1
توقف المهدي عند أسفل غابة الصنوبر، لاهثا. ألقى نظرة مستعجلة عبر الجذوع والجنيبات البرية المتداخلة الأغصان. أين الدرب الذي اعتاد سلكه؟ فحص المكان بنظرة بطيئة. مشى خطوات طول الحافة. غاص في ذاكرته كي يخرج صورة ذلك الدرب المألوف. تقاذفت في ذهنه الصور وتضبّبت. فكّر بأنه ربّما أخطأ الطريق. لا، مستحيل! يستطيع التجوّل عبر دروب المنطقة مغمَّض العينين. كيف حصل أن وجد نفسه في مكان مجهول إذاً؟ أطال التفكير ثمّ التحديق. دون جدوى. ثمّ وفي نفاد صبر غاضب، اندفع وسط الحرش، مستعينا بذراعيه لإبعاد الأغصان المتدلية التي تعيق سيره. على أية حال، فإن كل الدروب الصاعدة ستؤدي حتما إلى مزار سيدي المخفي المنتصب بشموخه على قمّة الرابية. كالضرير التائه، توغّل تحت الأغصان الوارفة الظلال، واضعا نصب عينيه عدم الانحراف عن الاتجاه الصاعد. ولكن كثافة الجنيبات البرية أرغمته مرارا على تغيير المسير، بحثا عن فرجة أو أثر أقدام، بشرية كانت أم حيوانية. بين الحين والآخر، يتوقف وينظر نحو الأعلى، فلا تقابله إلا الأغصان المتشابكة المورقة، تتخللها الفُرَج الصغيرة المتلألئة التي تتسرّب منها أشعة الشمس. في لحظة ما، انتابه إحساس بأنه يطوف حول جوانب الرابية في دائرة ستعيده إلى نقطة غير بعيدة عن نقطة الانطلاق. بدا له أن الوقت قد طال أكثر مما ينبغي. استعجل الوصول. يا ليته كان نسرا ليحلق فوق الضريح بضربة جناح واحدة! توقف لثوانٍ يسترجع أنفاسه ويحاول تحديد وجهته بالتقريب. انتبه إلى تمزّق قماش عباءته من جهة الكمّ الأيمن. كما التصقت الأشواك بساقي سرواله وبخاصة في الجوربين الصوفيين. انحنى وطفق يمسكها الواحدة بعد الأخرى بحركة فظة ويرميها جانبا. ثمّ فكّر بأن الدروب المتبقية هي الأخرى غاصة بالأشواك، فتوقف عن نزعها. بعد ذلك، استأنف الصعود المضني، متجنبا الأجمات الشوكية بحركات عشوائية. في تسرّعه وارتباكه، سوَّطته أغصان على الوجه، فأجّجت غضبه، ليتفاجأ بسماع شتائم بذيئة تصدر من فيه، كأنه يقذف بها خصما حاضرا. ابتلع الشتائم والتفت حواليه. وحده الصمت يخيّم على المكان. من بعيد، أتاه نباح كلب، ضعيف، متواصل، أقرب إلى العواء. تنهّد، غمغم تعويذة وحوقلة، ثمّ واصل السير، مصمِّما أن لا يتوقف إلا عند باب المزار.
بعد مدّة خلاها دهرا، أشرف على البطحاء المضيئة. حينما خرج من الغابة، مطأطئ الرأس، يتخبّط ليتخلص من الأشواك البرية اللاصقة بقدميه، أجبره الضوء الساطع على إغماض عينيه. مشى أكثر من ساعة وسط الظل ليجد نفسه بغتة تحت أشعة الشمس المبهرة، وفي مكان عار تماما. هنا جلس يستعيد أنفاسه، ويستجمع شتات ذاكرته. ثمّ وقف يتأمّل البناية الجاثمة وسط البطحاء، بجدرانها المشعة ببياض يعمي البصر. كلّما اقترب من الضريح أكثر إلا وزاد اقتناعا بأنه سوف يعثر على ضالته هنا. ألم يسبق له أن اكتشف بداخله ذلك المخطوط الذي غيّر حياته رأسا على عقب؟ أرعشه نفاد الصبر. صور مضبّبة من ماض محاصر تتلاطم في ذهنه، جاذبة إياه نحو حنين لذيذ. وقبل أن يجتاز عتبة الباب الخشبي المطلي بالأخضر، ألقى نظرة نحو الأسفل. في السهل الممتد إلى ما لانهاية، تقبع عين الكرمة وسط البساتين المهملة، منطوية على خدرتها المستفحلة، منتظرة أن تُزف عروسا للأسياد الجدد. مكث واقفا، مترددا، حائرا، فيما كانت مخيلته تطارد وجوها وأصواتا، كم اشتاق إلى الإمساك بها، وتعليقها هنا، في الأفق السابح في زرقة هلامية.
ولكن نداء، عصي المقاومة، يغريه بالدخول إلى الضريح، الصامد أمام تقلبات الزمان والطبيعة، الساخر من قوانين الفناء الشرسة. براحة يد مرتعشة، دفع الباب، فارتفع صرير أشبه بأنين الأشباح. شعر بوخز في أحشائه فتوقف واجما. سوّطته روائح المقفول والبخور، لتوقظ في نفسه تلك الأجواء الغريبة، حيث تتلاشى فيها الفوارق بين الواقع والخيال، بين الطبيعي والسحري، وتقرّبه من عوالم الكائنات اللامرئية التي طالما حدثه عنها أبوه بيقين لا يقبل النقض، كأن الأمر يتعلق بأفراد العائلة أو الجيران. مكث مبهوتا في منتصف العتبة مدة من الزمان، مترددا، تتقاذفه صور وأصوات لا يرى لها أوّلا ولا آخر. بعد ذلك، اقترب من الضريح، انحنى باتجاه اليمين ونزع الألواح، بحركة فظة، كأنه تذكّر فجأة وجود الدرّة اليتيمة بداخله. ثمّ، وبيد عصبية، أمسك المخطوط المغبر، أخرج الأوراق الصفراء بكميات صغيرة وحطّها على الحصير. توغلت اليد بداخل الفتحة بحثا عن أوراق إضافية. شعر بقلبه يخترق صدره حينما اختفى الذراع كلية في الفراغ. هيّجه الفضول فاقتلع لوحات خشبية أخرى. أدخل ذراعه إلى غاية الكتف. كانت الحفرة تبدو عميقة. حرك اليد في اتجاهات عدة، ولكنه لم يصادف حاجزا. أخرج ذراعه، بحث عن شمعة، عثر على طرف لا يتجاوز حجم الإبهام، أوقد شعلة وأضاء بها الحفرة. أرسل صيحة خافتة، تلاشت في الدجى. أتاه رجع الصدى كتيار كهربائي أرعش جسده في هزّة تلهف قصوى. بعدها مباشرة، رنّت كلمات اعمر حلموش في أذنيه، فتذكّر تلك الليلة الشتوية التي صادفه الرجل بداخل الضريح وحدّثه عن وجود نفق مجهول لم يتمكن أحد من العثور على مدخله. في تلك الليلة الباردة، كانت ريح عاتية تزمجر على قمة الرابية، فلفّ صفيرها جزءا من الكلمات المهموسة، مما أضفى على الحكاية غرابة لم يتمكن المهدي من التخلص منها سنوات طويلة بعد ذلك.
كما تذكر حكاية أبيه الشيخ امبارك، قيّم الزاوية. حدّثه مرّة عن امرأة طاعنة في السن، اعترضت طريقه في فجر خريفي، بقرب مدخل المزار.
-- يا سيدي الشيخ، لماذا ردَمْتم بئر الزاوية ؟
-- في حدود معرفتي، لا توجد بئر هنا يا مخلوقة.
أشارت العجوز بيدها إلى زاوية وقالت:
-- كانت البئر هنا قرب نخلة. أتذكر وأنا صغيرة، كنت أجئ مع أخي لنملأ دلائنا، خاصة في شهر رمضان الكريم. ماؤها فيه بركة ويصلح للعلاج، لأنه يأتي من بئر زمزم.
-- من بئر زمزم؟ ومن أخبرك بهذا الأمر العظيم؟
-- سمعت الخبر من جدتي رحمها الله. قالت بأن أمّ الولي الصالح فقدت طاسها بداخل بئر زمزم أثناء حجها إلى البقاع المقدّسة، وعند عودتها وجدته عائما على سطح ماء هذه البئر. لهذا الماء منافع جمّة، له قدرات علاجية عجيبة. كان سيدي المخفي يستخدمه للرقية. وكان يزيل الأمراض من الأجساد في لمح البصر، فيعود المرضى إلى ديارهم معافين.
أدار الشيخ امبارك رأسه لمدّة ثوانٍ معدودة يتأمّل الزاوية التي أشارت إليها العجوز. وحينما أعاد بصره إليها ليطلب منها توضيحات أكثر، كانت قد اختفت، كأن الأرض ابتلعتها. أجال بصره في كل الاتجاهات، فلم ير لها أثرا. غمغم تعويذة وحوقلة، ثمّ مشى خطوات، وكله شوق إلى رؤية شبح المرأة يبتعد في غبش الفجر. ولكن البطحاء كانت فارغة، غارقة في الصمت والظلمة. خلا له أن المرأة الغريبة تكلمت عن نخلة أيضا. لم يكن متأكدا تماما. في الأيام الموالية، تحدث مع بعض شيوخ عين الكرمة مستفسرا عن البئر المزعومة. لم يتذكر أحد ممن سألهم أن بالمكان بئرا. في المقابل حدّثه شيخ طاعن في السنّ عن جذع نخلة نصف محرَق، تمّ قلعه بأمر من قيّم الزاوية السابق. أكّد الرجل بأنه كان في العاشرة من عمره ورافق أباه وجدّه يوم اجتثاث الجذع الذي أحرقه برق دون شك.
أكّد الشيخ امْبارَك أن الرؤية قضّت مضجعه مدّة من الزمان ثمّ تلاشت مع كرّ الأيام وتسارع الأحداث.
مات الشيخ امبارك منذ سنين. وكم قضى من الساعات يجوب حوافي الضريح، متوغلا إلى داخل الغابة الصنوبرية، بحثا عن مدخل النفق. ويتذكر المهدي أن الشيخ، في لحظات احتضاره، قد نطق مرارا باسم الولي الصالح سيدي المخفي. ما السرّ يا ترى؟ هل للأمر علاقة مع النفق؟ ربّما زاره ملاك قبل أن تفارق الروح الجسد وكشف له عن السر.
هل ستتحقق المعجزة أخيرا؟
خفق قلبه بحدّة. أحس بالنبضات تدق بصدغيه.
دون إرادة جلية، أخرج خنجره وطفق ينزع ألواحا أخرى من جهة العرض، فظهرت فتحة واسعة مظلمة. طنّت برأسه أصوات تناديه، تغريه على الولوج، أشبه بتأوهات عرائس البحر التي طاردت أوليس في عرض بحر معتِم. انحنى قليلا، قدّم رجلا، ثم أدخل رأسه، خطى خطوات، فابتلعه الظلام.