قرأها ، تحضر الآن ، لا أحد يستطيع صرفها ، ستقدم العون المعنوي حتى يرمم ما لحق بروحة من جراح ، هو سيعرف همهماتها لا شك ، بل هو الوحيد هنا من يفقه لغتها . تتحرك على خشبة مسرحها وكل واحد يتقمص دوره ، حتى يبعدون عنه غيوم الحزن . برودة تسري في عروقه ، تهدأ أنفاسه وكذا هواجسه ، يغلق الستار بعد انقضاء وجبة العذاب ، هو ذا النوم يأتي أخيراً ، أخيراً لهذا الجسد راحة يهنأ بثمالتها كأحسن شيء متاح لحد الآن ، لم يصادره الجلاد بعد!!
(( 21 ))
سهام ...
تكلم هاني .. أحس أنك تحمل خبر لا يطمئن ، بلوى والله يستر .
عارف خلاص أكلها ولا أحلى من ورطته الصعبة .
ماذا تعني ؟ أنا قلت لك أذهـ ..
سهام أفهميني .. توقيت أخوك الأهبل هذا صعب ، قضيته تحولت إلى اعتداء طائفي ، الضحية في الموضوع تنازل عن حقه ولكن لا فائدة ، القضية دخلت فيها بلوى السياسة و .. تعرفين نحن العرب الأمة الوحيدة التي تسيس كل شيء!
وماذا أيضاً هاني ، تلعب بأعصابي .
...................
لا تتخلى عن أخوك ، أنت تعرف ماذا يحصل لكل واحد يتورط في السياسة ، البلد تحترق ، فاليكن في الشارع أو على الرصيف أو أي مكان ولكننا نعرف أنه بخير إلا أن يكون مسجوناً لا نعرف عنه شيء .
تعرف .. تعرف أن أمك أمس كانت تسألني عنه . تقول أن قلبها مقروص عليه ويمكن آذاه أحد ! ماذا تنتظر ؟ وكّل له محامي .
يعني أنتظر أوامرك السامية ؟! هذا أخي مثلما هو أخيكِ أيضاً . ولو أن المحامي أخبرني بأن الوضع في البلد متخربط و الأحكام القضائية صارمة على الجميع و يمكن ..
أخي عارف لا شأن له بالسياسة .
قام من مكانه وأقفل باب مكتبه وأسدل الستائر ، عاد فجلس ثم أخذ يحدق في سقف الحجرة ..
عارف يمكن يأكل خمس سنوات سجن هذا الأهبل ، تعرفين هذا أو أشرح أكثر ، غير هذا لقب عائلتنا يوضع عليه إكس أحمر عند الحكومة .
هه .. ولماذا لا تتكلم بصراحة هاني ، مصالحك يا حرام أكيد تتضرر ، أنت اليوم مورد ورق لمطبعة الحكومة وخائف لا يقطعون عنك المناقصات .
لا تستفزيني سهام ، كل واحد ينظر لمصلحته ، قلت لك أن هذا المجنون سيورطنا بجنونه ، خلينا نرجعه للمستشفى ولكن القلب الحنون و أمي المسكينة التي تفكر في ولدها . هي ذي النتيجة ، هيا تصرفي وحلي الموضوع .
....................
تأكد أنها محاصرة في زاويةٍ ضيقةٍ ولا تملك رداً ، المحادثة مملة بالنسبة له ولا وقت لديه لإضاعته في الكلام عن عارف ومشاكله ، ذهنه مشغول بأمر آخر ، هناك مهمة حساسة لكن لا بد من انجازها قبل فوات الأوان .
أتركك الآن سهام ، عندي هنا ضيف سيدخل المكتب ، اتصل فيما بعد ، مع السلامة .
# # #
هي ذي مهمته التي تعب في التخطيط لها ، كان من المناسب أيضاً مشاهدة بعض المسلسلات الخليجية ، قدحت في عقله الفكرة التي يبحث عنها ! أوقف سيارته الفارهة في مواقف دار العجزة ، على بعد خطوات فقط ويصل إلى مبتغاه ، الفرصة تهرول إلى المرء مرة واحدة ، كغبار النيازك المتساقط من السماء في كف رجلٍ محظوظ ، رجل واحد فقط يصل إليه . أخذ يقلب الأوراق التي عنده ، يضحك في سره . يعرف الآن ، هي مبادرة صغيرة وحسب ، هذا العجوز ( الـ .... ) آثر ترك مسافة بسيطة ، رقعة من الرمل وسط محيط كرهه له ، لا بأس بأن يترك له حيز من الاحترام ، سيقبل رأسه كما يفعل أي ابنٍ بار بوالديه .
يتذكره بوجع الآن ، وليت الوجع ينمحي ، كل زوابع غضبه تنصب على طفولةٍ هشةٍ تعلمت مواجهة الألم بالمزيد من التمرد . ذات مرة .. كم هذا مؤلم . أي أب يسعى لكي يزرع الفرحة في قلوب أولاده ، إلا هذا الرجل المخسوف ، كان الحلم صغيراً ، دراجة و لا فرق إن كانت قديمة ، ما من شروط لكي يحصل عليها ، لكنها ستفرح قلبه المشتاق للمسة حب و حنان من جفافه الصحراوي . لو أنه حصل على تلك الدراجة آنذاك لكان هذا جميلا ، كان سيتجنب بعض السخرية من أطفال الحي ، حولوه لبصقه يضحكون عليه و..
ذكرى كريهة الطعم ، تذكرها مزعج الآن . خربش فوقها محاولا الهروب من فخها ، ذاك ماضٍ تعيس واستحضاره لا ينفع في شيء . ألتفت إلى سيارة الإسعاف تصدر نفير طارىء وهي تخرج من المكان ، بسرعة أقفل سيارته ودخل لكي يستعلم الأمر . الحدس الذي راوده في مكانه ، أخبره أحد الموظفين بأن والده يعاني هبوط شديد في الضغط .
فكر الآن في الموقف ، ربما تتبخر الفرصة التي خطط لها ! لا بد من خطة بديلة ، كم هي كريهة هذه المصادفات القدرية ، أخذ يلعن في سره ما حصل ، ها فسد كل شيء ؟! لو يموت الآن والده لربما .. كل شيء مرتبك الآن فوق رقعة الشطرنج التي يلعب فوقها باطمئنان ما عاد موجوداً .
غادر المكان حانقاً ، يفكر في تعديل مزاجه المتعكر ، بعض الضغوط النفسية التي تطارده لا يستطيع الفكاك منها لكن لو ارتاح قليلا ربما يعرف كيف يحسن التفكير لتجاوز المطبات الماثلة أمامه ، المرء عندما يرغب في شيء لا بد أن يقاتل في سبيله .
توجه إلى مكتبه ، هناك حيث يرتب فوضاه الداخلية . مزيد من التعقيدات التي لم يحسب لها حساب ، طوال الطريق وكل تلك الأمور تشغل تفكيره ، لكن حسم أمر الكعكة لن يكون صعباً ! ركن سيارته بسرعة ، أقفل باب المكتب وشرع يتدبر أي مخرج يجنبه الخسارة ، هذه الحياة إن لم تكن فيها الرابح ، فلا تجعل غيرك يسجل أرباحه فيها على حسابك ، هكذا هي المعادلة ببساطة . قام فشغل الغلاية ، كوب قهوة بالحليب سيعيد له تركيزه . رفع سماعة الهاتف ..
آلو ، أينك ، اتصلت أمس ولم تجاوبني ، ثلاث مرات وكأنك ميت ، أكيد سكران أو عندك مصلحة أو ( ............. ) .
أنا دائماً مظلوم ، حتى لو أحرقت أصابعي شمع لك يا هاني ، لكن ما أعاتبك و..
حركاتك هذه مكشوفة حاج مرزوق ، هذا الكلام لا يفيدك في شيء ، تفهم قصدي طبعاً ؟
على عيني ، حاضر لك ، عرفت منها الخطة ، بس لازم تراعيني في الـ ..
تكلم مضبوط ولا تراوغ أحسن لك .
منصورة طلبت مني أستأجر ( جنغلية ) من الشارع حتى يباغتونك في أي مكان و .. تعرف !
أم م م م ، واضح أنا غلطان ، منصورة ليست سهلة بالمرة . ماذا قالت أيضاً ؟
طلبت مني أن .. أن أحرق سيارتك حتى أحرق قلبك عليها مثلما أحرقت قلبها على فلوسها و.. سبت طائفتك كلها بكل ما عندها من ألفاض وسخة ، كانت سكرانة ، فقط لو رأيت شكلها . أنتم ( البحارنة ) عندما تختلفون تحرقون بعضكم بلا رحمة .
أترك عنك هذا الكلام الماسخ ، راقبها فقط وخذ أتعابك ولا تهرج ، تريد زيادة تكلم ؟ لكن لو فكرت تخونني سأ..
عمي هاني .. أنت كريم و أنا واحد فقير ، شكراً شكراً الله يخليك ، أنا معك فقط . واضح مقهور منها وترغب في الانتقام ، أنا أيضاً لا أحب عجرفتها و غرورها ، على ماذا مغرورة لا أدري ؟
أنت لا تتدخل في أموري ، مفهوم ؟ لا أدفع لك حتى تهرج مثل عجوز خرفان . غداً تأتي للمكتب و تستلم من الموظف أتعابك ، أدلف لا بارك الله فيك من شيبه.
عاد ثانيةً يفكر في والده ، يتذكر أنه ذات مرة سمع كلمة منفلتة من فم أحد كبار السن ، كان يجلس في قهوة شعبية ، قال : ( الوارث كلب ) !! وماذا يعني ؟؟ فليكن هو ذاك الكلب ولا يفوتنه شيء أو يكون آخر من يتحرك في التوقيت الضائع ، الخطة سوف تتم ، أي تأجيل سيعطل كل شيء ، حس الصياد الماهر إن لم يمتلكه المرء ، يتحول في هذه الحياة إلى طريدة بائسة .
( جنغليه ) * لفظة عامية تعني شباب طائش ومنحرف له سوابق جنائية .
(( 22 ))
ها تتعرى أمامه المفاجأة .. أستغرب وجودها في هذا التوقيت ، يعرف بأنها لا تحبه بالرغم من أنه والدها . كانت تحمل وردتين مغلفتين وتضحك ، أكيد أن وجودها هنا ليس لمجرد الزيارة وحسب ! هي ذي بالفعل ترمقه بنظرات ماكرة .
أكيد أنتِ هنا من أجل الـ ...
أخي العزيز هاني ، اعترف ولو هذه المرة أنك خسرت ، لا أنت ولا عارف ولا حتى أمي ، لكم نصيب من البيت ، الموضوع انتهى يا أخي وكل شيء مسجل على الورق بالقانون !
........................
أدري أنها مفاجأة من العيار الثقيل ، ثم يا أخي أنت لا تحتاج شيء من ورث أبونا ، عندك استثمارات وخير ، أتركني أستفيد ، من حقي أراعي مصالحي و ..
كان الطرق متواصلاً على باب المكتب ، جال بنظراته في المكان وتأكد من تبخر الحلم الكابوسي الذي سلقه على حين غرة ! قام يفتح الباب فوجدها أمامه ترتدي عباءة مزركشة كحال ( الشيلة ) تنحسر عن نصف شعرها المسرح ، مغري كما يحلو للأنثى أن تسحر به أعين الرجال ، غير المصوغات الذهبية التي تزين ساعديها والعطر الفواح ، منسجماً مع حقيبة جلدية فاخرة أنيقة الخطوط .
لا تكن عديم الذوق ، على بابك وحده محترمة لا تدعوها للدخول ؟!
آسف .. إنها المرة الأولى تزورني في المكتب وحده محترمة مثلك منصورة !
هه ، مقبولة منك يا شيخ هاني ، صرت من الكبار في البلد ، لا نقدر عليك .
لا تتمسكني منصورة ، أسلوب الاستهبال هذا مكشوف عندي ، اختصري الموضوع ولا توجعي رأسي ، عندي شغل .
ستة آلاف دينار التي أعطيتك إياها لتستثمرها في البورصة ، إرجعها وبعدها لا أعرفك ولا تعرفني .
لا أدري لماذا لا تصدقيني ، فلوسك ذابت في البورصة ، بنوك كبيرة في البلد خسرت بالمليارات ، وأنتِ تتكلمين عن ستة آلاف دينار !
عارف أحسن منك . صح أهبل لكن قلبه طيب ولا يؤذي أحد ، لو خلق من جنسه الكثير في العالم ، لكانت الدنيا بخير .
ما شاء الله ، منصورة صارت تتفلسف علينا ، خصوصاً من بعد دخول الكنيسة ، متوالية بحب آل البيت ، شيعية غيورة ، تعجبيني أحسن ما يكون هههههه .
أصير مسيحية أو بوذية ، أنت بالذات لا شأن لك بي ، أغير ديني أو مذهبي ، أ أ أ أنا حرة هل تفهم ؟ أنت ما هو مذهبك ؟ لغة الفلوس فقط .. أنت شيعي بالاسم يا حبيبي ، قلبك أسود تركض وراء مصلحتك.
هذا الكلام لا فائدة منه ، أعطيك الآن ألفين دينار والباقي على دفعات .
أستلم فلوسي بالتمام ، هذا شرطي .
أخذ يفكر في طريقة لهجتها الهادئة ، كان واضحاً مدى ثقتها من نفسها ، ماذا تخبيء هذه الملعونة ؟ ماذا لو أن الحاج مرزوق بالفعل ، يلعب على الحبلين ، يقبض منها ومنه ثم يضربهما في الظلام و يهرب ؟!
كان يوم أغبر ، ليته لم يعرف هذه المنحرفة الماكرة ، كيف السبيل إلى إقناعها الآن من أجل تفتيت عنادها المستحكم ؟
سارح ، تفكر في المصيبة التي عندك ؟ لا أريد أن أكون ثقيلة على أحد لا يرحب بي ، أعطني حقي و ينتهي الموضوع . على فكرة .. سمعت أن هذه الأيام كل من يقبض عليه كأنه في جهنم !
تشتكين عليّ ؟ عندك الطريق واسعة .
هههههه . سمعت عن أخوك عارف ؟
لو يحكمونه خمس ، عشر سنوات يكون أحسن له من تسكع الشوارع ، أخي التعيس هذا حياته لا فائدة منها بالمرة .
تصدق ؟ إلى الآن أتذكر الشرطة عندما جاءت للبيت وأعتقلته ، أنهالوا عليه ضرباً ، أحياناً يؤنبني ضميري ولا أدري لماذا فعلت ما فعلت .
بالعكس .. قدمتي لي خدمة منصورة . المهم يكون عارف بعيد ، أبي اليوم أو بعده يموت ، لازم أرتب وضع الورث ، لو ضاع الـ .. أحتاج اهندس كل حركة وفي التوقيت الصحيح . خلينا منصورة حبايب وخذي المبلغ والباقي أعطيك وصل أمانة بتوقيعي ما رأيك ؟
لأني لا أسعى للمشاكل ولا ينقصني وجع رأس منك أو من غيرك ، وافقت .
نصف ابتسامة على وجهها الجميل ، لكن لا يبدو فيه شيء من براءة النفس حينما تكون طاهرة ،ابتسامة تغلف هذا القناع وحسب . تتمسكن لحال عارف هذه المنافقة ولا تدري أنها مكشوفة ، منذو متى العاهرة يستيقظ لها ضمير أو قلب ؟! حتى رائحة عطرها فاجرة متهتكة في مثل دمامة طبعها ، كم يكرهها ويرغب في الانقضاض على هذا العنق الطويل المغرور . مضحك ، كم هذا عبثي .. سلسال من الذهب يزين عنقها عليه لفظ الجلالة !! يذبحك الله و يخلدك في نار جهنم يا مجرمة يا ملعونة ، مثلك لا يجلب إلا المتاعب . يحدق فيها وأحشائه تصاب بغثيان يداهم أعصابه ، كيف يتحمل جلوسها ها هنا ؟ لكن لا بأس ، المرء لا يمكن له أحياناً أن يصل إلى أهدافه بدون قفازات قذرة . سيتحملها على أية حال ، هكذا حتى .. فتح درج طاولته وأخذ دفتر الشيكات .
منصورة اتركي عنك الجوال وخرابيط ( الوتس آب ) واسمعيني جيداً ، أنا فكرت خلاص ، ستأخذين فلوسك و زيادة ولكن أحتاج منك شغله .
هذا لا يضر ، كل شيء بحساب هاني . أنت واحد تعرف كيف تمشي الدنيا ، المصلحة و بس ! عن عارف أكيد .
أتركي عنكِ هذا الأهبل ، موضوع غير ومهم ، أنا متأكد أنكِ أفضل من يقوم بهذه المهمة ههههههه .
# # #
يلهث عبد الغني من الحر ويكاد يمزق قميص السجن وهو يحدق كالأبله في الجدران ..
حر ، حر ، سأموت عارف ، أنا متأكد أنهم يتعمدون ترك هذا المكيف القديم المهلوك دون تغييره ، طبعاً هم يستمتعون بهذا الشواء الصيفي الذي ينزل على أبداننا بلا رحمة ، حر . ألست مثلي حران ؟
هذا حر الشوارع الذي تعودت عليه أعوام طويلة، أنت لم تجرب حياة التشرد .
لا أريد أن أجرب شيء ، اللعنة ( صرخ ) حرام عليكم سنموت من الحر يا ( ..... . ) !
عبد الغني ألست خائفاً ؟ الآن ستوقظهم ، محاكمتك قريبة و ستضاف إليك تهمة سب رجال الأمن ألا تفهم يا غبي ؟!
يعني ماذا سيفعلون ؟ سأسب الطيب منهم ، أنت حاكموك أيضاً بتهمة ملفقة و .. محاكمتك كانت أمس أو أنا نسيت ؟
أول أمس ، ستة أشهر سجن ، إفراج بعدها و ربما هه ، يسلموني لمستشفى الـ .. كرهت هذا المكان عبد الغني . ، ذاك المستشفى جحيم لا يطاق ، يحقنوني بأدوية تدمر عقلي و تتغلغل لتشوه روحي ، لو جربت لكرهت حياتك صدقني .
ستفرج يا أخي عارف ، لا أحد يزورك ، معقول ؟! أين هم أهلك أقرباؤك ؟
ما عرفتني بعد ! لست بحاجة لأحد ، فقط أريد أن أغادر هذا المكان التعيس . طير يسكن روحي يريد التحليق و جناحيه مكسورين .
أما أنا فأحتاج .. أحتاج زوجتي . هذه معلومة خليها عندك ، متى ما رأيت أحد هؤلاء الحراس الأغراب يبتسم في وجهك ومنشرح النفس ، تأكد أنه قبل أن يأتي ، فعلها ولا يزال الوخز اللذيذ يدغدغه ! هـــه يتكاثرون كالدود في البلد ، همهم علفهم من فوق ومن تحت ، الواحد منهم يجعل زوجته مفرخة أطفال . تتحدث لي عن الثقافة ؟ ومن يفكر في الثقافة يا أخي ما دامت ( الـ .........) توظف ضدنا الجهلة واللصوص والقتلة ؟!
عبد الغني ، هذه الأرض مجبولة على النبات الطيب ولا يمكن مهما فعلوا أن يستقيم لهم نباتهم الخبيث . الأيام هي الفيصل . واحدة من مسرحيات شيكسبير التي ..
الله يخليك عارف لا أفهم شيكسبيرك هذا و لا غيره ، اعتبرني واحد بسيط و كلمني على مستواي .
حسناً .. سأريحك من الثقافة و من شيكسبير ، أليست هذه ليلة الجمعة ؟
نعم .
اقرأ مقتطفات من دعاء كميل ، مرات كثيرة أحس أن هذا الدعاء يمتلك قوة شِفائية تعالج غربة روحي ، أشعر أنني بالفعل ذاك المجرم في دوامة هذه الحياة .
لا تقسو على نفسك ، يعني أنا من رجال الله الأتقياء بمجرد أن حفظت شيء من الدعاء أو ذهبت للعمرة ؟ يا أخي ما أكثر ادعاء الناس وكثرة ضجيجهم المزيف ، ربك يصعد إليه العمل الصادق وكل ما هو مزيف يحترق في نار جهنم . مشكلتك عارف تثق بمن حولك بسهولة ، هذا العالم متوحش ، ما دمت هكذا صدقني ستأكلك الأفواه و تمزقك بلا رحمة ، خذها نصيحة من أخوك الأكبر . أعطي ثقتك لمن يستحقها فقط ، الدنيا غدارة وما لها أمان . آه ه ه أنا تعبان تصبح على خير .
الآن ما عادت الهواجس خارج الجدار ، يعرف أنها هنا ستطن بتفكيره بالمزيد من التعب ، يكاد مرة أخرى لا يعرف من هو بالتحديد ؟! هي ذي ثقافة مغايرة لا يحصل عليها من يقلب صفحات الكتب ، ثقافة تأتي المرء من أسلوب حياة الناس المكتوين بلظى الواقع ووجع التجربة . ها كل الخيبات تندلق كؤوساً في شرايينه ، لجدران السجن الآن ضغط نفساني أكبر من أي وقتٍ مضى . أيما صفعة تفاجيء المرء على حين غرة ، ليس المهم ردها ، بل استيعابها و وزن حجمها ثم القبض على زمام المبادرة ، كم يكره كل هذا الركام الذي يحاصر صفائه الداخلي ، قنابل دخانية تنفجر في عالمه الأخضر ، النوم يجافيه الليلة ، يتأبطه وهن الروح ، تنوء بأحمالها الحمقاء تزيد من ورطته هنا . سيكتب شيئاً ما لو دفتره الآن بحوزته ، هذا سيخفف عليه لا شك .
يفتقد المنامة ، تسكن داخل أفكاره ، هي نبيذ معتق ، من يجرب العيش فيها يحن إليها في مقاهيها الشعبية وأزقتها و رائحة ترابها بعد زخات مقدم الشتاء ، وكل الأطفال الحفاة يتركون جلود أقدامهم تخاطب المياه السماوية المنهمرة و السخية على النفوس بلا تفريق .
المنامة التي تحمل كل هؤلاء البشر على كاهلها ، تلك السيارات التي تعبق برائحة حلوى ( شويطر ) تحمله طازجاً للتو وصل من جزيرة المحرق ، دكاكين قديمة تنتشر منها روائح الدقوس و الكاري الهندي و الزعتر الشامي ، المشي أنيس للروح و مخفف للهم ، تحتضن الطرقات كل الناس بذات الشغف و الحنية ، لا فرق بين الغني و الفقير ، الكل متورط يبحث عن مكان ليركن سيارته ، وكذا شباب طائش يسترق نظرات خاطفة باحثاً عن الجميلات اللاتي يتوافدن من حافلات الفنادق ، سيقانهن العاجية البيضاء رشيقة الفتنة و الحضور ، أو احتشاد الآسيويين في الطرقات عند جامع المهزع ، يشكلون سجادة ضخمة من الألوان و القداسة تفوح يوم الجمعة لا تعبأ بحرارة الشمس . يا منامة يا التي تتشربها الخلايا ، عشق لا يفتر عن اللعب في الخاطر ، ظمأ يشرب من أواني الشمس ويحط على ضفاف الوجع ، وإن هاج في الداخل ، فدواؤه تسكع الحر الطليق تأخذه الدروب كيفما تشاء ، ثم تهبط ريح النسيان تبرد جمر الطريق .
هذا انتظار يطفىء الرغبة في الحياة ، الجدران هي ذاتها نفس الجدران ، الآن حياة الشوارع والأزقة بلظاها الصيفي و رعونة رطوبتها القاسية ، أرحم من هذا الـ .. لا لن يستسلم ، لن يهزموا روحه و .. يستيقظ عبد الغني من جديد .
عارف بعدك مستيقظ ؟ نام يا أخي عسى العالم يحترق ، لا تفكر في شيء ولا تراكم على نفسك الهموم . ربك سيفرجها مهما ضاقت .
هذا المكان لا أبالي به ، أستطيع أن أتغلب عليهم بطريقة تفكيري فقط .
هذا الشعر .. كله صار أبيض ، من ماذا هه ؟ نصف شعر رأسي الأصلع و ما تبقى منه تجارب و مصائب من هذه الحياة . كن صلباً ولا يتزعزع موقفك .
صدقني يا أخي لا أستطيع النوم ، ليست المسألة صمود في وجه هؤلاء ، أنت تعرف أكثر مني ، أنهم إذا ما أرادوا انتزاع اعترافات أي شخص ، يقدرون ولا شيء يردع شرهم .
مرات كثيرة تدهشني عارف ، لا أجاملك ، أنت بالفعل تدهشني ، هل أخبرك أحد قبلي أنك إنسان عبقري ظلمتك الأيام ؟
المظلوم الحقيقي يا صديقي لست أنا . بل طائفة بأكملها ، أنا و أنت جزء صغير جداً منها . لا أحب السياسة كلياً لكني اقرأ أشياء مخيفة .
أشياء مخيفة ؟! لم أفهم .. ماذا تقصد ؟
قال لي جدي ذات يوم .. نحن الأصل في هذه الأرض ، أجسادنا معجونة بملحها . إيه ، الطوفان قادم و سيدمر كل شيء . مرة ذهبت إلى قرية عالي ، شاهدت هناك كيف يحولون الطين إلى مزهريات و صحون ، ولكن تعرف ؟ تمنيت لو أستطيع عجن الطين بيديّ هاتين فأخلق جيشاً عرمرماً يهز الأرض أسفل أقدامهم ، لا أريد أن أتقمص دور المهدي المنتظر (ع) لكن سأطهر القاع من الشياطين ، سأعلم الناس كيف يتمردون على منطق الانهزام و كل ما هو مزيف يصادر إرادتهم و كرامتهم ، سأعلمهم أن لا يخافوا مثلي . أمة شجاعة تواجه قدرها و تضحي ، خير من أمةٍ تستجدي الحلول من غيرها كي تعيش في ذل .
متواضع جداً ، و تقول أنك لا تحب السياسة ؟! أتحداك أن توجد هذا الجيش الخيالي ! أعتقد أنك تصير مجنون أحياناً و .. آسف أ أ أ أفلتت الكلمة من لساني أنا ..
أنت على حق ، أسفك لا معنى له ، لا بأس فهذا لا يضرني في شيء ، ستجدني هنا ألطف مجنون تعرفت عليه في حياتك كلها ، فاليصرخ فيّ هذا العالم بكل ما أوتي من قوة مجنووووووووووووون ، هههههههه ! مجنون ولكن لا احد يضللني عن حقيقة هذا الواقع المريض ، أعرفه أكثر من غيري .
وما هي حقيقة الواقع التي تعرفها ؟
هنا عندك .. من أصغر عسكري إلى أكبر ضابط ، حقيقة واحدة تشملهم ، لا أحد سوي أو طبيعي ، نعم نعم يعانون انتكاسات نفسية ، محبطون و ناقمون ، يفرغون كل ما هو مكبوت في دواخلهم من غضب و حقد ، هه كل نظام ديكتاتوري يا عزيزي يختار النماذج التي تتواءم و عقليته المريضة ، يصنع حول نفسه هالة من الأبهة والرهبة و الكذب ، وفي غفلة من التاريخ ، يتحول كل ذلك إلى سوس ينخر في هذا البناء الصخري التافه فينهار !
عارف ، إن لم تسكت تكون أوقعت نفسك في ورطة كبيرة ، ربما هناك من يتجسس علينا ، اسكت يا أخي .
بالعكس .. أتمنى أن يسمعوني ! ما الفرق ؟ في النهاية نحن نوقع على اعترافات كاذبة تحت التعذيب و يتم تحذيرنا حتى لا نتراجع عنها أو نأكل ضعفها. هذا لا يقلقني في شيء ، المحقق مقتنع بأني أتصنع الجنون ، سأقنع هؤلاء بما أريده أنا ، أخضعهم لسيطرتي . ولينشروا صورتي في جرائدهم ، أووووه سأتحول من هامشي مسكين إلى مشهور !!
لا ترمي نفسك في النار ، عارف هذا انتحار وهم يريدون من الناس أن تتحول لأرقام في محرقتهم .
ههههههههههه ، فات الأوان صديقي .
ماذا تقصد ؟
ابتكرت من مخيلتي أشياء هم صدقوها ، ضحكت عليهم ، القاضي عميلهم ذي الهيبة الكاريكاتورية مقتنع ، حكم عليّ بثمان سنوات . قد رفض طعن المحامي الذي قدم وثائق تشخص حالتي العقلية .
معقول يا عارف ؟ ولكنك اخبرتني أن مدة حكمك ..
هكذا أحسن .. نعم أعتقد أنها مدة كافية كي أتصالح مع نفسي أو بالعكس ، لا أدري ولكن ، ربما أتعلم شيء يحررني من السجن الداخلي الذي يعتقل روحي منذ زمن ، صدقني عبد الغني ، أشعر براحةٍ غريبة الطعم تتلبسني كما قميص مبلل يهب عليه نسيم الصيف !
وعندك مزاج تصيغ الكلمات في قالب أدبي كما يفعل المثقفين ؟! كم أنت محير عارف ؟؟ سمعت أن الزيارة صارت مسموحة لعنبرنا ، مدير السجن السابق تقاعد عن العمل .
مدير جديد ؟ كلهم يشبهون بعض يا أخي . تفاؤلك ضائع .
خلينا نتفاءل حتى لو كنا نتوهم ، أحسن من الموت قهراً ، خفف عن نفسك يا صديقي .
(( 23 ))
تضع القدر على موقدها الغازي ، مساحة الكشك الخشبي وإن بدت محدودة إلا أن هناك هامش للحركة ، ترتب بعض أكياس البطاطا المقلية والعلكة ، اشترت شواية للشطائر . راضية النفس تستقبل البنات مثل كل يوم حتى تأتي الحافلات المدرسية لتنتشل هذا الحشد البشري ، تفتر الحركة فترتخي أعصابها قليلا ، لكن لا مناص لها من السقوط في دوامة الهواجس .
فيما مضى كانت تخفف بعض أحمالها مع منصورة ، لكن هذا تغير كلياً . الدنيا تغير بني آدم ، صارت في عالم آخر . عالم وسخ ينتفخ بالحرام و يستحم بالمعصية ، كم كانت ساذجة يومها لما اعتقدت أن منصورة صديقة وفية طاهرة النفس و السريرة !
اللقاء كان متوتراً عند عتبة بابها ، كانت في أبهى زينتها تتأهب لحفلة ماجنة حينما طرقت الباب .
أهلا زكية ، سامحيني أنا مستعجلة الآن ، عندي شغل مهم ، لو أتصلتي بي كان أحسن .
صارت صداقتنا رسمية منصورة ؟ جئت حتى أسلم عليك أو أشرب الشاي معك مثل الأيام التي .. تغيرتي كثيراً .
وأنتِ صار عندكِ كشك بدل البسطة ، ألف مبروك .
مجرد كشك صغير أسترزق منه بالحلال ، رزق قليل ولكن اللقمة طاهرة و الله يبارك فيها .
زكية ماذا تقصدين هه ؟
خافي ربك منصورة ، الدنيا ما لها أمان ، الواحد لا تغره الصحة و لا المال ولا الجمال ، سمعت عنك بعض الكلام ولم أصدق ولكن الآن ..
ومن أنتِ حتى تحاسبيني هه ؟ حياتي و أنا حرة فيها ، كل الرجال يجن جنونها من أجلي ، أكيد غيرانه مني يا مسكينة ؟! تضيعين وقتي بلا فائدة . من اليوم أعتبريني مسحت رقمك من هاتفي .. مفهوم ؟
هكذا أحسن ، مصلحتك انتهت معي ، اذهبي في سبيلك ، زكية صارت ميته بالنسبة إليك ، هيا لا تعطلين نفسك من أجلي مع ألف سلامة .
طعم الموقف مر في الذاكرة ، أربعة أيام فقط ، لكنه يبدو وكأنه حصل اليوم ! كل ما هو مغشوش يتضح معدنه ولو بعد حين ، لا الأخ يحن على أخته و لا أحد يسأل عن احد إلا لأجل مصلحةٍ آنية ، منصورة الـ .. هذه الساعة نحس و نكد ، ماذا يمكن أن يتحمل هذا القلب من منغصات الحياة ؟ يقال حلاوتها بالقسوة التي فيها ! وهل الفقراء المطحونين يجدون فيها أي جمال ؟! مجرد فلسفات كلامية ينشرها الكتاب المحلقين على الغيم في عوالمهم القصية عن واقع البشر الحقيقي ، في تلك المسلسلات الفائضة عن الحاجة المبثوثة على الفضائيات العربية .
# # #
صوت التلفاز مثل كل مساء ، لا يعوض صمت الوحدة القاسية ، تسيج هذه الجدران حولها في اختناق طويل محاصراً الروح ، قصياً وجعها ، عسيراً شفاؤها تكابد عناء الأنا المجروحة . من محطةٍ إلى أخرى ، ليس أمامها الآن غير طيفه ..
نصفه فيلسوف خبر الحياة و النصف الآخر ضياع في اللاممكن من تقلبات النفس التي تشطح في متاهات الجنون أو الكبرياء لا تدري !
تتذكر تلك الجلسة ، كان الوقت عصراً ، خفت الزبائن وهي تحدق في خضرة الشجر ، القلب يتجول في أفكارٍ شتى لا ترسو على ضفةٍ محددة سلفاً ، هكذا تلعب بنا الأفكار عندما تتقاذفنا حالة التشتت اللاوعية أحياناً . وجدته فجأة ينظر إليها بصمت ، لا تدري منذ متى وهو يراقب تحليقها الهوائي بعيداً ؟ ما الذي كان يراه في تلك النظرة ، ثم أعقبها ضحكةٍ كتم نصفها وسكت وهو يحجب عنها شكل أسنانة التي خربها السوس . سألته عن سبب ضحكه وتلك النظرة الغريبة .
نظر إليها ثانيةً ، تتذكر كلماته ..
(( زكية لا تعتقدي أنني أضحك عليكِ ، لأني لا أحب مجرد أن أضحك على إنسان بلا سبب . فقط أود إخبارك ، في رأسي كلام يناوشني ولا أقدر على مقاومة البوح به .. في داخلكِ زكية إنسان جميل قلبه عامر بحب الخير ، عيناكِ كأنهما شيء قادم من التاريخ ، أنتِ فتاة من حضارة ديلمون * ذكاء يشع من وجهك قد لا تتعرف عليه الناس ولكني أشعر به وأراه فعلياً و ..
أحد الزبائن قطع عليهما تلك المسامرة اللطيفة الإيقاع ، حيث توقفت أفكاره ، بدا عليه الإنزعاج أو أمر آخر ، لكنه هكذا ، حمل حقيبته وأردف تهلهلها خلف ظهره ومشى بصمت ! كيف لتلك الكلمات أن تحفر في جدبها عميقاً فتتفجر ماءاً ، يروي قلبها المشتاق . متى ما وجدت الأنثى من يسقي إحساسها الأنثوي ، طارت من روحها حمامات الفرح وحطت على الأرض لتتحول إلى شجرة وارفة الظلال ، يطلع زهرها في كل فصول الوحدة و الصمت .
بقاء عارف بعيداً يثير تساؤلات كثيرة ، هي تعرف مقدار الورطة التي وقع في شباكها ولكن الأهم أن لا تطول هذه الورطة أكثر متحديةً صبرها ، ها طيفه يطارد ليلها و نهارها ، حتى في الشقاء فالروح تنحاز لمن يتقاسم معها نفس الرغيف المر، هذا ما تعرفه الآن و تفتح له أبواب عطفها ، يتدفق شوقاً لجناح آخر يتمم رحلة طيران جميل في هذه الحياة ، لا بد وأن تتغنج و تبتسم قليلا لكيلا تعتل النفس و يداهمها اليباس .
الوقوف هكذا في وجه الحيرة صعب و سلبي لا يحرك ساكناً .. قررت أن تستعلم عنه ، أي معلومة يمكن أن تفتح ثقباً و لو صغيراً في جدار قلقها ، ما عادت تتحمل ضغطه أكثر .
مع أول تباشير الصباح ، يتجدد صحو الروح وكأنها ترتدي ثوب آخر ، تطل إلى الخارج ، المنامة تستيقظ في نشاط ، كل الجنسيات القاطنة هنا ، تستنفر عزمها لتبدأ مسيرة الطحن و التعب . غسلت وجهها ، وضعت مقدار يسير من الماء في إبريق معدني على الفرن ولكن .. هذا اكتشاف متأخر وليس في وقته الملائم ، أنبوبة الغاز لفضت آخر أنفاسها . فكرت قليلا ثم تذكرت ، أنها اشترت غلاية كهربائية من مدة ، وجدتها رخيصة الثمن ومن المناسب اقتنائها للضرورة في أوقات حرجة كهذه .
استمتعت بتناول إفطارها ، بيض مسلوق و جبن وشيء من الزعتر مع الخبز ، شاي بالحليب وهي تحدق من نافذة المطبخ نحو الشارع ، يصدق حدسها في توقع الوقت من حركة الظل ، ما دامت لم تتجاوز السادسة و النصف ، من الأفضل ترتيب بعض الفوضى . تنظيف سجاد الشقة و مسح الغبار ، بعض العناكب التي استوطنت الزوايا ، نمل يمارس مهنة الزبالية وغير مرحب به ، أشياء هنا و هناك و هذه الـ .. المجلات التي قدمها عارف ، كذبت عليه يومها ، ادعت أنها ستقرأها في بوقت فراغها في البيت !
هو صدق الكذبة و هز رأسه ثم سكت . مجلات مليئة بالصور و الحكايات عن نجوم الفن و الرياضة والسياسة ، عوالم مترفة بالثراء و المغامرة ، متخمة بالقوة و الغرور ، الصور تحكي كل شيء ، أما هذه .. قطعاً ليست مجلة ، هكذا وجدتها محشورة ، غلافها أحمر باهت ، مفكرة ورقية متوسطة الحجم وكأنها كنز من الدهشة المتوارية على غير موعد ، كانت تنتظر من يكتشفها .
وكيف السبيل إلى فك طلاسم هذه الحروف وهي لم تكمل دراستها ؟! تتهجى بعض الحروف ولا تتمكن من تكوين جملة واحدة ! أكثر التحديات تشويقاً إلى النفس هي تلك التي تتحدانا في لحظة إنكسار ،نرغب في الفرار منها ولكن تستهوينا نارها التي نبتغي تجربة حريقها ! هتف هاتفاً بداخلها أن قبول التحدي أجدى من رثاء النفس في دوامة عجزٍ لا تقدم و لا تؤخر ، الفكرة ستأخذ طريقها في التوقيت المناسب ، بسملة واحدة ومن ثَم التوكل على الله تعالى . اليوم الذي تتمكن فيه من قراءة هذه السطور ، تكون قد هزمت الظلام الذي تخافه ، أكيد ستتعرف على نفسها بشكل آخر ، ستذوب كل الحواجز التي تعانيها ، أليس مخجلا أن تتسول من هو أصغر منها كي يقرأ لها بعض الأوراق كفواتير الكهرباء و الماء في نهاية كل شهر ؟!
الطريق أمامها وإن بدت مليئة بالعقبات ، لكن أول خطوة لا بد أن تخطوها ، اليوم الذي هربت فيه من جور عمتها ، كان التصميم حليفها الذي رافقته حتى آخر لحظة ، التعب ضريبة حياتية كيما نبلغ المراد ، هذا ما تعلمته يومها ، هي قوة الحياة التي تصطرع في قلبها ، لا تعرف اليأس .
توقفت أفكارها فجأة تحت رنينه ، ما بال هذه الناس تتصل في السابعة صباحاً ؟ ربما هو اتصال عرضي من أحدهم اخطأ الرقم .. لكن الهاتف يستمر في إصرار غريب ، إنها منصورة !
ألو ، ماذا بك منصورة تتصلين في هذا الوقت ؟ أنتِ بخير ؟ محتاجة إلى شيء ؟
لا أصدق مسكنة أمثالك ، كل كلامك الذي قلتيه ، مثل المسامير أنام على وخزها عذاب في عذاب . أنتِ شريرة ، لكن لن تخربي حياتي و أتركك بسلام هل تفهمين ؟
يهديك الله يا منصورة ، أسحب كلامي و سامحيني و سوف أ..
لا أريد شفقتك ولا أحتاج منك شيء .. رفيقك المجنون عارف ، هل تذكرتيه ؟ يا حرام .. رفيقك المهبول ولا تسألين عنه ، مسجون ومحكوم ثمان سنوات ولا تدرين عنه ؟!
عارف مسجون و سيفرج الله عنه ، لا تلعبي بأعصابي منصورة ، إن كنتِ لا تزالين مقهورة ، ممكن نتفاهم .
يا غبية ، عارف تورط في قصة عويصة وانتهى و .. أنا من دبر كل شيء . يمكن ينصلح حاله هذا المجنون و نكسب فيه ثواب هههههههههههه !
نعم ، نواياك خبيثة ، اظهري على حقيقتك ، هكذا ترتاحين من حملك ، كل واحد سيجازيه الله بفعله .
# # #
يا بنتي حالة عارف غامضة ، سمعت عنه أكثر من قصة ، يقولون أنه متورط في الاعتداء على شرطي ومرة سمعت أنه ضبط يكتب شعارات سياسية في أحد الشوارع . لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، هذا المسكين لا يستأهل .
حاج غلوم ، أنا السبب في ورطة عارف . دفع ثمن تدخله و ضرب مفتش البلدية عندما صرخت . لو كان صوتي أنخنق أو مت ولا يحصل له مكروه . ذهبت إلى مركز شرطة المنامة ، تركوني أنتظر ساعة كاملة ، تجاهلوني ثم عرفت أنهم لا يريدون إلا تطفيشي بهذه الطريقة ، أخاف عليه ، معقول ثمان سنوات ؟!
زكية بنتي ، مصير البلد صار مثل الظلام ، لا نعرف إلى أين نمضي ، أكيد خلوه يعترف بتهم خطيرة .
عارف عمره لم يهتم بالسياسة ولا يعرف أهلها ولم يشارك في مضاهرة ولا اعتصام ، واحد فقير مشغول بحاله .
توقعت أن أجد عندك جواباً لسؤالي بما أنك تعرفينه ، افتقدته وكأن الأرض انشقت وابتلعته ، مسكين عارف ، فاليتكفله الله برحمته ولطفه .
ذهب الحاج غلوم إلى حال سبيله ، تركها في دوامةٍ جهنمية ، هي ذي تنظر في فراغ الألم ولا صلاة تزيح عنها عبء الذنب الذي تشعر به يحاصرها ، لا تزال تر أنها السبب فيما حصل لعارف . يالها من مفارقة ساخرة .. عندما بدأت الحياة تبتسم في وجهها ، معتقدةً أن هناك من يهتم لأمرها و يحن على ضعفها و تتوارى في صدره وتحتمي بظله ، تكون هي السبب في ورطته و وجعه ، تفصله مسافات من العذاب ، هي من أشعل شرارته الآثمة ! استسلمت هكذا لنزيف روحها وأخذت من شظاياها المتساقطة بكاء ، ما اختارت توقيته الآن ! وهل نختار توقيت ضعفنا عندما يثقل كاهلنا الوجع ؟!
هنا كل تقاسيم الروح تتصدع من ضربات الأيام ، ِلم تظن عليها ولو بشيء يسير من الفرح ؟ ِلم هكذا يباغتها الحزن سريعاً ، يخطف بهجتها ومغرقاً إياها في الظلمة ، وحيدة في سجن ( أناها ) المعذبة ؟ الدنيا تدور خطفاً في رأسها ، هي تعرف هذه الإشارة تحديداً ، تداهمها آلام الدورة الشهرية ، بسرعة أقفلت كشكها ، الآن لا بد من اللجوء إلى البيت .
في العادة تبحث عن سيارة نقل مشترك أو تركب النقل العام ولكن لا مزاج عندها الآن يستوعب ورطة الدورة وأوجاعها ثم الوقوف في وجه هذا الصيف الضاري تحترق جراء حرارة الشمس وهي متوارية في عباءتها ، جوف القماش الأسود الذي تتقبلنه النسوة سجناً لطيفاً من وقار مجتمعي مغلف بالأعراف و التقاليد ، يشتعل سخونةً وعذاباً في صمت ! الألم هكذا يتمرد شيئاً فشيئاً ، متى تصل إلى البيت ؟ الحمد لله ، سائق الأجرة لم يجادل وقد اقتنع بالمبلغ الذي دفعته حتى من دون النظر إلى العداد ، ربما هو لاحظ مدى حرج اللحظة التي تترنح فيها ؟ مقدار الألم الذي يطحنها تجلت إماراته على وجهها .
والآن تحدي آخر .. صعود هذا السلم حتى الطابق الثاني يعني المزيد من تقلص عظلات الحوض والوجع يأكلها في لقيمات أكثر شراهة . وصلت إلى شقتها ، هي ذي رسالة أخرى عند عتبة الباب من المؤجر . اللعنة على طمع البشر و جشع أعينهم التي لا يطفىء شهوتها إلا التراب ! التقطت الظرف و دخلت في الحال ، لترمي جسدها لأقرب كنبة ، أهي نامت من أثر نزول الدورة أم أغمي عليها ، بالضبط لا تدري .
استيقظت على صوت جلبة تتسرب من الخارج ، أحد المراهقين يستعرض قدراته البهلوانية المزعجة وهو يصعد حشرة آلية ، يتمايل بدراجته غير مبالٍ بتهديد بعض الجيران ، كالعادة مثل هؤلاء المراهقين يقضون متعة أوقاتهم كيفما اتفق وبأي أسلوب ، الدراجة حتى غير مرخصة ولا يمكن النيل من راكبها ، لا تحمل أي هوية ولهذا فإن تهديد الجيران فارغ !
أغلقت النافذة وقد خفت حدة الصوت عندما انصرف ذاك المراهق المشاغب .. تشعر الآن بهدوء نسبي يجتاح جسدها ، دخلت الحمام بعض الوقت ثم خرجت . شد انتباهها الظرف ، تذكرت الآن ، هي على الأرجح رسالة من مالك العمارة ، تنبيه إلزامي بانقضاء المدة على آخر شهر قبل رفع سقف الإيجار . ستسلم الرسالة إلى رباب طالبة الصف الثالث ثانوي ، منامية طيبة الروح و المعشر ، تذوب خجلا و رقة ، يمتقع لون وجهها لو سقطت قطرة عصير على زيها المدرسي الأبيض ، تتكلم بصوت منخفظ ، لها عينين عسليتين وحاجبين صغيرين ، تنزوي عن رفيقاتها لتقضي وقت انتظار الحافلة في القراءة .
تعطيها الرسالة لتفك هذه الحروف ولكن .. نظرات بعض الطالبات الفضولية ، مسامير إحراجية لا تستطيع تفاديها . هذا سيتغير بلا شك ، إصرار وعزم يتوقد في داخلها ، قررت أن تربح التحدي حتى لا تحتاج إلى صدقةٍ من هذا أو ذاك ممزوجة بعطف مقيت و ثقيل على روحها المكسورة .
(( 24 ))
تفاصيل المكان فقط تغري ، قصور مترفة حقاً فنادق الخمس نجوم ، وها هنا خادم خاص يفتح باب السيارة المرسيدس ، ثم يسارع إلى الباب الزجاجي ليفتحه هو الآخر ، كأن المكان جنة من البريق والأضواء والعطر ، وهي ذي موظفة أجنبية شقراء بفستان السهرة تجلس في لوبي الفندق حيث تمرر أناملها فوق لوحة مفاتيح البيانو تعزف ألحاناً من السحر .
موظفة أخرى ترشدها إلى المصعد ، ينتظرها مثل الزبون في الأعلى كما أخبرها هاني . هنا عالم آخر حقاً ، كثيراً ما كانت تحدق في هذا الفندق من بعيد ، يتعملق في المنامة مندساً بين العمارات العتيقة والأحياء السكنية الفقيرة التي فقدت ألوانها ، هي هنا أخيراً مثل أميرة عصرها تختال في فستان باهظ يتناسب والرجل الذي ستلتقيه . هاني لم يزودها بالتفاصيل الكافية التي تروي ظمأ فضولها ، لكنه تكلم عن رجل أعمال خليجي ، سقف استثماراته أرقام خرافية مرعبة ، رجل محبط من زوجته و .. هاني ماكر ويحسبها صح ، اصطياد رجل محبط وإحكام الفخ حوله أجدى من عشرة مساكين ، هم حثالة سكارى ومتسكعين ، بعضهم ما عنده يدفع في ذاك الزقاق التعيس . نعم حديث هاني منطقي وأي مكسب نصف بالنصف .
خطوات وهاهو أمامها ، ما كانت لتتصور أنه حجز جناح كامل من أجلها .. هذا الرجل مجنون أو ماذا ؟! زهور كثيرة عند مدخل الباب ، شيء مثل السحر أو الحلم يجعلها تتساءل عن الرجل . قالت لها الموظفة أن تستمر في المشي ثم تنعطف يساراً ، هو هناك ينتظر !
كان يلبس ثوباً حريرياً أبيض ، دخان سجائر يختلط مع عطرٍ رومانسي خفيف و قامة كما يبدو مديدة من قفا صاحبها ، مستغرق وراء شاشة كومبيوتر محمول وصوته الرجولي الواثق بكل هدوء يتحدث إلى سماعة الهاتف الثابت :
نعم كما أخبرتك ، الصفقة جيدة ولكن أكثر من عشرة ملايين ريال ، الموضوع يحتاج إلى دراسة جدوى وأنت تعرف ظروف السوق ، كل الذين كانوا في دبي يا هربوا أو ضيفتهم السجون والكثير منهم باع بثمن التراب وانتهى ولا يفوتك .. هناك أجانب انتحرت . لا لا أنا وضعي سليم وأخذت احتياطاتي ، أربعين سنة في السوق علمتني الكثير و .. أكلمك بكره عندي سهرة خاصة مع السلامة . ياه ه ه ه ه ، أنتِ منصورة ؟!
عسى بس نكون على قدر المقام ؟
هاني واحد إبليس ، أحلى من الصورة على الجوال ، مرتاحة منصورة من المكان أو ..
كأني سندريلا في الخيال ، يعني كل هذه التكاليف من أجلي ؟!
قام من مكانه وجاء بعربة مدولبة ، معدنها الذهبي يتناغم والإضاءة الحالمة ، صفت فوقها قناني مشكلة وبعض الفواكه و المكسرات ..
طبعاً.. قدري نفسك جيداً ولا تنتظري هذا من أحد ، على فكرة أنا لا أتناول هذه الأمور ، خمرة يتلذذ بها الواحد و ينتشي وبعدها يدفع ضريبتها بالمرض ولكن إن كنتِ ترغبين .. فلا حق لي أن أمنعك .
أنت غريب و ساحر و .. ديمقراطي !
واقعي كلياً . أكيد تتساءلين ما الذي يدفعني لكي آتي بلدكم ، وأترك تجارتي واستثماراتي و زوجتي و أولادي ؟
أحضر جهازه الكومبيوتري و وضعه على طاولة صغيرة وأخذ يعرض بعض الصور ..
هذه صور زوجتي مع واحد كلب ، خيانة قذرة من الدرجة الأولى . يعني ماذا تفعل زوجة محترمة مع غريب في هذه الجلسة الخاصة ؟!
تعبان نفسياً أكيد يا .. ما عرفتني على اسمك .
أبو طلال .
يا أبو طلال .. دخلت بحرارة هكذا ، واضح أنك محبط أو غاضب أو .. يمكن تريد أن تنتقم .
المرأة الذكية تعجبني ولكن أحذر منها .
هذا يعني أنك خائف .
سكب لنفسه قليلا من العصير و تمشى في المكان ..
منصورة .. أنتِ متعلمة ؟ عندك ثانوية عامة أو خريجة جامعية يعني ؟
ههههه لا شيء من كل هالكلام . عندي شهادة إعدادي بس . أنت أول زبون عندي يسألني عن مستواي التعليمي ! ههههه . ماذا بك مستغرب ؟
كأنك عارضة أزياء منصورة ، عندك وجه إعلامي هل تعرفين ؟
.................
يمكن أربكتك بهذا الكلام ولكن عن جد .. أنا قلبي أنفتح لكِ ، هاني على حق حين وصفكِ .
وماذا قال ؟
ساحرة وتشلين حركة خصمك من أول نظرة وفي نفس الوقت لستِ من النوع السهل مثل أي امرأة عادية ! أنتِ .. الجسم والطول والنظرة .. عارضة وعندك كل المؤهلات المطلوبة كما أرى .
حقاً ؟! ههههههه والله دمك خفيف أبو طلال . خلاص أنا عندك ، خذني أينما تريد .
# # #
تطل من واجهة الشرفة على فضاء المنامة ، الدور العاشر رفاهية لمن يدفع ! أكلما أرتفع بني آدم عن الأرض زادت أنفته وغروره ؟! تضحك في سرها لهذا الصباح ، تطير من الفرح . أليس هذا هو النعيم على جنة الأرض ؟ أبوطلال ليس رجلا عادياً ممن يمرون بجمر سريرها، إنه شيء آخر . تحدق في بريق الزجاج الذهبي المنعكس من بعض الفنادق المجاورة والبنايات العالية في محيط المنطقة الديبلوماسية ، هكذا تبدو الشمس تغازلها الآن بكل هذا التدفق الجميل من البريق ، هي شهرة و فلوس و أيام جميلة قادمة ! حدس المرأة لا يخطىء ، تقرأ الإشارات الخفية كيفما توارت عن الأنظار فتقتنص ومضاتها وتفك اللغز . لو أن أبو طلال هذا كما قال ، لربما .. أخذت هاتفها الجوال وكتبت رسالة نصية ( هاني يا خطير .. ماذا فعلت بي ؟ والله هذا الرجل منجم ذهب . صديقك هذا أعطاني شيك على بياض . خلاص .. أنت هكذا سددت ما عليك من فلوس و ألف شكر هاني ) .
فوجئت به يحتضنها من قفاها و يغرق في تقبيل عنقها ، لحظات من الذوبان الشبق و رقص الجسدين في جنةٍ ليست على الأرض .
كم أنت رائعة منصورة ، أستطيع أن أنتج عطراً بهذا الاسم ونسوقه في باريس و لندن و واشنطن و دبي ، حقاً أذهلتني و.. كم الساعة الآن .
النهار طويل ، الثامنة و النصف بس . هل مللت مني بهذه السرعة ؟ ثم أنك دفعت أكثر مما أستحقه .
لا تفهميني غلط يا حلوة . فقط جهزي نفسك سنسافر بعد .. بعد ساعة على الأكثر .
نسافر ؟!
ماذا قلنا ليلة البارحة ؟ إياك تتراجعين ، أنا أحب الناس التي تتخذ قرارات مصيرية حاسمة بلا مماطلة و بكل شجاعة .
أبو طلال ، أنت أخذت كلامي جد ؟ أنا لا أصلح عارضة أزياء ولو عرفتني ( جويل بُحلق ) لما وافقت على استضافتي في برنامجها .
جويل أو أي مشهور في هذا العالم ، كلهم يا منصورة مصنوعين . نعم لا تستغربي كلامي ، حتى الحكام الطغاة تصنع طغيانهم شعوبهم ، عندما يتركونهم يراكمون على ظهورهم و أعمارهم فواتير الخوف و العبودية و الجشع و الفساد ، فيتعملق الحاكم و يصير فرعون زمانه ! بعض الديكورات الخفيفة ودورة مكثفة في اللغة الإنجليزية والإتيكيت و تعلم مواجهة الكاميرا والمشية الساحرة و تخفيف وزن ، أكل صحي و ( بوتكس) في الصدر و الشفايف ثم تصيرين صاروخ من الفتنة الرائعة !
أفكر في الموضوع على الأقل ، أنا ..
أنتِ تملكين فرصة واحدة ، نعم أو لا ؟ البقاء هنا في المنامة بصراحة ..
تقصد أن الوضع غير مشجع ؟
أصنع مستقبلك ولا تنتظر من أحد أو تعول عليه ، هذه نصيحة مجانية مني يا .. حلوة هه ما رأيك ؟ أم م م أعتقد هذه الإبتسامة تخبرني بموافقتك صح ؟ الباب يطرق ، إفطارنا جاهز .
وهذه أولى الخطوات نحو تحليق آخر ، جاهزة الآن أجنحة الحلم كيما تغادر المنامة ، النفس تتعلق بالسفر ومتعة الاكتشاف . ومتى هي سافرت كما ينبغي ؟! عندما كانت تحت سقف بيت والدها ، لم تسافر إلا لوجهتين ، المرة الأولى كانت زيارة المدينة المنورة ، وقتذاك كانت طالبة في الصف الأول الإعدادي ولم تستمتع بالسفرة بسبب المرض الذي داهمها في الطريق . أما المرة الثانية فكانت إلى العراق وكانت تعمل كطباخة مع حملة للسفر ، حاصرها الإجهاد ولم تستمتع بالسفرة كلياً !
مكسبها الوحيد هو تعرف عائلتها على ذاك العجوز المتهالك والذي فيما بعد أصبح زوجها أو بالأحرى أصبحت هي ممرضته برتبة زوجة مع وقف التنفيذ لا غير ! هي تعرف مدى تعاسة التجربة و تتلمس جروحاً غائرةً في ذاكرتها ، لذلك حان وقت التغريد خارج سرب المعاناة ، مغادرة هذه الأرض المسكونة بالعذاب و الخيبة ، هي أصلا أنفصلت عنهم و زهدت فيهم منذو أن رموا بزهرة شبابها تحت قدميه ، كانت وقتها مدفوعة برضا والديها تسيرها قوة غبية من هبلها المراهق لا يعرف شيء عن الحياة ، فما عرفت حجم الورطة إلا في التوقيت الضائع ، فكرهتهم و رفضت ترك بيت ترملها . وها الآن هي فرصة أخرى كي تحزم حقائب الوجع وتنتصر لقلبها اليافع حتى يبدأ مغامرة السعادة واكتشاف عوالم جديدة .
ضحكت في سعادةٍ غامرة تتذوق تفاح اللحظة وعسل القادم من الأيام ، عرش الفرح أمامها وأبواب لا حصر لها طوع خيارها هذه اللحظات الفاصلة ..
خلاص أبو طلال أنا معك وكما تقول أمي ( اللي ما يدور إدواره يروح عمره خسارة ) * أصلا أنا مليت من هذه البلد ، العيشة فيها تقصر العمر ، أنا معك ومستعدة أسافر لأي مكان .
تعجبيني منصورة ، أحب المرأة الجريئة و المتحررة والتي تعرف ما تريد و لا تتردد في اتخاذ القرار الصح في التوقيت الصح . غداً تقولين أن أبو طلال قال و صدق . أعرف هاني من خمس سنوات وندمان أنه لم يعرفني عليك من قبل !
مثل عامي بحريني يقصد به .. من لا يتجول في محيطه أو يسافر ويكتشف العالم من حوله ، يذهب عمره هباء و خسارة !
قرب جهاز كمبيوتره إلى حيث يجلسا بينما الخادم الخاص يعتني بصب الشاي ثم ينحني بلباقة خفيفة ويتراجع بضع خطواتٍ إلى الوراء وعلى سحنته السمراء ابتسامة هادئة وهو يغلق الباب خلفه .
تكلمي عن ماضيك منصورة ، هذا إذا ما كان عندك مانع طبعاً ؟ أحب سماع قصص الأشخاص الذين هم حولي ، يعني تقدرين تسمين هذه العادة ، فضول أستفيد منه وأضيفه إلى رصيد خبرتي في الحياة .
ماضي .. ولا أتعس منه ، مجرد وحده عادية في زقاق بالعاصمة ، نصف شبابها حسرة و ضياع . لا تغرك هذه الضحكة الساحرة التي .. كل هذا ديكور بس علشان الشغل .
هاني أخبرني أنكِ ..
مسيحية .. هذا غير صحيح . أنا فكرت في تغيير ديني في لحظة نزوة عابرة ودخلت الكنيسة ، المكان الذي تسكن فيه أوجاع نفسي ربما لكن لم أقرر بعد ، يمكن أن .. يعني ماذا أقول لك ؟ هواجس أشياء معقدة مما تفكر فيه وحدة منحرفة مثلي . تسألني عن الماضي ؟؟
منصورة واضح أنكِ منزعجة و..
أبكِ نعم .. علي حالي ! خليني أتكلم أبو طلال ، هكذا أحس براحة غريبة ، أنا لم أعرفك إلا من ساعات فقط ولكن في داخل نفسي صوت يقول لي : تكلمي بصراحة ولا تمثلي على هذا الرجل الطيب الجالس أمامك .
ما تعرف هي كم مضى عليها من الوقت ، كأنها المرة الأولى التي تتكلم مع نفسها بهذا الوضوح ، الأمر أشبه ما يكون بانتزاع نصال تتموضع في قلبها و روحها هي المنبوذة المقبحة العاصية المجرمة ، يكتوي إحساسها الآن و .. الحمد لله أن أبو طلال أوقف هذا الحريق الناشب في ذاكرتها ، الخل المندلق على جروحها ، أوقف كل ذلك وعلى وجهه ابتسامة مطمئنة ..
من اليوم أنتِ إنسانة تولد من جديد ، على فكرة .. دموعك خربطت ماكياجك و، المهم الواحد يرتاح من ضغوطه . كل هذا الكلام الذي قلتيه أريد منك أن ترميه خلف ظهرك منصورة ، هيا نستعد للسفر .
إلى أين ؟
وجهتنا بيروت .
بيروت ؟ ماذا أفعل هناك ؟
نصنعك هناك من جديد ، ماضيك هنا في المنامة نتركه هنا في صندوق و نرميه في البحر و .. باي باي ولا تعودي تذكريه بتاتاً ، الآن ترجعين لتأخذي جواز سفرك فقط !
في أحد يسافر بلا حقيبة و ..
مجرد ملابس وحاجات ، كلها نشتريها لك من بيروت وكل ما تحتاجين . منصورة الوقت يسبقنا هيا هيا يا حلوة أو أغير رأيي ؟!
لا ، لا أبو طلال الله يخليك هذه فرصة عمري . عمري اللي ضاع .
وبعدين منصورة ..؟ وحدة شباب وحلوة مثلك تقدر تعوض اللي فات ، الدموع لا تنفعك الآن ، هيا هيا عندنا موعد الطائرة لا يفوتنا .
(( 25 ))
قرفص بالقرب منه وهو يحك شعر رأسه الكثيف ، يتثاءب ثم قال :
الملاعين .. والله نسيت طعم الأكل من هذا المكان الزفت ، أمس عندما جاءت أمي وأختي ، صادروا منهما الأغراض التي كنت أحتاجها . برياني دجاج يا عارف حرموه على بطني . أكيد مليون في المئة إنبطنوا به .
لا تنسى أننا فئة ضالة في وطن يُطأفن فيه كل شيء ، فهل يحللون على أنفسهم أن يأكلوا من عندنا لقمة ؟! ههههه .
يا أخي .. كل شيء من عندنا حلال على قلوبهم ، بلد متخربط و معقد الحياة فيه لا تستحق ، والله لو أحصل على إقامة في إسرائيل لغادرت بلا رجعة !
خليك من هذا الكلام عبد الغني . تكرر كلامك من مدة على الفارغ و بلا معني يا أخي .
مليت مني عارف ؟ يعني الواحد ماذا يفعل غير أن يسلي نفسه بالكلام ؟ كلام فارغ أو جاد يعني لو أنا عندي حيلة غير أصبر بها نفسي لكنت .. والله لو أحصل على واحد يلفني بحزام ناسف لما ترددت في تفجير نفسي في هؤلاء الأوغاد ولا هذه العيشة .
حقك عليّ ، ثم يا أخي أنت .. الله يهديك لا تمل من ترديد نفس الكلام أنا و إسماعيل و عبد النبي و جعفر كلنا نسمع منك نفس الأسطوانة ، ألم تتعب ؟! تعرف أن إسماعيل يظن أنك كبرت في السن وخلاص صرت مُخرف ؟ اصبر وربك يفرجها . من يربح و من يخسر؟ موالاة أو معارضة ، ما عادت المسألة تهمني ولا أريد وجع رأس ، مصير هذا البلد يحترق بمن فيه و تنتهي القصة !
تغيرت عارف ؟!
أنا كما عرفتني أول مرة ، واحد مجنون رسمي !
صرت عصبي المزاج ومتشاءم . أول مرة كنت مختلف ، كنت غير مبالٍ بشيء . تتذكر يوم قلت لي : أنك ربما تتعلم شيء يحررك من السجن الداخلي الذي يعتقل روحك . صحيح .. عندك الآن خوف عميق من غداً هو الذي يعتقلني و يعتقلك عارف . كلنا مللنا من حياة السجن ، مللنا حتى من أنفسنا ، كل واحد منا يشاهد نفس الوجوه يومياً و يسمع من الشرطة نفس الألفاظ الوسخة وحتى يسمع من أهله نفس الكلام المعزي عند الزيارات . مللت أنا كل هذا ، هذه الدنيا حقيرة و عاهرة و .. لا فائدة من كل هذا الهراء !
لهجة عبد الغني بدت محطمة كلياً ، هو أيضاً لا يدرك بأنه قد تغير طوال السنون التي ذابت من عمره . ما عاد يشارك في حلقة الدعاء التي يتصدرها إسماعيل ، بات يفضل العزلة ويترك نفسه متخندقاً في صمته لا يرغب في شيء ! حياة السجن ليست نزهة ولا تجربة يمكن أن تمر على الذاكرة بدون أن تنطبع وشماً على جلدها ، وشم محروق بالمرارة ، شيء يعرف بأمره يكاد يفتك بعقله الآن كمثل تلك العقاقير التي كان يجبر على تناولها يوم كان هناك ، حتى شكل المستشفى لا تنساه الذاكرة أو تتصالح معه . هي لا تُعلم صاحبها طبعاً أنه مشوش الرؤية ، بل تستمر في نزيفها المعذب كما هو الآن .
تخطر عليه صورة زكية قانعة الحال تبتسم في وجه قدرها ، تلملم شظايا أيامها وتعيش رغم كل شيء . أين هي الآن ؟ وما هي أحوالها ؟ كأن هذا المكان كوكب آخر .. يشعر بحنين غريب لتلك الأيام التي فرت منه ، يعود ككل مرة يتحسر طعم الأشياء التي أختبرها ، وهل في وسع الذاكرة إلا جر صاحبها نحو تخوم التجارب واجترار بقايا ملح أو سكر ما مضى من العمر ؟! شيء يشبه حالة العبودية لهذه الذاكرة ، تصر على إستفزاز أي لحظة هدوء داخلية تبرد إحتقان الروح المتعبة ، تشاكس هنا و هناك لا يهدأ لها حال .
زكية .. طالما كان يتحاشى الذهاب إليها في وقت ازدحام الطالبات ويؤجل بعض جوعه حتى يغادر صخبهن من المحطة ، يعرف أنه سوف يثير قرفهن بشكله الفوضوي ولا يرغب حتى بإحراجها في تلك الصباحات . تبقى الآن تلح عليه و يتعطر منها ، شيء من الفرح المسروق .
بخار الذرة المسلوقة يتصاعد من قدر الألومنيوم وهي تحرك تلك الملعقة البلاستيكية و ستارة بخارية خفيفة تتصاعد قبالة وجهها الطيب القسمات ، تستمهله بعض الوقت ريثما تجهز الطبخة ، تدعي أنها أعرف امرأة في المنامة بسر الذرة ولهذا يقصدها الكبير و الصغير ، الفقير و الغني ، هي كما تقول : تحفظ السر من تعويذة أعطاها إياها أحدهم في الحلم ؟! كانت تقول ذلك على سبيل المزاح فقط ثم تضحك كي تتحاشى كشف سر مهنتها لا غير، التفاف حاذق تحسن ترتيبه لتجيب سائلها بديبلوماسية فطرية .
هي مثل باعة الحلوى في المنامة ، لا يكشفون سر المهنة إطلاقاً وهو ما يجعل عامة الناس لا تنقطع عن شراء الحلوى ، نعم يستطيعون تقليدها في البيوت مع مقدم شهر رمضان ولكنهم يفشلون في اصطياد أصالة سر الطعم ! زكية ليست من النوع السهل ، فتوقع نفسها في مأزق مع من يستدرجها بالكلام ، هي شيء آخر ، خيال الآن يسلي وحدة هذه الروح ، تكابد قحطها بين هذه الجدران الرمادية .
بلا شك ما اختاروه هكذا عن عبث وارتجال ، بل عن قصد وهدف بعيد الغور . حتى يثبتوا في روع السجين أن المكان هنا .. حفرة من جحيم ، بقاياه رماد و نهاية أو ببساطة لا شيء ، عدمية تقمع استيقاظ الأمل لو تسلل إلى النفوس المتعبة المحاصرة بالعذاب !
زكية .. هي لون الحياة ، تستيقظ كما فراشة ، ترفرف حوله ساعة الضجر والامتلاء من هواجس الخيبة و الوجع . هي قصية البعد وحاضرةً قريباً من تغريد هذا القلب المثخن ، جراحه ها هنا لا تبرأ في قسوة الظلام الذي يريدونه أن يستمر في مسخ الأرواح . هي ستكون كل ألق القصائد و فرحها ، تتهكم على النهارات الطويلة هنا و على تكرار الأيام . هي ذلك النور الوامض في البعيد من السماء ، تهدي طمأنينة الرجاء ، تسير به نحو كونٍ آخر وكأنما هي آلهةً تنشر الرحمة لرعاياها من المطحونين .
يعرف الآن أنها .. أيقونةً للفرح في بؤس المكان ، كأنما هي حاضرةً هنا توزع هدايا الأمل على الوجوه البائسة ، تتهجد صلوات وطقوس أخرى ، تنزل مثل رذاذ المطر على الأرواح تشتاق عناق السكينة و الطهر .
# # #
وكيف للسكينة أن تحل في المكان ؟ أنتشر الخبر في كل عنابر السجن .. عبد الغني غرز في حنجرته جسم معدني من وراء باب الحمام ، فقامت قيامة أقدام العسكر ، استنفاراً في المكان . الرجل لفظ تعب حياته وأختار حتفه ، تذكرة موتٍ واحد ، عذابٍ واحد ولا دوامةٍ جحيميةٍ تطحن في العمر ها هنا . أما كان محبطاً حد الفجيعة من كل ما يحصل ؟!
هو ذا قد بلغ آخر المطاف في رحلة المعاناة ، الآن ما من شيء يقلق بشأنه ، ما عادت روحه رهينة هذا الظلام الغاشم . فالتشعر بعجزك يا سجان ، تكسر الروح قيودها و تتحرر من الأرض ، مغادرةً لأفقٍ آخر فلا تعود تهيمن على أنفاسها أو تفتخر بأنك تمتلك قدرها مسحوقاً بين أصابع جبروتك المريض .
نزف دمه على الأرضية الأسمنتية القاسية ، عبد الغني الآن حر ! فصرخ أحد السجناء في وجه عارف ..
نعم نعم .. ماذا تهلوس يا غبي ؟! هؤلاء الشماتة في أعينهم و سعداء الآن .
عبد الغني الآن حر ، وهذا هو مهر حريته ، لا أحد من هؤلاء الآن يستطيع أن يجره لحجرة التحقيق أو يكيل له السباب أو يدفعونه فوق السلم لتتحطم عظامه . لا أحد يهدده بالاحتجاز في زنزانة الحجز الانفرادي أو يمنع عنه هواء الأمل و زيارة أهله ، لا أحد يستطيع مضاعفة عذاباته أو يكون لقمةً لأحقاد المجرمين السفلة ، هم عاجزون ببساطة أمام رهبة الموت كحقيقة لأن عبد الغني أنتصر عليهم !
عمت المكان ظلمةً أخرى وهو شرع يحدق ذاهلا في الوجوه ، ثم غرز رؤوس أصابعه في شعر رأسه بعصبية وهو يشد بهستيريا يعلو صراخه متردداً في العنابر ، أنهار على الأرض وابتلعته موجة ضحكٍ غريب ! فبدأ ينطح الجدار مرة ثم مرتين بعنف أكثر فأكثر قبل أن تحاصره الأيدي لتمنعه .. يكاد ينطفىء أمامه كل شيء ، هو يعرف الآن شيئاً وحيداً يشاغبه في هذه اللحظات ، ظل الفزاعة ضاحكاً يستحسن حركته ويصفق ، زكية هنا طيفها ينتابه الخوف و الشهقة تنفلت من دموعها القلقة ، هاني يرفع يديه معلناً أن لا حيلة لديه حيال الوضع ، يتبرأ من مسئوليته . أما منصورة فترفع كأساً من الشاي وترسل له قبلة قبيحة في الهواء ، يحل صمت ثقيل و ينطفىء كل ما حوله الآن .
(( 26 ))
خلاص يا منصورة .. نسيتِ خلفك كل شيء ؟ ثلاثة أشهر و وتبيعين وراءك كل ما سبق . لكن أنا السبب ، عندما اضطرتني الحاجة لكِ .
هاني .. قصدك واضح عندي . أعتقد سبق و تكلمت معك في الموضوع . يعني تتصورني عندي قدرات خرافية حتى .. قلت لك أن حجرة العناية المركزة التي رقد فيها أبوك المرحوم كانت فيها كاميرا ، أتعرف معنى كاميرا ؟! هذا الكلام لا يفيد الآن حبيبي ، آجرك الله . عرفت بالخبر لكن نسيت أعزيك بسبب انشغالاتي الكثيرة .
لا تكلفي نفسكِ كثيراً ، أبو طلال كفى و وفى ، فاكس التعزية وصلني وانتهت القصة . كيف هي بيروت ؟
الجو جميل ولكن منظر البنايات في بيروت الشرقية أوف .. أول مرة أشاهد كتل الأسمنت و الخرسانة منخولة بالرصاص ، تذكرت أيام كنا نشاهد نشرات الأخبار عن الحرب الأهلية اللبنانية .
هذا من الماضي ، أتركِ عنك هذا الكلام ، أخبارك ؟
مرهقة ، متطلبات معهد التدريب كريهة و قاسية ، أتعلم الأكل بالشوكة و السكين مثل الكبار ، وكيف أمشي بأنوثة و رقة و .. هذا مرهق هاني .
أبو طلال يدفع ، لن تخسري شيء ، أصلا أنتِ محظوظة تتعرفين على رجل أعمال كبير مثله . الرجل عنده استثمارات في صناعة الملابس و الأزياء و الزجاج وسلسلة فنادق أربع نجوم على مستوى الشرق الأوسط . العام الماضي أشترى أسهم في شركة جنيرال إليكتريك الأمريكية . الرجل لو أراد .. يقرض حكومات دول مفلسة .
حقاً هاني ؟!
هههههه يا منصورة المسألة كلها أبعد مما تتصورين ، لا تستعجلي ، ستعرفين الرجل . من هو في مقامك ؟ أنفتحت لكِ أبواب الجنة !! مرة ثانية لا تبخلي علينا باتصال ، وصلتني الصورة . فارق رهيب بين الأمس واليوم ، كأنكِ ملكة جمال تصعق عشاقها . صفحتك أكثر من رائعة .
ذكرتني بالفيس بوك وعالمه الساحر ، أحد هؤلاء المخابيل مستعد يدفع أي رقم فقط ليأخذ معي موعد تصور ؟!
ركزي على عملك مع أبو طلال وتكسبين ذهب ، غداً تتذكري كلامي . الواحد أحسن شيء يعمله ، يتفقد أين تكون مصلحته ولا يضيع وقته ثم أن .... الصوت يتقطع منصورة ، أتركك الآن مع السلامة .
أقفلت هاتفها الجوّال ، وقفت قبالة مرآتها تتأكد من هيئتها .. فقدت بضع كيلوغرامات من وزنها ، تبتسم بكل ثقة وغرور ، لا شيء يدعو للقلق ، صحة و جمال وثروة وتألق باتت تعرف مفاتيحه ها هنا . لكن ما لا تعرفه هو تزايد هذا الحنين الجارف للوطن ، تمر عليها صور كثيرة تشاكس ذاكرتها ، والدتها وأخويها وأختيها و.. يا للذاكرة المجنونة التي تتواطأ مع الغربة ! ها هي تتذكر تلك الابتسامة البلهاء المسكينة .. عارف ، ندبة موجعة في الذاكرة ، إثم لا يفتأ يطل برأسه موبخاً ما حصل ذلك اليوم . أثنين من رجال الشرطة اعتقلاه من البيت ، هراوة الشرطي غاصت في خاصرة عارف ، تهاوى نحو الأرض ثم رفعه الآخر وصعد به إلى سيارة الجِيب ثم توارى كل شيء .
ما هي أحواله الآن ؟ أكيد لن يغفر لها . كم كانت لحظة شريرة وقحة لا تعرف كيف وقعت في شركها ! بين الفينة والأخرى تقرأ مذكرات بعض المناضلين السياسيين ، مما يُنشر في الجرائد ، أغلبهم يتحدث عن حياة السجن والتعذيب وما يلحق بهم من أمراض أو عاهات جسدية ، كأثمان باهظة يدفعونها على مذبح الحرية و .. خيالها الآن لا يتحمل مجرد رؤية عارف في يوم من الأيام وقد أصيب بمكروه أو ؟؟
مجرد التفكير بهذه الدوامة ، تشعرها العطش ، أيبس حلقها وكأنها تخشى الوقوع في فخ هواجسها ، نهضت وصبت لنفسها كوب من الماء ثم الآخر ولكن .. كأن بجوفها حرارة غريبة لا يطفئها ارتواء الماء ! أو هي ربما حرارة ضميرها الذي تراكمت عليه قاذورات حياتها ، شيء يتقد و بغضب صامت . عارف لا يستحق ما جرى له ، مسكينٌ مثله تائه في تلك الشوارع لا يستحق غير التعاطف ، حرام أن يتعرض للأذية . تتمنى الآن ملايين المرات لو يغفر لها ورطة السنوات الثمان التي يقضيها الآن في السجن ، ستعوضه بأي مبلغٍ يطلبه ولكن كيف تجد عزائها في شبح عارف يزور ذاكرتها بلا تردد ، نزلت إلى الشارع ، سرها أن تجد أحد المتسولين عند رصيف البناية التي تسكنها في منطقة رأس بيروت ، بدا واضحاً مدى بؤسه ، يشبه عارف في الشكل و الرثاثة ، يدخن سيجارته ويعتمر قبعة مهترءة يرسم عليها العرق خارطة من الحزن ، مرسوم على وجهه العابس ، تركت في كفه عشرة دولارات ، فقام يرفع كفيه بالدعاء .
عادت من جديد إلى حجرتها ، تشعر ببعض العزاء ، تسكن هواجسها قليلا ، تسترخي على كنبتها الوثيرة ، جهاز الـ mb3 يبث موسيقى هادئة للفنان العالمي ( ياني ) بعض الراحة تتسلل إلى روحها ، خدر لذيذ يسري في شرايينها ، النوم راحة المتعب ، يا تعب الحياة أتركنا نتنفس .
# # #
أشار بأصبعه في ثانية ، فجاء رجل أنيق يحمل حقيبة ، فتحها وأخذ بعض الأوراق ثم أقفلها وانصرف الرجل .
منصورة ، كل الهواجس التي كلمتنِ عنها انسيها تماماً ، نحن هنا في بيروت وعلينا أشغال ننجزها ، مديرة معهد التدريب افاضت في مديحك على الالتزام بالبرنامج ، يعني غير معقول تتوقفين في منتصف الطريق !
أبو طلال صدقني أشعر بالاختناق ، لا تدري بالنار التي تشتعل في جوفي .
صدقيني عندكِ مستقبل باهر ، أتعرفين ما هذه الأوراق ؟ عقد عمل عند شركة إعلانات كبيرة تتعامل مع شبكة تيلفزيونية ضخمة ، فرصة ولا في عالم الأحلام . وقعي العقد منصورة وخذي ثلاثة أيام إجازة وبعد أن ترجعي من المنامة نستأنف عملنا .. هل هذا يريحكِ ؟ آه ه ه كم تعجبني هذه الابتسامة ، نعم أنتِ هكذا أحلى .
أبو طلال ألا تلاحظ معي أنك مهتم هذين اليومين كثيراً بالجرائد ؟ الحياة و السفير الشرق الأوسط و.. عسى خير ؟
لبنان الشغل فيها مربح ولكن عيبها السياسة و حزب الله ، لو أنهم يعقدون معاهدة سلام مع إسرائيل لأنتهينا من وجع رأس كل النكبات والمصائب التي تخرب كل شيء في المنطقة ، محور الممانعة هه يقولون !
يعني .. ما الذي يزعجك أبو طلال ؟ أنت رجل اقتصاد و أعمال ، خلي عنك هذا .
بالعكس منصورة ، ولا أي مستثمر مهما كان حجم استثماراته يمكن أن يغامر في بلد غير مستقر ، الملف النووي الإيراني ، الربيع العربي ، ومصائب كثيرة تخرب علينا عملنا . اغلب أعمالي التجارية في أوروبا ، المنطقة هنا تجر الواحد للهبل والخسارة . بالمناسبة أنتِ مع حزب الله صح ؟
ولم تسألني هذا السؤال ؟
لا تهمني المسألة الطائفية ولكن .. أخبرني هاني أنكِ شيعية . صحيح أنتم الشيعة هاجرتم من إيران ؟!
قلت أبو طلال أن المسألة الطائفية لا تهمك ، أنا يهمني الدولار وأبحث عن مصلحتي ، بقية كلامك لا تعنيني ، و علينا أشغال ننجزها .
ذكية وهذا ما شدني إليكِ . هههههه .
ضحكنا معك ، خلينا نرتاح من هم الدنيا .
منصورة ، أنا كل تركيزي على الشغل ، هذه الأمور لا أهتم بها مادامت استثماراتي آمنة ، كنت أمزح فقط . افتحي الظرف .
هدية أو مفاجأة أبو طلال ؟ حساب في البنك !
نعم في بنك المستقبل ، أحد البنوك الكبيرة هنا ، كل أموالك تودعينها بالدولار وأنتِ مرتاحة البال ، بعدها فكري كيفما تشائين ، أصرفي فلوسك على هواكِ ، أوه عندي اجتماع وتأخرت.
خرج من الحجرة وترك خلفه رائحة عطره الباذخة وقبلة في محيط المكان أرسلها برقة أمير .. تأملت بيانات الحساب على الورق الأبيض الفاخر ، كان رقماً خرافيـــاً ! ما لم تحلم به في أبهى أحلام مراهقتها ، أما كانت توفر مصروف المدرسة حتى تشتري بعض الملابس للعيد ، بل ترفض وبعناد أن تلبس بعض تلك الملابس الفائضة عن الحاجة والقديمة التي تأتي بها خالتها في كل زيارة لهم .
لا تنسى أنها كرهت نفسها وعذبها ذل النفس ، تتذكر أختها الأصغر سناء ، حينما عايرتها ابنة خالتها في أحد المواقف .. ( مثلك لا ترفع رأسها في عيون الناس وهي ما عندها تلبس ) !!
تلك منال المغرورة ، أكثر ما كرهت في حياتها كلها ، تمنت لو هاجت عليها وأشبعتها عضاً كي تتأدب عن وقاحتها . من يومها قررت أن لا تلبس شيء مما يتقيؤه إحسان القريب أو البعيد لتصون كرامتها . يعصف بها الماضي ويلهو كيفما يحلو له ، كم كانت تلك الأيام مشحونة بالقهر والحرمان ، أخذت من حضن الأسرة عزيز أصغر إخوانها مات في السابعة عشرة من عمره بالفشل الكلوي المبكر وهو على جدول انتظار المتبرعين !
تحن إليه .. غافياً في ذاكرتها كل جدرانه الحجرية العتيقة ، تسمع الآن من بين شقوقه حكايات الطفولة والصبا ، اللعب عند بابه الخشبي الكبير ، الأختباء بسرعة كلما لاح شبح خديجة المجنونة في الحي ، أيما طفلة تقبض عليها تضربها و تعضها ثم تهرب فرحة ً بفعلتها . خليل ابن الجيران من على السطح يستعرض عضلات مراهقته ، تضحك عليه وهو يستمر في زهو شبابه الفرحان يرسل قبلا في الهواء و ذكريات كثيرة لا تدري كيف تزورها الآن .
اتصلت بالمطار وحجزت على أقرب رحلة إلى المنامة . مرت الساعات ثقيلة في سيرها وها جمر اللقاء في الصدر يتقد ، شوقاً إلى تلك الجزيرة ، شيء يلسع روحها بحرارة لا تستطيع ومن فرط الحنين كأن اللوحة الإلكترونية تعنون الرحلات إلى المنامة فقط ! عند المدخل تنتظر بينما المضيفة ذات الملامح الآسيوية تتضاحك مع زميلها بلا اكتراث وهي هنا شوقها يتصاعد وقد تصرم الوقت ، الطائرة تتأخر عن موعد إقلاعها . المضيفة تتكلف في ابتسامات مجاملة في وجوه الركاب المستاءين ، لكن كلها ساعة ثم رفع الحزام المخملي عند حاجز المدخل فتهافتت الأقدام .
استرخت على مقعدها 132 ، تشعر ببعض الهدوء ، ها هو الوطن قريباً من العين ، رائحته تسكن القلب ، متى يقلع هذا الطائر المعدني العملاق ؟! تتأمل الركاب وحركة المضيفات يرتبن تدفق الناس ولكن .. كانت هنا بالكاد ترفع ترهل جسمها وهي ترتدي عباءة سوداء بدى أنها تتجه إليها و المضيفة تشير إلى حيث هي تجلس ، لا لا يمكن أن تجلس هذه المرأة البدينة بجوارها ، هذه أصلا ً كيف سمحوا لها بركوب الطائرة ؟! كتلة جسمها لا يمكن أن تستوعب مقعد واحد ، ثم أنها ..
أنتهى الموضوع وها هي تجلس ، تكرمت بابتسامة مجاملة وهي تلهث من الشحوم التي تحملها ، عانت بعض الشيء المضيفة العصفورية الشكل وهي تساعدها في ربط حزام مقعدها . هي ذي عادت تبتسم من جديد ثم انشغلت بهاتفها الجوال . لا تدري الآن لم هذا الوجه مألوف ؟ ألم يمر على ذاكرتها من زمان ؟ هي هكذا الذاكرة تأكل معك عيش وملح ثم تخونك ! يستعصي عليها تذكر شيء الساعة ، الوجه ليس غريباً ولكن الصورة مرتبكة متشوشة لا تثبت في محيط الوعي ، يتأرجح يميناً يساراً ، فوق تحت ، لا فائدة فقد أفلتت الصورة من اقتناص الذاكرة هذه اللحظة .
دقائق ثم أقلعت الطائرة . إشارة فك الأحزمة بعد لحظات مضاءة أمام الركاب ، ما بها ؟ ذراعيها قصيرين أم هي أصلا ً تركب الطائرة لأول مرة ولا تفقه كيف تفك حزام مقعدها ، فتطوعت لتفك لها الحزام عن طيب خاطر ..
شكراً يا بنتي ، والله أنتِ طيبة ، هذا واضح على وجهك من أول مرة رأيتكِ فيها .
لا داعي لهذا الكلام ، الناس للناس .
ماذا أفعل ؟ الضنى عزيز ، أنا لا أقدر على السفر ، لكن ولدي نادر يدرس في بيروت ، قلت أزوره وأبرد شوق قلبي ، والله أظل أفكر فيه وأخاف عليه .
الله يطمئن قلبك عليه و ..
أنا مستغربة والله العظيم .. كأنك تشبهينها ، يا سبحان الله ، الفرق أن تلك جسمها ممتلىء قليلا ً وعينيها بنيتين ، أما أنتِ مزيونة واحلى منها و.. أنتِ خليجية ؟
نعم من .. من الكويت !
طيبين و الله يحفظهم من كل سوء . لا تتصورين ؟ فرق بين الأرض و السماء ، أنتِ صحيح لستِ متحجبة ولكن من أسلوبك محترمة وبنت ناس . تلك التي تشبهينها ، هي أرملة أخي ، منصورة الله يصليها نار جهنم ، قصتها مخزية و..
خلينا من سيرة الناس ، الله تعالى أمر بالستر !
بالعكس .. هذه وحدة فاسقة والغيبة والسب فيها حلال ، لا تستحق التراب الذي تمشين عليه ، تصدقين ؟ حتى أهلها تبرءوا منها و من أفعالها ، يقولون أن أمها أرتفع عليها ضغط دمها وماتت عليها حسرة و قهر من كلام الناس !
يهتز إحساسها وجعاً وكل خليةٍ في جسدها يرتبك نظامها وتعصف في داخلها لاآت غير مصدقة ، تناست كل وخز ثرثرة هذه المرأة ولم تعد تهتم الآن ، هي ذي الرؤية أوضح ما تكون ، أحقاً ترحل أمها عن الدنيا وهي آخر من يعلم ؟! يا كل قسوة العالم ، كيف تحولين النفوس إلى أسمنت وهي من لحم ودم ؟! ولا واحدة من أخواتها أو أخوتها تكرم بإخبارها ، أيعقل هذا ؟!
عسى ما شر يا بنتي ؟ تبكين لأن قلبك حنون وطيبة ، نعم ، ما ذنب أمها وأهلها تنجس شرفهم ، وهذا أخي المرحوم الذي ستر عليها ، وسخت شرفه ، الله ينتقم منها ويمـ ..
أتسمحين لي ؟ أحتاج إلى الحمام .
بالكاد تخلصت منها ، مشت بضع خطوات ثم .. كادت تسقط لكن تماسكت في آخر لحظة . رشحت وجهها بالماء وأخذت تدعك بقهر كل بودرة الماكياج وزيف السعادة والهناء ، تدعك كذب هذا الوجه البائس هو ذا يتعرى كأقبح ما يكون التعري ولا تملك حياله شيء أو تداري من ظلامه المريض ، تبكي وسيل من المرارة يزرع خيبات القهر ، تعبت حتى انتبهت لطرق خفيف على الباب . لملمت حزنها من صمت المرآة ، اخبرتها المضيفة بوجوب الرجوع لمقعدها فالطائرة تستعد للهبوط ، وجدت مقعداً شاغراً فذهبت حيث كفنت بعض إحساسها المنهار بالمزيد من سورة البكاء ، المضيفة جاءت لتسألها وتطمئن ، فضلت الصمت حتى هبطت الطائرة .
أهي تنتظر، ترتبك و تسحق في غفلة الأيام أم تقبل كل هذا الضجيج الملعون في عقلها الباطن يحدثها ساخراً عن ضحك الأمس ولامبالاة الغرور أم تجمع شظايا البراءة التي كانت ؟ قبلة ابن الجيران الأولى وخيالات نار الله الموقدة التي تستولي على جسدها المذنب وسرها الدفين ، ما باحت به لجنس مخلوق . تختلط كل الصور وتحترق في مدى بصرها . ضابط الجوازات يبتسم وأصابعه تتحرك سريعاً على لوحة مفاتيح الكومبيوتر ، يسلمها الجواز فتسلم روحها ها هنا لجحيم آخر ، كيف تكون العودة هكذا ؟ آه يا جزيرة الحزن ، تربتك لا تنبت غير الشوك ! صدق عارف حينما قال هذه الكلمات ذات خيبةٍ حامضة الطعم ألمت به ، لم يكن يهذي .
سحبت خلفها حقيبة سفرها ، آثرت أن ترتاح في أحد مقاهي صالة الوصول ، تشعر بالمزيد من الإحباط ، خيال تلك المرأة حميدة ، البرميلية الهيئة ، ما تذكرت اسمها إلا الآن ! خيالها ثقيل مثلها ، مثل كلامها رصاص مصبوب ينفذ إلى البدن ، وكيف لها أن تكشف نفسها ؟! غصة تستقر في سقف حلقها ، كانت مكبلة تتلقى الضربات المتتالية ، أحسن شيء فعلته هو الهرب من وجهها المترهل ولسانها القاسي ، هذه أول مرة تشعر بالعجز عن رد إهانة .
تحتسي قهوتها ، مرارة ما حصل أكثر شيء أفسد هذه الإجازة قبل أن تبدأ ، لا تزال مرتبكة الحواس ، أشياءها تضيع في حقيبة يدها ، أين المحفظة الغبية ؟ جوالها يترنم بموسيقاه ، هذا هاني يتصل ، لا مزاج لها على الرد ، أكيد هذا الملعون يفكر في خصيتيه بحجة أنه يطمئن فقط على الوصول بسلامة ! أستمر اتصاله في إلحاح ممل ..
أهلا ً هاني .
الحمد لله على السلامة ، الحلوة واضح أن ما عندها مزاج ، ماذا بك منصورة ؟
لا شيء هاني ، صداع خفيف يأخذ وقته فقط . أرتاح هنا في ( كوستا ) .
أبعث لكِ سيارة أجرة خاصة ؟
لا شكراً ، خيرك واصل هاني .
خليكِ من هذا الكلام المجامل ، يعني لا تريدين رؤية وجهي ؟
هو ذا يسفر عن نواياه الشهوانية ، يحترق في رغبته ، يتقلب على جمر انتظاره ولهاناً مثل أي عاهرٍ يمتطي عنفوان جسدها الشهي . كيف تتخلص منه الآن ؟ مزاجها اسوأ ما يكون وهي ليست مستعدة الآن لإشباع نزوات هاني أو غيره من الرجال .
أتكلم معك منصورة آلوه ه ه ه ! أين سرحتِ ؟ افهميني ولا تذهبي بعيداً تفكرين يمين شمال . سأحجز لكِ في الشيراتون .
هاني .. لست مستعدة بعد لاستقبال أي رجل فأنا في حالة مزاجية لا تسمــ ..
حبيبتي منصورة .. ألم أقل لكِ من قبل ، أنكِ لستِ المومس الأحلى في المنامة كلها . أفهميني بهدوء .. حجزت لكِ على الفندق حتى تسكنين بشكل مؤقت .
عندي بيت مفاتيحه في حقيبتي وسأذهب لأرتاح.
ههههه هذا من الماضي يا حلوة ، حرقوا بيتك وصار رماد ، ماذا ستفعلين هناك هــــه ؟!
هي لطمة أخرى تتلقاها ، ما حسبت حساب شيء . تلك البدينة محقة في كلامها ، كل هذا حصل في غيابها ؟! لا ترى أمامها شيء واضح المعالم يمكن أن تصدقه الآن ، ماذا بعد تغير هنا ؟
حسناً هاني ، سآخذ الآن سيارة أجرة إلى الشيراتون و .. الآن الخامسة عصراً ، أراك في السابعة بالمساء مع السلامة .
دقائق و حجزك يكون جاهز ، أحب الحلوين أنا باي باي .
(( 27 ))
كما كانت .. الهواء يداعب سعف نخيلها الباسقة ، عند ظلاله ذكريات الطفولة واللهو ، صديقات كن يتجمعن وعلى علبة صفيح تتشكل نغمات الفرح ، هي هنا ترقص و تتثنى في سعادةٍ ، تجمع الرطب من النخلات الصغيرة ، تصرخ بنشوة كلما أكتشفت فراشة مختلفة الألوان ، تستمتع بتلوين أضافرها مع صديقات غيبتهن الأيام . كأن سطوة الزمن لم تعرف هذه القرية ، هي ذي نفس الدروب ، أصبحت معبدة بالقرميد الرمادي وبدون مجاري طافحة .
أرشدت سائق الأجرة الآسيوي عند آخر الـ .. ماذا ؟ أيعقل أن تتوه عن بيتها وكل الذكريات تغني موجوعة الصوت الآن ؟! متأكدة من بعد هذه الانعطافة على الجهة اليمنى حيث يقع . هو ذا هناك ، بضع خطوات تكاد تشم رائحة الطين في حجارة سوره العتيق ، لم يتغير في شيء ، الباب الحديدي بقايا طلائه الأصفر القديم عالقة ، خرجت منه عروساً والدمعة في عينيها على حلمٍ فر منها كسيراً كسيحاً وكأنهم يأخذونها إلى جنازة وليس عرساً !
صامت ما عدا حفيف النخيل التي تتوسط فنائه ، تسمع صوتها ، يؤنس ذاكرتها الظمآنة ، ينفتح الباب ، إنها مهدية ، نعم هي الأخت الصغرى ، تركت عند الجدار كيس قمامة . في الحال دفعت في وجه اللحظة كل شوقها المحبوس وداست على هواجسها غير مكترثةٍ بشيء ونادتها .
على استحياء جاءت وهي تتوارى في عباءتها وعلى وجهها سؤال مستنكر يتفقد في حذر الوجه الغريب .
نعم ماذا تريدين ؟
مهدية حبيبتي التي تحب القطط ، كيف حالك ؟
من .. من أنتِ ؟ وكيف تعرفين أسمي ؟!
يا هبلة أنا منصورة أختكِ .
فاضت عينيها بالدموع وفي الحال فتحت باب السيارة وأعتنقت أختها بشوق فياض من حرارة اللقاء ، لحظات ثم ابتعدت وقد تجهم وجهها قليلا ً ..
لماذا مهدية ؟ لم أشبع منكِ ، أنا أختكِ الكبيرة ومشتاقة لك موت.
أختي الكبيرة ماتت ، كلهم يقولون هذا .
أنا أمامك أتنفس ، صح تغيرت كما تريني ولكن لحمي من هذا البيت ومن هذه القرية .
كلهم يتمنون لكِ الموت منصورة ، أنا فقط اكتم في نفسي وأظل أتخيلك . أمنا ماتت من قهرها عليك ومحمد وجاسم أحرقا بيتك في المنامة ، صرنا في القرية منبوذين . أنا وسلمى عنسنا في البيت ، ما ذنبنا تعاقبنا الناس بجريمتك هـــه ؟
مهدية حبيبتي أنا مظلومة .. مظلومة لما زوجني أبي بواحد على باب قبره ، أنتِ صغيرة يومها ولا تفهمين هذه الأمور و.. أبي كيف حاله ؟
( الجلوكوما * ) أخذت نور الدنيا من بصره ، أطفال الحي يتصدقون عليه يوصلونه للمسجد و البيت ، لا فرق عنده بين الليل أو النهار ، ساكت وكأنه حي ميت ! ماذا تريدين بعد منا منصورة ؟ ما عاد لكِ وجود هنا ، سأعتبر نفسي في حلم . أذهبي قبل أن يخرج جاسم ومحمد ، أقسما أنك لو وصلت لعتبة الباب أحرقاكِ في جلف .
ماذا تقولين ؟ لا بأس .. يمكن أنا أنتحر حتى انتهي من القصة و ترتاحون مني ومن عاري .
أستري على نفسك و علينا ، عيشي حياتك بعيد عنا ، ماذا بكِ منصورة ؟ تأتين لنا حتى تزيدي همنا ، كل أفعالك السوداء حولت البيت لجحيم ، اتركينا و موتي ألف مرة وخلينا نرتاح !
خلي عنك الآن هذا الكلام . أرشديني حيث دفنوا أمي أو لا يحق لي قراءة الفاتحة على روحها بما أني مطرودة من الأسرة ؟
على مضض وافقت ، لحظات ثم وصلت السيارة إلى المقبرة . وعلى الجهة الشرقية كانت ترقد هناك أسفل بساطة التراب ، بعض المشموم اليابس والورود الاصطناعية تنام عند مقدمة القبر بلا شاهد ، فجثت عنده تبني من دموعها محراب غفران وندم يعض على وجعه بعد فوات الأوان.
( الجلوكوما * ) .. المياه السوداء ، هو أحد أمراض العيون .---------------------
أخباري ؟ تسألين عن أخباري .. كلها لا تسر ، تركت المدرسة ولم أكمل الثانوية وجلست في البيت ، بنات الصف يتهامسن عليً بكلام مثل المسامير ! خلاص مستقبلي ضاع .
كأنكِ غنمه مذبوحة ! أنتِ في العشرين و تفكرين بعقل وحده في الأربعين ، مستقبلك مشرق ، مستعدة أعلمك في أرقى المدارس الخاصة وبلا موضوع العوانس هذا ، لا تفكري في شيء سابق لأوانه ، سأرتب وضعك مع سلمى لا تخافين . جاسم و محمد ما هي أحوالهم ؟
جاسم فصلوه من الجامعة ، معدل درجاته ضعيف ، يأكل ينام ويكثر من العصبية و الصراخ ويلعن الكل ، محمد ترك المدرسة أيضاً مثلي ، صار من أولاد المزارع والحوط ، لا نراه إلا في أوقات الوجبة . سلمي دخلت الحوزة تدرس وتركتنا وسكنت مع خالتي حتى تصير بعيدة عنا .
المهم أختك منصورة لن تترك هذا البيت ينهار و..
قلت لكِ أنت صرتي ميتة في نظر الجميع ، رجوعكِ سيزيد من المشاكل و.. شكراً لا أريد منكِ فلوس ، أي مصنع خياطه في ستره يمكن أتوظف فيه ولا أقبل شفقة أحد .
أنا يا مهدية صرت أي أحد ؟ حسناً .. قلبي مستحيل يزعل على أختي الصغيرة التي تحاول تكبر بسرعة قبل أوانها .
# # #
الكلام الذي وصلك ، هاني أنا أول مرة وقع بصري عليها ، عرفت أنها المرأة المناسبة ، لم تراها بعد كيف تغيرت . منصورة قطعة ألماس خام اصقلها ثم قدمها للعرض واكسب .
تقصد يا أبوطلال أني فرطت فيها ، تعرف أنها وحده تاريخها زبالة ، مات عنها زوجها الشيبة وصارت تتعهر وتكد كم دينار ، خلاص عليك بالعافية .
تعرف .. سأحولها فتاة إعلانات سوبر ، متفاءل بها وكل دولار أصرفه عليها أجني من وراءه ألف ، حولت لك من أمس تحلية استلمها على حسابك في البنك .
والله تخجلني أبو طلال ، ألف شكر ، أتركك الآن أكيد وقتك من دولارات و ألماس هههههه مع السلامة .
أهلا ً منصورة ، لالا ، أعرف أني جعلتك تنتظرين لا بأس تحمليني ، ماذا أفعل زوجتي على الخط شغلتني ، لا تستعجلي ، الساعة الثامنة أكون عندك ، نجلس في لوبي الفندق و (الليلة سهرة حلوة و حياك يا قمرنا ).
هاني ومن قال لك أنني مستعجلة ، أنت من طلبني في الأساس .
مسافة الطريق وأكون عندك ، خلاص لا داعي لهذا الكلام يا حلوة ، أعصابكِ متوترة ، أكيد ذهبتِ هناك . بيتك هذا أنتهى خلاص ، أنا أخليه على مكتبي العقاري وأبيع لكِ الأرض بأي سعر تحبين لا مشكلة .
رأسي يكاد ينفجر هاني ، لا أفكر بهذا الموضوع ، تعال وخلصني .
لتمضية وقت الانتظار أخذت تقلب صفحات بعض الجرائد المحلية ، دقائق لا غير حتى توقفت عند الخبر في الصفحة الاقتصادية .. مجموعة أبو طلال الاستثمارية تدشن مصنع الأسمنت الجديد . هو ذا يبتسم تماماً كالديبلوماسيين وعن يمينه أحد وزراء التجارة العرب وكبار الشخصيات . تركت ما عندها ، سرحت بعض خصلات شعرها ، راق لها تتغنى مع بعض المقطوعات الغنائية على هاتفها الجوال ، تبتعد ولو قليلا ً عن كل ضغوطات النهار ، ما عسا عقلها يحتمل أكثر ؟ حرق البيت ثم وفاة والدتها وحديث مهدية عن انتهاء دورها في الأسرة ، ما عاد أحدٌ يرحب بها ، صارت منبوذة أكثر من ذي قبل ! كانت تضحك في سرها على عارف كونه منبوذ و إذ بها تصاب بذات اللعنة ! لا تريد التفكير في كل هذه الدوامة الكارثية الآن .
) أخاصمك آه .. أسيبك لا .. ) تتمايل رأسها مع صوت نانسي عجرم ، نست كل ما حولها حتى جاء صوته فجأة وهو يطرق بأصابع كفه اليمين زجاج الطاولة ، ألتفتت للرجل ، أحد العاملين في الفندق يحمل بعض الورود مرتبة في غلاف نايلوني شفاف معقودة بشريط أحمر ، مرفقة بكارت : الورد للورد . ( خليفة ) ! موظف الفندق لا يعرف حتى من هو صاحب الهدية ؟! تلفتت حولها ولكن لا معنى لهذه الحركة ، من غير الممكن أن يرفع أحدهم فوق رأسه لافتة ليعرف نفسه أمام الجميع بأنه ( خليفة ) ! صرفت انتباهها عن الأمر ، ربما أحد نزلاء الفندق ذوي الأرواح المشاكسة . هؤلاء ما أكثرهم ، لا يستطيعون الاختباء وراء بدلاتهم الرسمية أو الثياب الفخمة التي يتوارون خلفها ، تفضحهم شهوة اللحم ، مستعدين لقطع آلاف الكيلومترات من أجل اقتناص مثنى وثلاث ورباع من ( ن) الأنوثة ، يجربونها بكل اللغات والنكهات ! طلبت من أحد العاملين رمي الباقة في القمامة .
ها هو حضر ومتأنق كعادته بدلة رمادية تحمل توقيع أرماني وربطة عنق حمراء ، كأنه أحد هؤلاء الديبلوماسيين الشباب ساعة خروجهم من مبنى وزارة الخارجية برفقة وفد عربي يزور البلد ..
مساء الخير ، الحمد لله على السلامة منصورة .
مرحباً هاني .
لا أصدق ، فعلا ً هذه الواقفة أمامي ، امرأة مختلفة ! كأنك ممثلة حلوة في مسلسل خليجي وأحلى ألف مرة ، كيف حالك منصورة ؟
حالي أفضل من الصباح ، رأسي أنتفخ وأسودت الدنيا في عيني من بعد .. ما أرغب بعد أتذكر كل ما صار ، مزاجي الآن أحسن وخلي السالفة بعيد .
منصورة ، هذه هدية صغيرة تفضلي .
شكراً هاني كلك ذوق .
زعلانة أكيد ؟
آه ه ه ه ، أخبرك في وقت ثاني يكون أحسن ، أعصابي ما تتحمل هاني .
قومي نتعشى ، ترتاح أعصابك ، شوية موسيقى وأكتب أروع كلام في العيون الحلوة ، أذوب فيها أنا وأفديها .
ها هي تلك اللهجة الاستهلالية التي يستفتح بها الرجل وجبته عندما يشتهِ امرأة جميلة ، تعرف أن خلف هاتين العينين وحش جائع متأهب للانقضاض على فريسته ، ليس عبثاً أن يأتي حاملاً هديته أو هي ذاك الطعم الذي يجذب الضحية للفخ ، هو هو هاني لم يتغير ، يسعى خلف مصالحة فقط ، أينما يجد مكاناً يستهويه ، يفرغ ماء خصيته ولو في حضن الشيطان سيفعلها بسعادة وجنون !
نبدأ بالمقبلات وبعدها مشويات وكل ما تحبين و.. بالك مشغول وكأنكِ في وادي آخر ، منصورة ؟
أنا معك نعم ماذا كنت تقول ؟
أسمعيني .. أي مشكلة ولها حل . تكلمي يمكن أقدر أساعدك ؟
أمور خاصة بي وسأحلها بنفسي لا تشغل نفسك هاني .
وهذه المقبلات وصلت . أنصحك تذوقي الذرة أولا ، لذيذة مع الحمص والسلطة الحارة . هه ما بك تضحكين هكذا ؟
تذكرت زكية ، صديقة قديمة وطيبة ، تبيع الذرة عند حديقة في المنامة ، الفندق لا يجيد طبخ الذرة في مثل مهارتها وشطارتها مستحيل .
أغلب من يبيعون الذرة وهذه الأكلات البسيطة هنود وأجانب ، يعني تتكلمين عن حالة خاصة .
بالفعل زكية تقريباً حالة خاصة .. قبح وجهها ربما يجعلك تتشاءم ولكن الكبير و الصغير عند كشكها يطلب تلك الذرة . تذوقتها لمرات كثيرة قبل أن أنهي علاقتي بها .
كل واحد يعرف مستواه . مثلك على أبواب الشهرة تعرف وحدة بسيطة تبيع ذرة؟! هي من جماعتنا ؟
إيه فقيرة وعلى قدر حالها .
رسالة هاتفية وردت على هاتفها .. ( جميلتي منصورة .. افتحي على جهاز التليفزيون ، بقناة العربية الآن ، تقرير مصور على الصفحة الاقتصادية عن شركتي للإعلان وإشهار وجهك الجديد – أبو طلال ) .
عساها أخبار حلوة ؟
هذا أبو طلال ، هو الآن على شاشة العربية ، تقرير أخباري عن واحدة من شركاته و نموذج إعلان خفيف عني ، صورته من شهر .
أوووو منصورة تنطلق للنجومية ، بس نترك المطعم يرتب العشاء في حجرتك وهناك نشاهد التقرير ما رأيك بالفكرة ؟ كنت أعرف أنكِ ستوافقين !
(( 28 ))
لا يعرف من أين ظهرت هكذا فجأة ، يدري بأنه منسي أو ملغي الحضور في الأسرة ، على حد قول هاني ذات مرة .. ( أنت واحد حياتك زبالة فمن يتشرف بمعرفتك ، حضورك أصلا ملغي من الأسرة ، هل تفهم ) ؟!
أخي حبيبي ما هذه العمامة البيضاء على رأسك أنت بخير عارف ؟ مشتاقين لك وندعو الله أن يفرج عنك .
.........................
صرت هزيل ، لا بارك الله في (....) ، حتى مجلس فاتحة أبي منعوك من حضوره ! شكلك تغير عارف ، شعرك طويل وكل هذا الشيب ، ماذا فعلوا بك أخي ؟ (تبكي).
تزوريني حتى تبكين يا سهام ؟ إذا سمعك أحد هؤلاء سيقطع عليك الزيارة و يطردك وتمنعين من الدخول هنا تعرفين أو لا؟
سأسكت خلاص خلاص ، ماذا أفعل ؟ حالك يا أخي جعلني أبكي ، الأيام التي كنتها في الشارع هائم على وجهك لا بيت يؤويك ولا لقمة نظيفة تأكلها لم تكن هكذا أبداً .
صادروا من عندكِ طبق سمك الصافي المقلي الذي أحبه ؟
كيف عرفت ؟!
ههههههه لوائح السجن هنا يا أختي وقوانينهم الملعونة.
يأكلون ( الـ .....) خذ هذه بعض الفواكه ، كل حتى ترد عافيتك .
هذا كل ما نجى من المصادرة والتفتيش؟ ، لا بأس افتقدت طعمها ، لما كنت في الشارع ، كنت أنتقيها من حاويات القمامة وآكل ببلاش ، حرموني من هذه النعمة لا بارك الله فيهم . كيف حالها أمي ؟
صارت لا تكف تتكلم عن الموت وأهوال القيامة ، طول اليوم تتابع القنوات الدينية ، يمكن تدري عنها ؟ قنوات شيعية و بعنوان حب أهل البيت محسوبة علينا مع أن بعضها يا أخي تساهم وعن جهل أو علم ، بكره الآخرين لنا ومقاطعتنا حتى صرنا في هذا الوطن مجرد ( أولاد متعة ) ! أمي تغيرت منذ توفي أبي . أحياناً تحلم بك محمول على نعش والناس تشيعك لقبرك. أنا مشغولة مع البوتيك ، جلبت خدامة تعتني بها ، أرجع البيت فلا أطيق نفسي من التعب . الله يسامحني ، أفقد أعصابي معها أحياناً ، صارت تتذمر من كل شيء ، تتذكر الذين ظلموها في الماضي ومشاكلها مع أبي وتذهب هنا وهناك تثرثر ، حتى أنها غاضبة على أبي ولا تبريء له ذمة ، فهو السبب في شقاء العائلة وحالها التعيسة . هه ماذا أحكي لك ؟
لا تقولي شيء ، خلاص أنا تصدع رأسي .
مليت مني عارف ؟
مليت من هذا الحبس من عمري ومنكم كلكم ، يمكن حلم أمي صحيح ؟! منيتي قريبة و أرتااااااااااااح من كل عذابات روحي وترتاحون مني ههههه !
عمرك طويل أخي ، أنت ستخرج بسلام من هنا وبعون الله تستكمل علاجك في المستشفى ، عارف تفاءل والدنيا بتضحك لك .
التفاؤل لغة تجيدها الناس المرتاحة فقط .. سهام أنا هكذا رغم كل شيء راضٍ بهذا الجحيم ولكن تعرفين ؟ أحس أن عندي مساحات صفاء و هدوء ، تحليلي للأشياء أصبح متجرداً ، أرى ما لا يراه الآخرين . أتخيل أنني راهب بوذي في دير على سلسلة جبال الهملايا ، لوحدي أتأمل العالم من فوق ، كأني أمشي فوق بساط الغيم .
ماذا تهلوس عارف ؟ الله يهديك هذا كلام غريب لا أفهمه !
ومنذ متى تفهموني أصلاً ؟! حياتي كلها جزيرة معزولة لا يسكنها ولا يتورط فيها غيري !
# # #
تفضل تفضل حاج غلوم ، ما هذه الغيبة ؟ جئت الحديقة تشم الهواء العليل ؟
قلت يمكن أتنفس وأغير جو البيت ، الوحدة أصعب على الكبير يا ابنتي . الحمد لله على كل حال . الذرة عندك ساخن ؟
دائماً حاج غلوم ، تتفضل وبالهناء و العافية ، دقائق وأجهزلك طبق خصوصي .
يمكن مشغولة بهذا الكتاب وأفسدت عليكِ .
أكملت ثمانية أشهر في محو الأمية ولا زلت صامدة ، صارت الدنيا غير في عيوني . معلمتي مدحتني كأشطر طالبة تتعلم بسرعة . حرمتني عمتي من التعليم ، لم أكمل صف رابع ابتدائي . كأن ذاكرتي انتعشت فجأة .
أحست بشعور مختلف يخالجها ، هي ذي في طريقها نحو فضاء آخر ، كل الصخور التي تسد الطريق ها هنا تنزاح ، أمامها جنان خضراء من بهجة الأمل الذي يغني في قلبها ، تود الآن لو تخبر عارف بأنها قبلت التحدي ، تفك ترميز الحرف وتتهجى الكلمات ، من لافتات الشوارع إلى كل ما هو مكتوب في محيط المنامة . عارف سيرحب بهذا ، المجلات التي قدمها آخر مرة ، لها طعم حينما تقرئها وتكتشف عوالم أخرى وراء الحبر وجوف المعنى ، نعم هناك كلمات صعبة الفهم ولكن مساحة النور أمامها تتسع يوماً بعد يوم ، كم هو شعور رائع لا يوصف يجتاح مسافات العتمة و الخيبة في نفسها .
لن تمارس ذاك الخجل المسكين حينما يطلب منها أحد قراءة شيءٍ ما ، باتت قادرة الآن على فهم عالمها ، تثق في نفسها أكثر ، تقبل على تحديات حياتية أكبر ، لن تداوي صبرها بالصمت وتكفن أوجاعها بغضب الهارب ، هي الآن مختلفة ، وتعرف أنها ستجتاز بقية الطريق بنجاح.
والله أنكِ شاطرة . طبخة الذرة عندكِ طعمها لا يتغير مثل طيبة قلبك .
خلي حسابك علينا حاج غلوم . بالصحة و العافية .
شكراً يا ابنتي . تصوري ؟ جئتك ماشياً والآن لا أقدر على المشي أحس مفاصلي متيبسة .
أحد أولادك تتصل له ويرجعك إلى البيت ، أنا سأتصل به ، كم رقم هاتفه ؟
من أين يأتي ؟ هو في آخر العالم .. في كندا وقطعني من أربع سنين وكأنني ميت بالنسبة له .يريدني أن أهاجر مثله وأترك الوطن ، قلبي وعمري وأنفاسي هنا.
لا حول ولا قوة إلا بالله ، وكيف يتركك وأنت بهذا العمر؟!
كل واحد يقول نفسي نفسي ، هذه هي حال الدنيا . مرة مرضت فوصلت روحي إلى سقف حلقي لولا الطيب عارف ، كنت مت وحيداً . وجدت نفسي في المستشفى إلى أن تعافيت .
عارف هو الـ ..
نعم يا ابنتي ، عارف لم تفهمه الناس وتعطيه حقه . في رقبتي دين لهذا الشاب الطيب ما أقدر أوفيه .الله يفرج عنه .
عارف .. مرة أخرى يعود لمشاكسة خيالها ، مرة أخرى يسجل حضوراً مختلفاً في دفتر إعجابها ، لا تزال الأسئلة حوله تكبر ، عالم غامض يغوص في البعيد مما لا تعرف بعد ! تصورت أنها فكت لغزه ، لكنه الآن على العكس من ذلك ، خيوط صوفية متشابكة ومعقدة البدايات والنهايات ، هو هكذا تماماً . أصحيح أنك عارف ، الناس من حولك لم تفهمك ؟ تفهم هذا العالم حولك بينما هو يجهلك ! حاج غلوم يخرف أم يقول الحقيقة ؟! من وصل إلى حقيقتك و نبشها فأستخرج فائض تعبها وعرف كنهها المتواري في وجهك الضاحك في بؤس الأيام ؟
تتذكره الآن .. قال ذات مرة : ( أن الدرب التي يمشيها متصحرة و طويلة لكنه لا يأبى أن يقطعها رغم حزنه ، هو على أية حال سيمشي ، فأما أن يدركه الظمأ فيضيع ، أو يتحول إلى شهيد حاز شرف المحاولة ، يموت وهو راض النفس ، وكم سيكون سعيداً لو أن غصص الموت تزوره بلا ألم ، فروحه ضئيلة الوزن مثل روح عصفور ، ويتمنى أن تكون قبضة عزرائيل لطيفة التفاصيل في تلك اللحظات الحاسمة !
في رأسه أحلام قتيلة ، بقايا جثث من أفكار تطارده منذ زمن ، يقول بأنه عجز عن اجتثاثها ولم يتمكن من مهادنتها حتى يتنفس مثل بقية خلق الله ، لكنه أيقن على مضض أن الحياد أفضل الحلول ، هو لا يعرف كم هي النسبة المئوية التي فقدها من اتزانه النفسي جراء تلك الأدوية المدمرة التي غزت روحه المرتعشة أو مقدار الجينات الوراثية المشوهة التي أتحدت مع دمه من أبيه ، لكنما الأحسن لو تركت له البقية الباقية من عقله حتى يكمل مسيرة شقائه في حياة هو غريب عنها . فقط هو يريد الاستمرار في البحث عن مخرج وسط الزقاق المظلم حيث ظل الفزاعة يستنسخ نفسه آلاف المرات ويطارده ، الوصول إلى مخرج يجعله يحس بشعور أفضل ثم تعتق نفسه من أسرها . مادامت الروح تتنفس على وجه البسيطة ، تظل في قيدها ، تنتظر لحظة التنوير ، تلك التي لا تأتي إلا مع صعود الروح لبرزخ الفناء .. وبعد أن قال ما عنده ، حك شعر رأسه و ضحك لا مبالياً ! خربش كل ما سبق مهوناً المسألة كعادته ، بأن الإصغاء لهرطقاته عبث لا طائل منه و لايفيد البشرية في شيء .
# # #
تشعر برهبة كلما أرادت فتح الدفتر . ماذا كان يكتب في أوراقه ؟ السؤال الذي شاكس فضولها كلما شاهدته يدخل الحديقة وينتحي ركناً هادئاً ليكتب . أكيد أشياء كثيرة كان يهجسها ولم يجد مكاناً أفضل من الورق يبوح له بكل ما يعاني . عارف ترك الدفتر ، الأرجح أنه لا يتذكره الآن . فتح شهية السر ، فضح ما هو في طي الكتمان ، يحق لعارف الاحتفاظ بسره وإن أي بادرة فضولية تحاول إحداث ثغرة في هذا الجدار ستكون شريرة فأرجعت الدفتر مكانه والتردد شيطان يستمر في تحريضه غير مستسلم . أكيد عارف نسي دفتره وهو لا يعرف بذلك .
تناولت الدفتر من جديد وانتصرت لشيطان فضولها ، فتحت سر الصفحة الأولى ، جاء الخط شبه فوضوي ..
( هذا يوم آخر من تعب روحي . بعض الرجال عصر هذا اليوم ، طردوني من على باب المقبرة ، أحدهم وصفني بأني مجرد سكير متشرد ! كيف هي هذه الناس ؟ تدعي التقى والإيمان وتنهش بعضها البعض . نعم أنا متشرد ولكن لست سكيراً ، لا أدري إن كان الله تعالى يسمح للمشردين أمثالي من دخول جنته ، ولا أعتقد أني قدمت شيئاً بالمقابل حتى أربح تذكرة مغفرة لتلك الجنة ! هذا ظلم .. تنبذني الناس آه ه ه ه ، كم أشعر بالراحة لمّا أبكي بعضي وأغسل شيئاً من أحزاني .
أن تحزن من أجل نفسك وعليها ، تكون قد اكتشفت جزءاً من الحقيقة . عزلتي اختيارية لكن الناس لا تتركني و شأني . تركت الجلوس عند المقبرة مدة ثم رجعت ، هذا أنا عنيد حتى ضد نفسي . لكن أن ترافق هؤلاء الموتى وتأنس بصمتهم خيراً من الأحياء ! يوماً ما سأدفن هنا ، لا أدري إن كان هذا قريباً أم لا ؟ أريد أن أوصي أحدهم ، فاليكن قبري عند شجرةٍ باسقة لا تغيرها الفصول ، شجرة عوسج حتى لا تنال ضراوة الشمس من قبري ، أعتقد الناس ستقرأ لي الفاتحة مثل أي ميت هنا يلتحف بساطة التراب ولكني بالمقابل أتمنى أن يؤنسوني بسماع أصواتهم وهم يضحكون .. أوليس الضحك ينظف أرواحنا من تعاسة الأيام ؟
أحياناً أكره حياتي . ماذا أراني فاعلاً ها هنا ؟ يرد عليّ طيف أمي في أحلامي و يقظتي لكني لا أدري كيف لا تطاوعني نفسي لزيارتها ، هناك أكثر من حاجز يقف حائلاً بيني و بينها ، قد أكون غاضباً عليها في لاوعيي ، هذا ربما يكون صحيحاً . أشعر بالعجز حيال هذا الوضع ، أمقت حتى أفكاري السوداء التي لا تتركني أعيش في سلام .
سئمت من كتابة أي شيء هنا لا أجد له مبرراً حتى ! مرات كثيرة أشعر بالمزيد من الخيبة تهاجم اطمئناني ، حياتي التعيسة لا تستحق شيء لكني على أية حال أتصالح مع نفسي أحياناً . أنا مثل طفل أبكي ضعفي ، أبكي بسبب و بلا سبب محدد ، أرجع ثانيةً أرتب نفسي من جديد وكأن شيئاً لم يكن . ما أحلى أن يكون المرء هكذا ، هذه ثقافتي أنا في العيش ، عل أحدهم يكتشفها ذات يوم و يستفيد منها أو يشقى بها ، أنا لا أعطي ضمانة ها هنا . وهل هناك من يضمن شيء من معتوه مثلي ؟!
جئت لهذه الحياة مكتوب عليّ الشقاء ، ( الأنا ) التي تعيش بداخلي وعيها مشوش الرؤية في صورتها التكوينية . فزاعة بوجه الريح .. هي ظلي الآخر الملازم لي ، تتطفل عليّ أو تملي قناعاتها ، تحتقرني ، تستفزني في كثيرٍ من أفعالي ، أكره هذه الفزاعة التي أنا عليها وأحياناً أقبل وجودها على مضض . اللعنة .. أشعر بها الآن وشيكة الحضور وستبدأ تفسد كل شيء كعادتها ! هذا دخانها يغزو نافذة عقلي ، أحرقتها آلاف المرات ولكنها تنبعث من رمادها كطائر الفينيق ، تضحك في دهشة وجهي الأخرق . هذا ما يرفض طبيبي النفسي تصديقه في الأعوام التي أخضعت فيها للعلاج بالقوة ، ( يزعمون ) بأنني أعاني إعاقة عقلية ، قالوا هذا ولم يكلفوا أنفسهم بعض الوقت حتى يفهموني . نصف شقائك يا ابن آدم أنك عندما تكتشف الدنيا على حقيقتها ، تكون ورطتك قد سحبتك في العمق حيث لا رجوع ؟!
هه أشعر بالجوع وسأتوقف عن هذياني ، فهو على أية حال لن يغير العالم ، وأنا نفسي لن أتغير ، أبقى هنا غريباً مثل ( ربنسون كروزو) اعبر وحشة الطريق وأقتات عزلتي ، أعلق قميصها المهلهل على هيكلي الخشبي ، لقمةً أنا لشهية الريح ولا أذان يسكن أوجاع روحي ولا صلاة تطهر خطاياي .
خطاياي التي أحملها وكل آلامي التي ترمي بثقلها عليّ ، ما أشبهني به ذاك المسكين ( سيسيفوس ) ، يلهث مدحرجاً صخرة خلاصه إلى قمة الجبل فلا تلبث الآلهة حتى تدحرجها إلى القاع فتتجدد رحلة عذابه الأبدي !
يا أيتها الفزاعة اللعينة أغربي عن وجهي . ما أنا صاحبك ولا أريدك هنا ، لا تدحرجي صخور عذابي في الدرب الوعرة ، أتنفس بصعوبة كلما حضر ظلك في مساحة قلقي ، حامض الطعم لا أطيقه .
الأشياء المزعجة تحوم في فضاء الذهن ، تستوطن ذاكرتنا على عكس الأشياء الجميلة ، تأتي بتأشيرة غيمة صيف ، لا تطيل مقامها ، ها أنا أتذكر الآن وأحاول الهرب من سطوة ذاكرتي ، تجلدني بلا رحمة ، متى يطول سجني الداخلي هذا الذي لا يشعر به أحداً سواي ؟!
كل ما بداخلي يتهشم ، أمشي خطواتي الأخيرة فوق جسرٍ آيلٍ للسقوط و..
أغلقت الدفتر .. ما عاد هذا شيء مسلٍ الآن حتى تستمر في إزاحة غطاء البئر عن بقايا الصفحات ، كلها تغرق بالمزيد من الكلام ، كلام ما كان واضحاً في عينيه ، شخص مثل عارف نصف عالمه مخفي ، مرات كثيرة يختار أن يكون مخصياً عن الكلام ولا يلقح صمته الطويل إلا بالمزيد من تلك الضحكات الملتبسة بين الغباء المفرط أو الذكاء المتوقد ، يسخر من سطحية هذا العالم فيتفرج عليه من باب التسلية لا أكثر !
# # #
الكثير من أعمال التنظيف و ترتيب الأشياء ، تدور في الشقة من مكان لآخر ، أوه .. هذا مصحف صغير في محفظة كانت منصورة قد أهدته إياها مع قارورة عطر رخيص ، لا تتذكر المناسبة لكن يومها عانقتها مثل أي أخت حقيقية اشتاقت لأختها بعد سفرٍ قصير . بكت فجأة وعندما سألتها عن السبب ، لم تفصح . قالت بأنها لا تحتاج إلى مناسبة كي تقدم هدية لأختها ، ثم مسحت دموعها .
أزالت الغبار عن المصحف ، رتبت بعض التحف الخزفية الصغيرة على مكتبة التلفاز ، هنا بعض النشرات الإعلانية القديمة ، سابقاً لم تهتم بها لكونها لا تقرأ فتستعملها لتنظيف النوافذ أو تلف بها الشطائر لبنات المدرسة . ستحتفظ بها حتى تقرأ ، تشعر بنهم لقراءة أي شيء يقع تحت يدها ، المعلمة نصحتها بأن تكثف من القراءة حتى تتفتح أمامها عوالم المعرفة و النور .
طرقات خفيفة على باب الشقة ؟ هي في العادة متروكة هنا لوحدتها ، لا أحد يزورها بتاتاً وهي تحالفت مع الصمت ، تتبادل بعض النظرات فقط مع جيرانها حينما تنزل للشارع أو عندما ترجع من عملها مكدودة ، نظرات خالية من أي تعبير مع جيران غرباء من بلاد بعيدة ، الحمد لله أنهم لا يثيرون المشاكل وكل واحد في شأنه . أطلت من ثقب العين السحرية فكانت المفاجأة .. منصورة !! إنها هي أو .. كأنها واحدة من فاتنات الشاشة ، ماكياج خفيف ساحر اللمسات ، بلوزة زرقاء بلون البحر ، جاكيت صيفي ذي خطوط فرنسية وحقيبة أنيقة . إنها هي ولكن لا تشبه منصورة التي ترقد في ذاكرتها، هي ذي تفتح حقيبتها و تتعطر ، تتفقد زينتها على مرآة صغير في شكل قلب مذهب الأطراف .
ما الذي أتى بها ؟ ما هذه بالصديقة التي تستحق الوفاء أو التضحية ، لماذا فقط الآن ترجع ؟ أتريد احياء صداقةٍ ماتت وأصبحت طي الماضي ؟ واضح أنها صبغت شعرها باللون الأشقر ، تحمل كيس ورقي وردي اللون و.. فتحت لها الباب ولم تكن تعرف كيف أو بماذا تستهل هذا اللقاء المفاجىء ..
أنتِ منصورة أو أنا مشتبهة فيكِ ؟
عانقيني أولا ثم أفعلي ما تشائين ، حبيبتي زكية . والله العظيم اشتقت موت إليك .
خرجتِ من حياتي ثم فجأة ترجعين ؟ قبيحة مثلي لا تتناسب و مستواكِ يا بنت الناس اللي فوق ، ماذا تريدين بالضبط هــــه ؟
أريد قلبك زكية ، أعرفه طيب ولا يحمل حقداً على أحد ، أنا أينما أذهب و كيفما يصير شكلي ، أنا طينتي بحرانية ، هذا أصلي ولا أتغير وكل هذا الذي ترينه ليس أكثر من ديكور. هـــه أتفضل عندكِ أو ..
أهلا و سهلا .
تفقدت المكان بنظرات فاحصة ثم جلست على الكنبة الوحيدة في الصالة المخنوقة الحجم ، صففت بيدها خصلات شعرها وهي ترفع من تهدل فستانها عن كتفيها بعض الشيء .
سامحيني زكية ، لو اضطررت السفر من آخر العالم ، لا بد أن أجىء إليك لتسامحيني . هذه هدية بسيطة اقبليها مني .
لست حقودة لهذه الدرجة حتى أحملك عناء السفر من أقصى العالم كما تقولين ، ولا داعي لهديتكِ ، الحمد لله ، قلبي أبيض و يحب الناس اللي تحترم نفسها . كل تلك السنوات ولم تعرفيني ؟! بنت الكبار ماذا تحب أن تتضيف ؟
أسلوبك جاف زكية ، تغيرتِ كثيراً .
وإلى الأفضل .. أكيد رأيتِ كتب محو الأمية ؟ تعلمت القراءة من جديد والآن أتحسن في الكتابة ، وعرفت أن القبح ليس بعيب الوجوه بل بشاعة النفوس عندما تتكبر . نعم أنا أتغير وقريباً سأوفر فلوس العملية وستذهب حبة الحمص هذه الراقدة جانب أنفي إلى الزبالة .
أخبار طيبة ، تستحقين كل خير زكية وأتمنى لكِ التوفيق . اعتبري فلوس العملية عندك، أكتب لكِ شيك بأي مبلغ ولكن سامحيني ولا تتركيني هكذا أتعذب ؟
لا تكبرين الموضوع منصورة ، ما أحتاج فلوس . أضيفك بمهلبية الرز والمكسرات ؟ أنتِ تحبينها .
أكلتها في أفخم الفنادق ولكن طعمها غير عندك .
تفقدت من جديد محتويات الشقة ، شماعة ملابس معدنية من النوع الرخيص ، بعض طلاء الشقة متقشر ، النمل ينقل قواته متنقلا و يستولي على بعض فتات الخبز و يتوارى في أسفل الأرضية الأسمنتية العارية ، يغطي نصفها سجاد متقادم و في أعلى السقف مروحة تصدر صوت شبيه بالأنين ، قديمة هي الأخرى وعمرها من عمر انشاء العمارة ، أما الجدار فواضح أن من سكنوا هنا قبلا ، تركوا بعض المسامير أو ندوبها عليه . هنا صورة رجل في العقد الخامس من عمره ، الشبه واضح ، زكية تشبهه كثيراً في أسفل الفك و عند الأنف و العينين و الحواجب . إنها لا تعلق لنفسها ولا صورة واحدة ؟!
بسيطة حقاً يا زكية وقانعة بأي شيء .. هناك في أحد الزوايا كانت تقبع بصمت ، تعرفها جيداً ولا يمكن أن تغفل شكلها ، رأتها مرات كثيرة وهو يحملها ، عارف وحقيبته الرثة ! يقفز الآن إلى ذاكرتها من جديد . ربما هي تزوره في السجن ؟ ربما استودعها بعض حاجياته البسيطة ؟ هه ، هو أصلا لا يملك شيء ! تفكر أن تسألها عنه . وما هي أحواله في السجن ؟ ربما هذا كفيل بتبريد بعض جحيمها الذي لا ينفك يسلط نيرانه عليها وما فعلته ذاك اليوم . ستشعر ببعض التحسن على الأقل كما تظن الآن .
حتى لو انتابتها دبابيس الخيبة تنحشر أسفل جلدها بمزيد من الإحباط ، فسوف تتجاوز الأمر ، مجرد الحديث ممارسة تعطي شيء من العزاء للنفس . علها ترفض الحديث في الموضوع ، تبدو غير راغبة في الزيارة من الأصل . ماذا لو أنها على علاقة سرية معه ؟! قبيحة مثلها سترحب و يطرب قلبها لأي محاولة من أيما رجل يطرق باب قلبها ولو بهمسة مجاملة كاذبة . هي سطوة اللذة ، من أول حريق تتحول إلى جنون متوقد العنفوان لا يعرف توقيته حينما يتمرد العطش ، يا زكية أكيد جربتِ شواء تلك النار و وهبتيها الوقت والصمت و السر والفرح ، كيف لا تفعلين وهي ذاك الاخضرار الذي يزيل يباس حواء ويبهج روحها .
جاءت تحمل صينية بلاستيكية متوسطة الحجم ..
تفضلي ، هذا بعض ما عندي ، لست متعودة على استقبال أحد ، أنا البحرانية الوحيدة في هذه العمارة ، تفضلي .
زاد فضلك زكية ، كم تدفعين إيجار الشقة ؟
أدفع مثل غيري بزيادة وعلى مزاج مالك العمارة ولكن الحمد لله الحال مستور .
ما جاوبتِ سؤالي .. كم تدفعين إيجار ؟
مائة و خمسين دينار .
لذيذة المهلبية ، لا تزالين تحضرينها بنفس الطعم ونحن نأكلها على كورنيش الملك فيصل ، تتذكرين زكية ؟
...................
زكية أرغب في مساعدتك حقاً ، أعطيني فرصة ، فرصة واحدة لا غير أصحح فيها غلطتي قبل أن ..
...................
ذاك اليوم أنا جرحتك ، بس أنا صرت أنانية ، وحده حقيرة خانت العشرة وباعت أختها . تعرفت على ناس من كل جنسيات الدنيا ، الكثير منهم مجرد وحوش متأنقة تتعطر بالرقي و الحضارة و هي من الداخل ضياع و دمار وفراغ ، أنتِ زكية إنسانة مختلفة ، نقية من أصلكِ لا تعرفين تحقدين على أحد حتى لو جربتِ ! طيبتك فقط تفضح الأشياء الجميلة التي تحملينها ، هكذا عرفتكِ من أول يوم عندما تلاقينا في سوق المنامة .. تتذكرين ؟ عزومة العصير عند الهندي مبروك ، أنا ضحكت في وجهك ثم بدأنا نتكلم وكأننا نعرف بعضنا من زمان بلا مقدمات .
ذكريات الماضي ، الأيام التي ذهبت .
لكنها تعيش في داخلي زكية . كنت يومها أعرف نفسي أكثر قبل أن .. الله على تلك الأيام ، ليتها تعود . بعد غد أسافر على طيران العربية ، لا وقت عندي ، سامحيني زكية .
................
سكوتك أفهمه جيداً ، لا تعرفين الظروف التي أمر بها ، بيتي في المنامة صار رماد ، أمي ماتت وما حضرت جنازتها و.. ( تبكي ) .
لم تتمالك نفسها لتراها على هذه الحالة ، أحقاً هذه منصورة ؟! تلك الواثقة من نفسها ، تقشر حضها من الصخر العاتي ، تحلب أيما غيمة تمر منها ، تتحدى شرار اللحظة لتخطف الدفء قبل أن تحرق النار أصابعها ، أهي تمثل أم تنهار الآن ؟! حدسها لا يخبرها الآن بشيء ، تكاد الصورة تكون مشوشة الرؤية ، فكيف تعرف حقيقة ما تراه ، إن لم تواسيها فربما .. كم هذا مربك ! لا أحد يستطيع أن يفتش قلوب الناس ، من العبث والسخف إذاً محاكمة نواياهم . قلبها يدوس على أوجاع الماضي ، تهتف بصمت .. ( الدنيا لا تستحق ، سامحتك منصورة ، بكاؤك فاتورة مستحقة الدفع ، وها أنا أقبض حقي ) !!