1
لبست ( سوسن ) جلبابها وخرجت من بيتها إلى كلية الطب في جامعة الأزهر، وتذكرت عندما رأت الحارس على الباب يمنع السافرات من دخول الحرم الجامعي، تذكرت كيف كانت تجبر على السفور في سنوات الكلية الأولى، قبل أن يموت عبد الناصر، حيث يشهد التاريخ أنه عندما مات عبد الناصر لم يترك طالبة محجبة في جامعات مصر كلها، وترك الفكر والثقافة الماركسيين قويين في البلد، ومن ثقافتهم نبذ الحجاب ومعاداته حتى أن عبد الناصر يهرج في أحد خطاباته ويقول : ( أجيب عشرة مليون طرحة منين ؟ ) وكان سكان مصر يومها عشرين مليوناً ...
وتسلم ( السادات ) الحكم، بعد أن ترك عبد الناصر الشيوعيين أقوياء، ولما رأوا السادات يميل إلى الغرب، ليكون أقل استبداداً من الماركسيين ومن عبد الناصر؛ أرادوا أن ينقلبوا عليه، وفي ( مايو 1971م) قام عليهم السادات بما سمي ثورة التصحيح، فاعتقل الشيوعيين،وقال جملته المشهورة : ( اللي يعتدي على الثورة ح أفرمه )، وهداه الله ، أو نصح ؛ أن يطلق سراح ( الإخوان المسلمين ) من السجون والمعتقلات، وكانوا بالآلاف، كي يكنسوا آثار الفكر والثقافة الشيوعيين التي ملأت الجامعات ومؤسسات الصحافة والثقافة ، وقل ملأت البلد كله .
وفتحت المعتقلات ليخرج منها الآلاف من الإخوان الذين ظن أهلهم أنهم ماتوا، ومنهم الشيخ محمد قطب، بعد أن تناقل الأخوة خبراً يفيد بوفاته، لانقطاع أخباره في غياهب السجون، لأن المعتقل في البلدان العربية الثورية يغيب عن العالم ، فلا أحد يعرف مكانه ولا أحواله ، مع العلم أن الشيخ محمد قطب لا صلة تنظيمية له بالإخوان المسلمين، وكل ذنبه أنه شقيق للكاتب الإسلامي الكبير سيد قطب يرحمه الله، الذي اتخذ عبد الناصر قرار إعدامه وهو في موسكو. وقد اعتقل عبد الناصر أقارب الأخ المسلم أو من يتهم بأنه من الإخوان المسلمين، أقاربه من الدرجة الأولى، وأودعهم في السجون والمعتقلات، وكل أصحابهم، وربما زملائهم في العمل، وسرح من الجيش أقارب الإخوان من الدرجة الثانية ...
وشهادة للتاريخ فتح عبد الناصر الباب أمام غيره من الحكام العرب وعلمهم كيف يكون الحكم بوليسياً، يستند إلى المخابرات العسكرية التي تنشغل بالشعب من أجل الحفاظ على كرسي الحاكم، بدلاً من مهمتها الأصلية وهي مكافحة التجسس من قبل العدو، وأسس أقساماً في المخابرات العسكرية متخصصة في محاربة الحركة الإسلامية، و ملاحقة الإسلاميين وذوي الاتجاهات الدينية، تطورت هذه الأقسام وعممت في العالم فيما بعد وعرفت بقسم مكافحة الإرهاب .
وخرج الإخوان من الزجاجة التي ضغطهم فيها عبد الناصر، فانتشروا بفكرهم وثقافتهم في مصر كلها، بسهولة وسرعة عجيبين، مما يدلل على أنهم من رحم المجتمع المصري، وأنهم مقبولون في الشارع من جميع المواطنين ؛ حتى بعض الأقباط، وهكذا سيكون مصير الحركة الإسلامية عندما تعطى هامش الحرية، ولو كان هامشاً محدوداً . وكتبت الصحافة عن شهر عسل بين الإخوان المسلمين والسادات، وقرأت هذه الجملة على غلاف مجلة المجلة وكنت في الجزائر يومذاك . والمهم بعد أن استفاد الإخوان من المحنة، وتعلموا الأهم من المهم، وتأكد لهم أن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة هي الطريق الصحيح، وأن التربية والإعلام والعمل السياسي هي الأساليب الثلاثة السليمة للدعوة في زماننا، ونضجت الدعوة في مصر، وسلكت طريقها الصحيح، وهو طريقهم المعتمد من الإمام المؤسس يرحمه الله،الذي ما سلكوا غيره في يوم من الأيام ، رغم دعاوى أعداء الحركة الإسلامية .
لذلك انتشر فكر الإخوان المسلمين في الشارع المصري، وانتشر الحجاب في مصر، وخاصة في الجامعات، وفي كليات الطب والصيدلة والهندسة، الكليات التي يدخلها الطلبة المتفوقون، الذين يعرفون الحقيقة قبل غيرهم، وكثرت الإعلانات في الشوارع عن محلات الخياطة التي تبيع الحجاب الإسلامي بألوانه المتعددة بأسعار زهيدة ... وازدانت شوارع مصر بالمحجبات ، يملأن الشوارع بألوان هادئة غير زاهية ، ويكثر فيها اللون الرصاصي الفاتح والبني الفاتح ، وتنافست تلميذات المدارس بالحجاب الإسلامي الذي صار حديث كل بيت وشارع ومؤسسة ...
* * *