الفصل الثالث
نظرت زوجة ابن الحمودة بأسف ومرارة إلى ما بقي من بيت أبي يوسف وقالت لزوجة كريم:
ـ ما الذي فعلته الدنيا بأبي يوسف: أولاده أجبروه على هجران بيته وقريته وشجرته، وليتهم اكتفوا بذلك.
قالت زوجة كريم:
ـ ليته لم يوافقهم رأيهم، ويهجر القرية.
ـ لم يستطع.
لم تتابعا الحديث لأن صوت ابن الأحمد جاء صاخباً، وهو ينادي ابنه:
ـ يا قرميد... أسرع إليّ بالشاي والطعام.
عادت زوجة كريم إلى الكلام:
ـ ابن الأحمد أموره غريبة، ينادي بصوت عالٍ مسموع للغادي والرائح، ويشرح ويفصل، وكأنه جالس في البيت، يتكلم مع زوجته.
ـ هذا طبع ابن الأحمد، ولا يعرف أن يغيره.
- أذكر والده، كان مختلفاً عنه... هل تذكرينه أنتِ؟
ـ كيف لا أذكر أحمد السعيد، الأرض التي كان يزرعها أبي، كانت إلى جوار أرضه؟!.
ـ أنا أذكره، كان يزور أبي... وكانت كل ضيعتنا تحتفل بمجيئه وكنّا نحن الأولاد نجلس قريبين منه لنستمع إلى حكاياته وأحاديثه.
ـ هو يشبه أبا يوسف.
ـ أنت على حق، إنه يشبه أبا يوسف، ولم يوفق بأولاده مثله مثل أبي يوسف.
ـ أخطأ أولاد أبي يوسف بهجرهم القرية.
ـ ولم يكتفوا بذلك، فقطعوا جذع الشجرة التي كانت أقدم أشجارنا وأكبرها.
ـ واختصموا مع بعضهم بِشأن الأرض التي أمام البيت... من جهة الغرب بانت زوجة يوسف بو حمود، تمشي وئيدة الخطوات، فانصرف الحديث إليها:
قالت زوجة ابن الحمودة:
ـ هل سمعت أن يوسف بو حمود يحب (شياله) قريبة الجبيلي؟
ـ سمعت من كريم.. هو لم يخبرني، لكنني سمعته يقول ليوسف:
ـ عار عليك أن تتزوج غير زوجتك وتهمل أولادك.
لكنني لم أكن أعرف أن المقصود بذلك هو (شياله).
ـ منذ وقت بعيد لم يزرك أخوك (عبدو الشاعر) لقد اشتقنا لغنائه وحكاياته.
ـ سافر... لكن أسعد أخبرني أنه عاد من السفر.
تترامى الكروم والغابات والتلال، بين ضيعة النبع وقرية شجرة التوت، والدرب الترابي الواصل بينهما طويل ومتعرج وغير مأهول، لكن أحمد السعيد كان يقطعه ماشياً أو راكباً الحمار الأسود، دون أن يحسب للمسافات حساباً، وقد سمي الدرب فيما بعد باسمه، لكثرة ذهابه وإيابه... هذا ما يعرفه معرفة أكيدة الجبيلي، وابن الأحمد وأبو يوسف وغيرهم، لكن زوجة ابن الحمودة وزوجة يوسف بو حمود لم تعرفا أية تفاصيل عن علاقة أحمد السعيد وأبي يوسف بضيعة النبع...
إلا أن زوجة يوسف صارت تكره ضيعة النبع وتكره اسمها جراء حب زوجها (شياله)، وصارت من حيث لا تدري ولا تريد، تصغي لكل حكاية تتعلق بالجبيلي وسبهه وشياله، وبضيعتهم التي تركوها منذ وقت غير قريب، وقد فكرت يوماً بأن تذهب إلى (سبهه) وتحدثها بحديث حب يوسف لقريبتها، لكنها خافت من غضب زوجها وعقوبته لها بما لا يرضيها... وبما يجعلها تسقط في وحل الندم ولا تنهض منه.
بقيت زوجة ابن الحمودة وزوجة كريم تتناوبان على العمل في الأرض وعلى متابعة الكلام عن حياة وأيام القرية والجيران...
أرض كريم وأرض ابن الحمودة متجاورتان، لا يفصلهما إلا الدرب الذي يصل بين البيوت. أما أرض يوسف بو حمود فهي تجاور الساقية من الجهة الشمالية...
انحدرت زوجة يوسف عبر الأرض المجاورة، لأرض شجرة التوت، ولم تنتبه إلى حيث وقفت جارتاها تتحدثان، ولو أنها انتبهت، لتمهلت عندهما، وحدثتهما حديث حب زوجها وعذابها أو حديث شجرة التوت وصاحبها.
هاجس صعب، ظل يقلقها ويفزع طمأنينتها، هو حب زوجها لسواها: تحاول أن تبتعد بتفكيرها عن هذه الحكاية، التي خربت عليها هناءتها المحدودة، لكن محاولتها تبوء بالفشل، ويعود إلى رأسها هاجس مفزع، يحاصر أي أمل، أو حلم أو بارق سعادة يشرق في نفسها وحياتها: تكلم وهمها، وهي تمشي أو تجلس أو تعمل: "ما هذه القصة التي ابتليت بها مع زوجي؟ كأن ضياع شجرة التوت، ارتد عليّ بالأذى والتعاسة".
***
بقي جذع شجرة التوت يفرع كل عام، وبقي الطائر الكبير، يقبل على الجذع الفارع، وأبو يوسف، بقي يزور لهوفاً إلى أيامه وحياته، التي عاشها في بيته، قريباً من الشجرة العتيقة، والجيران العتيقين...
بيت ولده في طرف من أطراف المدينة... في قرية ليست كقرية شجرة التوت، وحياتها ليست كحياتها، جفلت روح أبي يوسف أول أمره، وأحس بضيق في أنفاسه: بيت ولده غرفة ونصف غرفة وسرير حديدي، قوائمه تعيسة... صدئه... كعمره... تفصل الغرفة المسمّاة بيتاً... تفصلها عن البيوت الأخرى أرض غير مزروعة، وعن المدينة مسافة مأهولة بالقمامة وأحياناً بصوت الحيوانات وأصحابها المقبلين على (البازار) لبيعها أو لإبدالها.
ولد أبي يوسف لا يهدأ في الغرفة المسمّاة بيتاً، وإن هدأ فهو ينام، لأن عوزه للنوم والعيش الكريم أكثر من عوز ابن الأحمد للظرافة والروح الرياضية.
عمله يتبدل مع تبدل الفصول واختلاف المواسم... في الصيف يعمل في الأرض... يشترك مع أقرباء أبيه، الذين يعيشون في قرية النبع كل الفصول، إلا في فصل الصيف... فهم ينزلون إلى أرضهم القريبة من أرض ولد أبي يوسف...
وقد اقترب الولد من أقرباء أبيه، واشتغل معهم بلهفة، لأن ابنتهم الكبيرة والوحيدة، بادلته القليل من الهمس واللمس، والوقوف تحت الشمس... ومرة أو مرتين أو أكثر، حاولت أن تغمز لـه إشارة منها إلى حبها له... ففوجئت بأنه لا يعرف أن يغمز... بل يغمض عينيه إغماضاً تاماً، حتى يظن أنه مصاب بالرمد، أو أن عينيه تعشيان، وعنياه في جميع الحالات ليستا مدعاة للسرور والبهجة، وملامح وجهه كعينيه، تخبئ رصيداً زائداً عن الحاجة، من التعاسة... ملامحه تشعر الناظر إليه، أنه خارج من موسم بكاء ضخم، أو أنه على موعد مع البكاء المرير... عبوسه كحالة السرور... العبوس والسرور لا يختلفان في أمر. حتى إذا ضحك، فتظنه مصاباً بالزكام ويريد أن يعطس عطساً عنيفاً...
ملامحه ماركة غير مسجلة في سجلات الملامح... لأن التعب لا يظهر عليها، وكذلك الانشراح... وكيف يتم ذلك، وملامحه شبيهة بأرض مغطاة بالحجارة الصغيرة السوداء؟
وقريبته ليست خيراً منه، إلا حين تغمز بعينيها، فعين من عينيها أتاها الغمز، منذ ولادتها الميمونة، في دارة أهلها الموقرين، في قرية النبع، وقد وصفها (عبدو الشاعر) جار أهلها وقريبهم:
"إنها حين تنظر إليّ أحس أنها تريد أن تبصق في وجهي وفي وجوه جميع المواطنين، المقبلين على الحياة... فتجعلهم، متى رآوها، يحسون أن وقت إقبالهم على الحياة انتهى، وحان وقت إدبارهم، وعينها اليمنى عوراء أو شبيهة بالعوراء، فهي في حال من الغمز الدائم".
ولد أبي يوسف انشدّ إليها أول أمره مع أهلها، وواظب على العمل معهم في أرضهم، حتى إنّه أقنعهم ببناء غرفة كغرفته، يسمونها بيتاً...
أبو يوسف التقى بأقربائه البعيدين، الذين تربطه بهم آصرة قربى غير متينة، بسبب تعرج الدرب ووحشته، وبسبب الفقر المتكدس في كل منحنى من منحنيات حياتهم، الفاخرة كعطر (أسعد الشحاذ).. عرفهم جيداً وعرف الآباء الذين رحلوا عن هذه الدنيا تاركين إرثاً عجيباً من التعاسات المتنوعة، كتنوع الأوساخ المتراكمة على جلد وثياب أسعد.
وقد انتبه إلى إقبال ولده على بنتهم المزدهرة كفصاحة وحياة صالح الجبيلي. بررّ أبو يوسف لولده المجتهد في مجالات الحياة، أن يقع في هواها، لأنه، كوالده لم يجد من يقع في هواها، إلا ها أو من هي؟ أتعس منها.
تذكر أبو يوسف، وهو يعاين قريبته العوراء، التي هيئ لولده أن يقع في هواها.. تذكر كيف وقع في هوى السيدة الشفافة... أم يوسف، وعادت به الذاكرة إلى الأيام البعيدة، فلعن حياته غير السعيدة، لأن دروبه صارت عن شجرته بعيدة، وقال في نفسه:
"أم يوسف يوم طلبتها من أهلها، قبل والدها طلبي على الفور... وأهداها بضع دجاجات، وحدوة جديدة أحضرها لها من المدينة. واحتفلت أم يوسف بالحدوة الجديدة، أكثر من احتفالها بحبي لها... حدوة محترمة ـ بنظر أم يوسف ـ أكثر من أي شيء آخر... قد يكون والدها وفق إلى اختيارها مصادفة، أو أن صانع الأحذية، لم يصنع إلا هذا النوع... وقد أمعنت أم يوسف بوصف حدوتها وبتعديد مزاياها النادرة:
"حدوة مصنوعة من جلد متين، وشكلها غير شكل، وتريح القدم إراحة تامة، وهي لا تصدر أية رائحة مهما لبسها الإنسان".
هذا ما ظلت تقوله أم يوسف عن حدوتها، في كل مرة تلتقي بها أبا يوسف، وقد قلت ملاقاتها بأبي يوسف بعد أن تمت الموافقة عليه زوجاً.
ظلت تحكي عن مزايا الحدوة، رغم أنها لم تلبسها إلا وقت جربتها ثم خبأتها في الصندوق الذي قدم لها من أحد أقربائها أو من أبيها...
أبو يوسف وأم يوسف اجتمعا بأقربائهما، في بيت ولدهما المصان صيانة كاملة من قبل الشقاء لا أكثر ولا أقل...
اجتمعت العائلتان، في بيت ولد أبي يوسف، الذي دعا أهل حبيبته، المكتشفة حديثاً وأقام على شرف قدومهم المبارك إلى بيته، لأول مرة، تصحبهم بنتهم الدلوعة، المحبوبة... الغالية على قلبه... واحر قلبه وكل قلب يصار به إليها أو إلى حبها... أقام على شرف قدومهم غداء فريداً من نوعه بنظر أم يوسف:
ذبح لهم دجاجة كبيرة، وطبخ لهم البطاطا، والقمحية، وأحضر اللبن.. وشرحت أم يوسف بإسهاب وإفاضة واقع حال الغداء: "ابننا (خبصها) اليوم يا أبا يوسف، شوى الدجاجة وطبخ البطاطا والقمحية وأحضر اللبن. واشترى لنفسه حذاء وثياباً جديدة... وصرف كل ما لديه من أجل هذه الحبيبة العجيبة.
سأل أبو يوسف:
ـ لماذا عجيبة؟
ـ لأن عينها تنظر نظرات غير صحيحة...
عرف أبو يوسف أن زوجته من الجهل وقلة الفراسة بمكان، جعلها، كولدها، لا تعرف أن عين البنت مصابة بالحول الفائض عن الحاجة، أي أن حولها ليس حول الحسن. أو أنها عوراء بشكل من الأشكال. عاد أبو يوسف ووضح لزوجته:
ـ البنت عينها بها حول يا أم يوسف، أو أنها عوراء.
نادت أم يوسف بصوتها الرعاد، وشدت على ملامحها الشبيهة بالغضب المكوم في حلق قرية عطشى ومعذبة بالبؤس... نادت:
ـ بها حول أو عوراء؟ ألا يكفينا ما عندنا من هم وفقر، حتى نزوج ابننا واحدة بها حول أو عوراء. ؟؟!!
أتمَّ أبو يوسف الشرح:
ـ وقد يكون صوتها مثل عينها يا أم يوسف...
أم يوسف جلست محزونة... وقد استبد بها النعاس، فسرقها الغفو، فنامت على الكرسي، وأطلقت العنان لصوت أنفاسها، غير المؤنس، وازداد صوت أنفاسها علواً واضطراباً، وصارت تتكلم وهي نائمة، كلمات غاضبة، فهم منها أبو يوسف، أن الدجاجات التي تركتها برعاية زوجة كريم، أصابها الأذى، من (ابن آوى).
ضحك أبو يوسف ضحكته الهانئة الودودة، التي لا تبين كثيراً، لكنها تبوح بعذوبة خاصة في نفسه، على عكس زوجته، التي لا تبتسم إلا نادراً، وإن ابتسمت فابتسامتها شر من عبوسها...
لعلها لم تتعلم من الدنيا الابتسام، وفي ظنها أن الابتسام أو السعادة الملحوظة عار على الإنسان...
كابوسها استمر، وصوتها صار أبشع وأكثر غضباً، فلم يرد أبو يوسف أن تستمر في عذابها وقلقها... فأهاب بها أن تستيقظ... جفلت والخوف على كل ملمح من ملامحها: على جبينها العريض غير الوضاء بتاتاً، وعلى وجنتيها، اللتين ضاعتا بالتجاعيد القديم منها والحديث، لأنها ورثت، عن أهلها التجاعيد في الوجنتين، وعبوساً وتقطيباً في الجبين.. وهذا الميراث عرفت به عائلة أهل أم يوسف. وولدها استفاد من ميراثها هذا الكثير، فوجهه شبيه وجه أمه، وحاجباه، يا ويح قلب العاشق الصب، كحاجبيها.
عاين أبو يوسف زوجته وهي تصحو من كابوسها، وقد مدت يديها كمن يريد أن يتكئ على جدار الظلام، فأمسك بها من كتفها، خشية أن تمشي، وهي نائمة، وتسقط أو تصطدم بالحائط أو المنضدة العجيبة، التي استضاف عليها ولدها عائلة حبيبته.
عادة المشي، وهي نائمة، عادة معروفة، ولعلها من العادات التي ورثتها أم يوسف عن أهليها... خاصة إذا كان الكابوس، يتعلق بالدجاجات أو بالحدوة، فإنها تحاول أن تركض، وتمسك بابن آوى أو بالهرّة اللئيمة، التي تأكل البيضات، أو بأسعد الذي، رأته مرة في نومها، يريد سرقة حدوتها، فصرخت به صرختها (الارتوازية) المعهودة، وهمت تمشي وراءه، فسقطت من على العرزال، وتكسرت بعض عظامها، وجبرها يومها (صالح الجبيلي) وأعانه على ذلك أبو يوسف.
صحت أم يوسف أخيراً، وظنت أول صحوها، أنها أمسكت بابن آوى أو بأسعد، فوجدت نفسها أنها ما زالت على الكرسي العالي، وإلى جوارها زوجها، يعب من لفافته العريضة، ويرتشف من فنجانه الشاي...
زمت شفتيها كعادتها، حين تريد الكلام:
ـ كيف تتركني أتعذب، وأنا نائمة، ولا توقظني؟
ـ لم أنتبه إلى أنك معذبة بالكابوس، إلى حين جاءني صوتك كرسول العذاب، يخبرني عن أمر فاجع.
ـ صرت تتفلسف آخر العمر يا أبا يوسف؟
وصرت تأتيك الرسل ويخبرونك بالأمر؟
زمُّ شفتي أم يوسف استمر، وكابوسها، ظل يعذبها.
قال لها أبو يوسف وقد لمح شفتيها وعبوسها وتقطيبها:
ـ أنت تشبهين ابن الأحمد شبهاً بعيداً.
ـ وأنت تشبه من؟
ـ أنا أشبه شجرة التوت.
لم تجب أم يوسف، لأن حياتها في البيت الترابي قرب الجذع الكبير لشجرة التوت، تحبها كثيراً، وتذيع في روحها القليل من الأمل، لأن روحاً كروحها، يسكنها العذاب، وتسكنها الكوابيس، ليس هيناً على أي بارق أمل أن يسطع فيها...
عاد أبو يوسف إلى الكلام، وقد شاقه أن يتحدث عن بيته والشجرة التي ألفها وأحب معها الحياة والناس:
ـ لا أدري كيف اندحرت حياتنا الطيبة يا أم يوسف؟
الشتاء الذي مر كان صاعقاً وغاضباً
ـ مثل ابن الأحمد و...
ـ ألا تعرف أن تنساه؟
لم يجب على سؤالها، وراح يغني بصوت خفيض:
(ما بين طرفة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال)
لم يدم غناء أبي يوسف، وحديث زوجته، لأن خطوات ولدهما اقتربت...
سألت الأم الولد:
ـ أنت اليوم زرتها، لماذا لم تسألني؟
ـ أخبريني هل أعجبتك؟
أبو يوسف ازداد إصغاؤه، ولم يتكلم، ليسمع كلام زوجته المحترمة، بسبب علاقتها الطيبة، مع حدوتها، ودجاجاتها:
ـ هل ينقصنا فقر، حتى توقعنا هذه الوقعة، وترمي نفسك هذه الرمية،
ـ هي بنت تربيتها جيدة، وعينها لا تنظر إلا إليّ.
ـ أنت كوالدك متى أحببت، لا تعرف أن تترك أو تفلت، تعلق مثل العصفور (الغشيم) على أول (دبق).
ضحك أبو يوسف، وكأنه يقول بضحكته لأم يوسف:
ـ أنت الدبق... واللعنة على هكذا دبق...
لكنها لا تفهم كثيراً بالتلميح... حتى بالتصريح تفهم ببطء. قال الولد:
ـ هي قريبتنا، والدها ووالدتها، وأخوها موافقون على زواجي منها.
ـ أمها ترى نفسها فوق كل الناس، وهي أقل الناس.
ـ هي تحب والدي وتقول عنه: إنه ابن عم والدها، وإنه قديم في قرية شجرة التوت، وتقول إن القرية سميت باسم شجرته.
ـ أنت وأبوك الكلمة تأخذكما إلى آخر الدنيا وتعيدكما.
أنجز أبو يوسف لفافة التبغ العريضة... وأشعلها وعبّ منها نفساً عميقاً، ثم نفثه ثانية، وانتبه إلى زوجته وابنه، وهما يتحاوران بشأن القريبة، التي اجتمع بها الولد، وأحبها، وهي أحبته، ولعلهما لم يحب كل منهما الآخر، بل وجد كل منهما قبولاً عند الآخر، فاستجابا لهذا القبول، وسمياه حباً، لأنهما لم يعيشا، من قبل الحب، ولم يعرفا فن الاشيتاق...
والحقيقة الأصعب، في هذا الحب الطارئ، أن الواحد منهما لن يجد أفضل من الآخر... يصح عليهما المثل (الطيور على أشكالها تقع) أو (جحا أتعس من أخيه).
لكن أم يوسف، كما وصفها، أبو يوسف سيئ طبعها، لا يمكنها أن تفرح، أو أن ترضى... ولعلها لم توفق يوماً إلى أن تذوق السعادة، ولعل حالة البؤس والتقطيب الملازمة لحاجبيها ووجهها، هي في أعماقها كصخرة، من صخور التلال الفاصلة بين قرية شجرة التوت وقرية النبع.
وزاد من حدة موقف أم يوسف تجاه حب ابنها، إضافة إلى الخلل الشامل، الذي يشمل حبيبته، إضافة إلى الخلل هذا، هناك خلل آخر، هو أن أمها ترى نفسها أهم من أم يوسف، وهذا ما ينغص عليها.
***
بقيت سمر رغم زواجها، وهربها، من زوجها، نضرة النفس، وبهية، وسلمان لم يقدر، على نسيانها، والسيطرة على هواجسه ومشاعره تجاهها... استبد بروحه حب سمر، فصارت ملء حياته، وشغل أحلامه وتفكيره...
رآها يوم تزوجت، رآها في حلمه، تركض في جهة من جهات القرية البعيدة، القريبة من الغابات، ورأى والدها يركض وراءها غاضباً... ورأى أختها رباباً تركض وتبكي...
حاول في اليوم التالي أن يذهب إلى بيت ابن الأحمد، بحجة أنه يريد الجلوس إلى قرميد، لكن محاولته أفشلها خوفه من ابن الأحمد، الذي رآه، من بعيد، وهو يقتلع الأشواك الكبيرة المحيطة بالشجرات.
همهمات ابن الأحمد، وهو يعمل في أرضه المجاورة لأرض ابن الصالح وكريم تنبئ عن مكان وجوده، قبل مشاهدته.
هو لا يعرف كيف يتنهد أو يهمهم أو يتنفس أو يتكلم إلا بصوتٍ عالٍ، علواً مزعجاً ومخيفاً أحياناً... أدرك الخوف سلمان، قبل أن يصل إلى الباب الخشبي الذي صنعه ابن الأحمد بعناية... الباب يتوسط السياج، المرفوع حول الأرض والأشجار... الباب والسياج يدعوان إلى الضحك، وكأن ابن الأحمد رفع السياج وصنع الباب، لا ليرد أحداً عن أشجاره، بل ليزين تخوم أرضه. السياج عيدان متداخلة، مربوطة بعضها ببعض... والباب كالسياج، لكن عيدان الباب أكثر متانة... وقفل الباب قفل غير عادي: عود متين، يسحب، فيصبح الباب حراً، يعاد فيصبح الباب مقيداً...
سلمان يعرف سياج الأرض والباب معرفة أكيدة، ويعرف كيف يفتح، وكيف يغلق، لكنه لم يجرؤ على فتحه، خوف أن يصرخ في وجهه ابن الأحمد... عاد سلمان، خائفاً، خائباً، يجتر حلمه الذي رأى فيه سمر تركض، ووالدها يركض وراءها، لم يرى سلمان وهو عائد إلا زوجة ابن الحمودة، فتمنى على نفسه، أن يقف عندها ويسألها عن سمر. وعاين شجرة التوت، فلمح أم يوسف، ولم يوفق بنظراته إلى أبي يوسف... ولو أنه رآه لأقبل عليه، وسأله عن سمر وواقع حالها وحياتها...
وفي المساء علَم من حيث لا يريد أو لا يحب.. بزواجها. علَم من أم يوسف، كما علمت القرية بأكملها.
مرت على الجيران جميعاً، تخبرهم: "سمر تزوجت، في قرية النبع، ولد (قحموص).. هذا ما قاله أسعد.. وقال إنَّ حياة عائلة (قحموص) وولده حياة بائسة، وإن سمراً كارهة هذا الزواج".
وصدقت نبوءة الأيام وشجرة التوت، وهربت سمر من زوجها، وعادت معها قصة الزواج والهرب ووالدها.. عادت تعذبها، وتؤلم روح أمها وتنغص عليها حياتها مع والدها. سلمان وحده، من بين الجيران الكثيرين، لم ينظر إلى سمر نظرة مؤذية.. بقيت حبيبة وحلماً لا يبرح رأسه وحياته.. بقي يراها وهو مشوق إليها، ويبحث عنها، تحدوه لهفة العاشق، البكر: تعثر في المدرسة، والدروس، وفشل في متابعة الرحلة مع الكتب، والنجاح، أما حبه لسمر فقد نجح نجاحاً أكيداً في امتلاك كل نفسه وآماله..
بعد أيام من خصومة ولدي أبي يوسف حول ما بقي من البيت الترابي والأرض المحيطة به، قصد سلمان بيت ابن الأحمد، بغية معاينة سمر.. روعه أنه لم يرَ شجرة التوت، والبيت.. وملأه الأسف بصوت يخلو من العذوبة.. أحسه مزيجاً من صرخات ابن الأحمد المدوية، في وجه زوجته وأولاده، وصوت ابن آوى (أبو زهرة). ظل يمشي إلى حيث الدرب المؤدي إلى بيت ابن الأحمد، وظل صوت الأسف يعذب باله، وظل من حيث يريد أو لا يريد، ينظر إلى بيت أبي يوسف والجذع المتبقي والأرض القريبة المسيجة بالقليل من العيدان. لمحته سمر من بعيد، لكنها غابت في جهة من جهات الكرم القريب من البيت، ولم ترد أن يلمحها، ويأتي إليها ليحدثها:
رغم أنها تشعر بالمودة والمحبة تجاهه، لكن زواجها غير الموقف، صار كالجدار بينها وبينه، وهي لا تحاول أن تتجاوزه خوف أن تسقط..
***
-(عبدو الشاعر) يزور أخته يا جبيلي.
-من أخبرك يا يوسف؟
-أخبرتني رباب بنت ابن الأحمد، أرسلها والدها، لتشتري البيض، فلم تجد عند زوجة كريم، فجاءت إلى الدكان.
-ابن الأحمد طبعه عجيب يا يوسف.
-كل حياته غرائب وعجائب يا جبيلي.
-هو لا يشبه والده (أحمد السعيد) إلا في حبه للطعام، أما الأمور الأخرى فهو مختلف فيها عن أبيه يا يوسف، تصور ما يفعله بأولاده:
شردهم واحداً بعد واحد.. ولده الكبير هجر البيت، وإلى اليوم لم يرجع.. جوهرة تزوجت من رجل كبير بالسن، حتى يمكنها أن تعيش بعيداً عن أبيها.. وسمر ـ كما سمعت ـ تزوجت ولد (قحموص) وهربت منه..
قاطعه يوسف:
-أما رباب فلن تتزوج إلا النحس، وطول الشقاء عند والدها، فهي ليست جميلة.
-رباب تشبه أم يوسف.
-وولده قرميد يعرج النهار بطوله وراء والده، وهو يقتلع الأشواك من الأرض.
-أذكر ـ يا يوسف ـ أحمد السعيد، كان أقوى من الأيام السوداء..
يعمل النهار بطوله، في أرضه، وفي الليل يسهر في بيته، يقرأ ويكتب، أو يذهب لزيارة قريبي والد (عبدو الشاعر) في (قرية النبع).
شياله أصغت إلى حديث الجبيلي ويوسف، وهما جالسان في الدكان، واسترعى انتباهها اسم (عبدو الشاعر) وقارنت بينه وبين يوسف، من حيث لا تريد، قالت في نفسها:
"يوسف يحبني، لكنه لا يعرف كتابة الأشعار، ولا يغني الأغاني، أما (عبدو الشاعر) فإنه يكتب لي الأشعار، .. أسعد (المهبول) يحفظ الأغنية التي غناها لي، وقت أحبني، قبل أن نترك قرية النبع".
يوسف لا يعرف أن عبدو الشاعر أحب شياله، قبل سفرها وسفره من القرية، ولو أنه علم بأمر هذا الحب، لكانت نظرته إلى (عبدو) تغيرت، ولكان ارتياحه لـه استبدل بالغيرة والشعور بالكراهية.. لم يدم حديث الجبيلي ويوسف، وتوقف خيال شياله عن المشابهة والمقارنة لأن صوت أبي يوسف جاء حنوناً قوياً:
-أين أنت يا جبيلي؟
سمعت شياله النداء.. و(سبهه) التي كانت في (الحواكير)، تبحث عن بيضات الدجاجات التائهة، سمعت النداء.. ولولا أن رأت الجبيلي ويوسف همّا بالترحيب بأبي يوسف، لكانت بادرت بالترحيب به من بعيد.
قالت (سبهه) لنفسها، وهي تعاين أبا يوسف يمشي متمهلاً وينظر إلى الجهات، كمن يبحث عن غيوم ماطرة، لتسقي كروماً عطشت، أو ينتظر أمراً، لعله يوفق إليه أو إلى أخبار عنه، قالت (سبهه):
"هذا هو صاحب الشجرة العتيقة، كما سمّاه أحمد السعيد، يمشي على مهل، ويرفع رأسه بين الحين والحين لينظر، أو ليؤدي التحية لأحد الجيران.. هو يمشي ورأسه مطرق، وكأنه خائف من حفر الدرب أو من الأفاعي، تجيء من التخوم الخافية عنه.. وكيف لا يخاف من الحفر والأفاعي، وقد ذاق مرّ الحياة كثيراً، حتى ذاق حلوها قليلاً؟ لكن ولديه المتزوجين أساءا إلى حياته بقطع الشجرة، وإهمال البيت ومحاولة هدمه هدماً تاماً، وأساءا إلى كل جار وكل بيت".
الجبيلي أبى على نفسه أن يعانق صديقه العتيق إلا على المصطبة، قرب جذع الشجرة وظلالها، التي أمام بيته، ويوسف رحب بكل مشاعره، واستحضر كل لياقاته الترحيبية، القليلة والبائسة، ليشعر أبا يوسف، بأنه مسرور للقائه، وأنه كبقية الجيران، يحس بالأسف لتركه قرية شجرة التوت.. لكنه رغم كل ترحيبه، لم يرغب بجلوسه في الدكان، لأنه، بذلك يفوت عليه فرصة مشاهدة شياله.
على المصطبة بدأ الجبيلي الاحتفاء اللائق ـ بنظره ـ بأبي يوسف: صافحه بكلتا يديه، فتذكر أبو يوسف، على الفور، أسعد، وطريقته بالمصافحة.
بعد المصافحة الشديدة، كمظهر أول من مظاهر الاحتفاء، بدأ الجبيلي رحلة العناق مع صديقه العتيق. وعناقه (أشد وطأة على الوجه من وقع الحسام المهند) هو كالعض أو كالضرب.. ويطول عناق الجبيلي فتطول معاناة المبتلي بعناقه، وترحيبه.. أبو يوسف لم يستطع رد طوفان عضات أو قبلات الجبيلي، فاستسلم مغلوباً على أمره حتى انتهت رحلة الاحتفاء القاسية، والشائكة كأرض ابن الأحمد.
شياله راقها رؤية العناق العنيف، وراقها أكثر أن تقرأ ملامح أبي يوسف، الذي سمعت عنه الكثير، ولم تره إلا سريعاً.
ملامح أبي يوسف تسعد الناظر إليه، وتشيع فيه حالة من الطمأنينة.. وهي بارعة في الخلاص من اليأس والتعاسة.. صوته حنون، يخلص السمع من ضجة الصراخ الذي لا نفع منه، بل أذاه كبير. هذا ما قالته شياله لنفسها وهي تعاين أبا يوسف، وهو يجلس على الكرسي الصغير، ويسند ظهره إلى الجذع.. يوسف لحق بهما، وقد بان على شعره الماء، فعرفت شياله أن يوسفاً، لا يدع للفوضى أن تؤذي هندامه وأناقته، أمامها.. فهو حين يعرف أنه قد يراها، يحلق ذقنه حلاقة متأنية، ويسرح شعره باهتمام، ويرش القليل من العطر على وجهه وثيابه.. لا يفصل الدكان عن بيت الجبيلي إلا حفاف الدرب. خطوات قليلة يمشيها يوسف فيصل إلى بيت الحبيبة. الجبيلي أقبل على الباب المفتوح، فبانت لـه (شياله) تسرح شعرها وتهتمّ بملامحها، فنادها بالإشارة، لأنه لو تكلم هامساً، لأيقظ النائمين، في الحارة (الفوقانية) وهو يعرف قوة صوته، وجهله المطبق بالهمس، ولهذا اكتفى بالإشارة، وشياله الأنيقة القارئة الكاتبة، تفهم بالإشارة، كما يصفها قريبها الجبيلي، الذي يعتبر كل من كتب على صفحة بيضاء، كاتباً، وكل من قرأ سطراً في كتاب، قارئاً.. من هذا الباب وصف شياله بالقارئة والكاتبة، لأنها تعرف القراءة وتستطيع الكتابة.. علمها جمالها الأناقة، وعلمتها الأيام وعبدو الشاعر وأغانيه أن تقرأ وتكتب.
فهمت شياله إشارة الجبيلي، وبادرت على الفور إلى إحضار الإبريق الكبير، المعلق في الخشبة المركوزة في الجدار.. وقد تاهت عيناها أول الأمر، ولم توفق إلى هذا الإبريق، الذي يصفه الجبيلي:
"إبريق يليق بالمقام، وغطاؤه مربوط بسلسلة خاصة بربط الأغطية بالأباريق، ولا يجوز أن نقدمه للبعيد والقريب، هذا إبريق الكبار، لأن الكبير للكبير.."
تذكرت شياله وصفه للإبريق، وهي تبحث عنه في الأغراض المعلقة بالخشبة، المخصصة للأغراض والغبار وكل شيء نافع وغير نافع.
خشيت شياله أن تسقط الخشبة، وما عليها من أغراض وأن تتسخ عباءتها بالكثير من الغبار وسواه، من الأوساخ المتراكمة.
أخيراً اهتدت إلى الإبريق، سحبته بهدوء، فلحقه غطاؤه المعلق به، محدثاً صوتاً خفيضاً، جراء اصطدامه، بالأغطية الأخرى، غير المربوطة.
الجرة، لتي في الداخل، ذات شأن وأهمية، كالإبريق، إذ لها غطاء فخاري، ولها وعاء فخاري أيضاً، يستخدم كوسيلة اتصال وحيدة بين خارج وداخل الجرة.. حسب تعليمات الجبيلي التفصيلية، بخصوص الجرة، وميزاتها، وأسلوب التعامل معها.
لم تتجاوز شياله التعليمات. حملت الإناء المربوط بـ (يد) الجرة، وملأته، وغسلت به الإبريق لأنها لو غلت الشاي بالإبريق، قبل غسله، لكانت الشاي غبارية، وهذا ما لا تتمناه لواحد كأبي يوسف.. بعد أن ملأت الإبريق ماء سلسبيلاً.. بدأت رحلة البحث عن السكر والشاي.. قدرت شياله أن (سبهه) تضع السكر والشاي في كيسين خاصين، فراحت تبحث عن السكر والشاي على الرف الخشبي ميسور الحال، الذي حمل من الأكياس، ما ثقل وزنه وقلت فائدته..
اجتهدت شياله ما أمكنها الاجتهاد، في البحث. نقلت الكثير من الأكياس وبدلت في أمكنتها، دون جدوى، حتى أعياها البحث، فراودتها فكرة أن تطلب من يوسف إحضار الشاي والسكر من الدكان.. لم تحقق فكرتها، لأن صوت (سبهه) بلغ سمعها، وهي تسأل أبا يوسف عن حياته وزوجته وأولاده، وقد انتقلت سريعاً من أسئلتها المتلاحقة عن أحواله وحياته إلى الحديث عن الدجاجات و(توهانها):
-تنوه عن أماكنها، فتبيض بين العشب، وعند التخوم وفي الحواكير فيسرقها أولاد الحرام.
قال لها أبو يوسف، وقد حضرته صورة زوجته، وهي تبحث عن الدجاجات وبيضاتها، وتشتم السارقين قال:
-لو كانت أم يوسف موجودة، كانت علمتك كيف ترجعين الدجاجة التائهة إلى مكانها..
ختم صوت ابن الأحمد الراعد الحديث الدائر بين سبهه وأبي يوسف، ولعله ختم أحاديث كثيرة:
-أين أنت يا زهوة؟
انتبه أبو يوسف إلى جهة أرض ابن الأحمد القريبة من أرض ابن الصالح، فلمحه وهو مكب على الأرض، يقتلع عشبها، وينادي نداءه الراعد المعهود، في قرية شجرة التوت وكل حاراتها، أعاد السؤال بالقوة نفسها:
-أين أنت يا زهوة؟
ردت زهوة:
-أنا هنا.. الآن انتهيت من الخبز، وسأرسل لك الغداء على الفور، مع رباب.. بلغ الجواب سمع ابن الأحمد، فتوقف عن النداء.. أما ولده قرميد، فبانت قامته المربوعة قليلاً، وهو يعرج صاعداً إلى حيث والده..
أبو يوسف يروق لـه أن يظلّ يرقب الكروم والتخوم الخضراء، المترامية.. فهي حكايات عمره وروحه.. نامت صرخات ابن الأحمد واستقرت أمنياته، بعد أن أخبرته زوجته، بأنها خبزت، وهيأت لـه الغداء، وسترسله مع رباب.. شغلت أنفاسه رائحة الطعام المتخيل، قبل أن تهم بحمله بنته.. وخوف واحد بقي يشاغب على رائحة الطعام التي تستحضرها أنفاس ابن الأحمد، متى اقترب موعد الغداء، أو موعد أية وجبة أخرى لها علاقة بالغداء أو بالصباح أو بالعشاء.. لا شيء يسيطر على خيالات ورأس ابن الأحمد كالطعام.. خوف واحد بقي يشاغب على نكهة الطعام القادم، هو خوفه من غباء رباب، وجهلها الكامل بالحياة والآخرة.. فهي قد تسقط في وضح النهار، في حفرة بسيطة من حفر الدرب.. قد تتعثر قدمها بقدمها، فتهوي، ويهوي معها الطعام، وقد تطعم أسعد إذا صادفته أو أي رجل كأسعد.. والمصيبة الأكبر في هكذا رحلة تقوم بها رباب، من البيت إلى الكرم حيث والدها، أنها ـ أحياناً ـ تثأر لنفسها من الطعام، خاصة إذا كانت (البطاطا المسلوقة)،
هي الوجبة، فتقبل على الصحن ـ فتأكل كل البطاطا، ولا تتذكر أن والدها يعاقبها على ذلك عقوبة شديدة، إلا بعد أن تكمل ثأرها..
حمل قرميد الجرة الفخارية الصغيرة، وقدمها لوالده بخشوع، وخشية، من أن تناله لطمة طائشة من كف أبيه..
تناول ابن الأحمد الجرة، وقبل أن يضعها على فمه الواسع المحترم، سأل ولده:
-هل تكون ملأت الجرة من الساقية، بدل أن تملأها من النبع؟
أجاب الولد، دون أن يعرج شرقاً أو غرباً أو جنوباً أو شمالاً:
-ملأتها من النبع، وكانت زوجة ابن الصالح هناك، ورأتني.
انشغل ابن الأحمد عن الحديث مع ولده، بشرب الماء من الجرة، وقد أحس بعذوبة الماء، فراقه أن يشرب أكثر وأكثر.. بعد أن ودع فمه فم الجرة، نظر بعينيه، نظرات محددة إلى جهة البيت، فلمح رباب تخرج من باب السياج، فازداد خوفه وازدادت شهيته.
أبو يوسف لم يبعده صوت (الجبيلي) عن الكروم وأيامها، وعن قرية شجرة التوت وحياتها وأهلها: بيته المجاور لبيت عمه إسماعيل، وبيت والد كريم وبيت حمودة الصغير.. بعدها بيوت عائلة أحمد السعيد.
تنتشر البيوت متقاربة، لا تفصل بينها إلا الدروب الضيقة، والأحفة، والتخوم.
(الحواكير) ليست بعيدة عن البيوت، تحددها تخوم معلومة، أو أشجار قديمة، أو حجارة مرتفعة بشكل متناسق تناسقاً غير دائم.. وأحياناً تتحدد الحواكير والكروم الصغيرة بأسيجة من عيدان، كما فعل ابن الأحمد.
الحكايات تبدأ في جميع البيوت، أو تبدأ في بيت من البيوت، ثم تحلق في أُفق البيوت والحارات، كما تحلق الحمائم من الشرفات والأعشاش، التي تجاور العتبات، فتصير كرسولات البيوت، تحمل الكلام والأحاديث الساخنة سخونة شاي (سبهه وأم يوسف) وتسعى بها إلى كل الجهات.
أخذه خياله إلى أيام الحارات القديمة، ولم يرجعه من شروده إلا صوت الفناجين، التي حملتها (سبهه) مع الإبريق.. وقد أكد صوت الفناجين صوت (سبهه) الداعي إلى شرب الشاي، والمرحب بقدوم أبي يوسف:
-قدومك مبارك علينا..
-ضحك أبو يوسف، وقال:
-وقدوم يوسف بو حمود ليس مباركاً؟
-هو جارنا القريب، لا يغيب عنا إلا وقت يقصد المدينة، لإحضار اللوازم والأغراض، المطلوبة للدكان.. (شياله) خرجت خلف (سبهه) ومدت يدها برفق، فسلمت على أبي يوسف.. فأشعرته بمودتها.. فكأنها، بتحيتها أذهبت عنه أذى تحية (الجبيلي).. وقد عبر عن ارتياحه:
-تحية (شياله) كالظل، أما تحية الجبيلي فهي كالغضب، لا يعرف واحد مثلي أن يهرب منه.. فرحت شياله للإطراء الناعم، كنعومة أناملها، الذي أطراه على تحيتها أبو يوسف، أما الجبيلي، فاغتاظ غيظاً، أزعجه، ثم هجم على الغيظ بابتسامة، هي أشبه ما تكون بالبكاء أو بالاستعداد للسعال العنيف والعالي، علو رقبة حذائه، البائس.. والمقبل على الخراب، إقبالاً شجاعاً.
يوسف بو حمود، امتزج شعوره بالسعادة لسماعه الاطرء، على حبيبة روحه (شياله) امتزج بالغيرة عليها، فأحس بمطر خفيف، يداعب عطشه، وظمأ أنفاسه، ثم ينحبس المطر.. وأحس بجرح مؤلم يعذب صدره، ولا يستطيع الخلاص أو الهرب منه، فيستعذب الألم مرغماً وراغباً، في الوقت ذاته، وفي الشعور نفسه، وفي الالتفاته اللهوفة، التي يلتفتها بكامل مشاعره وإحساسه، إلى جهتها..
عباءة (شياله) زادتها أناقة، واسترسال شعرها على كتفيها، وظهرها، عنوان واضح لبهاء الأنثى وملاحتها.. وعيناها الناعستان حسناً، أيقظتا في الحاضرين نظرات، كانت غافية في الأعماق والذاكرة.. أبو يوسف لم ينظر ـ عبر حياته ـ نظرات عاشقة، أو مفتتنة، ووجد نفسه ينظر بإسهاب إلى شياله، المليحة التي أعطتها الأيام أناقة وملاحة، ولم ينقص زواجها غير الموفق من حسنها.. الكروم تسرق نظراته حيناً، فيعاين ابن الأحمد في أرضه العالية، وولده الأعرج، وهو يسعى عرجاً وراء والده.. وبيته المتبقي، رغم أنه لا يبين، ظل ينظر إلى جهته لهوفاً.. فيطالعه بيت يوسف وأرضه، وبيت كريم وطرف من بيوت الحارة العتيقة المتبقية.. أما بيته فلا يبين، تخفيه الأشجار الكبيرة المجاورة لأرض كريم وابن الحمودة..
لا يرجع أبو يوسف بنظراته إلا ليعاين حسن (شياله) وحكايات العمر الشقي على وجه (الجبيلي) العاطل عن الزواج دائماً، لأسباب لا تجهلها حارات قرية شجرة التوت، وقرية النبع.
طعنات العمر بيّنة آثارها على وجهه.
عاد صوت الجبيلي:
-هل تذكر يا أبا يوسف أيام قراءتنا عند خطيب الحارات (أحمد السعيد) كان يجمعنا تحت شجرة المروج.. ويعلمنا الفصاحة؟
-أنت يا جبيلي لا تنسى أمراً من الأمور.
-وكانت شجرة التوتة الكبيرة، في مكانها، لكنك لم تكن – بعد – تزوجت الأميرة أم يوسف.. ألا يتكلم صالح بالصراحة والفصاحة؟
ضحك الجميع إلا الجبيلي، فبقيت همة الابتسام خائرة لديه.. ومرت زوبعة الضحك، دون أن يضحك.. عقّب أبو يوسف:
-أنت لم توفق إلى أميرة مثل أم يوسف، في هذه الدنيا، لعلك في الآخرة توفق إلى أميرة الأميرات، ولعلك تذكر جارك وصديقك أبا يوسف وأميرته السمراء.
الجبيلي استبشر خيراً، بأنه قد يوفق إلى أميرة ذات طول وقد.. لكنه تذكر أم يوسف وطبعها الصعب، وملامحها الداكنة كزاوية داخلية، في بيت بعيدة عتبته عن صدره وزواياه، فخاطب نفسه:
"إذا كنت سأوفق إلى امرأة كأم يوسف، الأفضل لي أن أبقى عاطلاً عن الزواج وألا أُوفق".
يوسف بو حمود، ترك كرسيه لأن بعض الجيران، قصدوا الدكان يريدون الشراء، أو إصلاح بعض الأواني أو يريدون الحلاقة.. ولم يعتذر أملاً منه بالرجوع ثانية إلى المصطبة..
أبو يوسف راقه حديث الجبيلي عن أيام القراءة، فتمنى أن يرجع إليها:
-هل نسيت يا جبيلي، القصائد، التي علمنا إياها أحمد السعيد؟
-أذكر: "جاني البرغوط جنيبي
مزق لي كل تيبي
جاني هوّي وخياتو
وولاد عمو وخالتو..
قصيتن لصوفاتو
وكم فرشي شديت"
-البراغيط كانت لعنة علينا، هي والقمل، وقد قلت اليوم
-مد الجبيلي يده إلى رأسه، وراح ينفش شعره، ويحك جلدة رأسه..
قال لـه أبو يوسف:
-مالك تحك رأسك، كأن (البراغيط) لا تنساك من نعمها؟
-تذكرت أيام (البراغيط) السوداء؟
-أحمد السعيد كان فهيماً في دنياه وحياته وعلمنا شعراً، يصف واقع حالنا يا جبيلي..
-علمنا كل الأمور النافعة.. وعلمنا علم الطيور.. كان يقرأ عن الطيور في كتاب كبير، يتحدث عن الصيد وطباع الطير.. وحكمة العيش معها والاعتناء بها وتربيتها..
-هذا الكتاب احتفظ به ابن الأحمد، لكنه لم يتعلم منه معاشرة الطيور، أو تربيتها، أو الاستفادة منها، بل تعلم منه ـ فقط ـ كيف ينشر عيدان الدبق، ويصطاد العصافير، ثم يذبحها، ويطبخها ويأكلها وحيداً..
-ابن الأحمد، ليته استفاد من علم أبيه، ومن حياته الطيبة.
شجرات دلب الساقية، العالية تبين للناظر من بعيد، وقد رآها أبو يوسف من على المصطبة، ومثله الجبيلي، الذي رافق أحمد السعيد سنوات عديدة.. رافقه في العمل عنده في أرضه المجاورة للساقية، ورافقه في بحثه عن الطيور، وتعلم منه القراءة والكتابة، وتعلم منه حب شجرات الدلب الكبيرة، التي يعيش فيها طائر الساقية الكبير، وتعلم منه الفصاحة العرجاء كعرج قرميد ولد ابن الأحمد.. الجبيلي يفهم ببطء شديد، كمشية أم يوسف.. ولهذا بقيت فصاحته عرجاء.. من حيث لا يدري، وجد أبو يوسف نفسه يردد مطلع قصيدة كان يعلمهم قراءتها أحمد السعيد:
"الحمد لله ما أبدى الصباح سفور
حمداً مزيداً على عدد الحصى والرمل"
نسيم حنون، لامسَ روح أبي يوسف، والجبيلي.. وشياله وسبهه اللتين بقيتا طوال الجلسة، تتحدثان عن أم يوسف، وعن قرية شجرة التوت، ثم انتقلتا للحديث عن (عبدو الشاعر). إنه نسيم التذكر والأيام، يبوح بأسرار، يختزنها البال، فلا يقدر على إخراجها إلى دائرة الإحساس، إلا هكذا نسيم وهكذا جلسات لها علاقة وثيقة بالأعماق.. صوت أسعد المشاغب ـ دائماً ـ والمتعثر.. جاء كصرخة ريح، صفرت فجأة، دون سابق إنذار.
"رسول الحب، شايف، ما يجيني
شواطئ الحب شايف، ما يجيني
رسول الحب سافر بالعباب"
صوته سبقه إلى الحارة العتيقة، عاين أبو يوسف درب البيوت العالية، فظهر لـه أسعد، وهو يعبر الدرب باتجاه بيت كريم. سمعت شياله غناء أسعد، فعرفت أنه يغني من أغاني (عبدو الشاعر). أسعد لم يكن يعرف أن قريبه (الشاعر) يزور أخته، ولو عرف ذلك، لكان أكثر من الغناء، ولكان قرأ من أشعاره، التي يحفظها حفظاً لا سلامة فيه.. حفظ أسعد للشعر، يشبه كيسه وثيابه ورائحته، التي لا تحمد معاشرتها، من قِبل أي أنف، مهما اشتد بأسه، وعلا شأنه.
كيس أسعد استوقف انتباه أبي يوسف.. واستوقفه أكثر غناؤه الأعرج كفصاحة جاره القديم (الجبيلي).
شياله، من حيث لا تدري، وجدت نفسها تبحث من جديد عن حب كاد يمحي من دفاتر عمرها المهترئة منذ البدء، وكيف لا تكون الدفاتر، مهترئة، والحياة ذاتها عابسة شاحبة الملامح موحشة؟
شياله التي أحبها (عبدو الشاعر) وأحبته حتى صارا حكاية قرية النبع، وقرية شجرة التوت وحاراتها، لكن الدفاتر المهترئة، لا تستطيع إكمال الحكايات الجميلة. تتمزق أوراقها بقدرة الشقاء، والعذابات الملحة، حتى لا تدع لعاشق مجال هوى، ولا تدع لشاعر مجال غناء حنون..
***
تمنت زوجة يوسف أن تترك السطح، وتذهب إلى بيت كريم.. تفلش أسرارها وهمومها أمام زوجة كريم، وتستمع إلى الحكايات وغناء (عبدو الشاعر)، الذي عاد صوته إلى الغناء:
"بين اليوم وبين الأمس
بيصير واحدنا للرمس
يا خوفي عالشمسي
فوقا شمس
وتحتا شمس"
أيقظت هذه الكلمات روح الليل الناعس، وأحيت في نفس أبي يوسف تباشير مودة ومحبة.. وقد راق لسمع الزوجة المعذبة بالوحشة والغيرة، أن تسمع هذا الكلام الحنون، وراقها أن تسمع صوت أبي يوسف، ينطلق من الشباك القريب، فيزرع وحشتها بالطمأنينة..
قال أبو يوسف لـ (عبدو الشاعر):
سمعت هذه الأغنية كثيراً.. سمعت أسعد قريبك يغنيها.. وسمعته يقول: هذه الأغنية غناها ولد عمنا (عبدو) لحبيبته (شياله).
قال عبدو:
-أسعد يحفظ كل ما أقول وأكتب، لكنه لا يعرف كيف يحفظ.. استاءت لسماعها اسم (شياله)، لكنها من جهة أخرى، استقر بالها، حين سمعت أن (عبدو) يحبها.. قدرت في نفسها أن من يحبها (عبدو الشاعر) وهو الأنيق العارف بأسرار الدنيا، المجرب في الأمور.. لا تستبدله بصاحب الدكان، الذي لا يعرف أن يكتب الأشعار ولا يعرف الأسرار.. ثم إن حاله ليست كحال (عبدو الشاعر).. بيته في قرية النبع قديم وكبير، وحياته ميسورة، أما صاحب الدكان فحاله ليست مستقرة استقراراً واسعاً.. كل حياته في دكانه، يشتري ويبيع، وبالصعوبة يكاد يعيش ويطعم زوجته وعائلته..
ضوء بيت كريم كان أقوى أضواء بيوت الحارة العتيقة.. هذا ما رأته زوجة يوسف بو حمود.. وقد آذاها وعذب نفسها أنها حاولت أن ترى ضوء بيت أبي يوسف، فوجدت الظلام، يسد على عينيها المدى.. فلم ترَ البيت وشجرة التوت والضوء..
ضوء بيت ابن الأحمد، يبدو ضعيفاً، وأصوات أولاده، على غير عادتها، مرتفعة.. فقالت زوجة يوسف:
ابن الأحمد إما أنه قصد بيت كريم هو وزوجته، للسهر ومجالسة (عبدو الشاعر) وأبي يوسف وقد عبّر ابن الأحمد مراراً عن أسفه، لغيابه عن القرية.. وعن حبه لسماع الغناء والأشعار، ومعرفة المخبأ من أمور الدنيا والأسرار.
في رحلاته القريبة، إلى الجيران، يصحب ابن الأحمد زوجته (زهوة) ويمتنع عن الصراخ في وجهها، وقد يبادلها القليل من المودات، التي قد يعثر عليها، وقد لا يعثر.
سمعت الزوجة المعذبة بعشق زوجها لسواها، صوت سمر، وهي تكلم أختها:
-أنت لا يهمك إلا أكل البطاطا وشرب الشاي.. وحين يعود والدك، كيف سنخفي أمر السكر والبطاطا عليه؟!
لم ترد رباب.. واستمر سعيها المشكور، أو غير المشكور، لا أحد يعرف عن أمر سعيها شيئاً.. استمر سعيها وبحثها عن أية بقية من البطاطا المقلية بزيت الزيتون.
رباب تأكل، وسمر يزداد قلقها وخوفها من والدها، الذي قد يثور على الجميع، وينالهم بالضرب المبرح..
قرميد كان في الفسحة الجنوبية المسيجة بالعيدان، وجذوع الأشجار والأغصان، المقبلة على الفسحة والجدار.. سمعت سمر صوت أخيها، فخرجت، تاركة أختها تثأر من البطاطا، بالأكل العجول النهم، الذي يعبر عن موقف رباب المتشدد والسيِّئ تجاه الطعام وخاصة البطاطا، وهو موقف لا يأتي عبر الرفض، بل عبر الإقبال والنهم العجيب..
عرفت سمر أن سلمان ولد يوسف بو حمود وحسان ولد كريم جاءا.. فشعرت بالهناءة والسرور.. وشعرت أن خوفها من أبيها، جراء أكل أختها وشربها الشاي، بعنف وكثافة، قد ابتعد.. رمقت سلمان بحب ولهفة، لكنها عاجلت نظراتها، فأخفت الحب ما أمكنها الإخفاء، وعادت إلى حال من الهدوء والتوازن..
رحبت مثل أخيها بسلمان وحسان، لكنها لم تعرج مثله، وهما يدعوانهما للجلوس على الكراسي التي على المصطبة.. سلمان فضل الجلوس في الفسحة:
-الجلوس هنا قرب أشجار بستان أهل حسان وابن الصالح أفضل من الجلوس على المصطبة.
ردّت سمر وتوجهت بكلماتها إلى سلمان:
-في النهار، نجلس في الفسحة.. فنرى كل بيوت وكروم (حارة الساقية) أما الآن فالظلام يغطي الأشجار وغيرها.
-حين تكونين يذهب الظلام.. أنت يا سمر كضوء بيت أبي يوسف، يخاف منك الظلام.. قرميد لم يفهم كلام سلمان، وبقي منشغلاً بالعرج والبحث عن الكراسي، وحسان ابتعد خطوات يسيرة عنهما، ليفسح لهما المجال.. فهما في حومة الحب، كل منهما يحب الآخر، ويبحث عنه، ويشتاق إليه، لكن جداراً غليظاً ارتفع بينهما، فأفزع فيهما الحب، لكنه لم يقدر على إهدار دمه.. فبقي كشجرة التوت القديمة، يفرع، وتخضر أغصانه..
كراسي ابن الأحمد مثل كيسه وصندوقه، خضعت لعمليات تبديل وترميم، كثيرة.. أساسها القش، لكنه لم يترك القش على حاله، فأضاف إليه، ما تيسر لـه من خرق ومزق، بالية على هواها وهواه وهوى زوجته.. بعضها يجمعه من الأرض، وبعضها، يلمه من البيت.. ثم يجمع هذه الخرق في قماشة سمراء أو حمراء أو متسخة أو غير ذلك.. ثم يشبك القماشة مع الخرق، شبكاً جيداً، ويضعها على قش الكرسي.. وحين تصادف عجيزة من كتب عليه أو عليها الجلوس على الكرسي، تصادف العجيزة أولاً، خرق ابن الأحمد، والشريط الناعم الذي شبكها به.. وإذا كانت العجيزة ضخمة ضخامة معتبرة ومسجلة في سجل العجائز الفاخرة والضخمة، لا بد أن تلامسها مسامير ابن الأحمد، التي يستعين بها على تمتين علاقة الخرق بالكراسي.
حال الكراسي معروف لدى حسان وسلمان، ورغم أن الثاني سافر إلى المدينة وبدأ دراسته في الجامعة، فلم ينسَ واقع حال الكرسي.. وبقي حذراً حذراً شديداً، من أن يرخي كامل ثقله، خشية أن تصافح رؤوس المسامير عجيزته، فينط كالملدوغ.. وسلمان الذي وقف مع سمر، وبادلها الكلام الحنون، لأول مرة، منذ هربت من زواجها غير الموفق.. ولعله لم يبادلها هكذا كلاماً، قبل زواجها أيضاً..
وهي أيضاً لم تجرؤ، قبل هذا اللقاء المشفوع برائحة الحب وصوت أبي يوسف وعبدو الشاعر، لم تجرؤ قبل هذا اللقاء، على البوح لسلمان:
-لولا خوفي من عيون الجيران وألسنتهم، كنت سأزوركم..
-تعالي أنت ورباب أو أنت وقرميد أو أنت وأمك..
-إذا ذهبت رباب، لا بد من أن تحضّر لها أمك البطاطا والشاي..
تبسّم سلمان، فبانت أسنانه البيضاء. وأضفت الابتسامة على ملامحه، إشراقاً وألقاً أذاع في سمر شوقاً لا تخفى علاماته.
***
زوجة كريم اعتنت، ما أمكنها بدجاجات أم يوسف.. لكن اعتناءها، لم يصد هجمات (ابن آوى) صداً محكماً:
في الليلة التي سهر فيها أبو يوسف ونام في بيت كريم. هجم (ابن آوى) هجمة لئيمة على دجاجات أم يوسف ودجاجات كريم، لكن صوت (عبدو الشاعر) قد يكون أخافه، فهرب، دون أن ينال من الدجاجات، أو أن هجمته جاءت في وقت خروج ابن الأحمد من بيت كريم، ولا شك أنه سعل سعاله العالي، أو أنه أطلق واحدة من تنهداته الصاخبة صخباً، جديراً بإشاعة الرعب، في روح (ابن آوى). وقد رأت زوجة كريم في نومها المتقطع حلماً: رأت جذع شجرة التوت يفرع فروعاً وأغصاناً لم ترَ مثلها من قبل، ورأت ما يشبه الطائر الكبير، الذي سمعت أبا يوسف يتكلم عنه..
ورأت (ابن الحسن) يحاول كسر الأغصان وحرق الجذع، وقتل الطائر، ورأت لأول مرة في حلمها وفي يقظتها، ابن الأحمد يحمل عصاه الضخمة، ويهجم بها، على (ابن الحسن) فيهرب من وجهه.. ويبقى الجذع والفروع والأغصان.. ودّعت السهو، من غير رغبة في الصحو.. فراعها أنها لم تجد ابن الأحمد بين الساهرين.
***
-هل سمعت مثلي؟
-عن ماذا؟
-عن زواج ابن الحسن.
قالت زهوة لزوجة ابن الصالح:
ابن الحسن، لم يستفد من معاشرة شجرة التوت، ولم يتعلم من الأيام إلا الإساءة للجيران..
ردت زوجة ابن الصالح:
وهو يسيء لنفسه أيضاً، فها هو تزوج امرأة غريبة ومسنة.. ولا أحد يعرفها أو يعرف عنها شيئاً..
دار هذا الحديث بين زهوة وزوجة ابن الصالح، وهما قريبتان من أرض وبيت ابن الحسن.. وقد شاهدا المرأة الجديدة، وهي تمشي وئيدة الخطوات، باتجاه التخم الفاصل بين أرض ابن الحسن وابن الصالح..
وكأن جرحاً كان مندملاً، عاد إلى النزف والألم.. استيقظ في روح زهوة، وهي تعاين (الغريبة) تسرح في الأرض التي تعبت فيها، وزرعت، لكنها لم تذق طعم ثمارها..
زهوة بقيت واقفة، وعلى كتفها الجرة الفخارية، المملوءة ماء.. وقد أخبرتها زوجة ابن الصالح بأنها قد تتعب من حمل الجرة، ويجب عليها إنزالها:
-انزليها.. وتعالي نجلس.. منذ وقت بعيد لم نلتقِ.
-كانت الشجرة.. تلمنا يا بنت الكرام.
قالت زهوة كلماتها وغصة مَرّة تعذب حلقها ونفسها: تذكرت أرض زوجها التي أخذها ابن الحسن.. وتذكرت شجرة التوت وأيام القرية معها.. تذكرت صوت الحب الذي كان يريح بالها، كلما اقتربت من تخم أرض شجرة التوت..
أمسكت زوجة ابن الصالح الجرة من على كتف زهوة، وأنزلتها.. لعلمها الأكيد أن الوقفة ستطول، وأن الحديث لن يختم بسرعة.. ولرغبتها الملحة في الأخذ والرد مع زهوة.. التي تختلف كلياً عن زوجها (ابن الأحمد).
قارنت زوجة ابن الصالح غير مرة بين زهوة و(ابن الأحمد).. والآن قارنت أكثر، إذ دقّقت النظر إليها.. إلى وجهها الطافح حياة، وعينيها اللتين تبوحان بحزن عميق لا ينتهي.. واستحضرت صورة ابن الأحمد: الملامح الغاضبة، والوجه المشحون بالغيظ كمن يبحث عن عدو آذاه. وأنف ابن الأحمد الكبير المفلطح كمنقار طائر عجيب.
قالت زوجة ابن الصالح لنفسها:
"كيف تسمح زهوة لابن الأحمد أن يقبلها، وأنفه كالمنقار، ووجهه كعصفة ريح شتوية هوجاء؟" وتمنّت لو تسألها هذا السؤال.
ضاعت زهوة في زحام الأسف والشعور بالتعاسة، ونسيت المهمة الموكلة إليها دائماً، وهي إعداد الطعام، الذي يليق بالمقام على حد تعبير زوجها.
ملامح زوجة ابن الحسن، تختزن فظاعات وآثاماً، فلا يبين وجهها: أهو وجه امرأة أو وجه ثعلب أو صورة حافة أصابها الانهدام فصار انهدامها كالفخّ، يسقط فيها الغافل.. زهوة المكبلة بالتعاسات وسوء الطالع، كما قال لها (أحمد السعيد) بعد زواجها من ولده المصون صيانة تامة!! راعتها الوحشة القاطنة في ملامح الزوجة (الغريبة) ولم تقدر على الاستمرار في النظر إليها، خشية أن يزداد خوفها وتزداد آلام نفسها المبرحة.
شعرت زوجة ابن الصالح بحال جارتها، وكيف لا تشعر، وقد آذتها ملامح (الغريبة) الموحشة كما آذت جارتها.. إلا أن رصيد زهوة من الشقاء والمتاعب والكآبة يفوق رصيد زوجة ابن الصالح. منذ تزوجت زهوة من ابن الأحمد لم تبتسم لها الحياة، بل عبست ومثلها عبس ابن الأحمد.
صوته كالنذير. وملامح وجهه كوجه صخرة عذبها المطر، ومرت عليها الريح فأضرت بها، ثم تركتها في عذابها وسوء حالها.
قالت زهوة لجارتها:
-ما هذه الزوجة التي تزوجها ابن الحسن؟!
-ابن الحسن لا يتزوج هكذا امرأة إلا لمصلحة!
-المصلحة..؟!
تساءلت زهوة من خلال كلمتها هذه ومطتها، حتى انقطع صوتها.. فأحست زوجة ابن الصالح برغبة جارتها بالإيضاح والشرح وشغف زهوة بالأخذ والرد..، لأسباب كثيرة، أهمها أن ابن الأحمد لا يشرح، ولا يدخل في متاهة الأخذ والرد.. بل يوجز، وإيجازه صاعق وصارخ ومخيف.. يقول لزهوة، إذا أراد أن يخبرها بأمر من الأمور، أو أن يطلب منها أي طلب، يتعلق بالبيت أو الطعام أو الجيران:
زهوة اعملي كذا.. أو فلان لا يحب.. أو هذه الأكلة ليست تليق بالمقام..
يقول جمله المصحوبة بالسخط، في جميع الحالات.. ولعل الحالات عنده لا تتميز: السخط كالسعادة كالرضى.. صوته مؤذٍ للسمع لا حنان فيه.. ومن أين لـه بالحنان وروحه عذبتها الأيام عذاباً لا نهاية له..
أحست زوجة ابن الصالح بما يدور في نفس زهوة فأرادت أن تشاركها في إحساسيها:
-زوجة ابن الحسن، لا شك، في أن وراءها حكاية، وإلا لما تزوجها.
-أنت تعرفين أكثر مني..
أرادت زهوة أن تبقى مع جارتها، إلا أن صوت ابن الأحمد جاء ساخطاً منذراً.
-أنت إلى الآن عند زوجة ابن الصالح، وأنا هنا جائع أنتظر طعامك يا بنت الأسود.. الحنطي.. يا بنت حمدان المحجوب؟
كل من في الحارة العتيقة والحارة التحتانية، سمع نداء ابن الأحمد وفهم كلماته فهماً، لا حاجة معه إلى الإيضاح. يوسف بو حمود و(الجبيلي) وسبهه وشياله سمعوا صوت ابن الأحمد، وزوجة يوسف بوحمود وزوجة كريم وزوجة ابن الحمودة أيضاً سمعن النداء الجائع، الذي جاء من جهة حارة الساقية..
قالت زوجة يوسف بو حمود:
-ابن الأحمد صوته لا يتعب.
-عقّبت زوجة ابن الحمودة:
-الصوت نعمة وخير.. ابتسمت زوجة يوسف بو حمود ابتسامة ضحلة، وكأنها تقول لجارتها: لم أسمع أحداً قبلك، يصف صوت ابن الأحمد بأنه نعمة وخير!!
لم ينقطع صوت ابن الأحمد، حتى سمع صوت زهوة وقد لمحها وهي تمشي على عجل وخوف..
أجابت زهوة:
-تأخرت في ملء الجرة بالماء يا ابن الأحمد.. لكنني لن أتأخر في إرسال الطعام لك مع رباب.
في ملاحة زهوة اعتدال.. فلا هي بالطويلة ولا هي بالقصيرة، ولا هي ضخمة الكتفين، رغم شتائم زوجها الدائمة لكتفي والدها.. لكن حياة الشقاء أتعبتها كما قالت في نفسها زوجة ابن الصالح، بعد أن تركتها واتجهت عبر درب الساقية إلى حيث درب المرج والكروم ودرب شجرة التوت وبيت أبي يوسف.. زهوة بقيت ترسم صورة عمرها الأسود، وصارت تمزج، من حيث لا تريد صورة (الغريبة) بصورة عمرها.
الأرض التي أخذها ابن الحسن من زوجها، عاشت زهوة أكثر حياتها فيها.. حتى في أيام والده، كانت تساعد والدها (حمدان المحجوب) في نزع الأشواك من جوار الأشجار، وفي حفر الأرض لزرعها، وفي حمل الماء من نبع الساقية.. وقد أحبها ابن الأحمد، حسب تصريحاته، أحبها أكثر ما أحبها، حين كان يراها تحمل الجرة وتصعد من نبع الساقية إلى حيث والدها (حمدان).
عاتبت زهوة نفسها وصورة والدها تملأ خيالها، أثناء صعودها باتجاه درب شجرة التوت والحارة العتيقة: "كيف رضيت بالزواج من ابن الأحمد، وكيف نصحني والدي بالقبول به؟! ابن الحسن نفسه طلب الزواج مني.. وغيره كثيرون أحبوا أن يقتربوا مني.. أبي هو السبب.. سامحتك الأيام يا أبي يا من سماك أحمد السعيد (حمدان المحجوب) أضاف إلى اسمك صفة المحجوب وأنت حجبت عن نفسك المعرفة وضعفت عندك الدراية، فرميتني شر رمية.."
تابعت خطواتها الكسلى.. وخيالها الكسلان لم تنم مواجعه.. ظلت ترى (الغريبة) وتتخيلها في حالات شتى، وتتخيل معها ابن الحسن الذي اشتهر بالكذب والتصرفات الملغومة والخداع.. مرت بكرم ابن الصبرة، وكان يفلح أرضه، ومعه زوجته فلم تنتبه إليهما.. أخذها انشغالها بخيالاتها وهواجسها، وأبعدها من حيث لا تريد عن رؤية ابن الصبرة وزوجته... ابن الصبرة قامته قصيرة قصراً بيناً، لكنه يُرى جيداً بالعين المجردة.. وقصره لا يبرر لزهوه عدم رؤيته وتحيته.. وزوجته تشبهه في كثير من الأمور: قامتها ليست أطول من قامته.. وعياناها كعينيه تنظران بعناية وإمعان إلى المارين، وإلى الأرض والأشجار.. وسمعها حاذق كسمعه، يسمعان الأصوات ويعرفانها.. وغضب ابن الصبرة لا يتزامن مع غضب زوجته.. واهتمامه بالدجاجات والبقرات لا يرقى إلى مستوى اهتمامها.. وتعامله مع لفافة التبغ يؤذي اللفافة، ويؤذي شفتيه فهو أكثر وقته يحاول عض اللفافة عضاً مؤذياً.. وإذا لم تكن اللفافة، فقد يكون الهواء أو شفتاه.. أما زوجته فلا تضحك في كل الفصول.. ولعل شفتيها مشغولتان باجترار أحزان قديمة تركت آثارها على ملامحها وعلى عمرها كله..
عجب ابن الصبرة لأمر زهوه: كيف تمر دون أن تلتفت إليهما بتحية ولو عاجلة كعجلة رباب في التهام صحن البطاطا المسلوقة؟!
قال لزوجته بعد أن أوقف عضه للفافة المعذبة:
-كيف تمر زوجة ابن الأحمد، ولا تنظر إلى جهتنا.
-ابن الأحمد من يعاشره لا يعرف شرقه من غربه.. وزهوة كتب عليها معاشرته، وكتب عليها الشقاء معه.
انفرجت أسارير ابن الصبرة، لأنه اعتبر كلمات زوجته عن قسوة معاشرة ابن الأحمد، بمثابة اعتراف منها بأن معاشرته حنونة وغير متعبة..
أحب ابن الصبرة أن يستمر في حديثه مع زوجته عن ابن الأحمد وزهوة:
-هل تكون تأثرت بشتمه لها بصوت عال؟
-إنه لا يشتم ولا يتكلم إلا بصوت عال يا ابن الصبرة.
-لقد أخطأت إذ وقفت عند زوجة ابن الصالح، ونسيت أمر الطعام.
-ابن الأحمد همه الطعام..
آمال يسيرة شغلت زوجة ابن الصبرة عن متابعة الحديث:
هل نسيت أن تملأ جرن الماء المخصص لسقي الدجاجات.. والباب الرئيسي المؤدي إلى الغرفة الكبيرة هل أغلقته، خوف أن تدخل الدجاجات إلى البيت وتترك هداياها المتواضعة (مصعات مختلفة القياسات والأحوال) بعضها كبير وبعضها صغير وبعضها لا شكل له.
فكرت بولدها البكر محمود الذي انصرف عن متابعة الدراسة إلى شؤون أخرى.. هذه الآمال غير العريضة، شغلت أم محمود عن متابعة الحديث مع زوجها المقبل على الحياة والعمل وفلاحة الأرض القريبة من البيت والساقية أيضاً.
***
الدرب بين قرية ولد أبي يوسف الثاني، وبين قرية شجرة التوت ليس طويلاً، أو متعباً: تحيط به كروم الحارة الغربية، وكروم (حارة السماق) والساقية قريبة منه..
وأبو يوسف يشعر بالألفة والعلاقة الطيبة مع هذا الدرب وهذه الكروم، التي يعرفها جيداً.. يعرف تخومها تخماً تخماً، ويعرف أصحابها، وأشجارها.. يسير عبر هذا الدرب، تؤنسه ذكريات الأيام المريرة التي عاشها مع الكروم، يعمل النهار بطوله وعرضه.. لكن هذه الأيام، وإن كانت قاسية، صارت في عالم التذكر، الذي لا يؤذي كثيراً..
باب بيت ولده الثاني (سعيد) مجاور تماماً للدرب.. يفتح الباب ويخرج فيستقبله الدرب، فإما أن يسعى غرباً إلى بيوت (قرية الرمان) ومنها إلى القرى الأخرى، وإما أن يسعى شرقاً إلى كروم وحارات قريته الباقية..
بعد جدال لا تحمد عقباه ولا بداياته مع أم يوسف خرجا معاً: أبو يوسف، رغم انحناءة ظهره، التي ازدادت وضوحاً بعد تركه بيته والشجرة الكبيرة.. رغم الانحناء، ظل ينظر بحب وحذق ودراية إلى الكروم وتخومها ومن ورائه أم يوسف تشغل يديها، بشكل مستمر، بربط المنديل الأبيض بعض الشيء، أو بشدّه و بتغيير وضعيته، على رأسها.. وشفتاها لا تنقطعان عن الزم والانشداد والارتخاء، وكأنها تمضغ طعاماً شديداً. قالت أم يوسف:
-ألا نفكر بحال ولدنا الكبير وحال زواجه؟؟
دون أن يلتفت إلى الوراء أجاب:
-أمرك أمر عجيب.. وقفت في وجه زواجه من (عهيده) بنت قريبنا وقريب (عبدو الشاعر)..
-أمها لا تعاشر، ترى نفسها فوق الناس، وهي دون الناس.
-أمها مثلك تبقى غاضبة على كل شيء وكارهة لكل شيء، دون أن تعرف السبب.
ثارت ثائرة أم يوسف، وزادت من زم شفتيها، وشدّت منديلها شداً صعباً، وهمت بالرد على زوجها، لكن لعاباً كثيفاً اعترض صوتها، فتأخرت بالإجابة غير الشافية على كلمات زوجها..
أبو يوسف لم يعد إلى الحديث أملاً منه في أن زوجته أقفلت باب الأسئلة والنكد.. لكن أمله قتل شرقتل، حين عاد صوت أم يوسف غاضباً..
ابتعدا عن بيت ولدهما (سعيد) لكن صوت زوجته، التي لا تحبها أم يوسف، صوت زوجة (سعيد) ظل مسموعاً، وهي تصب (جام وبرميل غضبها) على زوجها عاثر الحظ.
أبو يوسف يعرف أن ولده (سعيداً) ليس لـه من اسمه نصيب لا وافر ولا قليل، فزوجته تشبه شجرة رمان شوكها حاد وثمارها متعبة وقليلة، وعلى (سعيد) أن يعيش حذراً من أن تناله الأشواك بالوخز المبرح: وحذره لا ينفعه نفعاً واسعاً، في تفادي الوخز، والوخز في يده وروحه وحياته صار الحكاية المستمرة..
قال أبو يوسف، وصوت زوجة ولده يصخب في سمعه:
-ألا تظنين أن زواج ولدنا الكبير من (عهيده) يكون أخير لـه من زواج ولدنا الثاني؟!
-حظ الثاني أتعس من حظ الأول..
توقفت زوجة سعيد عن الصخب، فتاه الصوت.. واستراح سمع أبي يوسف.. لبعض الوقت. ولن يستريح طويلاً، لأن صوت أم يوسف ليس أقل أذية لسمعه من الأصوات المزعجة الأخرى.
بيوت (قرية الرمان) صارت وراء، وعن يمين الدرب.. حيث السفح المجاور للساقية بانت (قرية التين) قال أبو يوسف، محاولاً إضفاء جو من المودة بينه وبين زوجته، تجنباً لسخطها الدائم:
-هل تشاهدين البيت المجاور للسفح يا أم البنين؟!
-ما هذه الأسماء التي تطلقها عليّ وكأنك صرت شاعراً أو فيلسوفاً؟!
-أم البنين اسم قديم سميت به نساء جميلات وعاشقات؛ فلماذا تكرهين أن أسميك به؟!..
-اسمي يكفيني، وأنا لست محتاجة للعشق والجمال.. أعطتني الأيام ما يكفيني من كل شيء.
قال أبو يوسف سراً: "أردنا المودة مع أم يوسف، فانقلبت الأمور عكساً".
أم يوسف لم تفهم معنى كلمات أبي يوسف (أم البنين) و(العشق) و(الجمال) العشق معناه عند هذه الزوجة، التي اختصها الدهر بـ (حدوة) لا مثيل لها في تاريخ الأحذية، واختصها عمرها بعبوس دائم، لا يترك ملامحها، وكأنها ستمطر سخطاً وتعاسة..
تظن أن (العشق) نوع من أنواع الحلي أو نوع من الحلويات.. المهم في الأمر أنها لم تجرب في حياتها هذا الفن العجيب، ولم تفهمه ولم تسأل عنه، ولهذا وجدت في نفسها سخطاً كبيراً على زوجها، حين كلمها هذه الكلمات، لظنها أنه يسخر منها وهو ـ قد يكون ـ مزج السخرية بشيء من مودة، فتذوقت أم يوسف طعم السخرية، ولم تتذوق الطعم الآخر. عاد أبو يوسف للحديث أملاً منه في بث روح المودة بينه وبين زوجته، رغم إحساسه أن روح المودة تختنق متى صادفت زوجته..
عاد أبو يوسف إلى الكلام، وأمله بالمودّة أضعف من أمل أسعد الشحاذ بأن يكون أنيقاً ونظيف الثياب، وقليل رش اللعاب. قال أبو يوسف:
-هذا البيت هو بيت (حمدان المحجوب) والد زوجة ابن الأحمد، ورثه ولده.
أدرك الرضى قليلاً مزاج أم يوسف، وراق لها أن تتجاذب مع زوجها أطراف الحديث.. والخوف من أن تشد الأطراف بعنف، فيتمزق الحديث، وهذا قدر هكذا أحاديث..
قالت:
-أنا مستغربة لأمر زهوة!!
لماذا مستغربة؟
-لماذا تزوجت ابن الأحمد، وتركت واحداً مثل (ابن الحسن)؟؟
-والدها حمدان الذي وصفه أحمد السعيد بالمحجوب، هو الذي زوجها لابن الأحمد.. وأنا أعرف كيف تزوجت..
-الحق مع أحمد السعيد أنه سمّاه (المحجوب).
-هذا كلام حسن يا أم يوسف.
-صرت تتفاصح مثل (الجبيلي) ولعلك مع الأيام، ستصير شاعراً مثل (عبدو الشاعر) انقطع حديث الزوجين، لأن أحداثاً كثيرة وقعت في قرية شجرة التوت، عادت إلى رأس أبي يوسف تدور فيها، وتصخب أكثر من صخب صوت أم يوسف: "سعيد لم يطلب الزواج إلا بعد أن عمل عند (ابن الحسن).. وزواجه رتب وعدّت عدته سريعاً.. وسعيد هو الذي خالف رأيه رأي الجميع، وترك البيت، وقد حاول غير مرة قطع (شجرة التوت) بحجة أنها تمد جذورها في العميق من الأرض، فتضعف أساس وجدران البيت.. أين كان تفكيرك يا أبا يوسف عن هذا الأمر؟!
لم يدم تفكير أبي يوسف بأحداث شجرة التوت، التي مرت عليها الأيام، لكنها لم تمحها.. لم يدم تفكيره لأن صوت زوجته جاءه كالمنبه المزعج.
بيت (الجبيلي) باقٍ على حاله، وأخته (سبهه) على حالها...
-ونسيت حال (شياله) المياله يا أم يوسف الخيالة ونسيت حال يوسف بوحمود وحال دكانه؟
-اليوم فصاحتك زائدة.
أم يوسف لم تعرف إلا نتفاً غير كافية عن حياة (شياله) ولعلها لم تسمع أي كلام مفيد أو غير مفيد عن حب يوسف بوحمود لها... لأن هذا الحب العاصف على طريقة (أسعد الشحاذ) ذاع أمره، بعد أن تركت القرية.
لم ينتبه أبو يوسف طويلاً إلى بيوت شجرة التين المجاورة للسفح والساقية.
وزوجته المصون، نظراتها من نظراته، وانتباهها كانتباهه.
شجرة التوت التي أمام بيت (الجبيلي) كانت كبارق حب، لمع في ليل بغضاء وكراهية، لكن المفاجأة التي هزت وجدان أم يوسف، هي أنها رأت الدكان مغلقاً على غير عادته.
(الجبيلي) وسبهه لم يكونا إلى جوار التوتة... وحدها كانت شياله وقد خرجت إلى المصطبة، وهي تفرك عينيها، محاولة منها لإزالة بقية نوم علقت في الجفنين والأهداب... وقد ازادانت عيناها بهذه البقية، التي بانت كالنعاس الحنون...
أبو يوسف، رغم بؤس تجربته الغرامية، راقه أن يعاين بهاء شياله، وراق لـه أن يشبهها بشجرة التوت، قال لأم يوسف:
-شياله، بورك حسنها، إنها تشبه الشجرة الكبيرة
-هذا الكلام ما سمعته منك في يوم من أيامنا... أنت خيرك لغيري.
وهل قدمت خيراً لأحد؟
-ألا تقول إن شياله حسنها مبارك، وإنها تشبه الشجرة الكبيرة؟
شياله سمعت أكثر كلمات أبي يوسف وزوجته، وقد أمتعها الإصغاء إليهما، وتمنت أن يصعدا إلى المصطبة.
أبو يوسف، لا ينسى أن يبادر من يصادفه بالتحية، فكيف إذا كانت شياله هي من سيبادرها بالتحية؟
تحيته جاءت حنونة كدفق نبع خالص العذوبة... وكذا جاء رد التحية. أم يوسف لم تشغلها التحية المتبادلة بين زوجها وشياله، إذ وجدت نفسها منشغلة بإغلاق يوسف بوحمود باب دكانه: أحست بحزن شديد، يضرب صدغيها، ويؤذي طمأنينتها، لأنها وجدت الباب مغلقاً، وقد ألفته مفتوحاً... تحمل لـه البيضات كل يومين أو أكثر، وتبيع البيضات أو تستبدلها بحاجات أساسية للبيت.
-دعت شياله أبا يوسف للجلوس على المصطبة.
فلم يصعد رغم رغبته الأكيدة بالصعود والجلوس...
سألها:
-أين (الجبيلي) وسبهه؟
-مشغول هذه الأيام بالرعي والدبق... وسبهه قد تكون ذهبت إلى أرض الساقية، أو إلى أرض الحارة الفوقانية، أو إلى الدكان.
صوت أسعد شاغب على حديثهما، لكنه لم يبتره... أم يوسف وحدهما بترت حديثهما: لتسأل عن حال الدكان وقد سمعت كلمة شياله، عن سبهه إنها يمكن أن تكون ذهبت إلى الدكان... سألت بوجع وحرقة وتلهف:
-أين صار الدكان؟
-نقل يوسف بوحمود دكانه إلى الحارة الفوقانية. قالت كلماتها، وغصة ثقيلة تعذب صوتها المشغول بالرقة.
قال أبو يوسف وهو ينظر إلى شياله، مخاطباً شوقاً طيباً في نفسه: "لماذا يترك بوحمود دكانه هنا، وينتقل إلى حارة أخرى؟".
قرأت شياله السؤال في صمت أبي يوسف وتأملاته؛ أما الزوجة العجيبة فلم تقرأ شيئاً، وبقيت مع أيامها في قرية شجرة التوت، يوم كانت تجمع البيضات وتحملها إلى الدكان.
صوت أسعد ازداد علواً واقتراباً... من بعيد نادى:
-أين ابن عمي الجبيلي، يتلو من كتاب الرعي فصلاً؟
لم تجب (شياله) واكتفت بالالتفات إلى حيث بان أسعد وهو يحمل كيسه العجيب، ويشمر بنطلونه عن ساق، ويبقيه على ساق، وفي فمه لفافة لم يشعلها. بل تركها تعاني ويل لعابه وعضه من غير إشعال، وهل مؤذٍ الإشعال أي إشعال، أكثر من لعاب أساسه الآلام والحرق والغصص.؟!
شاهد أسعد أبا يوسف ومنديل زوجته التي يخافها خوفاً عالي الهمة.. أطلق العنان لشوقه وصوته:
"أبو يوسف السيد المحبوب لقلبي وروحي كفاك تقول للحلوي: وروحي... لأم يوسف يحلو العتاب"
أسعد، متاهة العمر المسيج بالمرارات والشوك القاسي، متاهة العمر، لم تفقده أن يبشر بالحب، ولم تفقده شجاعة التعبير عن الحب... وقد يكون استفاد من المتاهة القاصمة للظهر، وغير الظهر أن يقول الحب كلاماً طيباً، رغم فوضاه.
وقفة (شياله) زادتها بهاء، وعباءتها المطرزة، قدمت أيامها، لكنها بقيت أنيقة عليها... وعيناها الناعستان، ووجهها الطافح حياة، وشعرها المتروك على حاله.
(شياله) محط دهشة وراحة نفسية خاصة... وأسعد يحس بهذه الدهشة والراحة، لكنه لا يعني بها إرادياً، لعلمه الأكيد، أن حظه من شياله ليس أفضل من حظه من الأيام وعمره وهو يخبر نفسه دائماً، عندما تميل إلى بهاء شياله: "أنت يا أسعد لا تليق لواحدة مثل شياله. بل لا تليق إلا للكيس تحمله وتسعى في دروب القرى والحارات، بحثاً عن لقمة العيش، أو أية لقمة غيرها".
أخبر أسعد نفسه هذا الخبر على عجل، وهو يقبل على المصطبة ليلقي التحية على شياله أولاً، ثم على أبي يوسف وزوجته، التي امتدحها من بعيد، آملاً منه بقليل من رضاها النادر... أقبل على شياله بسعادة، وكيسه لم يفارقه، ورائحة الوسخ المتراكم على ثيابه وجلده سبقته، لكن شياله تعودت مكرهة على أن تستقبل أسعد ورائحته وكيسه، وأن تسقيه الشاي، وأن تطعمه الكعك إن وجد.
صافحها على عجل، وهزّ يدها بقوة، كمن يهزّ الريح، ثم هبط درجات المصطبة إلى حيث أبو يوسف وزوجته التي لم تودع شفتاها حالة الزم الدائمة...
ابتسامة أبي يوسف أشعرت أسعد بالسرور... لكن تحية أسعد لم تشعر أبا يوسف بالاستقرارـ بل أشعرته بالاضطراب، إذ قبّله قبلاً مصحوبة باللعاب، ومصحوبة باللطم المبرح. ووجنتا أسعد قاسيتان كرمانتين يابستين، راح بهما يضرب وجه أبي يوسف. وهذا الضرب بالوجنتين هو التقبيل الأسمي وهو التعبير الأصدق عن عميق الحب ووافر الشوق، في عرف أسعد.
شياله حمدت الحظ والدنيا أن أسعد لم يوفق في عمره إلى تقبيلها، وكذا أم يوسف التي راعها ما رأت من تقبيل أسعد الانفجاري... وراعها أكثر أنها رأته ينجز تحيته لزوجها ويتوجه إليها. إذ قدرت أن غيمة من لعابة ستحط رحالها على منديلها ووجهها، ولا أمل لها بالفرار من تحيته ولعابه، وأسئلته الاطمئنانية عنها وعن أولادها وعن واقع حالها ودجاجاتها وما آلت إليه مصائرها، بعد تركها في عهدة زوجة كريم.
عاينت شياله عناق أسعد لأبي يوسف، وقد أشفقت عليه... وعاينت تحيته لأم يوسف وأسئلته المتلاحقة المصحوبه بالكثير من اللعاب بعيد المدى:
كيف حال حبيبة القلب أم يوسف؟ وكيف حال الأولاد الأفاضل؟
وكيف حال الجيران وأنت خير العارفين يا أم البنين؟
وحال الدجاجات كيف هو بعد أن تركت قرية شجرة التوت وكنت زينتها ومباركة فيها؟!
أبو يوسف أخذه الضحك، حتى غامت عيناه بالدمع... وشياله وجدت نفسها تسند ظهرها إلى جذع التوتة، من ثقل حالة الضحك التي سيطرت عليها سيطرة تامة، وهي ترى أم يوسف في حومة لعاب وأسئلة ومدائح أسعد التي لا تقدم ولا تؤخر.
كاد أسعد ينسى الكيس البائس الشقي على المصطبة، لولا أن نبّهه أبو يوسف:
-هل تترك كيسك يا أسعد عند شياله؟
-كيف أنساه يا سيد الأسياد والعارف بأحوال شجرة البلاد، والمحب لخير العباد، وعلى صوت أسعد معتاد، وباكراً أتاك الرشاد كجمل إلى الرعي منقاد...
-لا تكمل مديحك يا أسعد لأنك إن أكملت لعنت نفس من مدحت، فاطلب الذم بدل المديح...
شياله ودعت أبا يوسف وزوجته وأسعد، وسارعت إلى حمل الكيس ورمته من على المصطبة إلى حيث أسعد فتح كفيه، كمن ينتظر هبة من الغيم أو يبحث عن طائر فلا يأتي، بل يرمي (مصعته) فتكون ملء الكفين. وهذا قدر منحوس كأسعد.
أم يوسف لم تنتظر وداع زوجها المتمهل، إذ آذاها أن ترى باب الدكان مغلقاً... أسعد كاد يصطدم بأبي يوسف ويسقطه أرضاً ويهوي فوقه، وهو ينظر إلى شياله ويودعها على طريقتيه الشاقولية والأفقية.
فرح أسعد حاله كحال كيسه، مفجوع بالأناقة والترتيب. وقد بان ذلك على حركاته ووداعه لشياله: رفع يده اليمنى، ثم رفع اليسرى، ثم بدأ يمط رقبته، كمن يتنفس بمط الرقبة، وكأن الهواء الطلق أبعد من أنفه وأنفاسه، فحين يمط رقبته يقترب من الهواء الطلق...
شياله انصرفت عن أسعد ووداعه، الملحاح، الذي كاد يسقطه ويسقط معه أبو يوسف، الذي تمالك نفسه، ومال إلى الجدار، فاستند إليه.
***
الجرة الكبيرة المركوزة إلى جوار الحائط أساسية في حياة (الجبيلي) والمصطبة الواسعة... والدرب الواصل بين الدكان والمصطبة علامة فارقة وحد فاصل بين البيت والدكان، وبين (الحارة الفوقانية) و(الحارة التحتانية) لكن هذا الدرب صار موحشاً، بعد أن نقل يوسف بوحمود حاجاته، وعمله إلى حارة أخرى... أحست أنها بحبها ليوسف، غامرت مغامرة صعبة، إذ كان عليها أن تتأمل واقع حاله وحياته وزوجته وأولاده، قبل أن تسمح لمشاعرها بالانسجام مع مشاعره:
يوسف اهتم بها اهتماماً خاصاً، وأشعرها بحبه لها، وازداد معها شفافية وعذوبة.
وقد تكون هي السبب في ازدياد شفافيته. لكنها جهلت أن هذه الشفافية قد لا تثمر حباً مطمئناً، ما دامت حياته متداخلة ومتشابكة تشابكاً لا يدع المجال متاحاً أمام الحب لكي يطمئن ويهنأ.
قالت شياله لنفسها: "يوسف بوحمود ترك الدكان تحت ضغط زوجته وكريم، ورسائل أسعد، التي تفضح أي حب، مهما كان محاطاً بالكتمان... وزوجته على حق في أن تفعل ما تفعل من أجل حياتها".
في الأرض القريبة من الساقية بان (الجبيلي) وهو يسعى وراء الخراف والبقرة وبانت (جاكيته) الشقيانه، التي عاشرته طويلاً... وهل لها من حيلة في ترك معاشرته؟
خيالات شياله، سرحت مع سرحان قريبها... وتاهت في تأملات أولها موحش وآخرها:
«الجبيلي» ترك قرية النبع وجاء مع أحمد السعيد... هرب من العوز والحاجة فسقط في وحل العوز والحاجة. وسبهه، تبعت الجبيلي، فعاشت نفس حياته... في قرية النبع كانت أيامنا واضحة السواد كنت ألتقي (عبدو الشاعر) ويقرأ عليَّ من أشعاره، ويغني، ثم غاب وابتعدت أغانيه... تزوجت من غير أمل أو تفكير، فكان زواجي بائساً شريراً كزواج سمر وأختها جوهرة...".
تأملات موجعة للرأس والروح استبدت بنفس شياله، فأبعدتها عن الأفق والكروم، ونسيت أن عليها إعداد الطعام... وإعداد الطعام في بيت الجبيلي عمل متعب ويبعث على الضيق... بقيت في ذهولها إلى أن جاء صوت ابن الأحمد وهو ينادي زوجته، لترسل لـه الطعام...
صوت ابن الأحمد نبه شياله إلى ضرورة السعي في مجاهل البيت بحثاً عن أواني ومعدات ولوزام الطبخ... دخلت إلى البيت، دون أن تنظر إلى أن العتبة تكاد تسقط من قِدمها وتسوّس خشبتها العريضة... وكيف تنظر إلى عتبة البيت، ونفسها وحياتها كلها عتبات، لا بد من الاصطدام بها والمعاناة معها كل وقت وحين.
بدأت التعاسة تؤذي ملاحة شياله... وكيف لا تؤذيها التعاسة... وحياة الجبيلي وسبهه، لا تجود بغير الشقاء المبرر وجوده... بقيت تنظر إلى نفسها، فتصطدم بالأسف والآمال الصريعة... وتقول: "لم يتحقق لك يا شياله أي موعد يليق بالحياة المدرسة ضعت عنها قبل أن أكمل المرحلة الثانية... (عبدو الشاعر) ضاع عني وضعت عنه... زواجي كان الأرض الخربة، لا يخبئ إلا الخراب والأذية... يوسف بوحمود أحبني فكانت الحياة أقوى من حبه ومنه، فهرب من حبه تحت ثقل ضربات الحياة والأيام..."
في داخل البيت الأغراض في حال من الفوضى والتفاهة المفرطة: الصحون في جهة من جهات الرف... والقدر في جهة أخرى الاهتداء إليها ليس هيناً.
والقمح المجروش في كيس، البحث عنه متعب كحب يوسف بوحمود، أو كمعاشرة ابن الأحمد... والملح في كيس ليس محدداً... والعدس أيضاً في جهة غير معلومة تماماً...
الجرة، وحدها، محدد مكانها، وغطاؤها... والجرة وحدها ليست كافية... وما على شياله المليحة إلا أن تبحث وتسعى وراء الأكياس المعلق بعضها والمتروك على الأرض بعضها.
***
ابن الصبرة علاقته مع الأرض والأشجار، لا تتعب، لكنه تميز بحبه لـ (الحلاوة) أكثر من تميزّه بحب الأرض والأشجار، أو أي حب آخر... وقد يكون حبه (للحلاوة) يفوق حبه لزوجته (أم محمود).
لا يكاد يرى علبة (حلاوة) حتى يقبل عليها... وأكله لها فيه براعة عالية، إذ يدفع بكمية من (الحلاوة) المهانة، إلى فمه المشهود لـه بعض لفافات التبغ، والمضغ المتعجل... يدفع بالحلاوة إلى فمه، فلا تبين حركة المضغ على الفم، حتى يدفع بحلاوة أخرى... يجتهد ابن الصبرة اجتهاداً واسعاً في أكل الحلاوة، والتعبير عن حبه لها، والتحدث عن منافعها، التي لا تحصى... وقد اشترك في مباراة محدودة، في دكان (بوحمود)، وكانت نتائج هذه المباراة دائماً في صالحه، وفي غير صالح علب الحلاوة، التي تقع عليها ويلات المباراة والالتهام العجول.
شهد لـه ابن الأحمد، وهو من محبي الحلاوة، وغيرها، من أصناف المأكولات، شهد لـه غير مرة، ببراعة التهامه (الحلاوة).
هذه العلاقة الجديرة بالذكر، التي تربط ابن الصبرة بالحلاوة، هي قريبة الشبه بعلاقته بأرضه وأشجاره، و(أم محمود) زوجته، التي عاشت معه الأيام السوداء والبيضاء.
الساقية هي التخم الفاصل بين (حارة الساقية) والكروم والحارة العتيقة... وأرض ابن الصبرة، تجاور الساقية، وأغصان شجرات الزيتون تتمادى، فيصل ظلها إلى النبع وإلى الدرب المؤدي إليه.
***
درب الرشاد عند أبي يوسف، هو أن يتصل الإنسان مع أهله وجيرانه، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه، وأن يمتنع عن الأذى، وأن يكون صادقاً، وأن يتعب في حماية رزقه ونفسه من الخراب والأيدي الظالمة.
ابن الحسن أهمل نفسه وأهمل درب الرشاد، فلم يرده، ولم يسر عليه. فابتعد عن الجيران، وازداد ابتعاداً بزواجه من (الغريبة) التي بدأت بالأذية منذ حلت في حارة الساقية، حيث بيت ابن الحسن زوجها.
بيت ابن الحسن هو البيت الأبعد في الحارة، بل هو آخر بيوتها... تفصله عن بيت ابن الصبرة الأرض العالية، وكروم ابن الصالح وابن الأحمد وكريم...
وهو يختلف عن ابن الصبرة في كل ملامحه تقريباً: ابن الصبرة قليل الطول، ورأسه ليس كبيراً كبراً واضحاً، رأسه يتناسب مع قده... وعيناه حادتا النظرات... إذا نظر عرف... وإذا قرأ فهم... وطبعه حاذق، يعرف كيف يصرّف أموره، فينتفع، دون أن يؤذي، وقد أفلح في صون رزقه، وبناء بيته، وفشل في تعليم ولده البكر (محمود) فقال عنه أبو يوسف:
ابن الصبرة لم يوفق في ولده الأول، مثله مثل أهل أحمد السعيد. أما ابن الحسن فقدّه طويل ورأسه مفلطح وعيناه شيطانتا النظرات، فلا يعرف أن يستقر بنظراته... وطبعه فوضوي، لا يهدأ على أمر، ولا يتعمق في قضية. وقد غاب عن الحارة وقتاً غير قصير، ثم عاد. وبعد حين من عودته تزوج (الغريبة) التي لا تعرف هويتها وحياتها، بالنسبة للجيران... وحدها زوجة ولد أبي يوسف الثاني، بقيت على علاقة طيبة أو غير طيبة مع ابن الحسن وزوجته (الغريبة) وبقيت تزورهما وتخدمهما.
***
-ضيق ابن الحسن الدرب.
-من قال لك هذا؟
-أنا نفسي ذهبت وعانيت في الوصول إلى النبع وفي الرجوع...
لم يكمل ابن الصالح وزوجته الحديث، لأن قامة ابن الحسن بانت... وقد سمع الزوجان صوت ابن الصبرة، وهو يرد تحية ابن الحسن... وسمعاه، وهو يسأله عن الأرض، وكيفية سقيها من النبع.
قال ابن الصالح:
-ابن الحسن مجيئه إلى ابن الصبرة سيؤذينا...
-الغريبة تكون قالت له: زيارة ابن الصبرة تنفع!
-وحكاية الدرب والنبع ستجرّ علينا البلوى، لأن ابن الصبرة إذا استقر رأيه على أمر، فلا يفكر بعواقبه.
ابتعد ابن الحسن وابن الصبرة باتجاه الساقية، أما ابن الصالح وزوجته، استطابا البقاء تحت أغصان (السنديانة) يتجاذبان أطراف الحديث. نظر الزوج إلى جهة الحارة العتيقة فبانت لـه المصطبة المهجورة والجذع الذي فرّع وطالت فروعه، رغم الإهمال وبان لـه البيت الترابي... قال لزوجته:
-غياب أبي يوسف عنّا آذانا وأضرّبنا!
-أولاده لم يقدّروا الأمور تقديرات صحيحة، فضاعوا وضيعّوا معهم والدهم وضيّعوا شجرة التوت وأيامها وأيامنا.
-عاد منذ أيام قليلة، وزار الحارة بيتاً بيتاً... ونام في بيت كريم.
-هل جاءت أم يوسف معه؟
-جاءت وزارتني.
ابتسم ابن الصالح ابتسامة هزيلة، لم تدركها الحياة، حتى اختفت وضاعت... وابتسامته إشارة واضحة إلى مشية أم يوسف وأسلوبها، وحياتها، وإشارة إلى كلمات أبي يوسف التي يصف بها زوجته.
لم تجب الزوجة على ابتسامة زوجها الملغومة، لأنها لم ترها ولم تنظر إليه، بل انشدّت بنظراتها إلى (الغريبة) التي بانت في الأرض العالية، وبان وراءها رجل وامرأة، قدّرت زوجة ابن الصالح أنهما ولد أبي يوسف وزوجته.
الغريبة تمشي وثوبها الطويل يكنس، ما أمكنه الطريق المتعرج بين الأشجار، وولد أبي يوسف يمشي وراءها محني الظهر، ما أمكنه الانحناء، لاعتقاده الراسخ، أن الانحناء ضرورة حياتية، لا مهرب منها، أمام العوز والعتبات الواطئة، أما زوجته الممتلئة امتلاءً فائضاً عن الحاجة، لا تجد رغبة في نفسها بالانحناء، بل هي تكلف زوجها بهذه المهمة، أما هي فتبقى تتأرجح ذات اليمين وذات الشمال... كسنديانة تهزها الريح، فلا تستقر أغصانها. وهي تشبه السنديان شعرها ملتم على بعضه كورق السنديان... ورأسها غير بعيد عن كتفيها، وخصرها في ترحال دائم، إذ ضاع الخصر في البطن، والظهر في الظهر... فلا يمكن لعاشق أو غير عاشق أو ناظر أو متنبئ بأحوال الكياسة والفراسة، أن يعرف الخصر من غيره ، أو البطن من الصدر أو الفخذين من الساقين، هي متماسكة متوحدة لا يعرف طولها من عرضها ولا حسنها من بشاعتها.
هذه الحال تنسحب على طباعها، فهي قوية صارمة... آتتها الأيام قوة في الطباع تفوق قوة زوجها... وقد أعجبت (الغريبة) في بعض سلوكها، وقد ملتّها في بعض السلوك.
أحبت مقدرتها على ضبط زوجها ضبطاً تاماً، وأحبت جدارتها في العمل، لكنها لم تحب ملازمتها لزوجها. فالغريبة قد تريد ولد أبي يوسف وحيداً أحياناً، وقد أكدت عليه أكثر من مرة أن يحضر إليها، دون زوجته.
هذا واقع حال الغريبة مع الزوجين، عرفه الجيران أكثرهم. ابن الصالح وزوجته عرفاه جيداً... وفي الهواجر المطمئنة سمعا أحاديث الغريبة مع سعيد ومع زوجته. ابن الصالح قال لزوجته المندهشة بحياة الغريبة، وعلاقتها مع ولد أبي يوسف وزوجته:
-ما هذه المرأة العجيبة: سمعتها أمس تقول لولد أبي يوسف:
-أنت عزيز علي، وسأهتم بأمرك، فلا تبتعد؟!
زوجة ابن الصالح خبرتها في هكذا كلام، لـه علاقة بالحب أو ما يشبه الحب، بائسة أكثر من بؤس (الجبيلي) و(أسعد الشحاذ) تابع ابن الصالح حديثه، وشعور بالأسف يعترض حلقه كشوكة قاسية، أو كحلم فاشل صدئ، بقي في الذاكرة كوجع لا يذهب أذاه:
-كيف يسمح ولد أبي يوسف لنفسه أن يكون ضعيفاً أمام (الغريبة) التي نشرت الأذى في حارات شجرة التوت؟؟
ردّت الزوجة الملتمّة على حزنها، كالبردان، الباحث عن دفء عصي... بعيد:
-هو أمام زوجته لا تقوم لـه قائمة إلا بأمرها...
-وابن الحسن مثله، لا تقوم لـه القوائم إلا بإذن الغريبة.
-لكن ابن الحسن غرّب في الدنيا وشرّق، أما ولد أبي يوسف فبقي من غير تغريب أو تشريق.
عاد الصوت إلى الهدأة الموجعة، لأن قامة ابن الحسن بانت، وهو يصعد من جهة النبع، وخلفه ابن الصبرة...
فرح طفيف كاد أن يحل على روح ابن الصالح وزوجته، لولا أن حضر ابن الحسن وابن الصبرة... فهرب الفرح كطائر حنون أخافه دبق ابن الأحمد أو دبق الجبيلي.
***
أسف صخاب يضج في روح أبي يوسف: بيته مهجور، وشجرة التوت، قطعت، وعادت فرعت... لكن عودتها قد لا تدوم، لأن ولده الثاني يستجيب لإرادة ابن الحسن، والغريبة، فيضيق الأرض على الجذع المتبقي، ويحاول هدم البيت.
الأرض المسيّجة، التي كانت تحيط بالمصطبة وبشجرة التوت، لم يذهب سياجها، لأن أبا يوسف، بقي، يعيد عيدان السياج إلى حالها كما كانت: حتى إنّه آخر مرة زار فيها الحارة العتيقة، استعان بابن الأحمد، على تركيز العيدان المرمية...
وتمنى على نفسه وعلى جاره أن يعاود بناء البيت.
***
قريبة أبي يوسف، حسب تسمية أم يوسف ليست لائقة لمقام ابنها البكر، الذي بنى بيتاً، وفرشه وبنى بيتاً آخر إلى جوار بيته، خصصه للدجاجات، قالت لـه أمه:
-الدجاجات لا تضرك يا ولدي... تأكل بيضاتها، وإذا دعت الدواعي، إنك تأكلها... لكن لا تتعجل في ذبحها... فالدجاجات في البيت نفع ورزق...
-ومن يعتني بالدجاجات إذا ذهبت أنت وأبي إلى بيت أخي أو إلى حارتنا العتيقة؟!
-علّم زوجتك القادمة على تربية الدجاجات قبل أي أمر آخر.
-هي بنت الدجاج!!
أرادت أم يوسف أن توضح لولدها خطأه، لكنها لم تفعل، لأن أبا يوسف أصلح ما حصل من خطأ، بابتسامته الهادئة... ثم أصحب الابتسامة بطلب مشفوع بالرجاء، من الزوجة الصالحة أم يوسف، بأن تعد لـه ولولده البكر إبريقاً من الشاي:
-ما رأيك بإبريق من الشاي يا أم البنين؟!
-سأحضر لك ولولدك الشاي، لكن فلسفتك لا ترضيني!
-اعتبريني مثل الجبيلي فيلسوفاً وفصيحاً!
-اذكر الديب، فيحضر يا فصيح الفصحاء!
نظرت أم يوسف من الباب المفتوح، فلاح لها الجبيلي يسوق أمامه بعض الخراف، ويسعى باتجاه البيت المسوّر بالقليل من الحجارة والقليل من الأشجار.
من بعيد قال الجبيلي:
-هذا بيت ولدك يا جارنا العتيق يا أبا يوسف!؟
سمع أبو يوسف نداء جاره المقبل على الدنيا إقبالاً عجيباً... ونهض لملاقاته... وسبقه صوته:
-هذا بيت ولدنا... وقريباً سيصير بيت قريبتك!
شعرت الزوجة بأن أملاً كان بعيداً... اقترب بمجيء الجبيلي: أمل معرفة حب يوسف بوحمود لشياله... وأمل أن يخبرها عن حال دجاجاتها عند زوجة كريم.
ليس هناك مثل الجبيلي في رواية الأحداث... فأنت تراه يتكلم في كل الأمور التي يسأل عنها... ويهيِّئ لكل أمر كذبة بيضاء أو سوداء، تليق بمقام المستمع، وقد لا تليق... المهم عند الجبيلي أن يتكلم، وأن يشعر بأنه رجل لـه مكانته اللائقة بين الحضور... هذا ليس ذا شأن بالنسبة لأم يوسف... أن يكون لـه مكانته أو من غير مكانة، الشأن عندها أن يخبرها بخبر حب يوسف بوحمود لشياله، وأن يخبرها، وأن يتحيز لصالح رأيها عن حياة عائلة عشيقة ولدها البكر... أما عن الدجاجات التي أبقتها أمانة دائمة عند زوجة كريم، فلا لواحد كالجبيلي من فائض من التفاصح والأكاذيب، حتى يحقق لأم يوسف ما ترجوه.
سترة (الجبيلي) لم تتبدل، وكذا أمر حذائه، الذي لا يقل أهمية عن (حدوة) أم يوسف.
وقد بدأ الجبيلي، من حيث لم يرتب، بدأ حديثه عن حذائه:
-هذا النوع من الأحذية متين، وهو أمتن من حذاء ابن الأحمد.
أم يوسف رغم انشغالها بإعداد إبريق الشاي، ورغم أنها وجدت اختلافاً كبيراً ين ترتيب ولدها للأواني والحاجات والأغراض، وبين ترتيبها، وهذا الاختلاف يربكها. فهي تعلق الأكياس في مسامير محددة لهذا الأمر... والإبريق يبقى على الرف، حتى يطلب، أما عند ولدها فلا يوجد مسامير، ولا يوجد رفوف... يوجد كرسيان خشبيان كئيبان، وضع عليهما خشبة عريضة، وعلى الخشبة وضعت الأغراض والأكياس والكؤوس... هذا الأمر آذى مزاج أم يوسف، وقد فكرت بوسيلة ما، لرفع أي (ساموك) في بيت ولدها، لتدق فيه المسامير، وتعلق فيه الأكياس... أم يوسف لا تحترم أي بيت، مهما علا شأنه، وبيت ولدها ليس عالياً في الشأن أو في غير الشأن... لا تحترم أي بيت خال من المسامير والأكياس المعلقة بها... رغم ارتباكها وعدم ارتياحها لترتيب ولدها للأغراض، فقد سمعت كلمات (الجبيلي) عن حذائه، وتمنت أن تشارك في الحديث الحذائي، بنبذة موجزة أو مفصلة عن (حدوتها).
خراف الجبيلي ربطها أمام البيت خشية أن تفر هاربة وتعود إلى (البازار) القريب... الدرب الواصلة بين البازار والمدينة بينٌّ لا تخطئه الخطوات... والجبيلي يعرفه خير معرفة، من كثرة الذهاب والإياب عليه... ومن اللياقة بمكان أن يتحدث الجبيلي عن حذائه الصابر على قدميه، وعلى سيره الذي لا ينقطع... وعلى حراكه الدائم سواء بقي في الحارة التحتانية، أو ترك الحارة إلى المرعى القريب، أو إلى السفح المطل على الساقية، حيث أرض ابن الأحمد وابن الصالح وابن الحسن.
عادت أم يوسف وفي يدها الإبريق المربوط غطاؤه بعنقه، وفي يدها الثانية (الطبق) المحترم حسب تصريحاتها الدائمة، وعليه الفناجين المتروكة للأيام، فلن تنكسر.
ابتهج الجبيلي، لمشاهدة الإبريق والفناجين، ونسي في زحمة الابتهاج أن ينظر إلى وجه أم يوسف وعبوسها المستمر، وفمها مزموم الشفتين... وانتقل من حديث الحذاء ومتانته ومقدرته على تحمل الوعر والمشقة وحماية القدمين، من أي جرح أو أذى... انتقل من هذا الحديث إلى حديث الطيور والصيد والدبق:
-كاد الطائر الكبير أن يصطاده الدبق لولا أن جاءه صوت ابن الأحمد!
-كيف هو ابن الأحمد بعد مجيء (الغريبة)؟
-التقيت به منذ يومين قرب الساقية... كان مغضباً من محاولة ابن الحسن، إغلاق الطريق المؤدية إلى النبع.
-الطريق هذه في أرض ابن الصبرة... كيف يلغيها ابن الحسن؟!
***
حمارتا ولد أبي يوسف انشغلتا بحك جلدهما بفروع شجرة التوت، وأحياناً بالعيدان المتبقية، في السياج الخشبي المسوّر للأرض الصغيرة المحيطة بالبيت والجذع القديم... وكاد انشغالهما بالحك يسبق انشغالهما بحراثة التراب النشف العطشان:
تشدان المحراث شدة أو شدتين، فتصلان إلى فروع الشجرة أو إلى عيدان السور، فيأخذهما الحك... حتى يأتيهما لسع عصا ولد أبي يوسف، فتعود إليهما الهمة المرهقة... وكان صوته يسبق عصاه، إذ يخاطب الحمارتين التعيستين بلهجة آمرة، ما أمكنه الأمر: هيه... شدي... هيه.
صوته ولسع عصاه محط اهتمام الحمارتين، لكن حيلهما ليس قادراً على الاستجابة لمطالبه في الشد والدأب.
لاحظ ابن الصبرة واقع حال ولد أبي يوسف، مع حمارتيه غير البدينتين بدانة ملحوظة... وأخذته الشفقة على حاله... واستبدّ به الغيظ والقلق والسؤال:
هل يكون ابن الحسن فكر بزراعة أرض أبي يوسف بالتعاون مع ولده؟...
وهل يكون رمى بفعلته هذه إلى اقتلاع جذع الشجرة القديم، وتخريب المتبقي من الفروع، وقطع الدرب عن بيوت الحارة العتيقة؟...
علبة الحلاوة، التي اشتراها من دكان يوسف بوحمود شغلت عليه أنفاسه:
رائحتها تخترق العلبة والكيس الورقي، وتحاور أنفاسه وتوقظ شهيته السهرانة دائماً والصاحية صحواً أكيداً، في حضرة (الحلاوة). رغم اهتمامه البالغ بالعلبة، التي سينال ما فيها من (حلاوة) بالمضغ وغير المضغ، حتى يأتي على آخرها.
رغم هذا الاهتمام آذاه أن يرى ولد أبي يوسف يفلح أرض شجرة التوت على حمارتين، لا نفع من فلاحتهما، وآذاه أكثر أن الحمارتين أمعنتا في حك جلدهما بفروع الجذع المتبقي.
وقد خاطب نفسه آسفاً محزوناً، تصفر في ذاكرته ريح الأيام، وتشتكي في صدره همهمة الحياة... خاطب نفسه: "أين أنت يا أبا يوسف من ولدك هذا؟... كنت تحرث كرم الساقية حراثة لا تشبهها حراثة... وكانت بقرتاك حكاية الحارات... الكروم كلها تعرفك وتعرف مقدرتك وصبرك..."
هذا ما قاله ابن الصبرة لنفسه، وهو يعاين واقع حال ولد أبي يوسف ويعاين مكابدته ومعاناته مع الحمارتين... وقد نادى عليه لائماً عاتباً:
-فلاحة الحمير لا خير فيها يا ابن أبي يوسف.
-هذا حظي وقدري يا أبا محمود.
-ألم يوصك أبوك باقتناء بقرتين أو ثورين؟..
صمت ولد أبي يوسف، وبدل الجواب قدم علبة تبغه لابن الصبرة، ليلف لفافة عريضة منها... وقد فضل الصمت على الكلام، لأن لسان ابن الصبرة، لا يعرف أن يخبئ تحته بعض الحكايات... جلس ولد أبي يوسف القرفصاء، بينما ابن الصبرة بقي واقفاً، وحرصه على علبة الحلاوة بقي على أشده، فلم يرفع الكيس، ولم يتركه إلى حين انشغل بلف لفافة التبغ، من علبة ولد جاره العتيق.
دخان اللفافتين، أخذه النسيم فضاع في الفضاء... وأسراب الطيور، لم تتوقف أجنحتها عن الخفق في جهات شجرة التوت... أسراب تقل أعدادها، وتبتعد جماعات جماعات... تسرح في الآفاق وفضاءات الأغصان، وأسراب أخرى تسعى في الأعلى، ثم تنحدر على مهل، أو على عجل تمر برؤوس الأشجار العاليه، وكأنها تقول تحياتها وبوحها... وبعد التحيات والبوح يستقر بها المقام قليلاً إلى جوار النبع وحفاف الساقية، أو قريباً من التخوم والعشب الطافح بالاخضرار بعد اصفرار، أو الطالع من أديم التراب، كالنمش المجتمع في وجه ابن الأحمد.
ابن الصبرة راقه النظر إلى الأرض والأشجار والطيور، التي لا يهدأ حراكها وكأنها في سفر قريب مستمر بين الأشجار والأشجار، وبين الآفاق والساقية والتخوم والعشب.
ولد أبي يوسف لم تسترح عيناه ظلتا ترقبان المدى المزدان بالخفق وصوت الصداح... وتنشدان، بين اللحظة واللحظة... إلى الساقية والدرب الآتي من الحارة المقابلة؛ وقليلاً ما كانت نظراته تتجه إلى ملامح ابن الصبرة، التي أتعبتها المعاناة والمكابدات والأيام: في تجاعيد وجهه فصاحة ليست كالفصاحات... ليست كفصاحة (الجبيلي)... فصاحة بائسة وجديرة بحياته المسيّجة بالشقاء... إنها حكاية التعب والبحث اللجوج عن لقمة العيش... وجهه الصغير رغم تجاعيده المستبدة به استبداداً أكيداً، لا تفارقه حالتان حنونتان: حالة الشجاعة الهادئة والموجزة والسريّة أحياناً، حتى يصعب فهمها ومعرفة حاله... وحالة ثانية هي المودة المشفوعة بالطمأنينة... وأحياناً، لا تنجو من أذى الغيظ المتلبد في عمره وملامحه كغيمة سوداء ليست تنبئ بالمطر...
ولد أبي يوسف لا يجيد التأمل العميق، ولا يفكر بأحداث الحياة تفكيراً مصاناً بالإدراك، فتضل نفسه عن الهدى، وكذا يضل رأيه... لكنه رغم هذا يعرف أن ابن الصبرة يقول ما يدور في رأسه، ويبدي رأيه وإن آذى به الآخرين... وهو ليس كارهاً، ولا باغضاً، رغم ما يظهر على ملامحه من المكابدات.
آمال صغيرة تلهو بها المخاوف، كلهو الطير بالغصن أو بالنسيم... هذه الآمال عششت في عمر ابن الصبرة منذ سنين بعيدة صار يعرفها ويفهمها، ولا يتعذب طويلاً في الوصول إليها وأحياناً تسلّي روحه.
أمله الأول أن يبقى صحيح الحب والعلاقة... سواء كان هذا الحب بينه وبين أرضه والأشجار التي زرعها، أو التي ورثها عن أبيه؟ أو كان الحب بينه وبين الجيران وقد رده أمله هذا عن متابعة الطريق، مع ابن الحسن.
خشي أن يستمر معه، لعلمه الأكيد أنه لن يخلص من ألاعيبه، وأنه لن يفهم مكره إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس.
ورأس ابن الصبرة صغير حجمه، فلا يقدر على تحمل فأس خديعة ابن الحسن، الذي دربته الأيام وألاعيبها فصار مكاراً عجيباً، كما قال عنه ابن الأحمد وابن الصالح، وأمل آخر يشغل على ابن الصبرة حياته هو نبع الساقية، وأن يبقى يتدفق إلى جوار أرضه.
والأمل الذي فجع به ابن الصبرة، رغماً عنه... والآمال التي لا يخسرها أمثال ابن الصبرة إلا مرغمين، لأنها تكون لهم كالإرث النفيس.
فجع بأمل قريب إلى كل مشاعره... قريب إلى حزنه وإلى فرحه وإلى حياته في حارة الساقية... هجر أبي يوسف لشجرة التوت وللحارة العتيقة، أفقد ابن الصبرة بعضاً من شجاعته، وخلخل طمأنينته...
كثيراً كان ينتظره على المصطبة التي أمام بيته، ليعيش معه ساعة أو ساعتين، في هاجرة من هواجر الصيف القاسية... كان يصغي إلى حديثه عن حر الهواجر... وكثيراً كان يلم حكايات وحكايات عرفها أو عاشها أو سمعها، ثم يفلشها في حضرة أبي يوسف وشجرة التوت، فيحس بأن الحكايات أخذت مصداقيتها أو فقدتها.
غياب أبي يوسف أوجع روح ابن الصبرة وأفزع أمله بأن يعود الحب الذي كان.
كل هذه الآمال داعبت وأوجعت نفس ابن الصبرة الذي استمر حديثه مع ولد أبي يوسف، واستوقفته... ولم يبخل بالكثير من العض على لفافة التبغ العريضة، التي شاخت روحها، وهي بين شفتيه، وفي حومة العض المكين، الذي تميز به للفافة، لا لغيرها، حسب تصريحاته القليلة حول العض.
بيت ابن الحمودة المجاور لبيت أبي يوسف تركه إلى غرفة بناها قرب شجرة الزيتون الكبيرة.
لكنه لم يهدمه، وجعله للمؤن والدجاجات والبقرة التي اشتراها من الجبيلي.
ربط ابن الحمودة البقرة في الوتد القريب من الحائط، وملأ معلفها تبناً خلطه بالشعير المجروش، وانصرف إلى مرف الدجاجات المجاور لمكان البقرة... فلم يجدها قد أتت كلها إلى مرفاتها.
ترك الباب الخشبي المصدوع قليلاً، مفتوحاً، وخرج باتجاه المساء المزركش بحمرة الشمس المشوبة بالضباب والدكنة.
بيت البقرة والدجاجات يقابل بيت سكن ابن الحمودة... يبعد عنه مسافة قصيرة.
الدرب الرئيسي هو الحد الفاصل والواصل بين البيتين.
من الجهة الشرقية يجاور بيت ابن الحمودة القديم بيت ترابي قديم آخر، هو بيت أهل زوجة ولد أبي يوسف، الذي تركه والدها، وبنى بيتاً غيره من الأحجار والباتون في قرية زوجته المقابلة لقرية (الرمان).
والد زوجة ولد أبي يوسف ترك الحارة العتيقة وأقام حيث أرادت زوجته (أم رفيده).
وقد وجد التبرير لنفسه: "من يعثر على جمال كجمال زوجتي، عليه أن يرحل وراءه، حيث دارت به الدنيا، واتجهت به الدروب".
فاجأ سمع ابن الحمودة صوت ابن الصبرة وولد أبي يوسف، فعاجل الخطو إليهما... وقد بانت لعينيه قامة ولد أبي يوسف، ولم تبن لـه قامة ابن الصبرة... وهو أيضاً لم يبن لهما، إلا حين خرج من الفسحة المحاطة بالجدار... ابن الصبرة وابن الحمودة كلاهما لا يرتفع ارتفاعاً كبيراً على سطح اليابسه أوعن أي سطح، لكنهما عوضّا عن ذلك بالدأب على الحياة والمواظبة على العيش الكريم.. ورأس كل منهما شبيه برأس الآخر، ويختلف وجه ابن الصبرة عن وجه ابن الحمودة بكثرة التجاعيد التي لا تخفي أبداً –كثرة المتاعب –وكثرة المودة والشجاعة... وعيناه أكثر حذقاً في النظرات والفراسة... ثم إن ابن الصبرة متقدم بالسن، ومتقدم بالكروم والأرض... كرومه مشهود لها بالمواسم ومشهود لمحراثه بالمتانة، ولبقراته بالجلد على الحراثة... أما ابن الحمودة فكرمه صغير، ومحراثه ليس من المتانة بمكان، كمحراث جاره وصديقه وصديق أبيه...
ولد أبي يوسف أكثر تعاسة من الاثنين... قامته مرتفعة عن سطح اليابسة ارتفاعاً مقبولاً، لكنها ليست مرتفعة عن سطح زوجته المصون (رفيدة)... وقد أدركه الانحناء الشديد، فصار يمشي مكباً كمن أضاع شيئاً ثميناً وراح يبحث عنه... ووجهه كانت به ملاحة، ليست كملاحة أبيه، فجاءت عليه وعلى ملاحته الأيام السوداء وصرخات زوجته الصخابة، كانهدام جدار عال، إلى منخفض بعيد القرار...
ولد أبي يوسف باءت، عيناه بالفشل، فلا نظراته حاذقة ولا فراسته طيبة، ومحراثه بائس... ودأبه على العيش، ودأبه على الصدق حماه من ألسن الجيران، وحماه من قطيعة أصدقاء أبيه.
وقف الثلاثة ابن الصبرة على يسار الجدار... وابن الحمودة أسند ظهره إلى جذع شجرة الزيتون، أما ولد أبي يوسف بقي واقفاً مسنداً بعضاً من ظهره إلى جدار مصطبة بيت ابن الحمودة... وغبش المساء بدأت خيوطه تزداد وتتسع كعباءة فضفاضة بدأ النّسَّاج نسجها.. ، والأسراب لم يخفها المساء المقبل... بل زاد سعيها إلى أعشاشها، وكأنها تقول رسالات عجولة البوح ثم تعود إلى مخابئها وقشها.
قال ابن الصبرة:
-ضوء ابن الأحمد تأخر يا ابن الحمودة؟؟
-يكون في أرضه العالية...
شارك ولد أبي يوسف:
-رأيته يذهب ورأيت زوجته وراءه...
سأل ابن الصبرة:
-وهل حمل الكيس الأبيض؟
ضاع السؤال، لأن صوت سمر وأختها رباب وأخيها قرميد جاء من جهة بيت يوسف بوحمود، وبانت قاماتهم وهم قادمون وبان معهم سلمان ولد يوسف بوحمود وحسان ولد كريم...
ومن جهة ثانية سمع صوت زوجة كريم وهي تدعو دجاجاتها للبيات: بيتي... بيتي... بيتي... وكانت الدجاجات تسعى من جهات العشب والحفاف باتجاه صوت زوجة كريم، وحبات القمح التي نثرتها إلى جوار الدجاجات...
صوت زوجة ابن الحمودة جاء أقوى وأكثر ضجيجاً، لأنها لم تناد على دجاجاتها، بل نادت على زوجها، ومن تنادي على زوجها لا بد من أن ترفع صوتها، أكثر من الزوجة المنادية على دجاجاتها، لتقبل على حبات القمح، أو لتأوي إلى بيتها، خوفاً من أذى ابن آوى.
***
صعدت شياله الدرب المؤدية إلى الحارة (الفوقانية) حيث دكان يوسف بوحمود... شعرت بالتعب من ثقل خوفها وقلقها، ونال من عزيمتها حر الهاجرة الشديد، لكنها لم تسترح عند أحد، ولم تنظر إلى أحد، وتابعت سيرها صعوداً، وفي يدها اليمنى حقيبة عادية، وضعت فيها حاجاتها الضرورية...
حين وصلت إلى أعلى الحارة، أحست بالارتياح ممزوجاً بالمخاوف... وقد زاد من مخاوفها ومن ارتياحها أن رأت يوسف بوحمود أمام دكانه... وراقها أن ترى إلى جوار الدكان شجرة توت كبيرة...
دكان يوسف غرفتان وفسحة تغطيها الأغصان، وإلى جوار الغرفة الشمالية رفعت ألواح من التوتياء الصدئة، ركزها يوسف على العيدان... وفعل في السقف كما فعل في الجدران... مدّ عيداناً طويلة تصل بين رؤوس العيدان المنصوبة وجعل عليها ألواحاً من التوتياء... في الجانب الغربي داخل ألواح التوتياء، جلب يوسف الحجارة ورتبها وطيّنها على شكل مقعد.
في الجهة المقابلة للمقعد الحجري المطين، أحضر يوسف الرفوف الخشبية، ورتبها فوق بعضها، تاركاً بينها مسافات متفاوتة... وأمام الرفوف رفع لوحين خشبيين متقابلين عطاهما بلوح ثالث، ليشكل حاجزاً بين أغراض الدكان والمشترين.
هذا هو دكان يوسف، الذي يستقبل فيه المشترين وعشيقته، التي ملأت حياته باللهفة المحاصرة بالقلق والمخاوف... وكيف لا يكون القلق صديقاً للهفة والحب؟
وصلت شياله، ويوسف واقف أمام باب الدكان... وما أن رآها حتى تهللت ملامحه وانشرحت أساريره فغاب عنها بعض الغيظ... لوت شياله خصرها، فبانت كياستها وعجيزتها الرشيقة رشاقة تبعث على الدهشة والاهتمام الزائد، من يوسف عشيقها المعذب بالمخاوف والشقاء...
سوّت وقفتها والخوف بعينيها نشيد لجوج البوح والحكايات... وهذا ما أسكر يوسف حتى ضاع في ذهول شفيف...
ظلت شياله على وقفتها، وظل حسنها المطعون بسكين القلق يحرّض نفس يوسف على السرور والبهاء... وأبقت منديلها الرشيق على رأسها رغم شعورها بالحر، خوف أن يبن شعرها المجدول، كأنه عرس للريح، شتّت جماعاته وتفرقت جماعات جماعات...
رفعت شعرها المنسرب على وجهها بكلتا يديها، فبان جمالها: وجه مورد نضر... وعينان ناعستان، تضجان بالبوح والأنوثة ، وشعر طويل مسترسل الضفائر، وشفتان شهيتان كصوت نبع منسرب من صخرة عالية، ونهدان نافران أناقتهما بادية إلى حد يثير اللهفة... وخصرها واضح رغم امتلاء عجيزتها وسائر جسمها. عاين يوسف شياله ملمحاً، وراح يخاطب نفسه:
"شياله ظلمت بزواجها من واحد جاهل وظلم جمالها".
شياله شاهدت عيني يوسف، وهو يعاينها، وكادت أن تسمعه، وهو يحكي لنفسه: ضاع الجمال وضاعت الكياسة، والعطش أتعب الوردة.
قطع يوسف تأملات شياله بصوته الرنان:
-نعم يا شياله ماذا ستقولين؟؟
لم تجب شياله، وبقي الحسن رسولها... وبقي الصمت يزيدها ألقاً على ألق...
عاد يوسف إلى الكلام:
-في عينيك كلام يا شياله؟؟
-الكلام الذي سأقوله ليس سراً عليك.
-ما هو هذا الكلام؟!
الصمت من جديد هو كل الكلام الذي تقوله شياله ويسمعه يوسف، وكلاهما يفهم الكثير الكثير من كل رفة هدب أو حراك عين، أو ابتسامة أو عضة شفة.
***
شجرات نبع الساقية تلوح للقادم إلى الحارة، كعلامة تهدي التائهين.
وقد أزعجها صوت ودخان الموتور، الكبير الذي وضعه ابن الحسن على مقربة من النبع.
ابن الصبرة أحس بدخان الموتور، وضجيجه، وحاول أن يقول رأيه، لكن الندم سد حلقه وعذّب صوته.
زوجته لم تجادله بشأن الموتور وسقي أرض ابن الحسن، لأنها عرفت أن غيظاً صعباً استبد به، وهو لا يقدر على دفع الغيظ.
عرفت أنّه مغتاظ من حال النبع، وخافت من أن تفاتحه بالكلام، الذي قالته لها زوجة ابن الصالح... خافت من أن تثور ثورته عليها ومن غضبه.
وجد ابن الصبرة نفسه مأخوذاً بحديث أبي يوسف، الذي يتذكره كلما شعر بالغبن:
انتفع من النبع ما أمكنك، واحرص على أن يبقى نقياً عذباً... ولا تنسىَ أن توصي الجيران بالحرص...
بقي الضجر يحاصر روح ابن الصبرة، وهو ينظر إلى دخان الموتور القريب من النبع ومن بيته... استبد به شعور عارم بالنقمة على ابن الحسن...
***
صوت سمر جاء مفاجئاً كظل سحابة أفرح خيال الصيف، وتبعه صوتا رباب وقرميد.
لم يجد صوت سمر مشقة في الوصول إلى سمع ونفس سلمان ولد يوسف بوحمود، بل وجد السبيل يسيراً... تجاوز السلم الخشبي المتصدع، ودخل الباب... وأخذه من أحلامه...
فرح سلمان لظفر عينيه وروحه برؤية سمر، وارتبك لغياب أمه، لإحساسه بأنه سيفشل بالترحيب الجيد،وسيفشل أكثر بالضيافة. وهذا الفشل أمام حبيبته تحديداً يربكه ويتركه مضطرباً، تتجاذب أنفاسه جاذبيتان: جاذبية الدهشة والحب والفرح، وجاذبية الاضطراب والشعور بالفشل في الاحتفاء اللازم بضيوفه.
هبط درجات السلم... وهو لا يعرف كيف يستقبل سمراً وأختها رباباً وأخاها قرميداً، وكيف يصافحها، لكنه ما أن وصل إلى الفسحة التي أمام البيت، حيث وقفوا، حتى بدأ الارتباك يتبدد قليلاً... ووجد أن الأفق مزدان بخفق الأجنحة وأغصان الأشجار...
ابتسم قبل أن يصل... وردّت سمر على ابتسامة بابتسامته مثيلة... دخلت النشوة إلى أعماقه، مدّ يده أولاً إلى سمر، صافحها، وسألها عن نفسها وحالها وعن حياتها... ثم انتقل إلى رباب التي لم تبخل عليه بابتسامة لا تنفع محباً أو كارهاً.
ابتسامتها تشبه حالة الزكام القوي الذي تتجلى علاماته عطساً... هكذا ابتسامتها عريضة كحدوة أم يوسف... وأسنانها لا تودعها بقايا الأطعمة... وهذا عهد بين أسنانها وبين الطعام لا تقطعه...
أما قرميد فلم يبتسم، ولم يتكلم واكتفى بأن عرج عرجاً هادئاً باتجاه الجدار، ليجلس على الحافة المنبسطة كابتسامة أخته (عالية الجودة) رباب.
قالت سمر بعد أن استقرت عجيزتها المتناسقة، الممتلئة امتلاءً لا عيب فيه ولا اعوجاج، ولا مهانة... عجيزة تنم عن رصانة واتزان وإتقان، جلست قريباً منها رباب وقد بان اعوجاج عجيزتها وسوء طالعها ونازلها، وكأنها مزيج من حبات البطاطا المفلطحة المهترئة وغير المهترئة.
قالت سمر، وقد توجهت إلى سلمان، ولهفة حنونة تداعب نفسها:
-بيتكم عال، وهو في مدخل حارتنا، ويطل على الكروم وعلى الحارة (التحتانية) وعلى حارة الساقية.
رد سلمان ولهفة مثيلة بلهفة سمر، تشغل نفسه:
-وبيتكم جميل، ويطل على الدرب الذي يصل بيوت الحارة العتيقة بمصطبة شجرة التوت وبيت أبي يوسف... ألا تتذكرين المصطبة والبيت وأيام أبي يوسف...
وشجرات التين. التي في أرض كريم كانت تلمنا أغصانها وثمارها... وكنا نرجع بها في (السلة القصبية) ونطعم منها أبا يوسف؟...
-كيف لا أتذكر، وقد جلسنا على المصطبة كثيراً، وسمعنا حكايات أبي يوسف والجيران؟... تابع سلمان حديثه، واستمرت لهفته، واستمر شعوره طافحاً بالشوق والحب وقد أخذه الكلام عن بيت ابن الأحمد، وكأنه بحديثه هذا عن جمال البيت، يؤكد جمال سمر، وحبه لها:
-بيتكم محاط بالأشجار وعال ويشرف على النبع والساقية والشجيرات العالية... وأنا أراك أثناء جلوسك أمام البيت... وأراك حين تصعدين إلى السطح..
-لكنك لا تزورنا... هي يعني هذا أنك لا تذهب إلى بيتنا إلا حين يكون حسان ولد كريم؟؟...
-... ...
لم يجب سلمان... وترك الفرصة واسعة أمام طائر البهجة الذي أحسه يخفق ملء روحه... وأبقى لدمه أن يتدفق لهوفاً عجولاً حاراً مشغولاً بكريات العشق والتشوق.
قرميد الذي بقي على الحافة أحب أن يشارك:
ـ بيتنا أعلى بيت في الحارة العتيقة، وهو عالٍ... ومثله بيت أهل سلمان، ودكان والد سلمان كان مكانه أجمل، حين كان عند بيت الجبيلي.
رباب تمنت أن تشارك وقد حقّقت أمنيتها، وليتها لم تفعل، لأن أسلوبها بالحديث شبيه بأسلوبها الأرعن في تناول الطعام...
قالت رباب:
ـ البيت الخشبي الصغير الذي بناه أبي بين أغصان شجرتنا الكبيرة عالٍ، ويشبه بيت دجاجات أم يوسف...
ضحك سلمان وسمر ومثلهما فعل قرميد، لكن ابتسامة قرميد بريئة براءة تامة من السعادة... سلمان ظل يعاين سمراً: يقيسها بعينيه، ثم يطرق إطراقاً سريعاً هرباً من حدة الشوق التي يراها في عيني سمر وملامحها... تزداد حمرة وجهه، كالمصفوع. ولعل الاشتياق شديد بأسه كالصفع، وقد يكون أشد.
(سمر) لم يفقدها زواجها المهزوم، جمالها... آذاها في عيون الجارات ليس إلا... نظرات زوجة ابن الحمودة وزوجة كريم وأم سلمان تغيرت تغيراً طفيفاً تجاهها، مناقضاً لما سبق، وأحياناً يتبعن النظرات المليئة بالأسئلة المزعجة بكلمات بائسة ومشلولة، ومصابة بالصرع:
رغم هذه النظرات والكلمات المؤذية، بقيت سمر من الجميلات في الحارة العتيقة... والحارات الأخرى، وقد علّمها عيشها، عند أختها (جوهرة) في المدينة، أن تتفنّن في اللباس تفنّناً متفوقاً، على تفنن بنات حارات (شجرة التوت)... وعودتها إلى سلمان ليست تعبيراً عن فشل ذريع أو غير ذريع... إنها وجدت حبها لـه باقياً في قلبها كالقنديل المعلق في غصن شجرة التوت، فرجعت إلى القنديل، ونفخت فيه من أنفاسها فازداد ضياؤه..
في بادئ الأمر ارتفع الخوف جداراً بينها وبين سلمان...ثم انهدم الجدار بالتدريج...
***
ـ الغريبة اختفت يابن الصالح... هل تعرف عن أمرها أي خبر؟...
ـ هل عشقتها... حتى أعرف عن أمرها الأخبار؟...
ـ بدأت تتفلسف... يابن الصالح... الإنسان لا يعرف الأخبار إلا إذا عشق؟...
ـ العشق يزيد الإنسان معرفة.
ـ ألم أقل لك: إنك بدأت تتفلسف، ولكنك لست أهلاً للتفلسف.
دار هذا الحديث السريع بين ابن الصالح وزوجته وهما جالسان، تحت أغصان السنديانتين القديمتين:
زوجته منشغلة بفرز (الزؤان) من القمح، وقد اتخذت من قطعة القماش السميكة مطرحاً لعجيزتها الشقيانة إلى حد المهانة... قلما تستريح زوجة ابن الصالح من العمل في الأرض أو في البيت... واستراحاتها ليست كالاستراحات... فهي بدل أن تجلس مثل زوجها، على الكرسي الخشبي المشبوك بالخيطان البيضاء المتينة بعض الشيء... تفرش القماشة السميكة وتلقي بعجيزتها عليها، وتباشر عملها إما في فرز الزؤان من حبات القمح، وإما بشبك أوراق التبغ في خيطان ناعمة... أو تهتم بشبك ثياب زوجها أو الأولاد.
سألت الزوجة زوجها عن السنديانتين القديمتين.
ـ كم عمر هاتين السنديانتين... هل تعرف يابن الصالح؟..
ـ لا أذكرهما إلا هكذا يا ست الحبايب.
ـ التفلسف زائد عندك اليوم؟...
زوجة ابن الصالح تقدر أن الكلام في شأن الغرام أو الغزل ضرب من التفلسف، أو ضرب من المزاح. وهو غير ضروري في الحياة، بل زائد وكمالي كصباغ الشفاه أو كحل العينين.
وهي أكثر طولاً من جارتها زوجة ابن الصبرة، لكن ضربات الحياة وشقاء الأيام لم يترك طولها على حاله... انحنت قامتها قبل الأوان، كما أخبرتها قريبتها أم يوسف في أكثر من لقاء: (أنت ظلم جمالك وكياستك... لكن مافي اليد حيلة).
كلمات أم يوسف هذه هدفها فتح باب الحديث، وتراها أحياناً تفتش عن أخبار مدهشة وغريبة لتبدأ بها أي حديث.
بيت ابن الصالح لا يفصله عن بيت ابن الصبرة إلا الدرب الضيق المؤدي إلى بعض بيوت حارة الساقية... والصوت ينتقل من المصطبة إلى المصطبة دون عناء.
سمعت زوجة ابن الصبرة ما قالته زوجة ابن الصالح عن غياب (الغريبة) زوجة ابن الحسن... وتمنت أن تجتاز المسافة الوجيزة إلى بيت ابن الصالح، لكنها لم تفعل، لأنها شاهدت زوج جارتها، فعرفت أنها لن تتحدث مع زوجته كما يحلو لها في حضوره.
ثم إن فتوراً وصلَ إلى حد الغليان، أصاب علاقة زوجها بابن الصالح، جراء التعاون الملغوم بين ابن الحسن وبينه.
صوت أسعد الآتي من جهة بيت ابن الأحمد قطع ما اتصل من حديث ابن الصالح وزوجته، وأوقف تمنيات زوجة ابن الصبرة... جاء كرسالة حملتها النسائم فبلغت أغصان شجرة التوت... والشجرة الكبيرة التي أمام بيت ابن الصبرة... وأغصان السنديانتين:
(سمر يا أحلى الصبايا... حياتك كلها صارت خبايا، أبوك السيد الفاضل في كل البرايا...).
قال ابن الصالح، وقد أذاع صوت أسعد حالاً من السرور في وجدانه:
ـ ابن الأحمد في البيت يا ست الحبايب.
ـ هل شاهدته؟..
ـ لم أشاهده، لكنني سمعت مديح أسعد له.
ـ لن يطول على أسعد الدرب، حتى يصل إلينا.
ـ أسعد يمدح ابن الأحمد، ليأكل عنده... وهو لا يمدحه إلا إذا كان جائعاً... ويمدح أم يوسف خوفاً من سياط لسانها، التي لا ينجو منها، ثم إنه يؤمل عندها فنجاناً أو أكثر من الشاي.
عاد صوت أسعد إلى الغناء (المشلع) كباب بيت بقرات ودجاجات ومؤونة ابن الحمودة:
(سعد الناس اسم سعد
وسعدي اسمو بوقحيفي
سعدن يمشي لقدام
وسعدي يمشي خليفي).
قال ابن الصالح:
ـ هذا الغناء حفظه عن قريبه (عبدو الشاعر).
ـ (عبدو الشاعر) ألا يفكر بالرجوع إلى حب شياله؟...
ـ البعد يخلق جفوه... وشياله وعبدو فرقتهما الأيام فصار كل واحد منهما في دنيا... ثم هي الآن ـ كما سمعت أسعد يقول ـ تحب يوسف بو حمود.
ربطت الدهشة لسان الزوجة، فلم تقدر على الكلام فعاد الزوج إلى التأكيد:
ـ شياله ست الحبايب عن حق وحقيقة... وهي تستحق كل خير.
ـ لماذا لا تقدم لها الخير يا سيد الحبايب؟...
ـ العين بصيرة والكف قصيرة...
ـ لست هيناً يابن الصالح... ولولا أن الحياة بخلت عليك، لكنا شفنا منك الأمور العجيبة... (تنكة) أسعد لمحت على كتفه، وهو يدخل إلى بيت ابن الأحمد عبر الدرب المغطى بالأغصان، و المحاط بشجرات الرمان والزيتون والمشمش...
فعرفت الزوجة وعرف مثلها زوجها أن أسعد بدأ رحلة البحث عن الزيت، لأن الموسم موسم زيت... سمر صارت تهرب من وجه أسعد، كرهاً منها لأي خبر عن زوجها وعن زواجها المنصرم انصراماً أكيداً وتاماً.. هو رغم أنه جدير بابتكار الأخبار والأحاديث، المتعلقة بالزواج والطلاق، صار يتجاهل نقل أي خبر يتعلق بزواج سمر وهروبها وطلاقها....
قبل أن يبلغ المصطبة المطينة بعناية، والمغطاة بالأغصان، كوجه صبية، جدائل شعرها تتدلى على وجنتيها وكتفيها...
قبل بلوغه المصطبة، رفع صوته بقصيدة قديمة، سمعها من أبي يوسف والجبيلي... وسمعهما يقولان إنَّ أحمد السعيد والد ابن الأحمد هو علّمهما إياها:
(الحمد لله ما أبدى الصباح سفور
حمداً مزيداً على عدد الحصى والرمل).
وجه ابن الأحمد على خلاف دائم مع البشاشة والانشراح. ومن الصعوبة بمكان، على واحد كأسعد أن يجره إلى السرور، لكنه ضمن أخيراً الترحيب نصف اللائق: إذ نادى ابن الأحمد على زهوة أن تطعم أسعد وأن تسقيه الشاي. وهذا هو مطمحه، وغاية غاياته في هكذا لحظة...
قال ابن الأحمد:
ـ من أين جئت يا أفندي؟...
(أفندي) أعجبت أسعد، وراقت لسمعه، رغم جهله الأكيد بمعناها ودلالتها، وابن الأحمد لم يقصد بها التمجيد، بقدر ما أراد بها السخرية من حظ أسعد...
أراد أسعد أن يجيب على السؤال فأحس ببرودة مؤذية تسري في عجيزته الأسيانة أسى كبيراً، نط على الكرسي كالملدوغ... وكاد يسقط أرضاً من كثرة النط، لولا أن هدّأ من نطه ابن الأحمد:
ـ مسامير الكرسي لامست قفاك يا سيد أسعد.
رش الكثير من اللعاب، وهو يقول كلماته المبعثرة كأحلام حصَّادٍ، أتت ريح هوجاء على حقله وسنابله:
ـ أنت خير العباد، وبك الرشاد يا سندباد...
ابن الأحمد هم بالضحك، لكن أكداساً من الأحزان والتعاسات وقفت في وجه ضحكته.
لم ينسَ أسعد السؤال السالف، عن الجهة التي قدم منها:
قرية (النبع)... عطشت يابن الأحمد... قل ماء النبع وانقطع عنها الأسياد الكرام أمثال أحمد السعيد... وعبدو الشاعر، يفكر بالرحيل إلى بلد بعيد... وبنت قريبتك المتزوجة هناك، التي كانت سبباً في أذيتك، من حيث لا تدري، كما قال لي زوجها... بنت قريبتك سيتزوجها ولد أبي يوسف...
ـ هل تزور أبا يوسف في بيت ولده؟...
ـ هو يذهب إلى بيت ولده البكر... ويترك بيت ولده في قرية (التين).
ـ زوجة ولده الثاني تقسو على الولد وعلى الأب.
ـ وأم يوسف كيف تسمح لها بذلك؟...
حضرت زهوة وفي يديها طبق القش، يحمل صحوناً، فيها بعض البطاطا والبندورة والزيتون... فنسي أسعد أن الحديث الدائر بينه وبين ابن الأحمد كان دائراً... فانصرف بكل قواه، وما أقلها، إلى الطعام.
غفل أسعد عن قراءة مطلع قصيدة أحمد السعيد التي كتبها يتغزل فيها بشجرة التوت، وحبيبته:
(أيا شجرة أورقت أغصانها قدما
أسميك في أيامنا ليلى
أو أقول: أتت سلمى
من آذى غصناً أخضر اللمحات
من شجراتنا
آذى بنا الحلما
جذع عتيق أصله... من منبت عزت بدايته
من يجرح الجذع الأصيل
بخبثه وبسوئه... هو فاعل جرما).
انشغال أسعد بالطعام ألهاه. عن كل أمر وكل حديث... حتى لم ينظر إلى جهة الساقية أو إلى جهة شجرة التوت، التي أحبها، وجلس قريباً من جذعها... وشرب الشاي تحت أغصانها، وسمع أحاديث الأيام في حضرتها المزدهية بالحب، وصدح الطيور... وخفق أجنحتها.
وقد غفر ابن الأحمد لأسعد إقباله المجنون على الصحون، لعلمه الأكيد أنه قطع مسافات، غير قصيرة، دون أكل، ولأن ابن الأحمد كثير الشغف بالطعام، فقال لنفسه:
(الطعام ملذة الملذات... والجوع كافر لا يقتله إلا الطعام...).
***
درب البازار مكتظ بالمواشي والمارين... والجبيلي منشغل بالخروفين الكبيرين، اللذين اشتراهما من ابن الصبرة... وقد حاول أن يستذكر بعض الأشعار والأدعية، التي تعلمها من أحمد السعيد. خفف الخطو، أملاً منه ببقاء حذائه صالحاً للسير بعض الوقت، حتى يكون بمقدوره إصلاحه أو استبداله. (بنطلونه) أو سترته (الجاكية) العجيبة... و(المعطف) الدائم لم يخف خرابه... لأنه لو حصل الخراب في البنطلون فَتحته لبس الجبيلي (بنطلوناً) أو سروالاً صوفياً أو قطنياً، فلا يقدر الخراب أن يخترق كل الثياب المتراكمة فوق بعضها...وحال (الجاكية) كحال (البنطلون) مدعمة بألبسة أخرى تكفي لعدة أشخاص... ويعاونها في حماية (الجبيلي) من عوامل الطبيعة وغيرها، (المعطف) القديم، الذي أحضره معه منذ وقت غير قريب... وهو يسهب في الحديث عنه إسهاباً واسعاً، كما يسهب في الحديث عن أيام أحمد السعيد... وعن ملكات (سبهه) في إعمار التنور وتطيينه، وهندسته...
و لا ينسى أن يشرح مطولاً عن فضائل (يوسف بو حمود) صاحب الدكان الذي جاوره سنوات عديدة... وكذا أمره مع الجرة الفخارية الكبيرة وغطائها الخاص بها.
(الجبيلي) يحب أن يمجد الحاجات التي تخصه، ولا يعنيه كثيراً أنها حاجات ذات نفع، أو ليست نافعة.
اجتهدت خطواته، من حيث لا يريد... وهل تقدر خطواته أن تكون غير مجتهدة، وقد درّبتها الدروب الوعرة والأحفة الصعبة، والتلال... ودربها، أيضاً، سعيه وراء طيور المواسم... (عيدان الدبق) التي يصنعها بعناية خاصة، ومهارة ليس كمثلها مهارة ابن الأحمد ولا مهارة ابن الصالح...
ازداد خربان حذائه، الذي أفاض في الحديث عن متانته وجودته وحسن مقاومته للحفر والأحجار.. وهو قد يكون محقاً بعض الحق، في حديثه عن متانة الحذاء، وما هين على حذاء أن يعيش في قدمين دروبهما تعب ومشقة... وخطو صاحبه خطو عنيف لا استقرار فيه...
وصل البازار... وزحام المواشي... والمقبلين على البازار إما لبيع خرافهم أو بقراتهم وإما للشراء.
الزحام في ذروته... فضاعت عليه اللحظات، فأراد الذهاب إلى بيت ولد أبي يوسف القريب أملاً منه أن يجد صديقه وجاره... فيهنأ به الحال بعض الهناءة ويحدثه عن شؤون الطير والرعي.
شعرت أم يوسف بالضجر، إذ وجدت (حدوتها) في غير مكانها... وقرّرت على الفور، أن تجد تدبيراً أكيداً، لحماية الحدوة واحترامها... ففكرت بأن تربطها في قائمة السرير، المخصص لها ولأبي يوسف.
في هذا الوقت العصيب، وصل الجبيلي... وقد نادى من بعيد:
ـ يا صاحب الشجرة العتيقة... يا جار الرضى... يا صديق العمر..
سمعت أم يوسف النداءات لكن انشغالها بـ(حدوتها) ألهاها عن الرد على النداء، أو عن تنبيه زوجها، وإيقاظه...
عادت النداءات:
ـ يا أبا يوسف... يا فالح الأرض وزارعها.
يامن رعى العهود وقاوم البرد والمطر والرعود.
يا صاحب المصطبة المحاطة بالأغصان...
و(جرن القمح) المصان... أنت عليك الأمان.
هذه الكلمات لعل الجبيلي حفظها... وقد رفع صوته وهو يقولها، فصدع الفعل وكسر الفاعل ورمى المفعول به أرضاً... وهذا لا يهمه ولا يعنيه.
مايهمه في نداءاته وكلامه المشروح وغير المشروح أن يسمع صوت أبي يوسف أو زوجته... أي أن يتأكد من وجوده...
أيقظت أم يوسف زوجها... وقد يكون أدركه الصحو، إذ جاءه الصوت العالي والنداءات، فعرف أن الجبيلي صار قريباً من البيت البئيس... التعيس كآمال أسعد، أو كـ(عيدان الدبق) التي يعدها ابن الصالح.
همة أبي يوسف، رغم السنين ـ ليست من الضعف بمكان، إذ يشده النداء شداً، فينهض لا يعوزه الاتكاء على السرير، أو على (عكاز)، حتى إنه لا يقبل على عكاز، لأنه يعتبر مصاحبة العكاز عنواناً للضعف، وعلامة على تهاوي نجم الحياة...
كرسيان أو ثلاثة... ومقعد خشبي شاخت قواه، قبل أن تكون فتية. أنجز المقعد ولد أبي يوسف، فجاء مهزولاً، ركيك الحال، كغزلـه وغرامه.. أربع قوائم وصلت بأربع خشبات... ركزت بالمسامير... ثم مدت عيدان وخشبات أخرى... فكان المقعد... وقد أسهمت أم يوسف في إكمال هندام المقعد... جمعت ما وقعت عليه يدها أو عينها، من خرق ومزق قماشية أو غير قماشيه.
أبو يوسف لا يصحو وحيداً... تسبقه شجرة التوت: تتراءى لـه على حالها... أغصانها في خضرة عامرة وجذعها راسخ في تراب المصطبة... وفي فضائها الطائر الكبير... وأجنحة لا ينقطع خفقها، وكأنها تلاعب النسائم...
ثياب أبي يوسف، رغم بؤسها، تبين عليها علامات الأناقة... سروال أبيض واسع، وعباءة تظهر عليها ابتكارات وإبداعات أم يوسف، في شبك أطرافها أو وسطها... خيوط سوداء تختلط بخيوط بيضاء أو بنية أو غير ذلك... المهم عند أم يوسف في أمر (الشبك) أن تجد خيطاً أي خيط، أكان ملائماً أو غير ملائم لتستخدمه في رتق ما انخرق من ثياب زوجها...
وقد يتيسر لها أحياناً خيط عريض، لا يصلح للثياب، إذ هو أساساً لخيط الأكياس... فتستفيد منه في (شبك) العباءة، أو السروال...
وصل أخيراً (الجبيلي) الصانع الماهر لعيدان الدبق، والراعي المميز للخراف والبقرات... والعارف بشأن الطير معرفة واسعة... وكيف لا يكون واسع المعرفة بشأن الطير... وقد تربى على يد أحمد السعيد... واستفاد من علمه ومن علاقته بالحياة والطير...
ربط الخروفين في النافذة الوحيدة للبيت... ولم ينسَ أن يجمع لهما بعض الحشائش... والمفارقة المريرة قليلاً. أن الخروفين المدللين. مداهما يشمل (حدوة) أم يوسف، التي فكرت بربطها، ولم تكمل فكرتها بعد.
دخل الجبيلي، فرحب به أبو يوسف ترحيباً طيباً، دون مظاهر الترحيب والاحتفاء... إذ لا موقومات في بيت ولد أبي يوسف للترحيب والاحتفاء وقد بادر الجبيلي على عجل إلى الجلوس على المقعد الخشبي (الموقر) فألقى بعجيزته الأفقية... ولم تعبأ العجيزة المترامية، برؤوس المسامير، لأن ما يلبسه من ثياب يحتاج إلى مسمار طويل، حتى يصل إلى ما تيسر من لحمه أوعظمه.
تنهد أولاً... ثم ألقى نظرة غير باردة على البيت فالفى البؤس في كل ملمح... لكنه لم يدهش، لأن هذا الواقع ليس غريباً عليه، ثم وجه نظراته... إلى عينيه وحاجبيه الأبيضين.
أم يوسف زمت شفتيها زماً محكماً، كمن يبحث عن قبلة مفقودة، قبل ولادتها... وقد رحبت بالجبيلي، وسألته عن أخته:
ـ كيف الأخت؟..
ـ منشغلة بتنور زوجة ابن الأحمد...
ـ سبهة تعرف شغلها... ولا تحتاج لأحد يدربها...
اطمأن الجبيلي، إذ لاقى الرضى عند أم يوسف تجاهه، ولم يلاقِ النفور... وقد أشعره ترحيبها بحال من النشوة... وقد أخبر بفرحته هذه صديقه وجاره:
ـ أم يوسف مرتاحة لحضور فخامتي...
قال كلماته هذه، بعد أن تركت أم يوسف الغرفة، باتجاه المطبخ المشرئب بعنقه كطائر نعام... فستانها لا يصل إلى الأرض، ولو فعل لكنس الكثير من الغبار والحاجات التي لا نفع منها ولا ضرر...
قال الجبيلي لأبي يوسف:
ـ هل سمعت مثلي أن ابن الحسن تعاون مع ابن الصبرة... وبدأ يسقي الأرض من النبع...
ـ كيف يصعد ماء النبع إلى الأرض؟
ـ الموتور الذي أحضره ابن الحسن هو الذي يقوم برفع الماء إلى أعلى الأرض.
ـ وابن الصالح هل يسمح لأحد بأخذ الماء وتخريب النبع؟..
سمعت ابن الأحمد، وهو يقول ليوسف بو حمود:
ـ حصلت خصومة كبيرة بين ابن الصالح وابن الصبرة... وتضاربا بالعصي... وتبادلا الشتائم الصعبة...
ـ ابن الحسن لم يتعلم إلا الأذية..
ـ وولدكم لماذا يبقى في خدمته هو وزوجته؟
تنهد أبو يوسف تنهيدة طويلة... ولم يتبعها بأي كلام، لأن أم يوسف عادت بالإبريق والفناجين... وهذا ما ألهى الجبيلي أيضاً عن الكلام.
لاحت لعيني أم يوسف (حدوتها) وهي تعاني من (دوس) الخروفين... فاستاءت واغتاظت ونادت على الجبيلي، وهو منها قريب:
ـ كيف تسمح لنفسك بربط الخروفين قرب (الحدوة)؟؟..
نط الجبيلي نطاً محكماً... وجمع كل نفسه واتجه لا يلوي على أمر، إلى حيث (الحدوة) والشباك الذي ربط فيه الخروفين...
أبو يوسف ضحك ضحكته المعهودة، الناعمة... المطمئنة في أكثر الأحيان... ومال إلى زوجته وهدّأَ من روعها وطلب منها برفق وتؤده، أن تصفح عن الجبيلي الذي قام بنقل الحدوة إلى مكان أبعد.
ساعد في الصفح والغفران أن صوتاً أو أكثر اقترب... فقدّرت أم يوسف أن القادمين إما خطيبة ولدها أو الخطيبة وأهلها.
والد حبيبة ولد أبي يوسف التي جمعتهما المصادفة...والدها قريب أسعد والجبيلي.
وأمها قريبة ابن الأحمد... بل هي أخته من أبيه، لأن أمها هجرت قرية شجرة التوت، بعد أن غاب (أحمد السعيد) وضاقت بها الدروب وسبل الحياة، على حد تعبيرها.... وحسب تقديرات زوجها، المغلوب على أمره من قبل الدنيا ومن قبل زوجته، ومن قبل قريته (قرية النبع العالي).
شاءت المصادفة الطيبة أن يجتمع الأقرباء بعد طول تفرق وشتات... قال والد الحبيبة وقد رأى قريبه الجبيلي:
ـ ألستَ الجبيلي، الذي ترك القرية منذ أربعين عاماً تقريباً؟؟...
ـ نعم يابن (العامودي).
قال الأول كلماته بشوق... وكذا أجابه الجبيلي... وقد أكّدَ مودته تجاهه إذ ذكر اسم أبيه الراحل عن الدنيا منذ عهد قريب.
زوجته لم يرق لها أن زوجها أعلن المودة تجاه الجبيلي، وهي التي تعرف أنه بائس الحال وقليل المال، وهي التي تعرف أنه اشتغل عند أبيها، في الأرض العالية، التي أخذها ابن الحسن... حبيبة الولد، لم تقل أي كلام ودود أو كاره...
واكتفت بإلقاء تحية عوراء كعينيها، اللتين لا ينقطع غمزهما، حتى يظن الجاهل بأمر الغمز والعيون بأنها تغمزه حباًوهياماً. أم يوسف ازداد زمها لشفتيها، وازداد عبوسها على عكس زوجها المشرقة نفسه... نسيم غير عليل يلعب بصوف خروفي الجبيلي... و(الحدوة) على بعد... آمنة... وشجرات لاهوية لها، تفصل أرض ولد أبي يوسف عن أرض أهل الحبيبة... البازار البعيد قليلاً لا تهدأ ضجته: المزيج من أصوات الآتين من القرى القريبة... وأصوات (الدواب) المستاءة من بقائها في هذا الصخب والضجيج...
(الدواب) تسمية يطلقها الجبيلي ومثله يطلقها ابن الصبرة وابن الصالح وأبو يوسف على جميع الحيوانات... ولعل هذه التسمية ليست وقفاً على قرية دون أخرى.
نسي في زحمة الحديث والأخذ والرد والذكريات البائد عهدها... نسي الجبيلي شأن الخروفين والبازار... وأخذ بالكلام حتى أشرقت في نفسه بوارق أمل، كان أغمدها عمره المرهق الشقيان، المزدحم بالمتاعب والخيبات...
والدة الحبيبة تشبه أم يوسف إلى حد بعيد: فمها معروف بالزم... وشفتاها كأنهما هاربتان من قبلة نارية... أو قبلة هي بمثابة (العضة)... وملامحها إرثهما من العبوس، أكثر من إرث (حدوة) أم يوسف من العناية.
ثوبها متماسك، رغم بعض الرقع المشغولة بشيء من الدراية... وشعرها ليس مسترسلاً ولا طويلاً كشعر (شياله) لكنه خير من شعر أم يوسف جمالاً وحسن تسريح. وهي تلبس منديلاً كأم يوسف... و(حدوتها) كاد الهلاك يأتي عليها، حالها كحال حذاء (الجبيلي).
استمرت أم يوسف في تقديم الشاي لضيوفها، وقد عاونها في إنجاز أمر الشاي صباً وتوزيعاً (الجبيلي) فأراحها من نقل الفناجين الكبيرة، التي حملتها معها من البيت الترابي الذي هجرته وزوجها مرغمين.
(الفناجين) المزخرفة هي مدار اهتمام أم يوسف بعد (الحدوة) مباشرة، إذ تسهب في الحديث عن ندرة نوعها، وعن متانتها، وعن قدمها... وعن منشئها... وكيف اشترتها...
حكايات وأحاديث لا تتعب أم يوسف من إعادتها عن (الفناجين).
أبو يوسف عرف أن زوجته ستباشر الحديث عن الفناجين ومزاياها النادرة، فعاجل إلى الحديث عن ابن الأحمد وعن دجاجات شجرة التوت... التي رآها ليلاً أثناء نومه، ورأى (ابن آوى) يداهمها، ليقتلها... لكن صوت ابن الأحمد فاجأه فأفزعه... ودفع به للهرب والسقوط في فخ كبير كان جعله قرب شجرات المشمس.
قال أبو يوسف:
ـ اليوم سأرافقك ياجبيلي إلى القرية.
عرف الجبيلي أن حالة شوق لهوف، تعيش في نفس صاحبه العتيق.
تأخر ولد أبي يوسف، على غير عادته وهذا ما أقلق الحبيبة، التي لا تتوقف عيناها عن الغمز، كداخل في مسابقة الغمز وعليه المران الكثير حتى يكون لـه الفوز.
ولعل جهل أبي يوسف و الجبيلي بالغمز، جعلهما لم يتوقفا قليلاً عند عينيها (المزيونتين بالعور) والمكحولتين كقدر مرّ على قفاه لهيب النار مراً عجولاً، فأبقى من لهيبه اسوداداً، إن لامسته الأيدي اسودت أناملها.
وكذا أمر حبيبة ولد أبي يوسف، كحل عينيها، قد تكون استعارته من قفا قدر، أو من أي قفا آخر. أم يوسف كالمصابة بالحمى... أو كالملدوغة، لا تستطيع الهدوء في حضرة أم الحبيبة... وهذا مرده إلى تشابه في طبعهما... وطفولة مشتركة... فكل منهما أعند من الأخرى.. وكل منهما نفسها حامضة وصعبة... وهذا التعبير أطلقته أم يوسف على أم الحبيبة غير مرة... أبو يوسف لم يعنهِ من أمر زوجته، وزوجة ولد (العامودي) إلا أن تظل الريح بينهما هادئة... وقد أقلقه حقاً أن تعصف الريح بينهما، لأنها إن عصفت، فلابد أنّ تمطر أم يوسف أم الحبيبة بوابل من الشتائم المشهود لها بها... بل هي صاحبتها... وبراءة الاختراع عائدة لها...
والد الحبيبة... نظر إلى زوجته فألفاها غاضبة الملامح، وهذا هو حالها ولهذا لم يطل إليها النظر... واجتهد بالالتفات إلى الجبيلي وإلى أبي يوسف الذي شغل خياله شجرة التوت والبيت... والحارة العتيقة.
وصوت الجبيلي الذي كسر حاجز الصمت عزّز خيال أبي يوسف وزاده قرباً من الشجرة والبيت:
"صاح ابن شعبان:
ريدوني لكم غني.
بطل غناكم وهرجكم عني".
سأل والد الحبيبة:
ـ هل شاهدت عبدو الشاعر، بعد عودته من السفر يا جبيلي؟؟
ـ لا لم أشاهده...
ـ هذه الأغنية أسمعه يغنيها..
ـ عبدو الشاعر... يحفظ الكثير.... الكثير.
قال أبو يوسف:
ـ شاهدته منذ وقت عند أخته في الحارة العتيقة...
أم يوسف أدركها شوق لهوف إلى الحارة والدجاجات:
ـ هل تكون زوجة كريم احتفظت لي بالفراخ؟؟؟
***
حاول زوج سمر التعيس... الخسيس، حسب تصريحات أسعد... والأيام... حاول إعادة سمر إليه، فلم يوفق.
سلمان ولد بو حمود قلق لأمر سمر... وزارها ظهراً، بعد أن تأكد من وجود والدها في أرض الساقية... ولم يدخل من الباب الخشبي، بل جاء من كرم ابن الصالح ثم تجاوز السور...
رباب حملت (الصرة) المزودة بالغداء... وأمها قصدت زوجة ابن الحمودة، سمر ازداد ألقها... وازدادت أناقة... واجتهدت في متابعة القراءة... واستفادت من زواجها أنها صارت تعرف من تحب، ومن تكره...
وجوهرة علمتها كيف تكون الفتاة أكثر ملاحة في عيني عشيقها أو غيره...
وصل سلمان وشوقه كسيف من ضياء، شحذته اللهفة والصبابات الملتاعة التياعاً وجيعاً... قميصه المزركش ملائم... وبنطلونه أيضاً... وحذاؤه الجديد بعض الجدة... وشعره المسرّح، كل ملمح من ملامحه يقول: إن هذا السلمان، عاشق حتى آخر أنفاسه... وحتى أعمق أنفاسه... وحتى أعمق أعماقه. أحست سمر، وهي تلمح سلمان، يعبر السور مليحاً... شجاعاً... تسعى به أشواقه... وتطوف بروحه أحلام عاشقة... أحست وهي تراه، أن غيماً حنون المحيا.. بدأ يمطر كرماً عطشت أشجاره، حتى صار اليباس قريباً... بللت روحها... وامتلأت أذناها بنشيد صاحب شجرة التوت.
الهاجرة لم تؤذِ آمال العاشقين... وأنفاسهما المبللة بمطر الشوق... والمصطبة المغطاة بالأغصان مرتع طيب لصوت العشق الخائف والمطعون، بقدرة الحياة البائسة وظروف العيش. صافحها وارتعاش الحب يسري في كل شرايينه وأوردته... وقد أشعره الارتعاش، بأنه ضعيف لا يستطيع النطق والفصاحة... كل الشجاعة التي أحسها وهو يصعد الحفاف ويتجاوز السور، تحولت إلى ارتعاش وخوف... وهذا هو قدر العاشق: حلمه شجاع لكنه في حضرة الحب... يدركه الخوف...
سمر لم تجد في نفسها رغبة الكلام... ولا قوة الإفصاح عن شوقها... الإفصاح عن الشوق شجاعة الشجاعات... هو كصدح الطائر الكبير الذي بحث عنه أحمد السعيد... والذي عاش غير بعيد عن شجرة أبي يوسف (شجرة التوت البرية).
ثوب سمر، رغم أنه قديم بانت أناقته... وبانت كياستها وهي ترتديه... عيناها اللتان ضوأت نظراتهما الفرحة والهناءة اليسيرة صارتا مبعث شغف... شعرها المتروك من غير تسريح... ليس فوضوياً إلى حد البشاعة بل هو مسترسل استرسالاً كافياً، لتحريض لهفة المحب... الذي لا يرى إلا الحسن والكياسة في حبيبته... استدارة وجهها ونضارته... وشفتاها اللتان لم تبتسما، أسرّتا لروح سلمان بالابتسام فصار يراهما كصورة فجر على مدخل ليل طويل....
أحلام وأحلام شغلته طوال الليل:
هل تكون سمر وحيدة... وهل أقول لها إنك حبيبتي... وسأحميك؟ وهل أسألها عن أمر زواجها ومحاولات زوجها السابق أن يرجع إليها أو ترجع إليه؟؟
وهل تفكر بالذهاب إلى حيث أختها جوهرة؟؟
هل تقبل بالسكن معي، في بيت أهلي؟؟
وهل قادر هو على إكمال ما ينقصها لتبقى جميلة؟..
وأحلام أخرى ضاعت في زحمة ارتعاش العاشق...
وأحلام فرت هاربة... وهو يعبر الدرب... ويصعد ويعاين. لمحا زوجة ابن الحمودة وزوجة ابن الأحمد ونبع الساقية...
أحلامه أحس أنها صارت عارية أمام الجميع... وصار خائفاً من ملاحظة أي جار بعيد أو قريب...
سمر ليست أقل منه شوقاً وأحلاماً، لكنها أقل منه خوفاً، إذ أشبعتها الأيام شعوراً بأن الأحلام الجميلة مفضوحة وعارية... وكيف لا... وهي التي ذاقت ويل العيش في كنف والد بئيس الروح.. جرّعته الحياة الخيبة تلو الخيبة... فصارت روحه ملاذاً للخيبات ليس إلا.. وغير هذا فقد فجع حلم أحلامها يوم تزوجت... وفشل زواجها... وصار أمر زواجها كحكاية تتسلى بها الجارات... ومساءات وعشيات قرية شجرة التوت.
خفف عنها وطأة الفشل الفظيع، أنها يوم هربت كان أبو يوسف في بيته وقد التجأت إلى ضوئه هرباً من ليل تعاستها الداكن.. صور وأحداث... ظلت تراود خاطرها، وتشغل بالها... وهي تجلس قريبة من سلمان... تنظر إليه... وينظر إليها فتبتسم روحه وروحها... ابتسامة الأمل الملغوم بالمخاوف.
شبح موحش... والأشباح قليلاً تجيء مؤنسة... صوت ابن الأحمد... ظل رعاداً، يذيع الهلع، في نفس سمر... وإن هو لم ينادِ.. شبحه لم يغب... رغم أنه يبين لعينيها، وهو في الأرض القريبة من الساقية، شبحه يخيفها ويبعث على شعورها باليأس... لأنها لم تعرفه يوماً هادئ الطبع... لين المعاملة...
سلمان أفاقت في نفسه صورة غضب ابن الأحمد، فارتدت ابتسامة روحه هاجساً قلقاً، محاصراً بصوت الرعب... ونداءات الفشل...
زوجة ابن الحمودة وزوجة ابن الأحمد، قصدتا نبع الساقية، لملء جرتيهما ماء... الشجرات واضحة لعيني سلمان وعيني سمر. ودخان (الموتور) يصعد من جهة الساقية... يلوث هدأة بال حارة الساقية وطمأنينة المقبلين على النبع.
قامة زهوة أطول من قامة زوجة ابن الحمودة... وحق لها أن تكون قامتها أطول، لتوازي قامة ابن الأحمد... وحق لزوجة ابن الحمودة أن تكون قامتها أقصر، لأن قامة زوجها ليست طويلة... فكتب عليهما قصر القامة...
لكن قصر قامة زوجة ابن الحمودة لم يؤذِ طبعها... ولم يسِئ لمزاجها؛ فهي سوية المزاج... لا تتسع روحها للكره أو الأحقاد... بل تضمر ـ دائماً ـ المودة والحب تجاه جاراتها... حتى إنها عبر سنوات حياتها في قرية شجرة التوت، لم تحمل على جارة... ولم تختصم معها خصومة طويلة الأمد.. خصوماتها هادئة... وتأتي سريعاً... وتذهب سريعاً... قد تختلف مع زوجة كريم أو زوجة بو حمود من أجل الدجاجات، ثم لا تلبث أن ترجع المياه إلى المجاري... وكذا كان أمرها مع أم يوسف، التي لم تنسها من الشتائم، في عشيات كثيرة، وجدت فيها بعض دجاجاتها أو بعض الأفراخ غائباً... كانت زوجة ابن الحمودة، تنأى ما أمكنها عن الشتائم، تغلق أذنيها، لعلمها الأكيد أن أم يوسف لا تشتم أحداً كرهاً... بل شتائمها تأتي تنفيساً عن حالة غيظ لا تحتملها، حين يصيب الأذى أية دجاجة من دجاجاتها أو أي فرخ من أفراخها.. هي ارتضت لنفسها طواعية، أن تمشي وراء زهوة، لأنها تراها أجمل منها، ولأنها ترتاح لمعاشرتها... وتسعد نفسها لتبادل الأحاديث المتعلقة بالبيوت والجيران معها.
قالت سمر وهي تعاين أمها تسعى باتجاه الساقية ومن خلفها زوجة ابن الحمودة قالت:
ـ أساء ابن الحسن لكل قريتنا...
ـ زوجته الجديدة... هي التي قالت له: اسقِ الأشجار.
ـ سمعت أمي تتساءل أين ذهبت زوجة ابن الحسن (الغريبة)؟...
ـ حسان ولد كريم يعرف من أين هي زوجة ابن الحسن... وسمع أحاديث عن حياتها وعن أهلها، وعن زواجها...
ـ حسان متى يعود؟؟
ـ عاد منذ البارحة، واليوم سيزورهم أبو يوسف...
ـ هو أخبرك بذلك؟؟
ـ أمي أخبرت أسعد.
ـ أين هو أسعد؟؟
ـ انظري إلى حارة الساقية ألا ترينه يتجه إلى بيت ابن الصبرة... وعلى كتفه (التنكة) المخصصة للزيت.
نظرت سمر إلى حيث أشار سلمان، فبان أسعد وهو يسرح في جهات حارة الساقية... وبعد هنيهة ارتفع صوته بأغنية عتيقة:
"يا طير الطاير فوق البراري.
خبّر الحلوي واحملا خباري".
قالت سمر:
ـ أسعد يحفظ الأغاني ويغنيها ليسلي سمعه، ويقتل ضجره وخوفه...
ـ أبو يوسف كان يحبه... كثيراً رأيته تحت أغصان شجرة التوت، وهو أول من أخبر أبا يوسف بزواجك في قرية (النبع العالي).
أخذت الهواجس مأخذها في رأس سمر، فذهلت عن سلمان، كمن أصابه دوار مفاجئ:
"تذكرت أيامها السوداء عند زوجها... وتذكرت القرية ونبعها العالي، وبيت أسعد المغلق أكثر الوقت... وتذكرت كيف صادفته، قرب النبع، وهو يحمل جرة فخارية ملأها ماء... كادت تسمع كلماته المضطربة:
ـ كيف أنت مع التعيس ولد التعيس؟..
ـ ... ...
ـ هل تحتاجين مني شيئاً... أنا أخدم كل من عاش في قرية شجرة التوت أو عرفها أو زارها...
تذكرت درب النبع المحفوف بالأغاني... والنداءات العالية؛ التي ترتد على أصحابها بالصدى، ليس إلا..."
أراد سلمان أن يرجع سمراً من ذهولها:
ـ هل رأيت أسعد صعد إلى المصطبة؟؟
ـ ابن الصبرة ليس في البيت...
ـ من قال لك: إنه ليس في البيت؟
ـ سمعت أبي يقول لأمي: ابن الصبرة باع أكياس القمح...
ـ لمن باعها؟؟
ـ لصديقه الذي في المدينة.
ـ يكون حمل الأكياس على جرار ابن الصالح الذي اشتراه منذ وقت؟؟...
ـ ابن الصالح وابن الصبرة متخاصمان من يوم (موتور) ابن الحسن.
ـ وأخو ابن الصالح، هو الذي يقود الجرار... وهو يقوده كما يقود الحمارة الكبيرة التي اشتراها من (الجبيلي) ولهذا لا يجرؤ على دخول المدينة بالجرار...
عادت زهوة وزوجة ابن الحمودة فازداد فزع سمر... وازداد حذرها... لكنها لم تصرح لسلمان بما يدور في بالها... واكتفت بأن نبهته إلى عودة أمها وزوجة ابن الحمودة:
ـ رجعت أمي.
ـ قالت كلمتيها ولم تذكر زوجة ابن الحمودة.
ففهم سلمان مقصدها؛ وأخبرها بأنه فهم... وكيف لا يفهم ما أرادت، وهو الذي يحبها قبل الجميع... وبعد الجميع وأكثر من الجميع.
قال لها وقد همَّ بالنهوض عن الكرسي الخشبي الذي لامست مساميره قفاه ملامسة جادة، أكثر من الأدب الجاد...
الهاجرة بدأ حرها تخف شدته، أمام النسيم الذي داعب أغصان شجرات ابن الأحمد... سمر وقفت، ورجاءات طيبة تحاور نفسها، وتقف في مواجهة خيالاتها المرتجفة خوفاً، كأغصان الشجرات المرتجفة جراء مداعبة النسيم...
رجاءات سمر أهمها وأكثرها حضوراً وإلحاحاً أن تمر أمها على أي بيت من بيوت الجيران ليبقى الوقت مباحاً لوقفتها الشغوفة مع سلمان...ورجاء آخر أن يتأخر والدها في أرض الساقية ليطول بها وقت الطمأنينة.. ورجاء شغل عليها نفسها وهو أن يجيء أبو يوسف إلى القرية... وأن يعيد ما انهدم من جدران بيته، وأن تعود المصطبة والشجرة إلى سابق أيامهما.
طائر جناحاه حزن وشوق. خوف من صوت ابن الأحمد وقدوم زهوة ورغبة في البقاء. الطائر بقي يحوم قريباً من سمر وسلمان... ويزداد خفق جناحيه، كلما اقتربت زهوة من تخوم الحارة القديمة وكلما علا صوت ابن الأحمد أو همهماته عالية التوتر... كل شيء في حياته توتره عالٍ... عدا حبّه لأولاده توتره منخفض انخفاضاً بعيداً... وحبه للطير ـ أيضاً ـ معادلته الكبرى الذبح والأذية... فهو لا تصل يداه إلى جناحي طائر إلا أتت عليه أسنانه عضاً بشعاً...
تابعت زهوة سيرها شرقاً عبر درب الحارة العتيقة... وزوجة ابن الحمودة انعطفت غرباً... جرن القمح، على حاله لم ينقل من مكانه المجاور للمصطبة وجذع (التونة)...
راق لزهوة أن تنزل الجرة عن كتفها إلى جوار الجرن... وتستريح، وهواجسها الطيبة قريباً من الجذع وذكريات المصطبة والبيت المهجور...
هواجس زهوة، منذ وقت غير قريب طوت صفحة الغرام، وأغلقت آخر نافذة كانت مفتوحة على الشوق والغزل... وصارت تحس بالعداء تجاه أية نسمة، فيها غرام... وهي غريبة عن نسائم الحب والغرام، منذ دخلت دنيا ابن الأحمد المسيجة بالقسوة والجفوة والصوت العالي... دنياه كثيرة الشبه ببستانه المسيج بالعيدان والأشواك اليابسة... وفيها من التعاسات، ما يقتل أي حب وأية حالة غرامية، مهما اجتهدت وشفّت... ورقت حواشيها...
وكذا أمر زهوة في حياتها عند ابن الأحمد، الذي لم يبادلها الهوى أو الغزل... فقط أخبرها بأنه رغب أن ينالها بـ(قرصة) محترمة، تليق بجسدها الممتلئ... وأنوثتها الواضحة، هكذا بدأ الغرام بينهما... وهكذا استمر...
استراحت إلى جوار الجرن والجذع وقتاً قصيراً، وقد اختصرت استراحتها، مرغمة لا راغبة لأن صوت ابن الأحمد باغت هناءتها، وذبحها كذبحه لأي طائر تصل إليه يداه:
ـ يا زهوة يابنت حمدان... اللعنة على كتفيه ألم تذهبي إلى البيت.. وبنتك مثلك مشغولة...
لم تفهم زهوة ما قاله زوجها. واكتفت بأن حملت الجرة من جديد، وسعت مسرعة ما أمكنها السعي والإسراع باتجاه البيت... بيت ابن الحمودة والبيوت المجاورة له، لم تستوقفها... وكيف تستوقفها البيوت، وصوت زوجها يهيب بها ويخيفها، ويذيع في روحها صخباً قاسياً كشوك السور اليابس والمؤذي.
***
ابن الأحمد لمح سلمان وهو يتجاوز السور... وقدّر أنه قصد المصطبة، ليحكي لسمر عن حبه لها...
آذاه أن ترجع سمر إلى حب سلمان، وهي التي تزوجت وفشل زواجها، وفشلت حياتها... وخلقت لـه اضطراباً أضيف إلى رصيده الكبير من الاضطرابات.
ابن الأحمد لا يكره يوسف بو حمود، ولا ولده سلمان... ولا هو يحبهما أيضاً... هو لا يميز كثيراً بين الحب والكره... أيامه صفعته صفعاً، أفقده توازنه وأجمل الأحلام... ولا يمكن لواحد مثله عذبته الدنيا، وقتلت روحه... لا يمكن لأمثاله أن يفكروا بالحب... ولا يمكنهم أن يبرّروا لعاشق لهفته وشوقه...
تاهت أفكار ابن الأحمد... وغطت روحه غيمة سوداء لا مطر فيها ولا نبوءات رياح... واستبد بأنفاسه ضيق، الفلات منه أصعب من فلات الطائر المخدوع، من دبق (الجبيلي).. النبع ليس بعيداً عن أرض ابن الأحمد، والدرب المؤدي إليه منحدر تحيط به التخوم والأشجار... كل تخم يشكل حداً معلوماً... لكرم من كروم حارة الساقية... التخم الأول يفصل بين أرض ابن الأحمد والأرض التي أخذها ابن الحسن، وهذا التخم تميّزه شجرة البلوط ويميزه (توت سياج)، الكثيف، الذي يسقط فيه قرميد ورباب بين الحين والحين... وسقوطهما لا يأتي مصادفةً، أو سهواً... يسقطان إفرادياً أو معاً، حين يقبلان على ثمار (توت السياج) الناضجة، الملونة بألوان تبعث على الاشتهاء، وتحض الآكل على متابعتها... وحينذاك... لابد من السقوط في حومة الأغصان المتشابكة تشابكاً عجيباً، كتشابك شعر (رباب) المتروك من غير تسريح...
عاد قرميد ومعه الجرة الصغيرة مملوءة ماء من نبع الساقية... فاستوقفته ألوان الثمار الناضجة فأقبل عليها بهمة عرجاء... عوجاء... وقف على الحافة... وأمامه الأغصان المتشابكة والشائكة... قدم على التراب وأخرى دفع بها إلى الأمام ظناً منه أن الأغصان تستريح على التراب أيضاً... فأخطأ الظن، وهوى وسط الأغصان... والشوك بدأ يداعب جلده ووجهه مداعبة شائكة... فصرخ صرخة عالية... فبلغت سمع والده المغضب دائماً... وسمع رباب المنشغلة باقتلاع الأعشاب.. وقد أدركتها الهمة حالاً... وأسرعت إلى حيث سقط أخوها قرميد سقطة لاهوادة فيها...
هبطت الحافة... ووصلت إلى التخم وشجرة البلوط... قبل أن يتخذ والدها أي تدبير بشأن ولده الساقط في حومة أغصان شجرة (توت السياج).
والحظ العاثر، لا يمكن أن يصير غير عاثر بسهولة... وجهل رباب بواقع حال الأغصان والحافة... لا يقل عن جهل أخيها قرميد، الذي بدأ يصعد رويداً رويداً... والشوك يعذب جلده ووجهه على عجل... رباب أقبلت بسرعة، تبغي العون لأخيها... ونسيت أن الأغصان تخبئ تحتها الهاوية... وقد نادى عليها قرميد أن تتمهل، وأن تظل بمنأى عن الأغصان... لكنها لم تسمع النداء إلا بعد أن هوت بها شجاعتها الشاقولية جداً جداً... فدفعت بأخيها من جديد إلى سقوطه، ملغية محاولته وجهده في الصعود والخروج من واقع حاله وحومة الأغصان المتشابكة الشائكة...
ملأ الهلع نفس ولدي ابن الأحمد، وهما ينظران إلى أبيهما، الذي أعلن عليهما السخط، وسخطه ليس هيناً.... ولا ينتهي سريعاً... حمل عصاه العنيفة، واتجه إلى حيث التخم وولداه... لكنه لم يصل إليهما، لأنهما شقا درباً شائكاً، وخرجا مسرعين، لا يعنيهما إلا الفرار... شاهد ابن الأحمد بيت ابن الحسن العالي... المسوّر بالأشجار... ...
وقف قرميد ورباب إلى جوار التخم الثاني، الذي يفصل أرض ابن الصالح عن أرض ابن الصبرة... وراق لهما أن يستريحا ـ قليلاً ـ قرب شجرات الدلب الكبيرة... وراق لهما أكثر أن يريا والدهما، هدأ غيظه... وانكفأ عائداً إلى حيث شجرات الزيتون.
شقيق ابن الصالح لمح ولدي ابن الأحمد، لكنه لم يسعَ إليهما، لانشغاله بالفلاحة على الحمارتين العجيبتين....
***
ذاكرة أبي يوسف لا تنام، ولا تمحى الأحداث والعناوين فيها. وهي كالأشجار... يتذكر بشجاعة كما ينسى بشجاعة... ويحتكم، حين ترجع به ذاكرته إلى الأيام والأحداث والناس يحتكم إلى نفسه وثقافته، حتى لا يخطئ في التقدير، أو يجور في المحاكمة... حتى لا يعطي للحزن إلا ماله... وللحبور ماله، ولنفسه مالها، وللآخرين مالهم.
راقه أن يمر على البيوت القديمة وهي لا تنفصل عن البيوت الحديثة، إلا ببعض التخوم والأشجار... مشى متمهلاً وفي رأسه تسبح ذكريات وأحداث، تجاوز بيت ابن الحمودة الجديد، ولم يكد ينظر إلى الفسحة التي أمام البيت، ولعله نظر من زاوية عينه، فلم يلمح أحداً، فاستمر في مشيته، أو لعله، وجد نفسه مع ذكرياته وأيام طفولته وحياته.
دمشق- السكن الجامعي- 1986.
***
رقم الإيداع في مكتبة الأسد الوطنية
شجرة التوت: رواية/ حسين عبد الكريم– دمشق: اتحاد الكتاب العرب، 2002 – 130 ص؛ 24سم.
1- 813.03 ع ب د ش
2- 813.009561 ع ب د ش
3- العنوان 4- عبد الكريم
ع- 1448/8/2002 مكتبة الأسد