(5)

5 0 00

(5)

الرسائل الفارغة يملأها الأمل حتى تتحقق.

عطلة نهاية الأسبوع فرصة سانحة لزيارة جدي من أمي. صديقه السيد عبدالله أخبرني أن جدي يصل إلى عتبة الموت ويعود شاباً سليط اللسان. أمسكت بكفي جدي قبلتهما. جلست بجواره. قدميه بها انتفاخات ونظراته ممتلئة بالحيوية.

اليوم نجحت في صنع فنجان قهوة به رغوة جيدة، ولكن للأسف لم استطع ان أحتسيها إلا وهي باردة. جدي يمدح في تسريحة شعري الجديدة وقال لي أنني أصبحت أشبهه جداً. ابتسمت وأنا أنظر لأثاث المنزل، لقد جدده قبل عشر سنوات، أي قبل وفاة جدتي بعامين. كل كماهو، الشاب الريفي الذي يرافقه يقوم برعايته بشكل جيد، أعني الأثاث والمنزل وليس جدي. فجدي بصحبة صديقه السيد عبدالله يقومان بكل عمل معاً كتوأمين. كلاهما فقد زوجته في ذات العام. جسد جدي ممتلئ بعض الشيء وصديقه نحيف جداً. جدي يفضل أن يقوم بمهامه بنفسه ويعامل الفتى الريفي كوالد، يساعده في كل مهامه وليس العكس. جعله يلتحق بالمدرسة ويواصل معه دراسته وتطوره. جدي بحكم وضعه الصحي أكله خفيف جداً مسلوق أو خضر طازجة.

كانت حديقة المنزل كما تركتها قبل عدة أشهر. مخضرة وأشجارها مشذبه بشكل جيد. شجرة النيم تتوسط الحديقة بها كرسيين وطاولة.

طلب مني جدي أن أرافقه ليجلس هناك. سبقنا السيد عبدالله وجدي يتكئ على عصاه. يخطو بتؤدة. ترتجف يديه. رفض أن يتكئ على كتفي. قال لي: أنا عجوز كهل وأنت شابة في مقتبل العمر ولكن عصاي تتحمل وزني أكثر من جسدك.

أحضرت كرسي من طقم السفرة بالمطبخ. جلست ويداي على كتاب روائي، وجدي وصديقه يتصفحان الجرائد اليومية. كلاهما يجزم أن علامات الساعة الصغرى قد تحققت ومع ذلك لا يزالان يستمتعان بالحياة. السياسيون يلعبون بالبيضة والحجر لتحقيق معادلات عقيمة. ببساطة لأنهم جهلاء بالسياسة، فقط الصدفة أوصلتهم لكراسي كل ما يعرفون عنها فقط الجلوس والأكل، لا يبالون سوى بتحقيق مآرب مريضة وعلى الشعوب أن تدفع الثمن بأي حال.

قال السيد عبدالله: كنا سابقاً نتحدث في كل أمر لا أحد يسكتنا. الآن يجعلوننا نتحدث ولا يسكتوننا ببساطة لأنهم لن يذهبوا لأي مكان، فقط يجلسون على الكرسي حتى آخر رمق من حياتهم.

سألت بابتسامة: لم تعممان؟

قال جدي: الناجح فيهم لا يغير سوى في محيطه ولا يبالي بمن خارجه! أذن هو أيضا مثلهم. ما جدوى تواجده في هذا العصر؟.

صمتت بعدها، وقالت الغجرية من فوق الشجرة بصوت متهكم: جليسيك كهلين لا نفع من حوارهما. لم لا تخرج الى المقهى بعد قليل وتلتقي أصدقائك القدامى؟

انصاع جسدي،استأذنت بالخروج. وما زال الكتاب الروائي بيدي.

الطقس معتدل ولكن الرطوبة مرتفعة بعض الشيء. عرجت على المكتبة بجوار المقهى بوسط السوق. لا عناوين مغرية بعد. إلا أن الكتب المترجمة تتزايد بشكل ملحوظ.

قال لي البائع هناك: عدد القراء لا يزيد! المعدل ثابت كما هو. الناس تشتري الخبز والدخان أكثر من الكتب، وتمضي الساعات بين القنوات التلفزيونية وجلسات النقاشات السياسية الفارغة. بعضهم ينزل الكتب عبر الأجهزة التقنية من الشبكة العنكبوتية فهي مجانية ومتاحة للكل.

رددت في اقتضاب: ربما اليأس والاكتئاب هو السبب. وبالنسبة لقرصنة الكتب عبر الشبكة العنكبوتية أمر شائع فقط لا يغني عن ملمس الورق ورائحة حبر الطباعة.

اكتفى بابتسامة وهو يستلم النقود مني، ثمن لكتاب عن سيرة ذاتية لأحد الكتاب.

في المقهى جلست وذاتي الغجرية أمامي وجسدي مستسلم للأصوات من حوله في أريحية.

عامل المقهى أتى مستبشراً قائلاً: كيف حالك؟ الأصدقاء على موعدهم يحضرون في نهاية الأسبوع كما العادة. هل تسبقهم وتحتسي مشروبك المفضل؟

أجبته : نعم شكراً لك.

قاطعتني ذاتي الغجرية: نظارتك الشمسية جميلة جداً أهي أصلية وليست تقليد؟!

أجبتها: تعرفين كل تحركاتي هي تقليد بالطبع!

نظر إليها جسدي متهكم: تعرفين كل شيئ وتسالين عن كل ! كم أنت متمردة ومراوغة!

وضعت ساق فوق ساق، كانت بجلستها مغرية و أنيقة جداً. تمضغ علكتها بطفولية غير مبالية للحضور حولنا.

قبل أن اكمل الفصل الأول من السيرة الذاتية للكاتب التي أمامي حضرت نجاة. تبدو كما هي مرحة في شخصيتها وألوان ثيابها التي ترتديها. قبلتني على خدي و اظهرت غبطتها للقائي. جلسنا نتحدث لربع ساعة تقريباً عن أخبار الأصدقاء حيث حضر مراد ومنى. يبدو عليهما السعادة والرضا بعد خطبتهما قبل أشهر قلة من الآن.

بعدها بأقل من خمس دقائق دلف ماجد وفواز وانضموا الينا في جلسة ماتعة نسينا فيها الوقت وكلما حولنا واضطر عامل المقهى من أن يخفض صوت المذياع. والرواد من حولنا بكل تأكيد كل منه في عالمه يجول وهو ينظر لطاولتنا ويتأمل أحاديثنا وقهقهاتنا.

للحظة وجدتني أصمت وأفكر: ماذا لو كل ما يدور حولي الآن مجرد وهم وأني أحلم فقط؟! سأجري اختباراً لأطمئن هذا العقل. مسكت بكتاب السيرة الذاتية الذي اقتنيته تواً. وفتحت صفحة توقفت عندها، قلت لأصدقائي الجلوس حولي: هذا الكتاب يتحدث عن كاتب نشر خمسة عشر كتاباً بين الفلسفة والفكر والرواية والنقد تحت أسم مستعار، ومات فقيراً لا أحد يعرف عنه شيئاً حينها، وبعد عقد من الزمان أنيط الحجاب عن شخصيته بواسطة ابنته التي عرفت عنه كل شيء . لكنه أخبرها ألا تتحدث عنه حتى وفاته. قدمت ابنته الأدلة والبراهين على هوية والدها وكتبه. الابنة الآن تعمل صحفية ونشرت هذا الكتاب عن والدها.

سألت الحضور: ماذا لو كانت هذه الكتب من نتاج هذه المرأة ووالدها ليس له علاقة بالأمر؟!

لحظة صمت مرت قاطعتها ذاتي الغجرية: لعبة ساذجة! أسالهم عن الأمر مباشرة.

قلت لها: أصمتي سيتهمونني بالجنون إن فعلت، فتغيير الموضوع بهذه الطريقة يبدو حقا مربكاً.

فقط أدركت نفسي وأنا أسالهم: ما هي الحقيقة والواقع، وما هو المتخيل والوهم؟ هل الأحلام تدرج على أنها حقيقة؟ لم بعض الناس لا يرون أحلاماً ؟ وهل هذا يمنعهم من الإحساس بالعوالم المغيبة؟ وهل هذا دليل على ما يفرق بينهم وبين من يرون أحلاماً دائماً ومن يرون أحلاماً بصور متقطعة ونادرة؟!

هالة من الطاقة لفتني و عقدت لساني في تلك اللحظة. جسدي كان يحدق في أي اتجاه يرسل ردا لأسئلتي هذه. والغجرية في ذاتي تتقافزحولي!

أجابت نجاة: هناك كتب عدة تتحدث عن هذه الأمور. هل أنت تختبرنا اللحظة أم ماذا؟! همم! فرانسوا فرناندو بيسوا كتب متخفيا بعدة أسامي، ثلاثة أو أربعة منها ألفاروديكامبوس، ألبيرتوكاييرو، وريكاردوريس. وهناك غموض يلف حتى ما إن كان أسمه الحقيقي فرانسوا فرناندو بيسوا أم لا! ويقال هناك أسامي أخرى تصل إلى السبعة. كتب تحت أعمال هذا الشاعر اللغز. وهو كهوية غرائبي حقاً .كل أسامي الشخصيات التي ذيلت كتاباته من نسج خياله هو فقط. همم! ربما واحد فقط هو الحقيقي ولا أحد غيره يستطيع أن يؤكد أو ينفي ذلك.

ردت عني الغجرية: هذه الأسئلة تدور في رؤوسنا لا نحتملها، نلقيها في مكان ما. الكتب الفلسفية تقول الكثير. ماذا تقولون أنتم أيها المتعلمون في العصر الحديث؟! الحديث جداً جداً!

أتى النادل بمشروبات كلٍ حسب ذائقته. سألته مُنى: كيف دراستك الجامعية؟

أجابها: آه إنني مستمتع بدراستي للفن التشكيلي. لقد أصبح صاحب المقهى يشجعني ايضاً، أشكركم على إقناعه بأن آتي يوم عطلتي وزملائي بلوحاتنا هنا لعرضها والحديث عنها.

قال مراد: أنت مبدع حقاً ونتمنى لك النجاح. فكرة عرض الفنون عبر المقاهي نهج عالمي عبر التاريخ، ومتعارف عليه. يحقق دعاية للمقهى و المبدعين معاً.

كان عصير التفاح الأخضر طازج، احتسيته ونجاة تؤكد بصوت دعائي أن عصير الفراولة شهي جداً وأن الرواد الذين دخلوا بعدنا للمقهى سيطلبون ذات طلباتنا.

استدار فواز لينظر إلي في غموض وقاطع صوته أحاديثنا الجانبية: سؤال جد حاد! أنا أرى أحلام ككل البشر، فقط أنساها حين استيقظ. أعتقد أن هناك إشكالية حقا في تلقي عقلي للأمور الغيبية، لا أستطيع تخيلها وتصديقها كما يفعل على سبيل المثال أخوتي. فهم يرون أحلاماً مختلفة ويتذكرونها ويجزمون أن بعضها يتحقق. همم ! كم مثير هذا حقاً.

نظرت منى إلينا في اقتضاب: أتعلمون أن أبي يقرأ الطالع ويخبرنا دوماً أنها ملكة اكتسبها من جدوده سكان الغابات؟!

صوت ملعقة ترتطم بالأرض، ومن ثم زمجرة صغير و صوت أمه تعاتبه: لم لا تسمع الكلام؟! أمك تجيد اطعامك بشكل أفضل!

نظرت للمشهد، جلس الصغير غير مقتنعاً بما قالته أمه ولكنه مستسلم على مضض، فهو عابس جداً ويفغر فاه بملل لتطعمه أمه.

قال ماجد: لطالما درسنا عن الأحاسيس و الإدراك، الأول انطباع حسي و الثاني تمييز، أي معرفة. أي أن الإدراك نقطة تجمع العقل والحس. همم! نحن ندرك العالم بحسب ما نحن عليه لا كما هو من الناحية الموضوعية. إن العوامل الوجدانية والعاطفية بما فيها الهواجس والمخاوف والطموحات والأحلام لها دورها في عملية الإدراك. نحن بحواسنا ندرك ما حولنا كمشاهدين فقط. وفي درجة أعلى من وعينا نستطيع أن ننقل ما ندركه إلى مستوى أسمى، فلا نحتفظ بمشاهداتنا كصورة ثابتة فقط، بل نعي وندرك ما نراه من منطلق الخبرة الحياتية والرغبات والقيم وننقل ذلك لدرجة العلم الإيجابي والذي يدخل في سياق ممارساتنا بتطبيق فعال لكلما نجده بنائي لذواتنا ولمن وما حولنا.

دخلت امرأة مع رجل في مقتبل العمر. يبتسم الرجل في هدوء والمرأة كمن يرتدي قناع، واضعة مساحيق التجميل بكثرة. لا أعرف كيف ملامحها ستكون بدونها! إذ هي لا تبتسم. جلسا على طاولة أمامنا. هو يتحدث ويبتسم وهي تومئ برأسها وتنظر حولها فقط. لا أعتقد أنها مستمتعة بصحبته. لغة الجسد تدلنا على الكثير.

ذاتي الغجرية جلست بجوار تلك المرأة تضحك على المشهد وتشير بأصابعها نحوها: هي تبحث عن فرصة رفيق أفضل وهو كاذب جداً ينافقها! هي مديرته في العمل وهي عانس!

كلمات أتت على لسان مراد أنصتنا لها جميعاً: الفلسفة والتفكير العميق علم وعمل كغيره، هدفه الحقيقة ومنفعة الإنسان. كلكم تتحدثون الآن في ذات الحلقة. لي آراء قد تبدو مختلفة بعض الشيء، العديد من الفلاسفة تحدثوا بشعارات تعكس فرضيات يعتنقها البشر ليضروا ذاتهم وغيرهم! كل يتوشح الأفكار الغرائبية ويعتلي منبر الحياة كيفما يتأتى لفهمه وتجربته، كما ذكرت تواً ماجد. هتلر مثلاً قرأ كتابات نيتشة وغيره فعل أيضاً. أعتقدوا أن القوة والسلطة للإنسان الخارق المتجبر بأن يبيد غيره من الضعفاء و ينتهج القوة في مساره. وليس هتلر وحده، بل الكثيرين فهموا هذا الفيلسوف كما يحلو لهم، من مقت الضعفاء و تهميشهم و التعالي عليهم. بينما الرجل ببساطة كانت أفكاره لخير البشرية ونفعها. دعا للنهوض بالذات والتركيز على العزيمة، وعدم الخضوع والخنوع بالأمور التي تجعل الإنسان في حالة ضعف، بل علينا كبشر السعي وبأنفة و كبرياء لتحقيق نجاحاتنا وتكون السلطة العليا على الإنسان ذاته وليس غير ذلك.

عادت ذاتي الغجرية تحدثني من جوار تلك المرأة المديرة كما أخبرتني قبل قليل: لم البشر يعقدون حياتهم وهي بسيطة جداً. أخبر أصدقائك فقط كونوا انفسكم وتمردوا على كل أمر تقليدي مقيت.

زجرها جسدي : ستكون فوضى أيتها الهمجية.

حسمت الأمر قائلاً: كل له تجاربه وآرائه وعلينا احترام الكل بغض النظر إن وافقناهم الراي أم لا!

أضافت نجاة هنا جمل كمن يتغنى بها: لو اعتنق كل فرد هكذا أفكار لعم الخير المجتمع كله. ببساطة سيكون هناك تركيز على مواطن القوة والعمل على رفع نقاط الضعف والسيطرة على مسار الحياة. كلٍ يدرك غايته بأن يكون الفرد كائن إيجابي وفعال في مجتمعه. بالطبع ذلك يؤجج التنافسية بين الأفراد وذلك يؤدي للإبداع و التفكير العملي والعلمي في إطار إنساني سامي.

انتبهت ونحن نتناول وجبة الغداء، أننا أمضينا قرابة الخمس ساعات نتحاور، ولم نشبع مما تداولناه.

جميل أن يكون لدينا هكذا أصدقاء، نطرح معهم مواضيع دسمة. لا يهم أن نصل إلى نتائج المهم أن نطرحها ونتداولها في حقبة، ما في ظروف ما. قد نجني ثمار هكذا أحاديث في عمل إبداعي. من يعلم!