- 4 -

8 0 00

- 4 -

سمية من المعجبات بأبي قيس. جارة، خارجة داخلة إلى بيته كل يوم. يجب أن يبتكر وضعا يغطي ترددها على بيته. لذلك ألبس قيسا ملابس جديدة، وأعلن: قيس لبنت

سمية! أصبحت سمية حرة.. حقها أن تطمئن على "عريس" بنتها المقبل!

عادة معروفة، لكنها ليست وعدا قاطعا: ابن فلان لبنت فلان. إذا ولدت بنت كانت لابن فلان! ملأ بيت أبي قيس بريق عيني سمية، صوتها المغني، ولونها الأبيض.

لماذا سترت أم قيس ذلك الهوى؟ كانت تراه نزوة لاخطر منها لأن كلا منهما لن يهجر أسرته؟ لكن ماهو الحب الذي يفقد أبا قيس الصبر ليغزل لسمية طريقا إلى

بيته، وهو يحفظ لامرأته أن تبقى زوجته الوحيدة؟

الحب؟ كان في أغاني أسمهان وعبد الوهاب ولور دكاش! نور القلب وضوء العين! الإنسان دونه كالوردة التي لاتراها عين، كالجرة الفارغة من الماء، كالعقد الذي

لايزين عنقا! كيف سيكون الحب لقيس؟ ينظر إلى الأشجار والمدى والسماء ويتساءل عن الحب الذي سيلقاه! أيها الساعي إلى الحب ستجده على عرض حياتك، وستجد

فيه الجنون والشقاء! الحب؟ بحر يمكن أن تغرق فيه فتفقده! هل سترشف الحب كالذواقة متمهلا، أم ستكثر منه حتى تشك فيه، وحتى تطلب مايحرضك عليه؟

كانت صبحية العرّابة في الثامنة. تجلس قرب أمها بجانب التنور، تلعب بقطعة من العجين وتتعلم كيف تخبز الخبز. تشكل من العجين لعبة. رجلا ستحبه؟ طفلا ستنجبه؟

ستحب ذات يوم شابا من شباب البلد تصادفه في طريق العين أو عند موقف الباص الذي ينزل من البلد! سيكون شابا وسيما تخبز له الخبز، وتنجب له الأولاد.

كيف؟ متى؟ تنظر إلى المدى خلف الفرن وتقول: الله يعلم!

كان قيس يسكن بيتا سياج حاكورته من الصبار. وياللصبار! يتفتح زهره الأصفر فيزين السياج. يخضر ثمره، ثم يتورد فينتظر الفتيان قطافه بإذن صاحب البستان

ودون إذنه! قالت له صبحية قرب باب البستان: اقطع لي صبارا! قال لها: أعطيك ملء الصحن إذا..! سألته: ماذا إذا؟ قال: إذا أحببتني! لم ترتعش. نظرت برهة

واحدة فقط إلى الأرض. تفاوضا كما يتفاوض طفلان يلعب أحدهما مع الآخر. كم مرة تفاوضا قبل ذلك؟ اعطني الدحلة الزرقاء! إذا أعطيتك الدحلة ماذا تعطيني؟

أعطيك "كرديلة"! أي "كرديلة"؟ التي فيها الرجل الذي يرفع السيف! لا! أريد التي فيها المرأة ذات الشعر الأشقر! قبلت صبحية العرّابة الشرط. دخلت معه

إلى "الحاكورة"، قطع لها الصبار، غامر بيديه، علق الشوك بقميصه، وتحمل وخزه حتى انصرفت صبحية. ملأ قيس الصحن بالثمار. كانت صبحية تقف حاملة له الصحن.

عندما امتلأ وضعته على الأرض. قبّلته على خديه بسرعة وركضت. تركته سعيدا وانصرفت بصحن الصبار سعيدة. بصحن الصبار؟ بالحب! أصبح الصبار فاكهتها المحبوبة.

تأتي حاملة صحنا وتقف قرب قيس. يسألها: تريدين صبارا؟ فتهز رأسها موافقة. والصبار لايعني الصبار. أكان قيس يحتاج إلى عقود من الزمن كي يتذوق نضارة

تلك الأيام؟

في صفورية الجديدة التي بنيت على مطل صفورية القديمة، لاصبار على سياج بيت قيس. لكن للبيت شرفة تطل على طريق العين. تمر البنات بها حاملات جرارهن. تفرج

عليهن. ميز جرة كل واحدة، حفظ مشيتها، وقفتها، ضحكتها، جرس صوتها. استحلى منهن قريبته غزالة. صار يعرفها أكثر من صاحباتها. كانت في مثل عمره. وربما

في التاسعة من العمر.

في تلك الأيام كان قيس كالناس مفتونا بأسمهان. تبكيه أغنية "ليت للبرّاق عينا" كأنما في أعماق قلبه آبار سرية للحزن فتحتها الأغنية! لماذا يلمسك، ياقيس

المدلل، الأسى أكثر من الفرح؟ ألأنك تستشف الحياة التي سترمي نفسك فيها؟ أم لأن الحزن أكثر رسوخا في الدنيا من الفرح حتى اليوم؟ لأن في الهواء الذي

تتنفسه قهر عريق كجبال هذه البلاد، كأنقاض حضارتها المنثورة في الحجارة والرمال؟ هل ورثت الحزن فتسرب إليك في الدم من المدن المحروقة قبل عصرك والتي

ستحرق في زمنك؟ من القتلى الذين كانت تكوّم رؤوسهم أبراجا عند بوابات المدن؟ من الرؤوس المقطوعة التي كانت ترسل كالهدايا من بلد إلى بلد، دليلا إلى

أن الانتقام حدث والحكم نفذ، أو تملقا من محكوم لحاكم فظّ؟ من المصلوبين على أسوار المدن؟ من السبايا اللواتي كن يوطأن في عجل قبل أن تدفع فديتهن

أو قبل أن يوزعن على المنتصرين توزيعا آخر؟ من أغاني الجواري الحزينات على السيد المحبوب المقتول، الراغبات عن القاتل الوارث؟ أم هذا الحزن الذي لاسبب

له صدى من أحزانك المقبلة؟

أخرج قيس الغرامافون إلى الشرفة. لكنه لم يضع كوانة "ليت للبراق عينا". بل اختار "اسقنيها بأبي أنت وأمي" ووجه بوق الغرامافون إلى طريق العين. صدحت

أسمهان: "املأ الكاس ابتساما وغراما". وصل صوتها إلى البنات عند النبع في جو لاصوت فيه إلا صوت العصافير. التفتن ولاحظ أنهن أبطأن. نظر إلى غزالة!

هل تتبين غزالة أنه ينظر إليها، وأنها المقصودة بالأغنية؟ أيمكن أن تظن كل واحدة أنها المقصودة؟ لا، عرفت غزالة أنه ينظر إليها، أنه وجّه بوق الغرامافون

نحوها، وأنها هي التي يتمنى أن تملأ له الكأس. وضاع قيس في الالتباس بين كأس ماء من الجرة وكأس خمر محرمة، لم يذقها بعد ولم ير أحدا يذوقها حوله.

نظرت غزالة إليه، ولمح طيف ابتسامتها. يعرف أن هذا الحب لامدى له، ويستمتع بما يسببه ذلك من الحزن. كيف ستصل ياقيس إلى غزالة المحاطة برفيقاتها؟ هل

ترغب بهذا الحب من بعد كي تستمتع بعذابك؟ وتجد به مبرر حزنك؟ غزالة قريبتك فما أسهل أن تذهب معها إلى الحاكورة! هاهي غزالة! تمشي وحدها إلى النبع

حاملة جرتها. وضع الكوانة منذ رآها في أول الطريق، وصدحت "اسقنيها" لكنه تمسك بالشرفة. لم يخرج إلى الطريق كي يلتقي بها! رأى ابتسامتها كاملة. له!

له! ربما اختارت أن تمشي إلى النبع وحدها كي تعرف هل هي المقصودة بأغنيته؟ تلكأت قرب شرفته. وعبأ عينيه منها. فهم كل منهما أنه يحب الآخر. يحبه؟ هل

لذلك اسم آخر! أكملت غزالة طريقها إلى النبع، وبقي قيس واقفا قرب أسمهان. ظل يتابعها حتى كادت تغيب عنه. انتظر عودتها. وراقبها وهي تصبح أكثر وضوحا

كلما اقتربت من شرفته. كانت الكوانة قد انتهت فعبأ زنبرك الغرامافون وأعادها مرة أخرى. أنزلت غزالة جرتها عندما أصبحت موازية شرفته، ونظرت إليه. فهم

أنها تقول له: هل تريد أن تشرب؟ واندفع إلى حافة الشرفة يملأ منها عينيه. لماذا لايأتي ليشرب من جرتها؟ أليست أسمهان تغني باسمه اسقنيها؟ لم يتحرك!

فرفعت غزالة الجرة إلى كتفها ومشت وهي تلتفت إليه وتبتسم. وبقي قيس واقفا عند حافة الشرفة.

لكنه في مرات أخرى جلس تحت شجرة السدر الوحيدة في البلد، على بعد مئة متر من العين. فوقه ثمر الدوم الأصفر يزين شجرة السدر. هناك العين بين الحارة الغربية

والحارة الشرقية، التي تستقي البنات من حنفياتها، وتشرب المواشي من الران الواسع قربها. ستمر البنات الراجعات من العين أمامه! هاهن! وغزالة تعبره

وهو يصغي إلى رنة خلخالها. غنى كأنما لنفسه: "ياحليوه طاب حمامك، وأنا ع الباب بستنى، يامحلا رنة خلخالك، رنة خلخالك جنّنا.." سمعته فقط غزالة؟ لماذا

تضحك إذن رفيقاتها وينظرن إليه؟ كان قيس يومذاك وحده تحت شجرة السدر التي يتسع ظلها لأربعين شابا. فالشباب مشغولون بالتشباية على بعد خمسين مترا من

العين حيث ينزل النّور. سيرى قيس غزالة مرات في البيادر والناس منهمكون في درس القمح وتذريته. وسيأتي إلى هناك فلاحون محملون بثمار الزعرور التي قطفوها

من الشجر. ستركض غزالة وسيتبعها وهي تتفرج على المقايضة: مدّان ونصف من القمح بمدّ واحد من الزعرور! بعد صب الزعرور بالمدّ الخشبي سيغرف قيس ملء كفيه

منه لغزالة.

- تحبين الزعرور؟

- وأنت؟

- أحبه! كم أحبه، ياغزالة!

- تحبه؟

تسأله عن الزعرور أم تسأله عنها؟ سيسعى قيس إلى شجر الزعرور، ليقطف لها ملء قميصه، ويعود موشى الذراعين بالجروح!

صار قيس يحب كرم ابن عم أبيه! في الكرم دوالي عنب وشجر زيتون. وفي طرف البستان المرتفع شجرة توت كبيرة، قربها عين ماء. لابد أن تأتي غزالة إلى هنا!

لابد! لكنها لم تأت في ذلك اليوم. أتت أختها خديجة. وكان قيس وقتذاك على شجرة التوت. رآها من فوق، في طرف البستان تنكش الأرض. ثم جاء شاب لايعرفه

قيس. لابد أنه من قرية أخرى! فتركت الأرض ومشت معه حتى الشجرة التي تسلقها قيس. بقي زمنا حابسا نفسه. ورأى الشاب يتناول يديها ويضعهما على صدره ثم

رآه يقبلها. غصّ قيس بريقه وأغلق فمه بيده. نهضت خديجة وتلفتت حولها. لم ترفع رأسها إلى أعلى! لماذا ابتعدت؟ خافت؟ وانصرف الشاب.

لم تظهر غزالة بين البنات الذاهبات إلى العين. فقدر أنها في الكرم. ركض، ركض حتى انقطع نفسه. رآها على شجرة التوت في طرف البستان، فوقف حتى هدأ. ثم

مشى حتى الشجرة. لم تكن غزالة في عمر خديجة لتلبس شنتيانا، فرأى ساقيها العاريتين..

- كنت مارا بالصدفة فقلت أطل على الكرم..

- كنت مارا صدفة؟

- نعم، صدفة!

من يربط زمبرك الفونوغراف إذن ويضع كوانة أسمهان، فتقول البنات: لك ياغزالة! تحادثا وهي ترمي له حبات التوت حتى وصلت خديجة. رأتهما فصرخت: غزالة، انزلي!

لم تنزل غزالة بل ارتفعت غصنا إلى الأعلى. هجمت خديجة على قيس رافعة قضيب الرمان بيدها. صاح: لن تضربيني! وإياك أن تضربي غزالة! سأقول لأهلك إنك كنت

هنا مع..! رأيتك.. رأيتك! ذهلت خديجة وارتخت يدها عن القضيب.

كانت هي التي ترعى الغنم وتحلب الماعز. منذ ذلك اليوم صار قيس حرا في الجلوس مع غزالة على شجرة التوت. وحاولت مرة أن ترمي حبات التوت في فمه تماما وهي

على الشجرة فلوثت قميصه. وصارت خديجة تحمل له الحليب الطازج، وتخصه بالشمندور، وترسل له الهريسة الطيبة. بقي ذلك الحب بينه وبين غزالة حتى انشغل عنها

بالغزال. كان حبا كالزهر يتفتح في الربيع على أغصان عارية، ثم يترك مكانه للورق الأخضر. غاب عن غزالة أول مرة وقت زار عمه في مستعمرة بيت لحم الألمانية.

المستعمرة قرب صفورية. لكن الطريق إليها يتلوى فيصل قيس على الحمارة في ساعة ونصف. يشتغل ابراهيم، عم قيس، هناك. المستعمرة فيلات كل منها من طابقين.

في طرف المستعمرة بناء متصل من طابق واحد، فيه لكل عائلة من العمال العرب غرفتان. في أيام الصيف تنام الأسر على السطح المتصل فتكاد تتجاور. ينام قيس

عند عمه أحيانا، ويمتعه أن يملأ عينيه بسماء واسعة كثيرة النجوم. يستلقى على الفراش ويحاول أن يعدها. فيقول له عمه في حنان: تعد النجوم؟ ستظهر الثآليل

في يديك! يضحك قيس. لن تظهر! يلتفت قيس بعد ذلك إلى النائمين ويخمن متى يغفو ذاك ومتى ينام هذا.

في المستعمرة أشجار فاكهة، أشجار زيتون، وحقول من القمح والذرة. وحول المستوطنة غابات من شجر البلوط. يسرح قيس متنقلا مع عمه، متفرجا على البساتين

التي يرتبها الألمان، وعلى الزهور التي يحشدونها حول بيوتهم.

يستقبل العم قيسا عادة في فرح. ويسعى قيس إلى ذلك الحب ساعة ونصفا على الحمار، قاطعا البساتين والبيادر، صاعدا وهابطا مع الدرب. لكنه هذه المرة استعجل

الحمار طول الطريق لأن عمه أرسل له خبرا: التقطت لك شيئا ظريفا. تعال!

برقت عينا قيس: ماهو هذا الشيء ياعمي؟ جرّه عمه من يده: تعال! في الليل وضعت الأفخاخ في غابة البلوط. فأمسك فخ بقدم غزال. غزال صغير، صغير ظل يتأوه

حتى الفجر. نقله العم إلى بيته وقال: هذا لقيس! قال العم: لعل عمره لايتجاوز الشهر. خذه واعتن به! احتضن قيس الغزال. لو عرفت ياعمي، لحملت له سكاكر!

كانت الإقامة تطيب لقيس في المستعمرة. لكنه الآن يريد العودة فورا إلى بيته، ليعانق الغزال، ليطعمه، ليدلله، ليحبه!

ركب قيس الحمار. وضع عمه الغزال بين يديه: مع السلامة! عاد قيس إلى صفورية مبطئا من الخوف على الغزال. لمحته أمه من بعيد فخرجت. سألته: أين ستضعه؟ سمعها

أبوه. لماذا رجع قيس مبكرا؟ وقف في الباب. احتفوا بالغزال. لكن هذا غزال قيس! لايخفى على قيس أن غزاله حزين، وحيد. لاتخف، ياغزالي! سأحبك أكثر من

أمك! ربّت قيس على جبين الغزال، على عنقه ورأسه. نظرت عينا الغزال الواسعتان إلى قيس. وتفرج قيس على أهدابه. حلو، حلو! عانقه. مدّ له كفه المليء بالسكر

وشعر بلسان الغزال عليه. هذه أول إشارة رضا منه! في الليل أفاق قيس مرات ليتفقد الغزال. فنهض أبوه وجثا إلى جانبه: غزال حلو! الحق معك! لكن نم. الغزلان

أيضا تحتاج النوم!

طار صيت غزال قيس. غزال يتبع صاحبه أينما مشى. فيزهو به قيس أمام الأولاد. يطلبون أن يلمسوه، يرجون أن يطعموه. لا! لايأكل إلا من يدي! تفرجوا! رافق

الغزال قيسا وأصحابه إلى البيادر، واكبهم وهم يمشون في القرية، ويصلون إلى الزيتون. استمتع قيس بالركض والغزال يركض خلفه. سبقه الغزال واستدار إليه.

أتت غزالة وتفرجت على الغزال. سألها قيس: حلو؟ قالت: لذلك ماعدت تأتي إلى الكرم؟ قال: سأحاول أن آتي غدا! سألته: مع الغزال؟ رد: لاأعرف! إذا أراد

الغزال أخذته معي! سألته: صار يفهم كلامك؟ رد مزهوا: يفهم! انظري! ناداه: تعال! فحرك الغزال أذنيه واستدار إلى قيس. قال: شفت؟! جثت قرب الغزال: اتركني

ألمسه! قال: المسيه! نظر إليها الغزال. قالت: ماأحلى عينيه! زها قيس. كأنها تقول له ماأحلى عينيك!

في تلك الليلة سرق الغزال. بحث عنه قيس في البيادر والكروم. قال له أبوه: لن يتركوا أثرا يدلك إليه. لو عرفت من سرقه ياويله! وكان صادقا. هو أيضا أحب

الغزال! لكنه لن يبوح لقيس بما يظنه: أكلوا الغزال! يقال إن لحمه طيب! ذاق مرة كبة في الشام من لحم الغزال!

قطفت غزالة آخر حبات التوت لقيس. تدلله؟ شاركته حزنه على الغزال. وفي ذلك اليوم نادته ليصعد إليها على شجرة التوت. وهناك عانقته: لاتحزن ياقيس! كنت

أعرف أنهم لن يتركوه! عرفت؟ كيف؟ ردت: لأنه حلو! هل كانت تدرك أن الجميل مهدد، وأن مصير النقي مرّ؟ كيف خمنت مالاتستطيع ولايستطيع بعد التعبير عنه؟