3

7 0 00

3

منامات نور

* * *

جاءت بديعة بعد موت نور إلى بيتنا، كانت ترتدى جلابية قطيفة سوداء وطرحة سوداء أيضًا،وكانت تبدو على وجهها سمات الحزن على زوجها، أمى قابلتها بالأحضان وقبلتها من هنا ومن هنا،وأبى عزاها فى زوجها وأخذ بخاطرها،وبديعة جلست مسهمة ونظراتها زائغة، وكانت تحمل فى يدها كيس نايلون ملفوف كذا لفة أخذت تفكه ببطء وأخرجت منه كراسة بجلدة خضراء ، وفرت الدمعة من عينها وقالت انها كانت تقلب فى حاجات نور بعد ما مات – الله يرحمة – فوجدت هذه الكراسة وأشياء أخرى ، وانها حين رأت خطه عليها انخطف قلبها فهى تعرفه رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب ، وأحست انه ترك هذه الكراسة لها وحدها ، فربما أراد أن يقول لها شيئًا انكسف يقوله فى حياته . مدت بديعة يدها بالكراسة لى كى أقراها لها ، وتنحنح أبى واستأذن من بديعة فى الانصراف ، كذلك فعلت أمى بذكاء وطيبة ، فربما كانت هناك بعض الأسرار لا يجب أن يعرفاها ، قالت بديعة وأشارت بيدها : تعالى هنا جنبى عشان أسمعك كويس . فجلست بجانبها ورائحتها القديمة لم أعد أشمها . على الغلاف الأخضر الخارجى كان هناك مربعًا كتب فيه : الأسم ، الفصل الدراسى ، العام ، تحت بعضه ، وفى الخلف كان جدول الضرب من واحد لمائة ، وفى أول صفحة كتب بالخط الجميل : منامات نور ابن عبد الرحمن لما تاب الله عليه ، وأخذت أقرأ بصوت عال وبديعة تسمع : أنا – وأعوذب بالله من كلمة أنا – نور ابن عبد الرحمن العرضحالجى بمحل عمله الكائن أمام قسم شرطة الجيزة على البحر ، أقول قولى هذا وأنا فى دار الحق ، وانتم فى دار الفناء ، عشت الحياة طولاً وعرضًا ، بحلوها ومرها ، سرقت وكذبت وعصيت فما الذى سوف آخذه فى النهاية سوى حفرة متر فى متر وقطعة قماش تستر عورتى أمام خالقى ، أقول لكم ما قاله شيخى ابن عروس لما تاب الله عليه :

حرامى وعاصى وكذاب

عاجز هزيل العطايا

وتبت ورجعت للباب

حيا جزيل العطايا

باب الحرام واسع لا أخر له ، وأنا مشيت فيه وتوغلت وما عدت اعرف كيف أرجع ، حتى أننى نسيت الأبواب الأخرى ، لكن لما ربك يريد يقول للشئ كن فيكون ، ورحمته واسعة ، فلما أراد لى الهداية ، أرسل لى علامات على هيئة منامات ، وأنا الذى كنت أفهمها وهى طائرة ، فهمت ووعيت الرسالة ، ومن يقرأ كتابى هذا فليتعظ ، وليأت بورقة وقلم ويكتب : سبحان الله وبحمده عشرة آلاف مرة ويوزعها على أمة المسلمين ، فإنه ناجح بإذن الله .

منام 1

فرأيت اننى داخل قاعة مظلمة ، فلا لها ضبة ، ولا مفتاح وكأنى فى بركة ماء لونها أسود ، من وقع فيها أكله تمساح ورأيت جمل المنايا نخ قدام بابنا وأخذنى على ظهره المشوم وراح

***

منام 2

رأيت نفسى جالسًا فى مكان واسع رحيب ،و إذا بكراسى صفت وجلس عليها أصحابها ، وقال كبيرهم : إهدموا هذا البيت . وأشار إلى بيتى . فرفع أحدهم النبوت وأراد وضعه تحت أساس البيت ، فتعلقت بنبوته وصرخت : لأى شئ تريد هدم بيتى . فلما رآنى تعلقت بنبوته هتف : يا دايم . ودفعنى بنبوته فغبت عن الوجود مدة ساعة . وحين افقت ، وجدت نفسى فى واد ليس به صريخ ابن يومين ، فمشيت فيه حتى انتهيت إلى شجرة عالية خضراء مورقة ، فصعدت فوقها وجلست مستخبى بين الفروع ، وإذا بى اجد رجلاً لا أدرى من أين جاء ، وأخذ يكنس تحت الشجرة ويرش الماء ، ثم اخذ بعد ذلك أحجارًا من الأرض وصار يصفهم على هيئة كراسى فصارت مثل الديوان ، ثم نادى قائلاً : بسم الله تفضلوا ، فالمكان خال . وما ان انتهى من كلامه حتى أقبلت رجال كثيرون ، وجلس كل واحد منهم على حجر من تلك الأحجار ، ثم بعد ذلك جاء رجل جليل القدر والمقام وعليه مهابة ، فنهضوا جميعًا وسلموا عليه بأدب ، وعرفت أن هؤلاء الرجال جميعًا من أولياء الله ، وذلك من أسمائهم التى ناداهم بها الشيخ الجليل والذى لم يكن سوى القطب الكبير سيدى أحمد البدوى رضوان الله عليه ، كان بينه وبينى عمار فى الله ، وكنت كلما ضاقت بى الحال وانغمست فى الشقاوة والحرام أذهب إليه فى مقامة المعروف بطنطا ، فكنت فى اليوم الذى أريد الذهاب إليه ، أصحو مبكرًا على غير عادتى ، وأخذ حمامًا حتى أصبح فى حضرته طاهرًا ، وحين أصل المدينة ، أتجه مباشرة إلى ساحة مسجده فأجلس على قهوة فى مواجهة المسجد ، أشق ريقى وأشرب الشاى مع شيشة تفاحة ، حتى إذا ما انتهيت من كل ذلك أخش المسجد وأتوجه مباشرة إلى ضريح مولانا حيث أجلس بالقرب منه وأبدأ بقراءة الفاتحة لأمواتنا وأموات المسلمين ثم آخذ فى مناجا ة القطب الغوث ، فلا أشعر إلا ونفسى المكروش هدأ ونفسى تنزاح عنها الهموم والغموم وكأنى اغتسلت فى بحر حنانه وعطفه ، تلك كانت علاقتى به ، فلما رأيته فرحت واستبشرت خيرًا ، وجلس على أكبر الحجارة والتفت إلى أحد الواقفين وقال له : يا جوهرى سمعنا الفاتحة فى صحايفنا وصحايف أولادنا واخواننا واعمامنا وتوابعنا والآخذين عنهم وعنا بسم الله الرحمن الرحيم .ثم قرأ الفاتحة وقرأها جميع الحاضرين بصحبته . وبعد ذلك قال : يا جوهرى مد قدامنا بساط الطريق . فقال له سمعًا وطاعة . ثم ان النقيب قام على قدميه وقرأ الفاتحة وقال الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ، اعلموا أيها الحاضرين الناظرين السامعين أن هذا القطب الذى قربه الله واصطفاه هو سيدى أحمد البدوى أمرنى بفتح بساط الطريق بين أيدكم ، وها هو مفتوح وعليه الأنوار تلوح لمن يأت ولمن يروح ، لمن له حق ولا يصل إليه ، أو له جار وجار عليه ، فاسمعوا ما أقوله من الخطاب ، من كان له خطاب فليحضر إلى هذا الباب أمام سيدى أحمد وبحضرة جميع الأقطاب ليأخذ له حقه من خصمه بالعدل والأنصاف ، لا ظلم اليوم ، فلا أفلح من ظلم ا ن الله سريع الحساب . فما ان اتم النقيب كلامه ، وإذا بيد أمتدت فكأنها رقبة جمل وأمسكتنى من وسطى ورفعتنى من على الشجرة ، وقدام سيدى أحمد البدوى وضعتنى ، وكانت هذه اليد للنقيب المسمى بالجوهرى الذى قرأ الفاتحة وقال : أنا مدحت النبى والأصحاب وفتحت بساط الطريق ، وناديت على من كان صاحب دعوة أو له حق فظهر لى هذا الرجل فوق الشجرة فما تقول فيه .

فقال شيخ العرب : هاته عندى . فلما وقفت بين يديه كنت أرتعد خوفًا ومهابة لهؤلاء الرجال . فتبسم لى سيدى أحمد البدوى وطبطب على ظهرى فسكنت الرعدة وثبت فؤادى فى التو واللحظة ثم قال لى : كفاك شقاوة يا نور ، أنت من الآن محسوبنا بأذن الله . والتفت إلى رجاله وهتف : إقرأوا الفاتحة لأخيكم بالهداية . ثم قال : يا جوهرى خذ بيده وادخله البستان المعلوم . فأخذنى من يدى وسار بى قليلا فإذا بنا على باب بستان فدخلنا فوالله ما ان ولجنا من الباب حتى شممت رائحة من أجمل ما يكون ورأيت منظرًا كأنه الجنة فوقف بى عند شجرة نبق وقال لى : مد يدك خذ ما هو مقسوم لك . فمددت يدى وقطفت سبع حبات فكان طعمهم أمر من الصبر ، وقطفت سبع حبات أخرى فكان طعمهم أشد مرارة من الحبات الأولى ، وصرت أقطف وآكل والمرارة تزداد ونفسى اشمأذت والنقيب يرقبنى ويحثنى على قطف المزيد حتى قطفت سبعة وعشرين حبة دون أن أجد حبة واحدة حلوة ، فنظرت إليه وقلت كفى فقد عافت نفسى هذا النبق ، فتبسم فى وجهى وقال : خذ ما قسم لك ، فمددت يدى وقطفت واحدة كانت الأقرب إلى أصابعى فكانت رائحتها كالعنبر ولم أزق فى حياتى أحلى ولا أشهى منها . عند ذلك أخذنى من يدى ورجع إلى سيدى أحمد البدوى الذى قال لى : هل أكلت من الشجرة ؟ قلت : نعم قال صف لى ما أكلته فوصفت له طعم السبعة والعشرين حبه ، والحبة الأخيرة التى كانت حلاوتها زائدة . فقال سوف أنبئك بتأويل ما أكلت : فأما الحبات السبعة والعشرين التى أمر من الصبر فهى سنين حياتك الماضية ، وأما الحبة التى حلاوتها زائدة فهى أيامك القادمة ، ثم انه ضمنى إلى صدره وتركنى فصحوت من النوم .

يقول الراجى عفو ربه نور ابن عبد الرحمن : هذا ما رأيته فى مناماتى وأنا أعلم تأويله ، فهو ليس كما قال شيخى ومولاى سيدى أحمد البدوى ، إنما الحبة زائدة الحلاوة هى ما تبقى لى من الدنيا ، والموت قادم لا محالة ، هو أقرب إلى من لحظة نفس خارجة أو داخلة ، لذا فقد اخذت سكة السلامة بعد سكة الحسرة والندامة لعلى أفوز برضا المولى عز وجل ، أقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم ، وعزائى أن كل حى إلى زوال وموت ، إلاّ الحى الذى لا يموت ، صاحب الملك والملكوت .

***