الفصل الثاني
الهروب الأول
ركبنا الحافلة إلى عسقلان ، وفي المحطة اشتريت خارطة صغيرة لمعرفة الاتجاه.
قضينا بعض الوقت في عسقلان لأننا تعرفنا على فتاتين يهوديتين هناك لتمضية الوقت وإبعاد الشبهة ، لأن هذه المدينة ضمن المناطق المحظورة على العرب .
ولكي نتخلص منهما ،ادعينا أننا مرتبطان بموعد مع بعض الأصدقاء، وعند الغروب دخلنا المناطق الزراعية (البيارات) .
تأملت الخارطة فعرفت أن غزة على يميننا ولا يفصلنا عنها سوى كيلومتر واحد .
سرنا بين المزارع، هبط الظلام فلم نعد نميز الأشياء، فرحنا نتفحص أوراق الأشجار لنعرف ما إذا دخلنا المنطقة العربية أم لا ، وعرفنا من بعض الأشجار، ومن طريقة الري أننا في منطقة غزة فخرجنا إلى الشارع .
صادفنا نقطة لقوات الطوارئ الدولية ، سألنا أحد أفرادها عمن نكون، فزعمنا أننا من غزة ، وبعد أن تجاوزنا النقطة رحنا نغني في فرح
( أنت عمري اللي ابتدا بنورك صباحو) ! رأينا شابا فسألناه عن أقرب مركز للشرطة فأرشدنا إليه .
قابلنا في المركز بعض رجال المخابرات المصرية ، فوجئنا بهم بعد سماع قصة هربنا ، يأمروننا بالعودة من حيث أتينا ! كنت أتصور أنني معروف إلى حد ما لدى المخابرات المصرية والعربية عموما ، وأن معلوماتهم عني كرياضي على الأقل ، تكفي لمقابلتنا باهتمام وتفهم لسبب هربنا .
كان لديهم بعض المعلومات عني وعن مشاكلي مع الشرطة ، لكنهم بالرغم من ذلك استقبلونا بفتور ، وقرروا أن نعود أدراجنا دون أن يرشدونا إلى الطريق الآمنة للعودة !تركونا نسلك طريقا وعرا قد لا يكون خاليا من حقول الألغام .
وأدت عودتنا العشوائية إلى القبض علينا ، حيث ركبنا حافلة متجهة من بئر السبع إلى عسقلان ، وهذه المنطقة من المناطق المحظورة على العرب.
وكان تواجدنا فيها كافيا لإلقاء القبض علينا ، مرت في الطريق دورية لحرس الحدود فأوقفت الحافلة ولدى تفتيشها ، قاموا بإلقاء القبض علينا ووضعونا في سجن عسقلان في 01/04/1964 .
بعد ثلاثة أيام حضر محام موكل من طرف أهلنا بالدفاع عنا ، قابلناه في حضور الشرطة فقال : لا أستطيع الدفاع عنكم إلا بعد انتهاء التحقيق، فطلبت منه أن لا يعود و أن يخبر أهلنا بأنه لا ضرورة لحضورهم .
عدنا إلى غرفتنا في السجن فسألني مكرم :
لماذا تصرفت هكذا مع المحامي؟!
فأجبته قائلا: لأن المحامي لن يفيدنا ما دامت التهمة الموجهة إلينا كافية لحبسنا سنوات وربما سنين طويلة ، وكانت تلك التهم كما عرفناها من المحامي ومن المحقق أيضا هي ما يلي :
1 – مغادرة البلاد والعودة إليها دون تصريح .
2 – الاتصال مع العدو .
3 – تزويد العدو بمعلومات تضر بأمن الدولة .
4 – خيانة الدولة .
5 – إخفاء معلومات عن رجال الأمن .
6 – الإصرار على الاتصال بالعدو .
بعد سرد التهم الست دون إضافة تهمة الاعتداء على عامل المحطة الذي لا نعرف مصيره ، قلت لمكرم : ليس لدي استعداد للبقاء في السجن شهرا واحدا ،أضف إلى ذلك احتمال موت العامل المضروب ، كما أن موقف الشرطة من المحامي دفعني
إلى التفكير الفوري في الهرب مهما كانت النتائج والاحتمالات !
كنا خمسة عشر سجينا في جناح الموقوفين ، خمسة من العرب والباقي من اليهود وكان بين العرب الخمسة شاب اسمه حافظ مصالحة، متهم بالعمل مع المخابرات المصرية ، وقلنا للسجناء اليهود أن تهمنا بسيطة لتبقى علاقتعهم بنا حسنة ، لأن بعضهم تعرف عليّ وأبدى إعجابه بي كبطل في الملاكمة .
يتكون جناح الموقوفين من غرفتين للمساجين يتوسطهما حمام يقابل الباب الرئيسي.
جلست إلى جانب مكرم ، ورحنا نفكر في طريقة للهرب .
كان الحراس يعدون المساجين ثلاث مرات في اليوم ، مرة في الصباح، ومرة عند الظهر ، ومرة عند الثامنة ليلا حيث تجري عملية الاستلام والتسليم ، ولا يفتح الباب بعد الثامنة ليلا إلا في حالات الضرورة وبحضور قوة إضافية .
لكن المشكلة الكبرى التي تعترض فكرة الهرب تتعلق بفتح الباب
الحديدي الرئيسي، وهو يفتح من الخارج ويغلق بإحكام.
توجد في أعلى الباب نافذة صغيرة ويتواجد أمامه باستمرار بعض الحراس، أما أبواب النظارة فكانت زجاجية تكشف السجن كله ، وحول السجن شريط شائك، فيه باب واحد يقف عنده حارس مسلح باستمرار .
مدة التوقيف حسب القانون الإسرائيلي خمسة عشر يوما قابلة للتجديد حتى صدور الحكم .
قدمنا للمحكمة في 15/04/1964 وتقرر تمديد التوقيف ، كان ذلك يوم خميس. وعندما أعادونا إلى السجن رحنا نغني ( كلها يومين على فراق الحبايب) !
سألنا الموقوفون لماذا نحن فرحون فقلنا لهم ببساطة سنخرج من هنا! أخبرنا حافظ مصالحة بأننا قررنا الهرب يوم السبت ، وأخبرناه ظهر يوم السبت بالخطة : سوف نهرب هذا المساء بعد غروب الشمس .
هذا الهروب يمثل أول مغامرة بالنسبة إليّ؛ لذلك كنت إذا خلوت إلى نفسي بعد حديث مريح مع مكرم وحافظ ، أجد عشرات الأسئلة تتزاحم في ذهني : هل أستطيع أن أنتصر على (إسرائيل) منفردا؟ لست مسلحا ولا حتى مدربا على السلاح، فهل يمكن أن أحرز نصرا على ترسانة
السلاح والطائرات ودولة الجيش والشرطة والأمن وكلاب الأثر؟
ولكي لا يدخلني الإحباط أمام مثل هذا التساؤلات ،واجهتها بتساؤلات مضادة : وماذا أفعل إذن؟ هل أتراجع وأستسلم لأقبع في السجن مدة مجهولة؟ ما الفرق بين السجن وبين القبر؟ ماذا سيقول عني هؤلاء المساجين بعد أن أعلنت قراري وحددت موعد تنفيذه؟ هنا بين المساجين اليهود من أبدى إعجابه بي كبطل، فماذا سيقول إذا جبنت وتراجعت؟ صحيح أن الخوف هو الذي دفعني إلى ما وصلت إليه في الملاكمة، لكن هذا الدافع لا يمكنه أن يتعايش مع البطولة في سياق واحد ؛فهما ضدان لا يجتمعان في موقف ولا معادلة .
كان حديثي مع مكرم وحافظ يبعد عني الهواجس والتساؤلات.
نظرت إلى مكرم فوجدته نائما وكذلك حافظ ، فحاولت أن أنام لكن دون جدوى، ورحت أتردد على الحمام بسبب ودون سبب .
جرت العادة أن تقدم وجبة العشاء عند الغروب،أي نحو الساعة السابعة.
دق العسكري الباب بقوة وصاح : (العشاء ، العشاء) فاستيقظ الموقوفون وذهبوا لأخذ عشائهم .
أخذت وعائي وذهبت معهم ، لكن دون أدنى رغبة في الأكل ،وقد لاحظ ذلك كل من مكرم وحافظ فضحكا وهما يأكلان، وطلبا مني أن آكل لأن أمامنا مهمة صعبة تحتاج إلى طاقة .
بعد أن فرغ الجميع من العشاء أخبرت سائر الموقوفين العرب بأننا نعتزم الهرب،ثم أخبرت المساجين اليهود طالبا منهم كتمان السر عن المساجين العرب، وكان قصدي من ذلك عدم تعريض العرب للعقاب عندما يجري التحقيق ،أما قصدي من إعلام اليهود فهو أن أحفزهم على الاشتراك معنا في ضرب الحراس إذا اقتضى الموقف ذلك ، وزعمت لهم بأننا نملك جوازات سفر مزورة وأن هناك سيارة تنتظرنا في الخارج وأننا سنسافر إلى أوروبا .
بوحي بالسر للجميع جعلني متوترا أكثر ، فصرت أراقب تحركات كل الموقوفين خصوصا إذا اقترب أحدهم من الباب ، كما صرت أتحدث بعصبية مع مكرم وحافظ ثم أمسكت يد مكرم وأقسمت أنني سأكون غدا إما في غزة وإما في المستشفى، وإما في العالم الآخر،ولا يمكن أن أقضي هذه الليلة في السجن .
شعرت بالراحة بعد هذا القسم، فقد أعلنت القرار وأكدته ، ولم يعد لدي مجال للتراجع أو التردد .
اقتربت الساعة من السابعة والنصف،فبدأ تنفيذ الخطة ، وخلاصة تلك الخطة أن نستدرج الحراس إلى فتح الباب ونكمن لهم خلفه لنقوم بمباغتتهم بالضرب ونفر بأقصى سرعة إلى الخارج مرورا بالباب الخارجي .
طلبت من سجين يهودي هو أصغر المساجين سنا ، يدعى (شلومو) وهو في الخامسة عشر من العمر أن يدق الباب وأن يقول للحارس أن المساجين العرب أخذوا فراشه،وفي الوقت نفسه رحنا نفتعل مع سائر المساجين ضجيجا يوهم بالعراك، فعل شلومو ما طلبته منه،وحين نظر الحارس من طاقة الباب ، طلب من الفتى السجين أن ينتظر قليلا حتى يستدعي زملاءه لفتح الباب.
كانت تقاليد فتح الباب تقضي بوجود قوة لا تقل عن ثلاثة حراس ليدخل اثنان منهما فقط ، ويبقى الثالث الذي يكون مسلحا خارج الباب للحراسة.
استدعى الحارس زملاءه،وفي هذه اللحظة وحسب الخطة ،دخل مكرم وحافظ مصالحة إلى الحمام المقابل للباب الحديدي،بينما كمنت أنا خلف الباب مباشرة وتحت النافذة بحيث لا يستطيع الحارس أن يراني عند فتحها ،انتظرت في موقعي وشعرت بأن الوقت يمر في بطء شديد فضربت الباب برجلي،فصاح الحارس! لحظة ، نحن قادمون ، لا تطرقوا الباب .
سمعت وقع أقدام تتجه نحونا ، ثم فتح الباب بالمفتاح، وبعد ذلك فتح القفل.
عندما سمعت فتح القفل وقفت ودفعت الباب بقوة ، ولأن الباب من حديد فقد توقعت أن يسقط كل من يقف خلفه ، لكني فوجئت به ينفتح بسهولة وأسقطني الاندفاع في حضن الشاويش، ولحسن الحظ أنه كان كهلا قصيرا أصلع .
في هذه اللحظة ظهر مكرم من ورائي وضرب الشاويش الأصلع على رأسه فأسقطه على الأرض ،بينما قمت بضرب العسكري الذي يحمل السلاح فسقط على الأرض كذلك،ثم ضربت العسكري الثالث .
كان هذا العراك يجري أمام الحراس الجالسين في النظارة،وعندما صاح الحارس:(شرطة،شرطة) انطلقت صفارات الإنذار،فاتجه الحراس نحونا يحملون مسدساتهم فقط، فاشتبكنا معهم بالأيدي ، وحسب تعليمات الخطة كنا نتفادى التماسك معهم لنختصر الوقت مدركين أن سلاحنا الوحيد هو عنصر المباغتة واختصار الوقت ومغادرة السجن قبل أن يفيقوا من ذهولهم ويجتمعوا حولنا .
استعملنا في الاشتباك الكراسي وكل الأشياء الموجودة في النظارة ، ونظرا لجرح اثنين من الحراس ، وارتفاع صراخهما ، ونزيف دمائهما، فقد ساد المكان جو من الذعر والفوضى ، وانتقلت المعركة إلى ساحة السجن حيث جاء بعض الحراس بالبيجامات .
انطلق مكرم إلى الباب الخارجي للسجن وكان أمامه رجل مسلح، وعندما رأى مكرم متجها إليه حاول إطلاق النار من رشاشه ، وكنت أجري خلف مكرم فصرخت في الحارس فابتعد،فانطلقت مسرعا خلف مكرم، فتناول حجرا ليقذفني به معتقدا أنني من الحراس ، فصرخت به وقلت : حمزة ، حمزة .
عندما صرنا على بعد مائة متر من مبنى السجن بدأ إطلاق النار بشكل كثيف وعشوائي ، لكننا واصلنا الجري نحو البيارة التي تقع على بعد مائتي متر من ذلك المبنى الكريه ، وكان حافظ قد سبقنا إلى البيارة فناديناه وانطلقنا ثلاثتنا في اتجاه غزة.
قررنا أن نسلك طريقا وعرة تجعل ملاحقتنا بالسيارة صعبة ، بل مستحيلة .
كنا نعرف أنهم سيلاحقوننا بالجيش وحرس الحدود والشرطة مع كلاب الأثر ، لذلك تعمدنا أن نسير قرب البحر لندخل فيه إذا تمكنوا من اللحاق
بنا ، ذلك لأن ملاحقتنا بقوة بحرية يتطلب منهم وقتا طويلا.
مكرم يجيد السباحة مثلي ، وكان اشترك في قطع بحيرة طبريا عام ، وواصلنا السير بسرعة ولم نصادف ما توقعناه من مطاردات ومفاجآت .
بعد أربع ساعات من الهروب وصلنا غزة في منتصف الليل .
على مشارف غزة،و قريبا من الحدود توجد نقطة للفدائيين ، ذهبنا إليها فاستقبلنا الفدائيون ثم نقلونا إلى بيت في غزة تابع للمخابرات المصرية ، مكثنا في هذا البيت 45 يوما دون أن نغادره .
عقد الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) جلسة لبحث هروبنا ومساءلة الحكومة كيف تمكن ثلاثة مساجين أمنيين عزل من الهرب أمام أعين الحراس المسلحين؟! وكيف قطعوا مسافة 24 كيلومترا دون أن يلقى القبض عليهم؟! إثر ذلك جرى التحقيق مع العاملين في سجن عسقلان،وأسفر عن طرد مدير السجن ونائبه وأربعة من الحراس، وحسب المعلومات التي وصلت إلينا من الصحف الإسرائيلية ، فقد نقل ستة من الحراس إلى المستشفى بسبب الجروح والكسور التي أصيبوا بها خلال الاشتباك معنا.
هذا الخبر نشرته الصحافة الإسرائيلية نقلا عن أجهزة الأمن .
كتبت جريدة معاريف في اليوم التالي لهروبنا ؛ أي في 18/04/1964:(هرب ثلاثة مساجين أمنيين من سجن عسقلان، وقام رجال الجيش وحرس الحدود بمطاردتهم مع 152 شرطيا معهم كلاب الأثر)، ونشرت الجريدة إلى جانب هذا الخبر رسما كاريكاتيريا يبين أن الكلاب عادت خائبة وأن الهاربين وصلوا سالمين.
أما جريدة يديعوت أحرينوت فقد كتبت عن عراكنا مع حراس السجن وكيف أن ثلاثة مساجين عزل تمكنوا من جرح ستة حراس مسلحين نقلوا إلى المستشفى ، ونشرت الصحيفة إلى جانب الخبر رسما كاريكاتيريا ، يظهر مدير السجن وهو برتبة مقدم ساقطا على الأرض، وأن عربيا يمر من فوقه قائلا له : ( عن إذنك .. أنا ذاهب إلى غزة ) !
وبعد مدة تناولت موضوع هروبنا جريدة هاآرتس بمقال عرفنا منه أن المساجين الذين كنا معهم في نظارة التوقيف، عوقبوا بزيادة ستة أشهر سجنا إلى عقوباتهم الأساسية بتهمة التستر على هروبنا .
وعلى الرغم من أن المخابرات المصرية تابعت كل ما نشر عن هروبنا ، فقد ظلت تشك في صدقنا وتحتمل أن يكون هروبنا مجرد سيناريو دبرته المخابرات الإسرائيلية !
لذلك مكثنا شهرا ونصف الشهر في تلك الفيلا تحت التحفظ، كما أن معاملة ضباط المخابرات لنا ظلت لمدة غير قصيرة تتصف بالشك والصلافة وقلة الاحترام .
وقد انزعجنا وتأسفنا كثيرا لهذه المعاملة ؛ لأننا كنا نكن للزعيم عبد الناصر حبا وتقديرا غير محدودين ، إلا أنني بعد ذلك أدركت أن تصرف المخابرات المصرية تجاهنا وشكهم في هروبنا يجب أن يتفهما جيدا بل يجب أن يقدرا أيضا !