الفصل الأول
استيقظَ صَلاح مذعوراً مِن رُؤيا رَآها فِي مَنامِه. الْتفَتَ إِلَى نَاحِية اليسار وَنفَثَ ثلاثَ مرَّاتٍ، وَاستعاذَ بالله مِن الشَّيطان الرَّجيم وشرّه، ثم تحوّل عن جنبه الذي كان نائماً عليه إلى الجنب الآخر، وأغمض عينيه في محاولة منه للعودة إِلَى النَّوم ولكن دُونَ جَدوى، إذ شغلت تلك الرؤيا بالَه، وسرقتِ الكَرَى من جفنيه، لا سيّما أنّها تكرّرتْ مِراراً. طَفق يتقلَّبُ في سريرهِ، وهو يُحاول جاهدا طَردَ الهمومِ والهوَاجس المتحالفة على الفتك بالنـّوم في عينيه.. ولكن هيهاتَ هيهاتَ.. لقد عبثتْ تلك الرؤيا بهناء باله، وأطالت سُهادَه.
رنا ببصره إلى ساعة الحائط التي كانت عَقاربُها تشيرُ إلى الثانية صباحاً تقريباً. ثم جعل يحدّث نفسه: "سيكون يوم غد حَافلا بالمشاغل، فلديَّ أعمال كثيرة يتحتّم عليَّ أنجِازها"...
لم يغمض له جفنٌ ولم تكتحل عينه بنوم حتى سَمِعَ صوتَ المؤذن ينادي للصلاة ويشقّ هدوءَ الظّلام الدّامس بصوته الندي، مبشّراً بدنوّ صبحٍ جديدٍ عبر أمواج الأثير، وكان صـداه يتردد في أرجاء البسيطة: الله أكبر.. الله أكبر...
توجّه صلاحُ إلى المسجد لأداء الصلاة. وما إن فرغ الإمام من الصلاة حتى دَنا منه برفقٍ وألقى عليه السلام...
رفع الشيخ ماجد بصره ونظر إليه بعين الشفقة ثم بادره قائلا:
أرَاكَ أسْلَمتَ نفسك للحزن يا صلاح، فما خطبُك؟
لقد تراءى لي في منامي ما سلبَ النّومَ من عينيّ يا شيخنا! ولأنها ليست المرّة الأولى التي تنتابني فيها مثل هذه الرّؤيا المزعجة، أود التكرم بتعبيرها لي.
ابتسم الشيخ وقال:
خَيراً رأيتَ وخَيراً يكونُ. بيدَ أنـّه مِن الأفضلِ لكَ ألاّ تُحدِّث بِها أحداً.. فإنّها لا تضرّكَ إن شاء الله.
أنا أثقُ بك وبعلمكَ يا شيخنا الفاضل، وأريدك أنْ تُساعِدَني في تفسيرها فقد أقضّت مضجعي، وحرمتني النوم.
تفضلْ يا صلاح، قُلْ لِي: مَاذَا رَأيتَ؟
رأيتُ أُمِّي في غَايةِ الحزنِ والغمِّ في مكان موحش، وكانت تَحولُ بيني وبينَها حفرة من نارٍ. كانت في أسْوأ حالٍ، وجْهها كَالح تعلوه ظُلمة، لم أرَ مثلَها من قبل، وكانت منكبّةً على يد أبي تقبّلها وتطلبُ منه الصفح والغفران، وكان بدوره يُشيحُ بوجهه عنها ذاتَ اليمين وذاتَ اليسار، ويتحاشى النظر إليها إذ كان في غاية الغضب. وفي تلك الأثناء كانت عمّتي جالسة إلى جواره يتطاير من عينيها الشرر. فجأة تخطّت أمّي الحفرة وجَاءتني فاحتضنتني، والدموع تسيل من عينيها، وطَلبتْ منّي أن أشْفعَ لَهَا عِنده!!
أطرقَ الشيخُ برأسه هنيهة ثم رفعه وقال:
لا تزعجْ نفسَك يا صلاح، لعلّها أضغاث أحلام، أو كان ذلك ضرب من حديث النفس، ربما لأنّكَ لا تزال تحت وطأة التأثّر بوفاتِها.
تنهد صلاح بعمق، وقال بلوعة:
لقد عرفتُ قدرَها ومنزلتها الآن!
سكت الشيخ برهة ثم قال:
وكيف هو والدك الآن يا صلاح؟
لا يزال على حاله! لقد أوقعنا مرضه الغامض في حيرة من أمرنا. ادعُ له بالشفاء يا شيخ، فهو في أمسِّ الحاجة إلى ذلك.
أسألُ اللهَ العظيمَ ربّ العرشِ العظيم أن يشفيه.
خرج صلاح من المسجد متثاقل الخُطى، مهموم الفؤاد، إذ لم يجدْ في جواب الشيخ ما يشفي العليل أو يروي الغليل، ولم يقتنع بتعبيره لرؤياه، بل خيِّلَ إليه أنّه يتهرّب من تعبيرها له.
طفق يتَساءَل في دخيلة نفسه والحزن يعتصر فؤاده وهو في طريقه إلى البيت: "أفَهِمَ الشيخ يا تُرى من الرؤيا شيئاً مُزعجاً فلم يُرد أن يشغلَ به بالي شفقة على حالي؟؟ أم أنّها أشْكلتْ عليه فاعتبرها من قبيل حديث النفس؟؟ إنـَّه لأمرٌ مُحيّر فعلاً!! هذه ليست طريقته، وهذا ليس أسلوبه. فالشّيخ ماجد يُعَدّ خبيراً في تعبير الرّؤى وتفسير الأحلام."
ولَدَى وصوله إلى البيت دلف صلاح المطبخ على جناح السرعة وشرع في تحضير طعام الإفطار، إذ كان قد تأخـّر على إخوته الذين كانوا على وشك مغادرة البيت إلى المدرسة.
لقد حمل صلاح على عاتقه مسؤولية البيت وتحمل جميع أعبائه بعد وفاة والدته.
هز والده رأسه وقال بصوتٍ غائرٍ حزينٍ:
أنتَ تبذل جهداً كبيراً وتُرهِقُ نفسَك من أجلِنا يا بُني!
لا تقل هذا يا أبتِ فهو واجبي.
ثم انْحَنَى صلاح وطبعَ قبلةً على جَبينِ أبيه، وقال له، وهو يهمُّ بمغادرةِ البيت إلى العمل، بلطف:
أتريد أن أحضر لك معي شيئاً يا أَبت؟
لا. لا أريد إلاّ سلامتكَ يا ولدي.
وما إن غادر أولاده البيت حتى جَلسَ أبو صلاح كئيباً حزيناً. جعل يقلّب التفكيرَ في الحالة التي آلوا إليها والظروف الصعبة التي خيَّمَتْ عليهم. ما لبثت أن عادت به الذكريات لسنة خلت فتذكّرَ: كيف داهمه ذلك المرضُ المفاجئُ على حين غرّة ثم تفاقم بسرعة فتدهورتْ في إثره حالته الصحية حتى صار لا يقوى على القيام بعمله ما دفعه إلى ترك سلكَ التّدريس مكرهاً.
... ثم جعل يحدّث نفسه والحزن يعصف بفؤاده: "على الرّغم من العلاج المكثف الذي تلقيته، وكثرة العيادات الطبية التي ترددتُ عليها وزرتها إلا أن أعراض المرض بقيتْ على حالها هي هي! إذ لم يُجْدِ العلاجُ ولا الأدوية ولا العقاقير التي تعاطيتها نفعاً ولم تغير من الأمر شيئا، بل لم يكنْ لها تأثير إطلاقاً، لذلك وصلتُ إلى قناعةٍ بأنَّ كلَّ ذلك كان مضيعةً للوقت وإهداراً للمال.. وما يُقلقني الآن هو شعوري بالنعاس والغثيان المستمرين!!".
كانَ أكثر ما يحزنه ويقطّع فؤاده هو ترك ابنه صلاح مقاعد الدراسة إزاء الظروف القاهرة من أجل البحثِ عن عمل للإنفاق على الأسرة بعد عجزه كأب عن الاستمرار في عمله. كما كان يحزّ في نفس أبي صلاح انفضاض أصدقائه وزملائه وأقربائه عنه وتركه وحيدا في محنته يجابه ظروف الحياة القاسية إذ لم يزره إلا قليل منهم، ولم يمدّ إليه أحدٌ منهم يد العون.
... جعل أبو صلاح يحدّث نفسه والألم يعتصر مهجته: "مما لا شكَ فيه أننا نعيش أزمةَ أخلاق بكل المعايير، فالعلاقاتِ بين النّاس أضحت هشَّةً، وصارت تتحكم فيها المصالح...".
أفاق من تفكيره فجأة وعاد إلى واقعه، وجعل يحملق في تلك الجدران الصمّاء التي لا تسمع ولا تتكلم. ترقرقت عيناه بالدّمع حين ضاقت عليه نفسه وطاف طائف ابنه صلاح بباله، حيث تذكّر كيف أنه يكابدُ ظروفَ الحياة القاسية، ويواجه مشاكل الدنيا المعقدة. لقد كانت رؤيته لابنه وهو يتحمل مسؤولية الأسرة كاملة وهو لا يزال حديث السنّ، غضّ الإهاب يزيد نار الأسى في مهجته التهابا.
لقد كان لزاما على صلاح القيام بأعمال البيت بالإضافة إلى عمله في الشركة الذي كان بدوره يتطلب منه جهداً ذهنياً وجسدياً كبيرين. وما إن يعود إلى البيت حتى يباشرَ القيام بالأعمال المنزلية: من غسل، وطهي، وتنظيف.
وعلى الرغم من أن أخاه ماهرا كان يقدّم له بعض المساعدة في بعض الأوقات بَيْدَ أنه لم يكن في مقدوره أن يتركَ مقاعد الدراسة هو الآخر، ويتفرّغ لأعمال البيت مع أخيه، خصوصاً أنّه كان في الشهادة الثانوية. رفع أبو صلاح كفيه إلى السّماء متضرعاً: "رُحماكَ يا ربّ!! اللّهم اشفنـي وعافني كي أحملَ عن ابني الأمانة، وأريحه من معاناته".
* * * * *
كانَ صلاح يعمل سائقَ شاحنةٍ صغيرةٍ في شركة لتوزيعِ الورق، وكانت وظيفته تتمثل في إحضار الورق من المصانع وتخزينه في مستودعات الشركة كي يوزعه على المطابع والمكتبات حسب الطلب لاحقاً. وكان صاحب الشّركة معجباً بدماثة أخلاقه، وإخلاصه في عمله، وتفانيه. استقبله صاحب الشركة، بمودّةٍ عندما رآه يدخل إلى مكتبه ذات صباح.
ابتدره خليل قائلا:
كيف حال الوالد يا صلاح؟
ليس على ما يرام يا أستاذ، ولا أخفيك أنّ أمره قد حيّرني! خاصة وأن الأطباء الذين رأوا حالته اتفقوا على أنّه لا يعاني من أيّ مرض عضوي.
إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ لا تجرّب أن تعرضه على شيخ؟ فمَنْ يدري لعلّ به عيناً، أو مسّاً من الجنّ، أو سحراً؟ أرى أنك لن تخسر شيئا بالذهاب إلى أحدِ الشيوخ المعروفين بالصلاح والتقوى واستشارته في الأمر.
قفل صلاح عائداً إلى البيت بعد فراغه من أداء عمله قبيل المغرب بقليل وقد نالَ منه التعب والإرهاق بعض الشيء، بَيْدَ أنه كان طوال الطريق يفكّر في كلام خليل..
وما إن ولج صلاح البيت حتى وجد إخوته يحفـّون بأبيهم وهم يبكون. تملّـّكه الذعر حين نظر إلى أبيه الذي كان يئنّ تحت وطأة الوجع وقد كسا وجهه الشحوب. سأل أخاه ماهراً مرتبكا:
ماذا جرى له؟؟ ماذا أَلَمَّ بأبي؟!
ردّ عليه ماهر والعبرة تكاد تخنقه:
لا أدري.. لا أدري!!
التفت صلاح إلى أخيه وقال:
هيّا يا ماهر، ساعدني لنسرع به إلى المستشفى فحالته تبدو خطيرة.
انطلق به صلاح مسرعا إلى مستشفى المدينة. وما إن وصل به إلى قسم الطوارئ في المستشفى حتى بادر الطبيب بإعطائه حقنة مغذية بوريده.
سأل صلاح الطبيب متوجسا:
طمئنّي يا دكتور! هل هو بخير؟
اطمئن، فحالته لا تدعو للقلق فهي ليست خطيرة. غير أنه من الأفضل أن يمضي الليلة تحت رعايتنا وإشرافنا.
سكت الطبيب، وجعل يقلب الملف الذي كان بيده ثم قال:
ما هي الأدوية التي يتناولها؟
أقراص مهدئة مضادة للاكتئاب "بروزاك"، وأقراص الأسبرين التي سبق أن وصفها له أحد الأطباء.
أنصح بإجراء عملية تصوير لدماغه للتأكد من سلامته.
انقلب صلاح إلى البيت كئيباً حزينا يُجرجر معه هموم الدنيا وأحزانها...
وما إن أدار صلاح مفتاح البيت في قفل الباب حتى هُرع إليه: ماهر، وسلوى، وسامي، وسألوه في ولهفة:
أين هو أبي يا صلاح؟؟ لِمَ لم يأتِ معك؟! هل وقعَ له مكروه؟!!
لا تقلقوا. فهو الحمد لله بخير، وإنما أبقاه الطبيب ليظل تحت الرعاية الطبية ومن أجل إجراء التحاليل اللازمة لمعرفة السبب.
تنفس ماهر الصعداء وجعل يردد:
الحمد لله.. الحمد لله!
قالت سلوى باكية:
أريد أبي.. أين هو أبي؟
ربّت صلاح على خدّها وقال لها بلطف:
غدا سيعود إن شاء الله يا حبيبتي!
ثم طبع قبلة على وجنتها وقال لها بعطفٍ:
هيا اذهبي إلى فراشك لتنامي.. وأعدك أن آخذك معي غداً إن شاء الله لنحضره معنا إلى البيت بعد عودتك من المدرسة.
* * * * *
هُرعت زكية إلى بيت أخيها حال سماعها بذهابه إلى المستشفى. وما إن وصلت حتى طمأنها صلاحُ على صحته وأعلمها بأنه تعرّض لنوبةٍ عابرةٍ وسيخرج في اليوم التالي.
أجهشت زكية بالبكاء وقالت بلوعة:
أسأل الله أن يشفيه! لقد أتعبه المرض كثيرا.
هذا أمر الله يا عمتي.
كفكفت دموعها وهي تردد:
حسبي الله ونعم الوكيل!
ولمّا أطمأن قلبها وهدأ روعها جلست مع أبناء أخيها، الذين كانوا يحبونها ويحسون بالطمأنينة لمجرد وجودها بينهم، إذ دأبت على زيارتهم مساء كل يوم جمعة متجاهلة كراهية أخيها لها، الذي لا ينفك في إبداء مقته لها، وبغضه لزيارتها. لقد كان حبّ أبناء أخيها لها يواسيها، ويسليها، وينسيها جفوته وشنفه وسوء مقابلته لها، ويستحث الحبّ نفسها على التجمل بالصبر والتجلد. لعل حرمانها من الأطفال رغم مضي تسعة أعوام على زواجها كان وراء حبها لاأبناء أخيها واعتبارهم كأبنائها. لقد كان من عادتها الشروع في تنظيف البيت وإعداد الطعام، وغسل الملابس فور وصولها إليهم.
بيد أنها لم تجد تفسيرا لتبدّل معاملته المفاجئة لها حالما ألَمَّ به المرض قبل عدة شهور، ولم تعرف سرّ انقلاب حبّ أخيها مفتاح لها إلى بغض شديد. ربما لعبت زوجته زهرية قبل وفاتها دوراً أساسياً في ذلك، إذ دفعت بِها الغيرة إلى السّعي إلى إفسادِ العلاقة الحميمة بينهما لَمّا رأت حبّه الشديد لأخته وتعلّقه بها وعطفه عليها. لقد كان مجرد ذكرها أمام زهرية يثير حفيظتها ويحرك نارَ الغيرة في صدرها حتى بلغ بِها الأمر أن صارت تستشيط غضباً لمجرد سماع اسمها أو أي شيء عنها.
لم يكن أبو صلاح يهتم بأمر غيرة زوجته من أخته، ولم يكن يصغي لشكواها منها. وما إن كانت تنتقدها في حضوره أو تذكرها بسوء حتى ينهرها بشدة ويغلظ لها القول.
استغل الشيطان تلك الظروف فوظفها لزرع بوادر الشقاق بين الزوجين بسبب ميله لأخته.
غير أن الأمور انقلبت رأسا على عقب بعد أن اشتكت زهرية لأختها سعاد إذ تبدلت، دون سابق إنذار، محبة أبي صلاح لأخته بُغضاً، ومودّته حقداً ومقتاً وقُربها بُعداً. وفي المقابل أصبح أبو صلاح يتقرّب إلى زوجته أكثر فأكثر، إذ صار يطيع أمرها، ويلبي طلاباتها، ولا يصبر على فراقها، وأمسى يسمح لها بانتقاد زكية ويؤيدها في قولها دون تحفظ.
لقد كان على استعداد لفعل أي شيء كي يحظى بحبّ امرأته، ومودّتها، ورضاها. وبذلك انتصرت إرادة أمّ صلاح، وكان لها ما أرادت.
والغريب في الأمر أن معاملته السيئة لأخته استمرت حتى بعد وفاة زوجته، ولم يتغير من الأمر شيء عدا أنّه سمح لها بزيارة بيته بإلحاح من أبنائه وبعد جلسات من النقاش وعلى كره منه...
قطع صلاح على عمته تفكيره وقال لها بصوت خافت، حين رآها شاردة الذهن:
لا تقلقي عليه يا عمتي، فهو بخير!
لقد شغلني مرضه كثيرا يا صلاح.
أسأل الله أن يثيبكِ على ما تفعلينه معنا يا عمتي. أرجو أن تعذريه، فهو كما تعلمين في حالة نفسية سيئة.
لا تنسَ يا بني، أنـّه أخي الوحيد. ولكن ألا ترى يا صلاح أنّ كراهيته لي بهذه الطريقة أمرٌ محيّر!! لا أدري لمَ تدهورت علاقته بي مع تدهور حالته الصحية؟!
هذا ما لا أفهمه، إذ أنني لا زلت أذكر كيف كان يقابلك عندما كنت تأتين لزيارتنا. لقد كنّا نلاحظ السرور في عينيه، لذلك كنا نستغل وجودك معنا لنطلب منه ما نشاء.
تنهدت بعمق ولوعة وجعلت تكفكف دموعها ثم قالت وهي تغالب عبرتها:
تلك أيام قد خلت يا بني! إن أكثر ما يضايقني هو إهاناته لي أمام زوجي!
تنهد صلاح بعمق ولاذ بالصمت وغرق في بحر أحزانه...
أردفت قائلة:
هل زاركم أحدٌ هذه الأيام يا صلاح؟
لا لَمْ يزرْنا أحدٌ سوى خالتي سعاد التي جاءت قبل أيام لتطمئن علينا، وأحضرت معها أدوية وأعشاباً لوالدي.
تغيّر لونُ وجه زكية حال سماع اسمها بيد أنها لاذت بالصمت. وأطلقت العنان للخواطر كي تجول في بالها.
كانت سعاد لا تزورهم إلاّ لماماً، ولم تكن تهتمّ بأمرهم كثيرا، حيث أنها كانت تأتي كضيفة، أو لأداء واجب ثقيل، كما أنها لم تكن تمكث عندهم إلا قليلا على الرّغم من الحفاوة الكبيرة التي كان يلقاها بها أبو صلاح إكراما لزوجته.
... انقلبت زكية إلى بيتها حزينة تفكّر تفكر في أمر الأدوية والأعشاب التي أحضرتها سعاد لأخيه.. أخذت تحدث نفسها: "أنا لا أثق بهذه المرأة التي تتردد كثيرا على الساحرة، ولا أفهم لماذا يفضلها أخي عليّ مع أن صيتُها السيئ قد ذاع بين الناس. وما لا أفهمه لِمَ أحضرت له تلك الأدوية؟ وما هي علاقتها به بعد وفاة أختها؟.. و..و... "
أوى صلاح إلى مضجعه بعد أن غادرت عمته البيت برفقة زوجها. وما إن وضع رأسه على الوسادة حتى انقضت عليه الهموم والهواجس من كل جانب، وجعلت تتناوشه الأحزان وتتقاذفه أمواج الأسى. طاف به خيال والده الذي ما فتئت حالته الصحية تزداد تدهوراً وسوءا كلّ يوم...
بيد أن ما كان يؤرقه ويحتل حيزا كبيرا من تفكيره هو أنه لم يدفع أجرة البيت وأنه لم يتبق له من المال ما يكفي لسداده. تذكر صاحب البيت، وغلظته، وكيف أنّه لا يقبل عذراً ولا اعتذاراً حين يحلّ وقت قطف الثمار، وآوان جمع المال على الرغم من ثرائه الفاحش إلا أن السيد شعبان لا يراعي أحدا.
لم تلبث أن تغيّرت موجة تفكيره وذهبت به إلى العمل الذي لم يعد في مقدوره أن يلتزم بمواعيده أو القيام به على أكمل وجه في ظل الظروف.