4
العرس على وشك الانتهاء. بدأت البطحاء الترابية، الضعيفة الإنارة، تفرغ من زوارها. تقلصت الدائرة المعوجة التي شكلها المتفرّجون حول حلبة الفرجة. كانت عيون الرجال الذابلة من فرط التعب والسكر تتابع حركات الراقصات. بينما امتدّ ظل الشاحنة المموّنة للخمر والبيرة إلى غاية أشجار الأوكالبتوس العملاقة. إنها ليلة مقمرة والبدر في تمامه. السماء صافية تزينها مصابيح النجوم المتلألئة. بدا نافخ الناي وضارب الطبل متعبين. توقف صوت الشيخة المغنية وعوضها البرّاح ليعلن عن تاريخ ومكان الأعراس المقبلة، مادحا بعض الأثرياء الحاضرين لعلهم يتكرموا بدفع أرواق نقدية إضافية. راقصة تتصبب عرقا، انسحبت جانبا تتابع بصمت حركات صديقتها. تقدّم نحوها شاب مُشَلْغَم، يظهر السكر على ملامح وجهه وتحركاته الرعناء، حملق في صدرها الناهد، نصف العاري، وعيناه تلمعان شبقا.
- مساء الخير عزيزتي... اليوم يوم عظيم بالنسبة لي. وقعت بيدي كل الأوراق الرابحة وزادت سعادتي أن جيوب خصومي كانت معبأة بأوراق الخمسين.
ثمّ سكت برهة من الزمن، مترددا، قبل أن يضيف:
- هل تأتي معي بعد الحفل يا...؟ ما اسمك يا جميلة؟ لا أناقش السعر. أطلبي ما شئت. لا يعرف قيمة الحسناء إلا أمثالي. عندي ما يكفي وزيادة.
ألقت الراقصة نظرة فاحصة نحو الشاب لثوان زهيدة، ثمّ أدارت وجهها، راسمة برطيمة ازدراء على شفتيها. إنها متعوّدة على مثل هؤلاء الديَّكة، الذين يصيحون عند أوّل ريشة تظهر في قُنْزعتهم. لم تتفوه بكلمة. عاد الديك إلى كرّه.
- لم تصدِّقي قولي، أليس كذلك؟ قلت لك بأنني رجل ثري، هذه الليلة. عندي ما يكفي وزيادة.
أدخل الشاب يده في جيب سرواله وأخرج رزمة أوراق وأظهرها مقربا ذراعه نحو وجه الراقصة.
التفتت إليه وواجهته بعنجهية، هزّت صدرها السخي، مبرزة أنوثتها بطريقة مغرية، أمام هذا الريفي الأجلف الذي يريد دخول إمارتها بلا دعابة ولا عذب الكلام، ثمّ أطالت النظر على رزمة الأوراق لتتأكّد بنفسها إن كانت الدعوة تستحق اهتماما يذكَر. إنها امرأة صاحبة تجربة وتعرف مدى تفاهة الوعود التي تعطى في حالة السكر. تمايلت، أطلقت قهقهة غنج، وقالت:
- نقودك خردة، خَتشْ بَخْتة... ألا تعرفني؟ أنا خَيْرة الوهرانية. إنني أغلى من سلطانة مراكش.
اقترب الشاب من الراقصة إلى حدّ ملامستها، شادا في يده رزمة الأوراق النقدية، شاهرا إياها في وجهها.
- أنت سلطانة مراكش وأنا أسد الونشريس. قلت لك بأن جيبي يفيض مالا. به ستشترين أساور وأقراطا ذهبية.
لمعت عينا الراقصة وفاضت ابتسامة عريضة على شفتيها، وهي تهزّ خصرها تغنجا. فكرت بخبث: "ريفي بليد سيمنح ثروته كاملة من أجل لذّة عابرة... سأنتفه إلى آخر ريشة..."
فجأة، مرق بقربها شخص طويل القامة، بسترة عسكرية، يتمايل في حالة سكر متقدمة، فأمسكها من الذراع ونبح بصوت خشن، متقطع النبرات:
- خَيْرة ستكون لي هذه الليلة... عزرائيل نفسه لا يخطفها مني.
ثمّ التفت إلى الشاب الريفي، وصرخ بصوت حاد أراده أمرا نافذا:
- اسمع أنت يا... المقمّل... طِر من هنا... يا الله... ابحث لك عن أتانة في الوادي القريب...
وبعد ذلك، تسارع بدفع الراقصة، بغرض أخذها معه. مسك الشاب صاحب السترة العسكرية من الكتف وأبعده عن المرأة. التفت الرجل ببطء، وتفحصه بنظرة شزراء، وهو يتصنع بنفض الغبار عن كتفه.
- انزع يدك يالجبايلي القذر... نشمّ فيك رائحة الروث على بعد كيلومتر. من رخّص لك بلمسي؟ قلت بأن خيرة ستكون لي هذه الليلة...
- لقد وصلت متأخرا يا حبيبي، قالت الراقصة بدلع. لقد حجز هذا السيد مكانه قبلك، ودفع الثمن سلفا.
- لا حجز ولا هم يحزنون، قال الشخص الضخم الجثة، متمايلا، باحثا في جيوبه. ردّي له تبنه. أنا العريف علي التبسي. كل ثكنات فرنسا تعرفني. أنا أيضا معي نقود. تسلمت راتبي اليوم. سأضاعف الثمن، سأمنح كل راتبي إن أردت. ردّي له ماله واتبعيني...
فكّر الشاب في صمت: "وأنت لا تعرفني يا لحّاس قدور فرنسا. أنا اعمر حلموش، لعّاب الكرطة وضرّاب الموس، تعرفني كل أسواق الونشريس. سنرى إن ولدتك أمك واقفا."
مسك العسكري الراقصة من الذراع وهمّ بجرّها. تخلصت من قبضة يده بحركة فظة، لافظة شتيمة بصوت حاد. تشجّع اعمر حلموش برفض الراقصة، فطلب من العريف أن ينسحب ويصطاد غيرها. تمادى العسكري في تعنته، فازداد فظاظة وأراد جرّ الراقصة بالقوة، وهو لا يتوقف عن إطلاق التهديدات والشتائم البذيئة. شعر اعمر حلموش بانتهاك عرضه، هو الذكر الذي ينبغي له الدفاع عن أنثاه التي ساندته ووقفت إلى جانبه، فتقدم بخفة ولكَم خصمه بضربة قوية أردته طريح التراب. لم يكن يبالي إن كان الرجل عسكريا حقيقيا أم مزيفا. لا تخيفه الملاكمات والمشاجرات. وديوك الخمّ، الثرثارون المتبجحون، مثل هذا الذي يزعم أنه عريف في الجيش الفرنسي، لقد احتك بهم كثيرا في مقاهي القمار والزَطْلة التي تعوّد على الاختلاف إليها، وتعلّم كيف يركعهم ويقطع لسانهم. الرجل الشهم لا يثرثر ويحترم أصول الشرف في مثل هذه المواقف. أول القادم، أول من يستلم البضاعة. كان اعمر متعدد الوظائف. لا يعرف أحد ما هي وظيفته القارة. يرتزق بالاشتغال هنا وهناك، في أعمال زراعية شتى في مزارع المعمرين. ولكن شغله الحقيقي الذي يدر له مالا ومتعة، هو القمار والبيع والشراء في الأسواق. ومثل هذه الأعمال تعلّم صاحبها كيفية الدفاع عن النفس. لذلك، تدرّب اعمر على استخدام العصا والخنجر اللذين يلازمانه كظله. بالعصا، يستطيع مجابهة أكثر من خصم في آن واحد. وقد كان سكان قريته شاهدين على معركة رفعوه بعدها إلى مرتبة بطلهم المبجل. واجه لوحده ثلاثة رجال. صرع أحدهم من الضربة الأولى، وتمكن من نزع العصا من الثاني، أمّا الثالث فلم يجد أمامه من حل إلا إعطاء الريح لقدميه.
وفي هذه الأمسية، انتقل اعمر حلموش من بعيد خصيصا للتمتع بغناء الرميتي، شيخة قادمة من سيدي بلعباس ومشاهدة الراقصات، وسماع حكايات قادة البرّاح الذي يعرفه جيدا. جاء ليشرب بعض زجاجات البيرة، يستمع إلى الصوت الشجي، فيعود في آخر الليل إلى داره. وإن أمكن، سيشيخ مع إحدى الراقصات. سبق لصديق له أن عاش التجربة، وحكى له عن تفاصيلها. لمَ لا يجرب حظه بدوره؟ متعة لا يفوّت فرصة حدوثها مهما كان السبب. يقال بأن المال يشقّ الطريق في البحر. وهو يملك منه الكثير هذه الليلة. فلم يتردّد عن التراهن مع صديقه حول معايشة التجربة، مهما كلّفه من مال.
أثناء المجيء، تخلّص من عصاه بإخفائها في عمق أجمة بقرب الطريق. قدّر بأنه سوف لن يكون بحاجة إليها. ها هو الآن يعضّ شفتيه ندما لعدم إحضارها، وهو يرى العسكري يشهر مسدسه ويصوبه اتجاهه، ويتقدّم متمايلا، مطلقا قهقهات الواثق من انتصاره، قبل حتى أن تبدأ المعركة. ولكن اعمر حلموش ليس بالرجل الذي يستسلم بسهولة أمام الخصوم. تعارك مرارا من أجل ترّهات. بخفة يد مذهلة، أخرج السكين واستعد للمواجهة. انتهت المعركة بسرعة البرق. سمع الرجال الحاضرون طلقة رصاص أوّلا، متبوعة بحشرجة مختنقة، ثمّ صراخ الراقصة الحاد. كان العسكري ممددا على الأرض، يتأوّه ويمسك بطنه بيديه. دم غزير يسيل بين أصابعه. في رد فعل عفوي، رمى اعمر حلموش السكين بعيدا واختفى في الظلمة. في البداية، تدافع المتفرجون حول الجريح. ثمّ، وعيا منهم بخطورة الموقف، انسلّ أغلبهم عبر الدروب المجاورة، عائدين إلى مساكنهم، تفاديا للتورط في جريمة نكراء. يعرف بعضهم العسكري الجريح وتوجسوا خيفة من ردّ فعل رجال الدرك. قرّر صاحب عرس "القلال" أخذ الجريح إلى مستشفى المدينة. المسافة طويلة والطريق غير معبدة، وبها حفر كثيرة. ولكن الجريح لم يتحمل السفر. أفرغ من دمه ولفظ آخر أنفاسه في باب المدينة.
في تلك الليلة، تاه اعمر حلموش على غير هدى، مشتّت الذهن، يلعن صديقه الذي أغراه بتلك الفكرة، واللحظة التي تلفظ بالرهان، وإن لم يكن في حقيقة الأمر ملزما به إلزاما كليا. كان يمكن أن يخفف من رغبته الجنسية بزيارة الماخور بيوم أو يومين قبل موعد الحفل، مثلما تعوّد أن يفعل. في الصباح، عاد إلى القرية. أدرك منذ وطئت قدماه أول زنقة، وعبر نظرات الذين صادفهم في طريقه، أن الجميع على علم بالجريمة. انتشر الخبر بسرعة. أتى به العائدون من العرس. استقبله أبوه بسحنة حزينة. ولم يسأل عن السبب. يعرف ابنه "صوفة طائرة" ويرمي بنفسه في النار دون تفكير. قال له:
- على حسب ما وصلتني من معلومات، إن الشخص الذي قتلته عسكري. إنه عربي صحيح، ولكنه جندي في الجيش الفرنسي. شاهدك الناس وأنت تمسك السكين وتتعارك معه. حكى لي ابن عمّك كل شيء. في هذه الساعة بالذات، يكون رجال الدرك برفقة القايد والشامبيط قد انطلقوا يبحثون عنك. ولا أستبعد أن يحضروا هنا قبل منتصف النهار. وإن قبضوا عليك، لا ينقذك أحد من المشنقة. ما عليك إلا الهرب من هنا في أسرع وقت. أخفي رأسك شهورا. غيّر اسمك ومدينتك. غيّر وجهك إن أمكن. حتما سينته بهم الأمر إلى نسيانك. وفرنسا لن تخلد في هذه البقاع. هناك كلام كثير يدور في السنوات الأخيرة. إسرع... الوقت ليس في صالحك. إحذر من الذين تعرفهم. أطلب من الله أن يغفر لك ويحميك.
هكذا تحوّل اعمر حلموش من باحث عن لذة عابرة إلى مجرم يطارده رجال الدرك. حدثت الواقعة في بداية الخمسينيات، وكانت بداية لحياة جديدة، شاقة، ولكنها نفعته كثيرا. اختفى شهورا في أحراش جبال الونشريس. كان الفصل صيفا. أمكنه المناخ الحار من قضاء لياليه في العراء. ولكن مع قدوم الشتاء، ومعه البرد والثلوج، استقرّ قرب زاوية منسية، بقرب هضبة سيدي امحمد المغيث. قيّمتها عجوز في السبعين، تقتات من صدقات الزوار القلائل. بنى كوخا على مسافة غير بعيدة من المزار. ومع النقود التي بحوزته، تسلّع بالمئونة اللازمة. وخلال الشهور الباردة، عاش في وئام مع العجوز، يناديها أمّي، هو يتيم الأم. ماتت والدته أثناء الولادة. حكى له أبوه مرارا ظروف وفاة الأمّ بعد الولادة بأيام معدودة، والمعاناة التي لاقاها في إيجاد مرضعة له. كانت سنوات جفاف وفقر مدقع. زيادة إلى كون العائلة تسكن بمفردها في مكان قفر، غير آهل بالسكان. من سيرضع الطفل بعد وفاة أمه؟ انتقلت الجدّة الواهنة، متبوعة بالأب يحمل بين ذراعيه الرضيع، يبحثان عن مرضعة. قصدا بيوتا عدّة ولم تكن بها امرأة حديثة العهد بالولادة. بعد يومين من البحث الدؤوب، أصيبا باليأس. اهتدت الجدة إلى فكرة ربما أنقذت الطفل. لفّته بخرق وحطته عند باب زاوية قريبة لعّل محسنا يصادفه ويأخذه للتكفل به. ولسوء حظ العائلة أو لحسنها، لم يزر أحد تلك الزاوية. عاد الأب عند الغروب، ليستقبله صراخ الرضيع قبل أن يبدأ في الصعود عبر الدرب المنحدر المؤدي إلى المزار. ركض بخفة، أخذ الطفل، وعاد به إلى الدار، يلعن الدهر والموت الذي خطف الأمّ وتركه في الورطة التي لا حلّ لها. كيف يرضع ابنه؟ قرّر الذهاب به إلى المدينة. حتما، سيجد هناك عائلة ترضعه. أثناء الطريق، متبوعا بالعجوز التي لا تكاد تخطو بضع كيلومترات حتى تجلس أرضا، لاهثة، تتوسل الربّ لينقذ الرضيع، وأثناء إحدى تلك الوقفات، انتبه الأب إلى جَدْي يمص ثدي معزة. تأمل المنظر لثوان، ثمّ بلا أن يتفوّه بكلمة، التقط الرضيع وركض به نحو المعزة. وقف إزاء الثنائي متأملا والسعادة يتلألأ بعينيه. انحنى بالرضيع وقرّبه من الضرع. بعد محاولات قليلة، طفق الطفل يرضع إزاء الجدي. طار الأب من الفرح. ها هو الحل، بسيط وفي متناول اليد. بحث عن صاحب المعزة، حكى له عن شقائه مع الابن اليتيم. بعد أخذ وردّ في الكلام، تمّ الاتفاق بين الرجلين. يأخذ الأب المعزة وابنها، يرعاها لمدة سنة أو يزيد، ثمّ يرجعها لمالكها، بعدما يكبر الطفل ويكون في غنى عن الحليب. منذ ذلك اليوم، أصبح اعمر يرضع من حليب المعزة، برفقة الجدي. وهي الحكاية التي يتلذّذ اعمر حلموش بروايتها دون ملل، ليؤكد قوته البدنية وخفته. "إن الذي لم يرضع ضرع معزة برفقة جدي، لا يمكن أن يتبارى معي"، يقول مقهقها، مزهوا بنفسه.
خلال تلك السنوات التي قضاها هاربا من قبضة رجال الدرك، توقف اعمر حلموش عن القمار وتعلّم صيد الأرانب والحجلان وطير الزَرْزور. استصلح قطعة أرض وزرعها شعيرا وعدسا. من حين لآخر، يهبط إلى المدينة، خاصة يوم إقامة السوق الأسبوعية. يتسلّل وسط حشود القرويين النازحين، مختفيا في قشابية قديمة. في عمق المطاعم الشعبية، يأكل أطباقه المفضلة، وجهه ملتصقا بالصحن ولكن عينيه تراقبان المنافذ المتاحة، في استعداد تام لإعطاء الريح لقدميه، عند أوّل صوت مريب. يشتري مواد غذائية له ولعجوز المزار، ثمّ يعود إلى حصنه في أعلى الجبل، متخذا إجراءات حذر صارمة لتجنب الدرك والعسكر والناس الذين يعرفهم، خوفا من الوشاية. كانت حقا سنوات شاقة.
ولحسن حظه أن حرب التحرير جرفته بسرعة زوبعة عاصفة. فقد انضم إلى المجموعات الأولى التي التحقت بالجبال. ولكن اعمر حلموش يفضل رواية حادثة بطولية كانت السبب المباشر في التحاقه بصفوف المجاهدين، تناسب الذهنية المنتصرة:
- كنت بحاجة إلى بندقية لأحارب جيش فرنسا. هل تظنون أنني سأحاربها بالعصا التي نهش بها النعاج أو بسكين الجزارين؟ لذلك، اتفقت مع صديقين لتحضير عملية استيلاء على السلاح. كان يشتغلان في مزرعة معمر في ضواحي الخميس. هناك، لا يعرفني أحد. كان المعمر مسلحا باستمرار. ذهبت معهم، قدّموني إليه على أساس أنني قريب يبحث عن عمل. كان بحاجة إلى اليد العاملة. شغّلني في الصبيحة ذاتها. لم نتمكن من فعل شيء في اليومين الأوّلين. ولكن في اليوم الثالث، في حين كان يطعم كلبه، باغتته بضربة فأس على الرأس. قمت بالعملية وحدي. لم يقدّم لي الصديقان، يرحمهما الله، إلا مساعدة بسيطة. لاحظت في اليوم الأول أنه يقضي وقتا طويلا في إطعام كلبه ومداعبته. لذلك انتظرت تلك اللحظة بفارغ الصبر، فتسللت خلفه كالقط، وغرست له الفأس في الرأس. سقط مثل كيس البطاطا. لم يطلق صرخة واحدة. لكنني نسيت الكلب اللعين. بلدُغ أسود، بحجم ثور. شبع اللحم والراحة. بسرعة جنونية، خطفت البندقة الملقاة أرضا، وأفرغت فيه الجعبتين. لا تنظروا إليّ بعيون مريبة. صحيح أنني شخت وسمنت. في تلك السنوات، كنت أضعف من مسمار وأخف من ثعلب. أطلق الكلب نباحا حادا وسقط ميتا. دون انتظار، جرينا قاصدين الجبل. ولكن طلقات الرصاص خانتنا. وصل رجال الدرك بعد وقت قصير. اقتفوا أثرنا، وحاصرونا قبل غروب الشمس. صديقاي، لم يسعفهما الحظ. قتلا قرب وادي بويغسان، الواحد بعد الآخر. وصل أجَلهما، ماتا شهيدين، وهما اليوم في جنة الخلد. أما أنا فاختفيت في أحراش الوادي. وعوض أن أصعد نحو الجبل مثلما كان رجال الدرك يتصورون، عدت نحو المزرعة. ينبغي أن يكون الهارب مجنونا مثل أخيكم سي اعمر كي يفكر في العودة إلى مكان وقوع الجريمة قبل حتى أن تبرد جثة القتيل. لو واصلت الهروب نحو الأعلى لاصطادوني مثل أرنب. قال لي رأسي: يا اعمر عدْ إلى المزرعة واختفي بها إلى غاية حلول الظلمة. هناك، سوف لن يبحث عنك أحد. ستنتظر أن يخيّم الليل، ثمّ اذهب حيث أردت. وهكذا كان الحال. واصل الدرك بحثهم صاعدين نحو الأعلى. كان الفصل شتاء، والمطر الذي توقف في نهاية الصبيحة، عاد منهمرا بقوة أكثر. ينبغي الاعتراف بأن الله أعماهم. فلا يمكنهم رؤيتي. تسللت إلى غاية اسطبل المزرعة واختفيت تحت التبن. في منتصف الليل، غادرت مخبئي تحت وابل من المطر، وسط ظلمة حالكة، لا ترى شيئا على بعد مترين. لحسن حظي أنني أعرف كل تضاريس المنطقة. أعترف الآن بأن القمار وأعراس الريمتي أفادوني الكثير. هكذا، تمكنت من الوصول إلى الجبل آمنا، والتحقت بالمجاهدين والبندقية على الكتف.
عند حكايته لتلك الحادثة من حياته، يكرر اعمر حلموش بأنه اقتنع يومها بأنه سيعمّر طويلا. فبما أنه نجا من ذلك الحصار، ولم يمت مثل صديقيه الشهيدين، فإن الله قد حباه واصطفاه ليكون مجاهدا كبيرا، وسيقدّر له العيش إلى غاية زمن الاستقلال. لقد مرّ دركي بقرب مخبئه، على بعد متر أو أقل. سمع اعمر رفس قدميه على بقايا الأغصان الجافة التي تغص بها ضفتا الوادي، في حين كان منكمشا بداخل دغل من التوت الشوكي والقصب، مرتعشا، كاتما تنفسه، منتظرا الثانية الحتمية التي سيرتفع فيها صوت الدركي صارخا، طالبا نجدة زملائه. أبدا، لم يعرف في حياته خوفا أرعبه وشلّ جسمه مثل تلك الدقائق الراجفة. برغم أن سنوات الحرب لم تكن سياحة جبلية لفرقة كشافة، تتدرّب على الشقاء وتجرّب التعب والخوف.
انتهت الحرب، وحلت محلها حكايات الحرب، حكاية الأحداث الخارقة وأبطالها الصناديد. لكل بطولاته، وبطولات سي اعمر لا تنضب. في نهاية الظهيرة، وقبل الغروب بقليل، بقرب منزله، يلتف حوله بعض الفضوليين من سكان الحي، شبابا وكهولا، يستمعون إلى قصصه، مشدوهين، العيون منفتحة على اتساعها والآذان مشنفة إلى أقصى قدرتها. بصوته الجهوري وقهقهاته الصاخبة، يمتع مستمعيه. كل شيء يمسخ على لسانه. ينافس أروع القصاصين والمداحين.
نعم، يوجد زمن للحرب وزمن لحكايات الحرب. وبما أن الحكايات تتقاطع مع التاريخ، تتشابك وتتناضد، وأن القُصَّاص نهمون بالتعديل والتغيير، يقطفون من الحوادث الواقعية ما يحلو لهم ثمّ يضيفون ما جادت به قرائحهم، فتصبح الحكايات هي التاريخ، هي الأصل والمرجع، هي الحقيقة الوحيدة الممكنة، تلك التي تلبي كبت المستمعين، ورغبات الفاعلين المضمرة.
هكذا، صنع اعمر حلموش تاريخه الخاص، رويدا رويدا، حكاية فوق حكاية، يعجنها حسب هواه، مازجا بين الذاكرة والخيال، إلى أن أضحى هو نفسه لا يفرق بين ما وقع فعلا وما أضافه أو حوّره. يصرّ أن ما يحكيه هو عين الصدق، والويل لمن يطرح الأسئلة الشكاكة، أو يبدي امتعاضا من ضخامة بعض الأحداث. سينزل عليه غضب سي اعمر كالصاعقة. وسيحرم من الجلوس في البطحاء مع الجماعة. وربّما تمّ نفيه من الحي.