(4)
البدايات الصاعقة لا تُنسى وكذلك الخواتم.
جدي كان صامتاً معظم الوقت. أجهزة الإنعاش حول جسد جدتي. كانت غائبة عن الوعي تماماً. كلانا يدرك أنها تغادر الحياة في تلك اللحظة، وتقبل الواقع أمر مرير في هكذا حالات.
غادرت قرية الراوي نهاية الأسبوع بعد أن أمضيت الليل برفقة جدي نزيل بعض أوجاع صدورنا. كل بطريقته. هو يستمع لحديث جيرانه عن الأرواح ورحمة السماء وأنا أرتب البيت لحياة جديدة سيكون فيها جدي يبحث عن خيال جدتي في الجدران وسقوف الغرف.
عندما قررت أن آتي هنا كنت موقنة تماماً أن الحياة تريدني أن أكون هنا وليس في أي مكان آخر. كنت أفكر في زيارة جدي من أمي، رجل في الثمانين من عمره. قيل لي أنه يحتضر ويسأل عني. غريزتي ربما ساقتني هنا لأحضر هذا المشهد برفقة جدي.
أسبوع حافل حقاً، والحياة بأوجهها تتلفزنا لجهات لا نعرفها في الغالب، تراقبنا عن كثب وربما لا! فقط افتراضات يحلو لنا أن نتسلى بتخيلها كذلك.
نحن البشر مهما كنا اقوياء ضعفنا يكمن في قوانا حين جفاف. هكذا قالت لي عينا جدي عند موقف الحافلة وأنا جالسة أنظر إليه مبتسمة وخاتم زواج جدتي في كفة يدي.
جدي عسكري سابق وله رفقة طيبة في القرية و حانوته في السوق يجلب له دخل لا بأس به يضمن له حياة متوازنة بين رياضة المشي ومجالسة الكتب برفقة أصدقاء المقهى بجانب حانوته.
علي أن أصمت. هذه الغجرية لا تكف عن سرد قصصها في أذني. تعبث بخصلات شعري من حين الى آخر ابتسمت لها حين قالت: هل الحنين في قلبك تجاه المدينة أم تجاه حسن؟ على كلٍ الغانية الفاتنة في القرية تنتظرك وقتما تشاء وهذه الروح فيك.
تذمر الجسد ونظر إليها بسخرية الربان، خاتماً الحوار بجملة: البحر ماتع، والطقس عليل، والروح شراعها هذا العقل الذي برأسي. كفي عن إغراق هذا الكائن بتقرير أمور لا جدوى منها، على الأقل ونحن في مفترق الطرق!
كنت أنظر لخاتم جدتي منقوش عليه أسم جدي و سنة زواجهما. حينها لم أكن هناك بالطبع، ولكن حتماً فخور بهما حيث كللا حب الطفولة بهذا الزواج والذي من ثماره هذا ال أنا هنا .
عصافير الراوي لاحقت مسيرنا و غازلت عيناي لقرابة الساعة. في رحلتي القادمة ساعد الإفطار لجدي وحدي.
اليوم الذي يمضي أين نلتقيه مرة أخرى؟ مقطع من أغنية رافقني إلى فراشي تلك الليلة . علي أن أرتب أفكاري بشكل لا يشوبه حنان لأي لحظة مضت من حياتي، فقط أستنتج أن إبحارنا في الأمس كان تجربة نستثمر نتائجها في دروب الغد بشكل يضمن لنا أقل قدر من الخسائر.
همست الغجرية في أذني: الحنين له صفات ايجابية لا تنسى! ابتسمت وغفوت في سبات عميق.
المذياع في الصباح، ككتلة من الهلام، بث أخبار العالم المهمة حسبما قال المذيع في أقل من نصف ساعة. والأغاني الشعبية رافقت النصف ساعة الأخرى. أغلقت المذياع لا أسف على أي مما سمعته منه.
جلست امرأة في الخمسينات من العمر بجواري، قالت لي بصوت محبب: نشكر ساعات تطوعك لتدريسنا في مدرسة تعليم الكبار. شباب هذا العصر يفوتهم واجبهم تجاهنا هل تجدينها تجربة ناجحة بالنسبة لك؟
أجبتها كمن يقلد صوتها: بالطبع فأنا أسعد بالتواصل المعرفي. كما أعلمكم ما لا تعلمون، تلقنونني بدوركم ما لا أعرفه من خلال أحاديثكم وتعاطيكم لأمور الحياة.
أحضر لي حسن شريحة جبن وخس وعصير برتقال طازج من المطعم بالطابق الأرضي، وضع ذلك أمامي قائلاً: تصبيرة لوقت الغداء. عليك أن تعتني بنفسك! هنا المدينة لا يعرفنا بها سوى العمل. القرية حياة طاهرة لا تعرف سوى المجاملات وحسابات الزمن، هناك مختلف تماماً. هنيئا لك أن تجد الوقت لتسافر حيث تشاء. والداي يكبلان حركتي تماماً. أمي المقعدة ووالدي المدمن يحتاجان طاقتي ووقتي لرعايتهما.
لم أبلغه أني فقدت جدتي خلال هذا الأسبوع، فقط أعلمته أن رحلتي كانت حافلة بالكثير صوتي. شابه الحزن ربما.
كانت الغجرية تجلس في ركن المكتب حيث طاولة صغيرة فارغة تمضغ علكتها بتأن وتراقب النافذة من أمامي حيث المتعاملين يحضرون وأنجز مهامي كآلة. يتخلل أحاديثي بعض التحايا وتعبيرات المجاملة من حين لآخر مع العملاء الذين يراجعوننا بشكل دوري.
جسدي يشعر بالتذمر كما العادة ساعات العمل طويلة والتركيز يأخذ من طاقته وهذا حسن. من حين لآخر يخترق تفاصيله بنظراته كلما تسنى له.
أيها القارئ! يحيرني هذا الكائن الذي أحدثكم عنه. تارة يجعلني أغوص في ذاته وتارة يحملني إلى عوالم ما حوله. تعاطيه السريع لمجريات الحياة والأحداث معه مسلي حقاً. كلما تفحصته أكثر أزداد اعجاباً به. تجبرني مهنية الكاتبة بأن ألتزم الحياد في منهج السرد. في كثير من الأحيان أستطرد معه في ما حوله من خلال تفاصيل ذاته، وذلك يجعل لعملي معه متعة خاصة. يبعدني عن التحليلات والاستغراق في التفاصيل التي تبدو حقاً لا يستهويه الاسهاب فيها، والتركيز على هالة الزمان والمكان في تعبير مختصر الزماكانية. حتى دمج المصطلحين معاً يعبر جيداً على التسارع في كل يتعلق بعالمه.
مشهد وفاة الجدة خلته سيستغرق حديثنا عنه فصلاً كاملاً، ولكن ألزمني أن أحترم نهجه العصري، الجديد جداً علي، في المرور بكل شيء أيا كان بذات السرعة. لنصل إلى نتيجة واحدة، كل يمر شئنا أم أبينا، وعلى العقل أن يستوعب السرعة في كل شيء، والرفض يعرض الجسد لعلل لا حاجة لتعاطي مرارتها. الروح كفيلة بأن ترسم خط كما خط بليماسول للمركب في عرض المحيط لا للغرق شعار ذكي. فكما أخبرني هذا الكائن ذات لحظة صفاء في جزيرة الراوي: علي ككائن ان أتحكم في حياتي، وعلي أن أجد ما يسعدني بنفسي ولا يجوز أن أترك غيري ليستمتع بحياتي وأنا الكفيل بها وحدي.
فلسفته جعلتني أحترم وجهات نظره وأتعاطى مع كل مجريات السرد المتعلقة به كما هي، لا إضافات من جانبي اللهم إلا مهمة الكتابة فقط.
في هذه الأثناء حسن يقترب من النافذة يلاحق بنظره قطة عبرت الشارع الأمامي. سألته: هل ترغب بمزيد من القهوة؟
أجاب: لا شكراً! الكافيين يسهرني وعلي أن أنام مبكراً كما أخبرتك. اليوم يبدأ لدي قبل شروق الشمس أعد الإفطار لوالدي. هممم؟ والدة جارتي ليلى تزور أمي خلال النهار عادة . والدي يعاقر الخمر في الليل وينام طوال النهار. أصبح يذبل مؤخراً وصحته لا تحتمل أن يواصل عادة الشرب، ولكنه لا يسمع رأي أحد. يعجبه أن يردد جملة: دعوني أعالج نفسي بنفسي، الخمر خير داء ودواء لرجل فقد كل مثلي.
وقفت ذاتي الغجرية أمام المرآة مخاطبة صورتها : أذكر ذاك الحديث المسترسل من حسن حين اختلى بك في استراحة الغداء أول اسبوع عمل لكما معاً. كنت تقرأ شريط الأخبار من على تلفاز المقهى بالطابق الأرضي لمكاتبكم، بينما جلس حسن يحتسي الشاي متحدثاً اليك: والدي وزير سابق، ووالدتي ابنة سفير سابق. تزوجا عن حب ولم ينجبا سواي. اختلس والدي بعض المال العام، ليصرفه على سهراته الخاصة. فضح أمره كان ردعه أن صرف من وظيفته. ما فعله بالنسبة له مبرر. والدتي لم تهجره بل هجرها أهلها. مع مرور السنين كان والدي قد باع كلما لديه من ممتلكات وكذلك أمي باعت كلما تملك من مجوهرات. لم يتبقى لهما سوى هذه الشقة التي نقطنها وشقة أخرى في حي فقير، أصبحنا ننتظر عائدها السنوي لتغطية مصروفاتنا ما أمكن.
جدتي قبل سنتين فقط أصبحت تزور أمي بعد أن أصبحت مقعدة. تعطف علينا بما تيسر لها في كل زيارة. أمي تعاني من حالة نفسية أثرت على ضغط دمها أصبحت مقعدة وتعتمد علي تماما في كل. أبي يحبها جداً يشعر بالعجز أمامها . فقد كل من يعرف بعد الفضيحة التي ألمت به عدا أمي لم تهجره. هو ممتن لها ومخلص، فقط الخمر الرخيص أصبح نديمه، يبثه همه وحزنه في كل وقت. وذلك أثر في صحته حتماً. لا يذهب إلى الأطباء. كثيراً ما وجدت بقع دم في الحمام وفي فراشه.
اشعر بالحزن حيال ما آلا له. لنا أقرباء أثرياء لا يستطيع أياً منا أن يصلهم، فمواقفهم تجاه أسرتنا الصغيرة محسوم منذ سنوات!
واصلت ذاتي الغجرية حديثها وهي تراقب عيني و أنا أنظر لوجه حسن: هنا ما يسمى حب على ما أعتقد؟ ! همم! هو أخبرك كل شيء عنه لتري الجانب الإنساني فيه. حيلة قديمة لكسب الود!
تجاهلت كلما قالته هذه المتمردة. أراها الآن بدأت تتوارى خلف جسدي.
تحركت تجاه الطاولة أضع كأس العصير الذي كنت احتسيه أمام فنجان قهوته الفارغ.
مرت ساعة وحسن في الفراش يلفني بذراعيه تماماً. رأى خاتم جدتي في بنصري الأيسر. داعبه بسبابته اليمنى. ما سألني، ولا أخبرته.
في الصباح كان يحدثني عن ليلى وأنه التقاها وأمها في مدخل المنزل حين عودته مساء الأمس. تفحص كتاب كان أمامي : (اللاطمأنينة) لفرانسوا بيسوا. وجد قصاصة من ورق بخط يدي.
همهم: نص نثري أنيق! أراك مشروع إبداعي كما العديد من الأسماء المرموقة في عالم الكتابة، بدأوا من مصلحة البريد.
ضحكت وقلت في اقتضاب:نحن في عصر عجيب حسن، كل من كتب حروفاً رغب في إرضاء أناه، عليه فقط التواصل مع دار نشر، وهناك من يرضيهم هذا الكسب السريع. حبر وورق وجيب ممول. أتعجب لمن يعمل في الصحافة أو الأجهزة الإعلامية ومن خلال ممارسة عملهم والتقائهم بالمبدعين يتماهون مع ذاك العالم، وبعض الخربشات تخرج في كتب يذيلها اسم إعلامي، وشاعر إعلامي، وقاص إعلامي، وكاتب إعلامي، أي صوت لواجهة مهنية إعلامية و قلم. قد يكون هناك ابداع حقيقي وقد لا يكون.
قاطعني حسن: قد تكون بحق مشروع ابداعي، لما لا تتجه لذاك الحقل؟!
أجبته: سعيد بما أنا فيه استعذب القراءة أكثر!