الفصل الرابع

6 0 00

الفصل الرابع

لا تكن قاسيا!

ظلت كولين جالسة في مكانها فترة طويلة ، بعد أن خرج جوليانو. و نظرت إلى الساعة التي رماها لها. كانت ساعة ثمينة ، كما لاحظت دون كثير من الأهتمام، و لكنها كانت تقول لها إن أمامها أقل من ساعة لتقرر إذا كانت ستنضم إليه على المائدة هذه الليلة .

كانت تعلم لماذا يريد أن يجبرها على تناول الطعام ، فلن يكون لديها الطاقة اللازمة كي تختبر "العمل الشريف".. إنها لا تشعر بالجوع فعلا ، و ليس لديها شهية ، و هذا واقع واضح . و لكن هذا المستبد المكسيكي المتغطرس لن يتقبل هذا.

و تذكرت نظرته إليها عندما كانت تستيقظ ، و لكنها لم ترغب في أن تتذكر أنه لم يكن هناك قسوة في عينيه ، بل شيء قريب من الدفء. الدفء! وضحكت.. هذا مستحيل .

و مع ذلك فقد كانت هناك فكرة تقول لها إنه يستطيع أن يحادثها دون أن يحاول إهانتها .

و كأنما استيقظت فعلا الآن... فنزلت عن السرير و ذهبت لتنظر خارج النافذة . و تأملت طويلا شجرة الخوخ التي تنمو خارج غرفتها تماما. ثم تحركت نحو خزانتها ، و هي تشعر بكراهية أكثر له، سوف تتناول العشاء معه ، إذ يبدو أنها مجبرة . إذا كان يظن بأنه سيتنعم طويلا مفكرا أنه هزمها ، فعليه أن يفكر ثانية!

عند الثامنة تماما ، حسب ساعة جوليانو التي في معصمها ، تركت الغرفة . واثقة أن فستانها الطويل دون أكمام يناسبها تماما ، فقد أخبرتها المرآة بهذا.

و توقعت أن تشاهد رفيقها لا يزال غاضبا كما رأته آخر مرة ، و لكنها أخفت دهشتها عندما حياها بإيجابية أكبر .

-هل ترغبين في شراب قبل الطعام يا كولين ؟

إذا.. لقد عادت "كولين" ثانية ، و خلعت الساعة و أعطتها له :

-لا.. شكرا سنيور .

-اسمحي لي إذا أن أرافقك إلى غرفة الطعام . تينا تنتظر أن تقدم العشاء .

كان وجه تينا دون ابتسام عندما صبت لها الحساء في طبقها . و لم تكن كولين تنتظر أن تبتسم لها ، و لكن على الأقل أن تبتسم لمخدومها ، و هذا ما لم تفعله .

و رغم أنها لم تكن تشعر بالجوع ، فقد رفعت ملعقة من الحساء إلى فمها . و كان الحساء لذيذا . و تناولت ملعقة أخرى ، ُثم دخلت تينا ثانية و معها طبق نسيت وضعه على المائدة ، و سمعت جوليانو يقول لها شيئا بالإسبانية،

و أحست أن شهيتها قد غادرتها بعد أن شاهدت تينا تبتسم و هي ترد عليه . فوقعت الملعقة من يدها.

-ألم يعجبك الحساء ؟

إن له عينا صقر تراقبانها! و ردت عليه بأدب:

-الحساء لذيذ .

-لماذا لا تتناولينه كله إذا ؟

-لأن شهيتي للأكل ضعيفة ، لقد قلت لك هذا . أظن أن علي ترك مجال لما سيتبع الحساء .

ما تبعه كان أشهى لحم مشوي "ستيك" عرفته، قدمت معه السلطة . فقالت قبل أن تستطيع التراجع :

-لقد كنت أظن أن الطعام المكسيكي يقدم عادة مع الكثير من الفلفل الحار.

-و أنا ظننت أن الأفضل لك أن تأكلي الطعام الذي تعودت عليه ، طالما شهيتك بحاجة لتشجيع.

-و هل جعلت تينا تحضر وجبة إنكليزية خاصة لي ؟

-كانت مسرورة لهذا. و لقد هنأتها على الحساء على الطريقة الإنكليزية .

إذا لهذا ابتسمت له تينا ، فكل موظف يحب أن يمدحه رب عمله على عمله الجيد . لكنها يجب أن تنتظر طويلا قبل أن يمدح عملها .

بالطبع هي ليست بحاجة لمديحه.. و لاحظت أنه يراقب عدم تحرك السكين و الشوكة في يديها، فقطعت قطعة صغيرة من اللحم . لقد تعبت تينا كي تحضر هذا الطعام الخاص ، لذا ، و من أجلها ، وضعت قطعة اللحم في فمها.

-أخبريني شيئا عن حياتك في إنكلترا يا كولين .

كانت تتوقع وجبة طعام دون كلام ، فأدهشها سؤاله و لكنها أجابت بأدب :

-ليس هناك الكثير لأقول لك سينور.

-إذا أخبريني عن القليل الموجود، و ناديني جوليانو بالمناسبة .

لقد قلت إنك لم تكوني تعملين في إنكلترا؟

-آه.. لا..

كانت لا تزال مستغربة لتنازله من عليائه و طلبه منها أن تناديه باسمه الأول ، و خاصة أن باقي عماله يدعونه "السنيور".

-حسنا.. أنا..

و سعلت . و تملكها الرعب من أنها سوف تستغرق في إحدى نوباتها حتى تدمع عيناها و تنقطع أنفاسها . و لكن هذا لم يحدث ، و ابتسمت له بارتياح:

-لقد عشت في منزل كبير للغاية مع والدي .

و لم تعد تبتسم ، إذ أنها لم تتذكر فقط كم كان والدها مثيرا للمشاكل معها . بل أيضا كيف أنها و هي في الثالثة و العشرين قد اختصرت كل حياتها بهذه الكلمات القليلة .

لقد عاشت في ذلك المنزل الذي يشبه القبر الضخم مع والدها ، و هذا كان كل حياتها و وجودها و أخرجها سؤال جوليانو التالي من أفكارها البائسة :

-ألم يكن لديك أم ؟

-لا.. لقد توفيت و أنا في السابعة.

-و هل سيكون والدك وحيدا دونك ؟

بوجود آغي باركر أو بدونها ، فهو لن يشعر أبدا بالوحدة. و لن يكون أكثر سعادة لو علم أنها أختفت عن وجه الأرض. لن يفتقدها أحد.

-سوف يتزوج ثانية عن قريب.

-أوه.. لهذا إذا قررت ترك إنكلترا.. فأنت لم تحبي زوجته المستقبلية.. أنت تغارين منها.

أغار منها! كم هو مخطئ ، فوصول آغي باركر أتاح لها فرصة الخلاص . إنها لا تحبها ، و لكن ليس بدافع الغيرة ، و ستكون دائما ممتنة لها ،

فبسببها حصلت على حريتها... و تطلعت بالرجل الذي كان يتفرس بها و منعت ضحكة هستيرية من الأنطلاق... أية حرية هذه! فعندما تكون تذيب أصابعها حتى العظام في العمل لهذا المستبد ، فهي مازالت عبدة له كما كانت لوالدها.

-ظننت بأنك اتخذت قرارا حول سبب مغادرتي إنكلترا ، و لا تقل لي إنك غيرت رأيك و اقتنعت الآن أنني لم أجئ إلى هنا لأنشب مخالبي فيما قد أستطيع الحصول عليه؟

و أحست فجأة بأنها اكتفت ، و غادرتها شهيتها ، فوقفت .

-و لكنك لم تنهِ طعامك بعد.

و وقف بدوره . و طوله الفارع يغطي عليها و هو يمنعها من الخروج ، القسوة في عينيه ذكرتها بإيزابيلا و كيف هجرها شقيقها المخادع ، و نظر إلى قطعة اللحم التي لم تنهها بعد ثم عاود النظر إليها ، فقالت بعناد :

-لقد أكلت كل ما أستطيعه.

و علمت بأنه سيجرها لتعاود الجلوس إذا لم تفعل بنفسها .

-إذا تناولت المزيد سوف أحس بالغثيان .

و اختفت قسوته فورا. و مد يده ليمسك بذراعها و يسندها قائلا:

-و هل أنت مريضة ؟ لقد فكرت من قبل بشحوبك...

و ردت عليه بجفاء:

-لم أشعر بأنني أفضل حالا في حياتي . و لكنني سأشعر أفضل بعشر مرات لو تركت ذراعي و سمحت لي بالذهاب إلى غرفتي .

و هي تتكلم كانت تفكر أن ليس هناك أمل بأن يفعل ماطلبت منه لذا ، و عندما ترك ذراعها ، وقفت دون حراك . بينما أخذت عيناه الزرقاوان تتفحصان شحوب وجهها.

-لا يبدو عليك...

-ليلة سعيدة يا سنيور.

و لم ترغب في البقاء لحظة أخرى لتسمع ما سيقول حتى لا يغير رأيه . و تجاوزته لتخرج ، فناداها:

-كولين!

و توقفت عند السلم ، و أبقت ظهرها إليه حتى لا يرى عينيها المبللتين بالدموع، فتابع:

-سنخرج في وقت متأخر غدا صباحا.

و أخذت تفكر و هي مستلقية في الفراش ، من أين ستجد القوة اللازمة لتعلق الستائر في الغد.

و أيقظتها نوبة سعال في الليل ، و تركتها مقطوعة النفس تشهق ، يجب أن يكون سعالها قد تلاشى الآن و لكن بما أنها منزوية لوحدها داخل ذلك المنزل فهي لم تتعرض كثيرا للشمس التي أمرها الطبيب أن تعرض نفسها لها.

و أرهقها السعال ، فاستلقت ثانية ، و بدأت على الفور بالسعال من جديد و أحست بالتعب ، فجلست في الفراش و هي مبللة بالعرق.

فرفعت الأغطية عنها ، و قد شعرت بحاجة ملحة لبعض عصير الليمون الساخن ، فهذا أوقف السعال من قبل ، سوف تنظف كل شيء من ورائها و لن تحس تينا بأنها كانت في المطبخ . و استندت إلى باب غرفتها محاولة إيقاف السعال قبل أن تفتحه.

و غطت فمها بيدها ، و ذهبت إلى المطبخ حيث أضاءت النور و أغلقت الباب ، و لكن قبل أن تبحث عن الليمون جلست قليلا،

و أحست بالتعب و الإرهاق، و بالسرور لأن أحدا لا يراها و هي على هذا الحال. كرامتها تطالبها بأن لايعرف جوليانو أي شيء عن هذا ، فسيقول بأنها تسببت به لنفسها لأنها لا تأكل جيدا ، و شعرت برأسها يدور.

و أجبرت نفسها على ترك الكرسي ، فهي بحاجة إلى قدر ما تستطيع من النوم كي تكون مستعدة لعمل الغد ، و لكنها لم تبتعد سوى خطوات عندما فتح الباب وراءها فالتفتت بسرعة .

و من خلال نظرها الغائم رأت الرجل الذي لم ترد أن يعرف ما يحدث لها ليلا ، و لكن كلمة "يا إلّهي" التي خرجت منه بعد أن رآها أعطتها فكرة بأنه لم يكن سعيدا بما رآه.

و بدأت تترنح ، و وجدت راحة كبيرة عندما ، و بخطوة واسعة ، و صل إليها و أمسك بها ، و تعلقت به بضعف ، و أسندت جسدها عليه إلى أن أحست أن الدنيا من حولها تعود لطبيعتها، و علمت بأنها لم تعد مهددة بالإغماء فحاولت التحرك ، و لكنها لم تستطع ، فبقيت متعلقة به و نسيت أنها لا تريده أن يعرف حالتها.

-لقد.. أتيت إلى هنا.. لأحصل على... بعض الليموناضة... الساخنة.. السعال لا يتوقف...

و تعلثمت بآخر كلمة قالتها ، و انهارت ثانية، و عادت تسعل السعال القاسي الجاف.. و كان جسدها مليئا بالعرق ، حتى أن ملابسها أصبحت مبللة ، ثم تحرك الكتف الذي عادت للاتكاء عليه ، و أبعدها قليلا لينظر إلى وجهها المجهد ، و فيما هي تقول له:

"أنا آسفة" لاحظت أن لا قساوة في وجهه

و ظنت كولين أنها تهذي عندما شاهدت فمه يتحرك و كأنه يبتسم.. هل يبتسم لها؟ ثم بدأت يداه القويتان تحركانها نحو الكرسي ، و قال لها:

-اجلسي هنا قليلا يا كولين.

كان صوته ناعما ، رقيقا لطيفا جدا حتى أنها ظنت بأنها تحلم، فهو لم يكلمها أبدا بمثل هذه الطريقة من قبل . و جلست حيث قال.

لأنها بكل بساطة لم تكن تملك القوة الكافية لفعل شيء آخر .

و راقبت الطريقة الفعالة التي تعامل بها مع الليمون و السكر و الماء ، ثم وضعها في وعاء فوق النار، و مع أنها كانت تحس بالدوار فقد كانت أكيدة أنها لا تتخيل أن هذا المستبد يحضر لها شراب الليمون الساخن الذي تحتاجه. و قال لها مبتسما :

-لن أتأخر عليك.

و تركها و خرج ، و لم يتأخر ، و لكن عندما عاد كان السعال قد تملكها ثانية، و لم يضع أي وقت في فحص حرارة محتويات الوعاء على النار، أو في صبه في كوب و إعطاءه لها:

-أشربيه على مهل .

و أحست بالراحة فورا. و كان مريحا جدا لحنجرتها المجروحة ، فهمست :

-شكرا لك.. أنا بخير الآن ، و لكن هل لي أن آخذ بعضا من الشراب معي إلى الغرفة ؟

-سأضعه لك في ابريق.

-لا داعي لذلك.

و كل ما حصلت عليه من رد كان ابتسامة ، و ظنت أنه لن يحضر الابريق لها، فحاولت صب كوب آخر لتأخذه معها ، فقال لها بسرعة:

-اتركيه يا كولين.. سوف أجلبه إلى غرفتك.

و كانت بحاجة لكل قواها كي تصعد السلم ، فوقفت و ساقاها ضعيفتان ، فقال:

-هل أنت مستعدة للعودة إلى فراشك ؟

-نعم.. شكرا لك يا جوليانو.

و لكنها ما إن خطت خطوتين على السلم حتى شعرت بأن ذراعيه أصبحا حولها ، و لم تدرك إلا و قد حملها إلى فراشها ، و قال لها بلهجة ناعمة :

-أعتقد أن هذه الطريقة أسرع.

و أحست بالارتباك ، ربما المرض يظهر أفضل ما لدى الرجل .

مع أنها ليست مريضة، بل تشعر بالانزعاج من السعال الذي يستغرق وقتا طويلا ليتركها ، و كانت تشعر بالدوار و هو يفتح الباب ، و رأسها مرتاح إلى صدره و وضعها بكل لطف في فراشها و سألها:

-هل تستطيعين تدبير أمرك لوحدك ؟

-أوه.. أجل.. أنا أفضل بكثير الآن .

و لأنه أصبح جوليانو إنريكو جديد أمامها ، شخص يبتسم لها ، فقد ذاب كل تحفظها التقليدي . و ابتسمت له بدورها.

-سأذهب الآن لأحضر لك الليموناضة .

كانت تفكر بأنها ستنتظر عودته ، ثم خروجه من جديد ، كي تغير ثوب نومها المبلل بآخر جاف ، عندما شاهدت أنوار سيارة تصل و تنعكس على نافذتها ، و تساءلت من يكون هذا الزائر الليلي يا ترى ؟ أم أنها تتخيل هذا كما تخيلت سرور جوليانو عندما نادته باسمه الأول ؟

و عندما عاد جوليانو و في يده كوب الليمون ، لم يكن لوحده ، و أوضح لها قائلا :

-هذا صديقي الدكتور بريغادينو.

-دكتور ؟ و لكنني لا...

-لست بحاجة لدكتور.. لقد اكتشفت فيك يا كولين شادو ، التصميم على عدم الاستسلام . و اسمحي لي ، بما أنني الرجل الذي سيكون مسؤولا عنك خلال إقامتك في بلادي ، أن أعرف ما هو الأفضل لك .

و لم يكن هناك مجال للجدال مع لهجته هذه . و تقدم الدكتور من فراشها ليفحصها ، و لكن جوليانو استرعى انتباهها عندما قال :

-سأحضر تينا .

و صرخت "لا..!" ، و تركز انتباه الرجلين عليها .

-و لكن راوول سيفحصك .

-لقد سببت مايكفي من إزعاج ، أولا أخرجتك من فراشك ، ثم في منتصف الليل الدكتور بريغادينو . و لن أقبل أن أزعج نوم تينا .

-لا خيار لك في الأمر ، إلا إذا قبلت أن أبقى كي أساعدك في خلع ملابسك .

فصرخت بحدة و قد أجفلت للفكرة "لا!" و عادت النظرة الناعمة إليه و هو يبتسم و غادر الغرفة لإيقاظ تينا .

و جلس الطبيب إلى جانب السرير ، و سألها بإنكليزية جيدة حول كل المعلومات التي يريد أن يعرفها عن مرضها ، و دخلت تينا مسرعة إلى الغرفة.

و بدت كل هذه الجلبة على شيء لا يذكر . ففي غضون دقائق كان الطبيب قد فحصها ، و ساعدتها تينا في تغيير ملابسها.. كل ما بها سعال لا يريد أن ينتهي . و تمنت لو يتركونها بسلام ، فهي تعبة و يمكن لها أن تنام لفترة طويلة.

و ما إن غادر الدكتور و تينا الغرفة حتى غرقت بالنوم . و لم تعلم بأن جوليانو أمضى دقائق طويلة يتحدث إلى الطبيب ، و لم تعلم أيضا أنه عاد للدخول إلى غرفتها و وقف يتأمل بوجهها الشاحب ، و شعرها الأشقر المتموج المنتشر على الوسادة ، ثم أطفأ المصباح الصغير بجانب السرير ، و خرج .

و بدا لها كل شيء كالحلم عندما استيقظت في الصباح التالي .

و لم تكن متأكدة أن ما حدث ليس حلما . إلى أن نظرت إلى ما كانت ترتديه مرميا على الأرض ، و شاهدت ابريق الليموناضة . فهل حقا نادت جوليانو إنريكو باسمه الأول ؟

تحت ماء الدوش تمنت لو أنها تعرف كم الساعة الآن . و أحست بالانزعاج لأنه سيشرف اليوم على عملها . و تذكرت الطريقة القاسية التي نظر بها إليها عندما رفضت ازعاج تينا من نومها . لابد أنه سيكون غاضبا جدا إذا لم تسرع في التحرك في عملها .

عندما خرجت من الحمام و جدت جوليانو في غرفتها . كان يقف مستندا إلى طاولة الزينة ، و عيناه تراقبانها . فقالت قبل أن يقول لها أية كلمة قد لا تحب سماعها :

-لقد تأخرت.. أعرف هذا.. و أنت تعلم أن ساعتي...

-و ماذا تريدين أن تفعلي بحق الجحيم ؟

-أنا مستعدة للذهاب إلى العمل.. لم تكن بحاجة لأن تحضر لتأخذني.. كنت على وشك...

-و هل أنا ظالم إلى هذا الحد ؟

و تذكرت ليلة أمس ، لطفه ، الطريقة التي حملها بها إلى غرفتها ، و الطريقة اللطيفة التي وضعها بها في الفراش . و شعرت بالضعف ، و لكن لا يمكن أن تسمح لنفسها أن تضعف أمامه .

-في الحقيقة أجل.. أنت ظالم.. و إذا سمحت أخرج من الغرفة لأستعد للذهاب...

-المكان الوحيد الذي ستذهبين إليه يا كولين الصغيرة هو إلى الفراش.

كم تبدو هذه الفكرة رائعة! و أرادت بكل يأس أن تستسلم لها ثم فكرت بأنها لن تتمكن بهذه الطريقة من الهرب من تحت سقف منزل هذا الرجل.. فصاحت:

-ماذا... و أعطيك الفرصة لتقول بأنني ادعيت المرض بقصد أبقى هنا ؟ لا.. هذا مستحيل!

-لم أكن أعلم عندها أنك مريضة . لماذا لم تقولي لي ؟

-يا إلّهي.. إنها مجرد انفلونزا.

-و لكنك التقطت جرثومة قوية بشكل خاص... و هذا ما عرفه راوول بريغادينو من وصفي له لطريقة سعالك ، و مما قلتيه له.

-لا شيء في صحتي لا يمكن لقليل من الشمس شفاؤه ، طبيبي في إنكلترا قال لي.. و لذلك...

-و هكذا لقد أتيت إلى المكان المناسب دون شك . و بما أن قدميك ترتجفان ، فمن الأفضل أن أضعك في الفراش .

-لن أفعل هذا...

و أحست أنها على وشك الأنهيار ، فتقدم منها و كأنه يحاول إقناعها و لكنه أمسك بذراعها ، و كأنما يريد أن يهزها بعنف فقالت :

-لا تكن قاسيا معي!

كانت تشعر بأنها على وشك البكاء ثانية ، و خافت أن لا تستطيع منع دموعها فيما لو هزمها ، و أجابها بصوت هادئ :

-أنا لا أنوي أن أكون قاسيا معك .

ثم جذبها لتجلس على السرير ، و جلس بقربها مضيفا :

-راوول قال لي إنك بحاجة لراحة تامة... فاستسلمي يا كولين ، أنت تعرفين جيدا أنك لا تصلحين للعمل .

و أرادت أن تجادله ، و أدرك أنها لن تعترف بالهزيمة . ثم رأت الابتسامة على وجهه من جديد ، و قال :

-استسلمي ، أنت تعرفين أنني لن أصطحبك إلى ذلك المنزل ثانية.. هل ستجعليني أعترف بأنني كنت قذرا معك لأنك لم تنجزي العمل الذي أردت أن أراه ، في وقت كنت فيه مريضة أمس و قبل الأمس .

-و لكنني لست...

-ألست مريضة يا كولين ؟

-بلى...

و ابتلعت ريقها ، و قد سحرتها فتنته . عندها ، و بكل لطف ، أخذها بين ذراعيه معانقا ، فاستسلمت ، دون أن يكون في ذهنها أي تفكير بالتراجع .

و ارتفعت حرارة جسدها حتى ظنت بأنها ستحترق ، و تعالى اللون الأحمر إلى وجهها بحيث أنه لا يمكن أن يراه حتى و لو كان قصير النظر .

و عاودتها كراهيتها له ، و هي تسمعه يضحك للمرة الأولى . ثم توقف عن ضحكه و قال مداعبا:

-كولين شادو... لقد تملكك الخجل! لماذا ؟ أعتقد أنني أول رجل خارج مهنة الطب يلامس جسدك!

و ازداد لونها احمرارا من الخجل ، مضافا إليه شعور بأنه يعتقد أنها من الطراز القديم ، ثم قال و كأنه يؤكد ظنه بأنها لم تكتمل أنوثتها:

-هيا الآن يا طفلتي.. استلقي في الفراش.. تينا تنتظر لتحضر لك البيض المسلوق و الخبز المحمص على الطريقة الإنكليزية.

******************