_ 2 _

6 0 00

_ 2 _

انتشر الخبر بسرعة في القرية، ونسي الناس أمر الليلة الثامنة، والأهوال التي تعرض لها صاحب الجلالة، ومصيره الغامض، وراحوا يتحدثون عن علي الحوات.

لقد فاجأهم في الحقيقة.

لا يذكرون آخر نذر باسم صاحب الجلالة. لم يتجرأ أحد في العهود الأخيرة عن إتيان ذلك. إن أحسن خدمة تقدم للقصر هي الابتعاد عنه.. هكذا راج بين الرعية. فلم يعودوا يتقربون لا من القصر ولا من صاحب الجلالة، امتثالا وطاعة. حتى أن الابتعاد تعدى حدوده العادية، وصار بالكلام والحديث أيضا.

فكما يمكن أن يساء إلى القصر بتصرف ما، ولو عن حسن النية، فإنه يمكن أن يساء إليه بكلمة ما، أو بعبارة ما.

وإن تجرأ الحواتون، وبعض العجائز، والشيوخ، والعاطلون عن الشغل، على التقرب إلى جلالته بذكر أخبار ليلته الثامنة في غابة الوعول، والأهوال التي تعرض لها، فإنه لا أحد كان يتصور أن تبلغ بعلي الحوات الجرأة هذا الحد.

علي الحوات الشاب الطيب، الذي شذ عن أخوته الثلاثة، وعن كثير من أقاربه. فابتعد عن طريق الضلالة. لم يسرق يوما. لم يكذب مرة . لم يتعد على أحد. لم يثلب في عرض، أو يتعرض بسوء لغيره.

كان مثال الشباب المستقيم.

ولع بالصيد مند صباه فلم يكن يفارق الوادي، يحمل قصبته وعدته على كتفه، ويتسرب مع الشعاب قبل طلوع الشمس، ولا يعود إلا بعد غروبها. وأحيانا كثيرة، يبيت هناك .

يصطاد كامل اليوم ولا ينقطع إلا ليشوي سمكة جميلة يتغدى أو يتعشى بها، طعامه من الماء- كما يقال- يترقبه كل سكان القرية, ليوزع عليهم باسما صيده، هذا سمكة. وذلك اثنتان وذاك ثلاث.

"لقد أكلنا جميعا من سمك علي الحوات" .

هدا ما كان يقوله كل من يتحدث عنه. حتى أن الناس نسوا كبائر إخوته، اللصوص المجرمين، ولم يعودوا يذكرون ما كان حديثهم طيلة أشهر، منذ أربع سنوات خلت.

في أربعة أيام متتالية، كشف اليتامى الأربعة عن مواهب وإمكانيات وخلائق كل منهم.

علي الحوات، عاد بكيسين كبيرين من السمك, فتحهما في ساحة القرية، ووقف بينهما مزهوا. وكل ما مر به أحد، أو اقترب منه, سأله عن عدد أفراد أسرته وأعطاه مقداراً من السمك.

حاول أحد أن يدفع له نقودا، فغضب وانتزع منه السمكات.

الزيت من الزيتونة والحوت من البحر، ولا حاجة لنقودكم.

جابر أخوه الكبير، عاد مع طلوع الشمس، بكيس على ظهره يقطر دما. فتح الكيس في الساحة وهتف:

_ كل من يحاول الاقتراب منى أفج رأسه بهذه الفأس .

تجمهر الناس حوله. وراحوا يتأملون الكيس مشدوهين : طفل في التاسعة. ملطخ بالدماء. مفجوج الرأس.

_ أنا جابر اليتيم, سرقت هذا الطفل، وفحشت فيه، ثم قتلته بهذه الفأس، من يحاول أن يتقدم منى أفج رأسه، من طلبت منه نقودا أو حليا أو مجوهرات، ولم يستحب لطلبي, في تسع دقائق, فعلت بابنه أو بابنته مثلما فعلت بهذا الطفل . أتفهمون . هيا تفرقوا.

قبل أن ينصرف الناس هاربين بأبنائهم . كان جابر، قد وثب خرج الحلقة مهددا بفأسه، ثم قصد الغابة، ليتخذها مأوى ومقرا ينطلق منه، لارتكاب الشرور والآثام.

سعد، أخوه الثاني وقف عصر اليوم الثالث في الساحة، وفتح الكيس الذي كان على ظهره، وهتف:

_ يا سكان القرية. أيها الكلاب التعساء، تعالوا أفهمكم الحقيقة.

تجمهر الناس حوله، في حلقة كبيرة، وراحوا ينتظرون ما سيفعل.

فتح الكيس، وحمله من أسفله, ليفرغ ما فيه.

سقطت عجوز يابسة زرقاء. جاحظة العينين, مفتوحة الفم.

_ أنا سعد اليتيم. هذه أم المرحومة أمي. أرسلتها إلى الحمام لتسرق لي مجوهرات المستحمات، فلم تفعل. قالت إنها تخاف.

فكان مصيرها مثلما ترون.

هل تفهمونني: من اليوم فصاعدا, يجب اعتبارى سيد القرية، ومن كان له اعتراض أو وجهة نظر أخرى، فليتفضل، هنا، الآن.

لقد خنقتها بإصبعين وفي وسعى أن أخنق سبعة منكم بيد واحدة, من له اعتراض؟

أطلق سعد صرخة مدوية، وانطلق نحو الغابة.

مسعود أخوه الثالث. حمل ظهر اليوم الرابع ساطورا وخنجرا واقتحم متجر الشيخ بن داود.

_ يا الشيخ بن داود يا شبيه الذل. اعطني كل ما تملك من نقود, وكل ما في متجرك من ذهب وفضة ومجوهرات. أنا مسعود اليتيم، أخو جابر وسعد ولص اللصوص.

امتثل الشيخ بن داود، وأسرع يقدم كل ما عنده ويضعه في جراب قدمه له مسعود.

_ لاشك أنك أخفيت الأثمن يا شيبة الكلب.

_ أقسم بالله والأولياء وبكل ما تريد.

_ قل ورأس جابر وسعد ومسعود وحتى علي الحوات.

_ يا بني هذا كل ما أملك. هذه ثروتي كلها.

_ تعال. اخرج هنا يا شيبة الكلب.

خرج الشيخ بن داود متسائلا عما يريده به مسعود الذي أمسكه من صدره وقاده نحو الباب هاتفا:

_ أيها التجار الفجار, يا سكان القرية ويا جميع الكلاب والخنازير. تعالوا.

تجهر الناس حوله مبهرتين، وراحوا يترقبون ما سيفعل بالشيخ بن داود الذي ظل يرتجف .

تأملهم مسعود واحد واحد، قبل أن يأمر الشيخ بالجلوس على العتبة .

امتثل الشيخ مذعنا بينما ظل بصره عالقا بالساطور.

حدق فيه سعود مليا، ثم رفع يده إلى فوق.

_ أقسم برأس مسعود اليتيم أنك لم تخلف شيئا دون أن تسلمه لي.

_ أسم برأسك.

قل برأس مسعود اليتيم أخ جابر وسعد وحتى علي الحوات.

_ أقسم برأس مسعود اليتيم أخ جابر وسعد وعلي الحوات, أنني ما خلفت أغلى مما سلمته لك.

_ يا كلب . يا كلاب.

هم أن يهوى على رأسه بالساطور.. ضغط أسنانه. أغلق عينيه، ورفع يده إلى الأعلى، أكثر.

_ لا لن أقتلك اليوم، ينبغي أن تبكى المجوهرات والنقود كما يجب.

حمل مسروقاته وعدته وأم الغابة. دون أن يعترض طريقة أحد.

هذه عادة القرية. ورثوها ابنا عن أب عن جد.

هناك الخير وهناك الشر، ومن كان فيه طبع وأخفاه، فهو جبان ونذل، وإذا ما كشف الخيرون والشريرون عن أنفسهم , كشف العصر عن سمته, فهو إما عصر خير أو عصر شر، وإما عصرهما معا.

ومادامت الغابات تبتلع، والقرى الأخرى تجذب، فليفعل الشرير كبير ته الأولى في القرية ويذهب بسلام، وليبق من الخيرين من طاب له البقاء.

المهم ألا يؤدى اعتراض منا إلى تدخل السلطان.

شرنا خير من شر الغير. وعدم إزعاج رجال السلطان عبادة لجلالته وطاعة له.

لقد ظل جلالته ورجاله في منأى عن القرية وعن مشاكلها. وظلت القرية، في عبادة صامتة لجلالته، وكما لو أن هناك اتفاقا ضمنيا، يعمل الجميع على احترامه.

بيد أن ابن القرية البار الطيب علي الحوات، جاء في هذا العصر ليخرق العادة، ويتخذ بادرة، لا أحد يدرى ما إذا كان القصر سيرضى عنها أم لا. وبما ستعود على القرية الآمنة.