الفصل الرابع
الهروب الثاني
كنت درست الصفين الأول والثاني من المرحلة الثانوية في غزة ، وبينما كنت في قاعة الامتحانات النهائية للصف الثاني ثانوي ، وذلك يوم 05/06/1967 ، تعرضت غزة لغارات من طائرات الميراج الإسرائيلية وكم كانت فرحة الناس كبيرة عندما تم إسقاط أول طائرة ميراج وتم أسر قائدها .
ساد قاعة الامتحان هرج ومرج ، فاضطر الأساتذة إلى وقف الامتجان وصرفوا الطلبة .
ذهبت إلى عملي في مبنى المخابرات وتوليت ترجمة نشرات الأخبار العبرية ، ومراقبة المكالمات اللاسلكية .
كان هذا هو عملي أن ومكرم حتى قبل نشوب الحرب .
هب الأهالي في حماس شديد للتطوع، خصوصا بعدما علموا بأن الجيش الإسرائيلي يتقدم في اتجاه تلة المنطار ، شرق مدينة غزة ، وكانت هذه التلة موقعا لجيش التحرير الفلسطيني الذي أسقط طائرة الميراج وأسر قائدها .
بعد ساعات من بدأ القتال دبت الفوضى في أنحاء غزة ، حتى في المكاتب الحكومية بما فيها مكتب المخابرات ، وتم استدعاء الفدائيين القدماء المعروفين بفدائيي مصطفى حافظ .
كنت أتناوب مع مكرم في العمل ، ونذهب خلال وقت الفراغ للاشتراك في المقاومة الشعبية ، وفي المساء سقطت قذيفة على مبنى المخابرات فاستشهد عسكري وضابط هو الرائد عمارة الذي يقع مكتبه إلى جانب مكتبي .
بعد هذه الحادثة طلب منا إخلاء المبنى وحرق جميع الملفات .
وبينما كنا تقاتل ضمن قوات المقاومة الشعبية ، تلقيت استدعاء من مدير المخابرات يطلب من جميع العاملين في المكتب مغادرة قطاع غزة إلى مصر بواسطة زورق كان معدا لنقلنا بحرا .
رفضت الأمر وقلت لهم سأبقى هنا فأخبرني المدير بأن سيناء قد سقطت وكذلك الضفة الغربية والجولان ومعظم قطاع غزة ، مضيفا أن القوات المصرية تلقت أوامر بالنسحاب الحر ، هذا التعبير العسكري يعني أن الهزيمة قد حلت .
حتى تلك اللحظة لم أستطع استيعاب ما يجري ولم أصدق أن عبد الناصر يمكن أن يقبل الهزيمة ، واعتقدت أن ما صدر هو مجرد تكتيك يستهدف استدراج العدو إلى العمق ، وبالتالي كنت أعتقد أن النصر سيتحقق ولذلك يجب أن أظل قريبا من قريتي.
سقطت تلة المنطار وتقدم الجيش الإسرائيلي نحو شارع عمر المختار وهو أكبر شارع في غزة ؛الأمر الذي يعني أن المدينة سقطت ، وعلى الرغم من ذلك بقيت قرب مبنى السرايا وحدي واشتبكت منفردا مع القوة المتقدمة .
كنت أفضل الموت على الحياة في ظل الهزيمة ، وقد كان أمامي نحو عشرين آلية عسكرية تضم حوالي مائة وعشرين جنديا وضابطا .
وجهت رشاشي وهو من طراز (كارلوستاف) نحوهم وأطلقت النار ، فانبطح المشاة أرضا ، وراحت دباباتهم نمطر الموقع الذي كنت فيه بوابل من الرصاص ، وكنت أقف في ذلك الموقع دون ساتر ، بل كنت في وسط الشارع الرئيسي .
تمكنوا من إصابتي في الساق اليمنى والقدم اليسرى فسقطت على الأرض دون حراك فتوقفوا عن إطلاق النار .
رأيت الدماء تنزف بغزارة ، وظننت أن شريانا قد انقطع ورغم تمزق سروالي وخطورة النزيف ، فلم أحاول إسعاف نفسي ، لأنني اعتقدت في سعادة أنني سأموت شهيدا .
وفجأة تذكرت أمي ، وما ستعانيه حين يأتيها خبر موتي ، وسيكون حزنها أشد لأنها لن تعرف أين قبري .
لم تكن المسافة التي نفصل بيني وبين القوات الإسرائيلية تزيد عن مائتي متر، وعندما وصلوا إلي قاموا بتفتيشي ، ثم جاء ممرض وراح يسعفني مستعملا مشدا قويا ، فصرخ به زميله قائلا : ماذا تفعل؟ هذا المشد يمكن أن ينقذ حياة واحد منا !فرد عليه الممرض بأنه يفعل المناسب اتجاه أسير جريح .
دار هذا الحوار وأنا أتظاهر بعدم فهمه وأتجنب النظر إليهم خوفا من أن يعرفني أحدهم .
كان قائد الحملة موجودا في الموقع ، وبعد قليل جاء أحد الجنود وسأل : من هذا ؟! فأجابه قائد الحملة : هذا الذي كنا نشتبك معه قبل قليل ، فقال الجندي : أجهزوا عليه !
لكن قائد الحملة صرخ به : هل جننت ؟! هذا أسير وجريح .
اقترب مني ذلك الذي طالب بالإجهاز علي وراح يكلمني بالعربية .. عرفت أنه درزي وأنه العربي الوحيد الموجود معهم ، ورغم ذلك بدا
دمويا ، فتساءلت في نفسي: لماذا يتصرف هكذا ؟ هل يريد أن يثبت إخلاصه لليهود ؟ هو يعرف أنهم لا يعتبرونه منهم رغم أنه يعمل في جيشهم ! هل نسي أنه عربي ! كيف ؟!
اتضح لي بعد أن أسعفوني وتجمعوا حولي أنني أول جريح يقع بين أيديهم.
اقترب مني اثنان ، أحدهما ذو ملامح أوروبية ، والثاني شرقي الملامح.
كان الثاني يتكلم بالعبرية ، أما الأوروبي فلم يتفوه بكلمة ، وعرفت لاحقا أنه من كيبوتس(هاعوجن) كما عرفت أنه ذهب إلى صديق لي في قرية باقة الغربية ، وطلب منه أن يصحبه إلى قريتي عارة حيث طلب من بعض الأولاد أن يخبروا أهل حمزة بأنه جريح في غزة ، ولما بلغ الخبر والدي ، قال ما دام المبلغ من الجيش الإسرائيلي، فهذا يعني أن حمزة مختبئ في غزة ةأنهم يريدون استدراجنا إلى هناك للقبض عليه .
بعد أن توقف القتال في مدينة غزة ، نقلوني بسيارة عسكرية إلى المستشفى الإنجليزي ، وكان المستشفة الوحيد الذي يقدم خدماته للمرضى آنذاك ، لأنه تم القبض على الممرضين والممرضات العاملين في مشافي القطاع .
سألوني في المستشفى الإنجليزي عن اسمي وجنسيتي ، فقلت لهم أنني فلسطيني من سكان القاهرة ، وأن اسمي ( عارف محمد سالم ) .
قاموا بإجراء عملية سريعة لي ، وكان في الغرفة عدد من العسكريين الجرحى منهم صديقي فاخر النخالي من رعاية الشباب .
لم يكن في الغرفة عشرة أسرة ، بينما كان عدد المرضى ثلاثين ، ينام أغلبهم على الأرض، ولاحظت أن متوسط عدد الذين يموتون في المستشفى يوميا : نحو عشرين شخصا .
كان حظر التجول مفروضا على المدينة ، ولا يسمح للأهالي بالخروج إلا خلال ساعات قليلة محددة ، أما زيارة المرضى في المستشفى فكان محددا لها نصف ساعة فقط ( من الثانية عشرة إلى الثانية عشرة ونصف ) .
خلال هذه الفترة القصيرة كان الأهالي يتدفقون على المستشفى لزيارة مرضاهم أو للبحث عن مفقودين لهم ، وهكذا كان المستشفى يشهد حالة ازدحام في فترة الزيارة .
زارني بعض الأصدقاء ،فطلبت منهم عدم زيارتي وعدم إخبار أحد عن مكاني!ومن جملة الذين زاروني زميلي في الملاكمة جلال حمو ،
وهو من أهالي غزة ، وكان معه أحمد الفلاح من عرب الداخل من عكا.
كان أحمد الفلاح هرب بزورق من عكا إلى قطاع غزة عام 1966، وأثناء التحقيق معه من طرف المخابرات المصرية ، تعرفت عليه ، وبعد أن أخلت المخابرات المصرية سبيله كان يزورني أحيانا وكنت أعطف عليه.
عرفت في وقت لاحق أن هذا الشخص فد سلم نفسه إلى الجيش الإسرائيلي عند دخوله غزة وقبل أن يتعاون معه، وأرشدهم إلى البيوت التي يعرفها سواء كانت لرجال المخابرات أو لرجال المقاومة، أو للفارين إلى غزة من عرب .
بعد انتهاء الزيارة ، وحتى الساعة الرابعة عصرا ، كان الهدوء يخيم على الغرفة فيما كنت مستلقيا على سرير ، وفجأة رأيت أحمد الفلاح فوق رأسي ومعه أربعة جنود ، وقال لي : ( خلاص يا حمزة سلم نفسك) ! فنهضت من سريري وبصقت عليه ، فدفعني الضابط على السرير وأسلحة الجنود مصوبة نحوي .
تبين لي أنهم ضباط أولهم برتبة عقيد ، والثاني برتبة رائد ، والثالث درزي برتبة نقيب ، أما الرابع فكان برتبة شاويش .
تقدم مني النقيب الدرزي طالبا مني أن أهدأ، وقال : لقد انتهت الحرب وعليك أن تفكر في نفسك ، وراح الضباط يسألونني عن ضباط المخابرات المصرية ، وعن ابن عمي مكرم ، وبالطبع لم أكن أعرف عنهم شيئا .
ثم استفسروا عن إصابتي ، وكنت لا أستطيع الوقوف ولا لثانية واحدة.
كان في المستشفى عدد من الممرضات الفلسطينيات قدمن من لبنان للتدرب على التمريض ، وكانت المسؤولة عن القسم سهيلة بهسوس، وقريبتها نهاية بهسوس .
وكنت أعامل معاملة خاصة دون أن أعرف السبب ، ومن مظاهر الرعاية الخاصة أنهن كن يسحبن سريري إلى الشرفة من حين لآخر، بالإضافة إلى بعض الحلويات التي كن يعددنها .
شاهد العقيد إصابتي وتأكد من أنني لا أستطيع المشي ولا حتى الوقوف، وبدا عليه الارتياح والاطمئنان عندما عرف أنه لا يزورني أحد ، وعندما سأل مدير المستشفى عن إمكانية نقلي إلى تل أبيب ، أجابه المدير بأن ذلك ممكن إذا تم نقلي بسيارة إسعاف ، مضيفا أنه لا يضمن بقائي حيا إذا نقلت في هذه الحالة ، وأنه ستجرى لي عملية أخرى في اليوم التالي .
وانصرف الطبيب بينما كان العقيد يتحادث مع الرائد باليديشية ( وهي
العبرية المطعمة بالألمانية ) ، أما النقيب الدرزي فكان يوجه إلي عدة أسئلة من طراز : من أين أنا؟ وهل لي أقارب في قطاع غزة ؟ لم تكن أسئلته ذات أهمية ، بل كانت تبدو لمجرد الدردشة .
تجمع الأربعة حولي يتشاورون ، وقال العقيد وهو ينظر إليّ: يريد أن نتركه ، لم يتكلم ، فكررها ثلاث مرات ، ثم قال : سنأخذه معنا إلى تل أبيب ، وطلب مني إبداء رأيي فقلت له :
عم يبحث المريض؟
فقال: عن العلاج !
فقلت: إذن سيان عندي أن أبقى هنا أو أن أذهب إلى تل أبيب ما دمت أجد العلاج هنا وهناك .
ضحك العقيد وقال :
سنتركك هنا إلى أن تشفى تماما ثم نصحبك إلى البيت، وبعد فترة سنطلبك لنطرح عليك بعض الأسئلة ، أما الآن فسنخبر أهلك بوجودك هنا ليزوروك ، وقبل أن ينصرفوا وضعوا حراسة مشددة علي .
كان هناك حراسة مشددة عند بوابة المستشفى يقوم بها عدد غير قليل من الجنود .
علمت بأن حافظ مصالحة زميلي في الهروب الأول قد دخل الأرض المحتلة حيث ألقي القبض عليه قبل الحرب بأسبوعين وأدخل في سجن الرملة ، وبعد احتلال القطاع أحضروه ليدلهم على منازل الفدائيين وضباط المخابرات المصرية ، وعلى بيتي وبيت ابن عمي مكرم ، كما علمت وأنا في المستشفى أن المذكور كان يتردد على بيتي ومعه ضباط من المخابرات الإسرائيلية ، بحثا عني وعن مكرم .
وبعد أن عرفوا أنني في المستشفى جاءوا إلي للتأكد من حالتي، وعندما انصرفوا تجمع حولي الممرضون والممرضات وراحوا ينظرون إلي نظرات تفيض بالشفقة ، فصرخت فيهم قائلا : لا تقلقوا ! أقسم لكم بالله العظيم أنني لن أدخل تل أبيب وقلبي ينبض !لقد أخطأت حين سمحت لهم بأسري حيا!
شعرت بأن نظراتهم تقول لي ، جرب حظك مرة أخرى ، فقلت لهم ، لتعلموا أنني سأهرب ، وكانت هذه أول مرة أعلن فيها نيتي في الهرب .
أحضروا لي حبوبا مهدئة للأعصاب ، وحين هدأت، شعرت بأنني تسرعت ، فقلت لهم ، طبعا من المستحيل أن أفكر في الهرب ؛لأن أهلي سيأتون لزيارتي ولابد أنهم سيوكلون محاميا للدفاع عني .
كان رجال المخابرات الإسرائيلية يترددون علي عدة مرات في اليوم، ويسألونني إن كنت عرفت شيئا جديدا ، وهل زارني أحد ممن كانوا يسألون عنهم ، وبعد استجوابي كانوا يذهبون إلى مدير المستشفى .
وذات مرة طلبت من سهيلة بهسوس أن تتبعهم إلى مكتب المدير لتعرف متى سينقلونني؛لأنني مشتاق إلى أهلي .
وفي 20/06/1967 أجريت لي العملية الثانية ، وعلى الرغم من الجبس الموضوع على طول رجلي ، فقد بدأت أركب الدراجة ذات العجلات الثلاث ، ثم رحت أتنقل في المستشفى ليتعود الجميع على تنقلاتي ويعتبروها عادية.
كنت في الطابق الثاني،وكان مستبعدا أن أحاول الهرب لأن هناك حراسة مشددة على المدخل ، إضافة إلى السور الذي يبلغ ارتفاعه مترا ونصف المتر .
كتبت جريدة اليوم الإسرائيلية في 24/06/1967 ، مقالا مطولا عني تقول فيه : ( ألقي القبض على حمزة يونس الذي هرب من سجن عسقلان قبل ثلاث سنوات ) .
كان حافظ مصالحة قد أعيد إلى سجن الرملة ، حيث كان ابن عمي المدعو (عبد اللطيف عبد القادر يونس) سجينا بتهمة التعامل مع المخابرات السورية .
تأكد أهلي بعد نشر الخبر بأن الجندي الذي أبلغهم الخبر كان صادقا ، وأنني جريح في غزة ، وأنني في حكم المعتقل .
ذات يوم ، في إطار التردد اليومي المألوف لرجال المخابرات علي لطرح الأسئلة ، جاءني النقيب الدرزي وسألني عما إذا كنت عرفت جديدا أو أن أحدا ما قد زارني ، وكان من عادتي أن لا أجيب بسرعة حتى وإن جرى استفزازي .
وعندما طرح النقيب سؤاله تضايقت ونظرت إليه بتمعن وقلت له :
حتى أنت تسألني؟!
فقال: لماذا؟ ألست أعجبك؟!
فأجبته: أنتم تموتون من أجلهم ، ولكن هل تعتقد أن واحدا منهم (أي اليهود) مستعد لأن يجرح من أجلكم؟! قل لي كيف سيكون حالكم حين تنتهي حاجتهم إليكم ؟
لم يجب النقيب فواصلت كلامي :
ألا تعرف المثل اليهودي الذي يقول ( لا تصدق الكافر حتى بعد موته بأربعين سنة ) ؟!ألست في نظرهم كافرا؟!
تغير لون النقيب وقال لي :
كفى ، كفى !
توقعت أن يخبر المسؤولين عما قلته ، لكنه لم يفعل وعرفت أنه من (دالية الكرمل) ، وصار يزورني وحده مكتفيا بالسؤال عن صحتي!عرفت لا حقا أنه رقي إلى رتبة رائد وترك الخدمة العسكرية ، وعمل في التجارة ، كما علمت أنه رزق ولدا سماه حمزة!
حين كان رجال المخابرات يأتون إلي كنت أسألهم عن أهلي وأتظاهر بأني أصدق كل ما يقولونه ، وذات مرة كتبت رسالة وطلبت منهم إرسالها إلى والدي ليطمئن علي ، وكنت أسألهم عما إذا كان العلاج في تل أبيب أفضل منه في هذا المستشفى؟!
كان لدى بعض الممرضات شك في أنني أنوي الهرب، ومنهن رئيسة القسم سهيلة بهسوس التي قالت لي : لو فكرت في الهرب فسنظطر إلى قطع رجلك .
قالت ذلك محذرة إياي عدة مرت ، وقدمت لي حاجات الإسعاف الأولي قائلة ، يمكن أن تحتاج إلى هذه الأشياء التي سأعطيك إياها إذا نقلوك إلى تل أبيب .
استمر الحال على هدذا المنوال إلى يوم 26/06/1967 صباحا حيث تم خلع الجبس عن رجلي ، وكنت اتفقت مع بعض الأصدقاء على أن يأنوا مبكرين لزيارتي في هذا اليوم .
حضر أربعة أصدقاء هم صالح الغول ، شكري الخالدي ، زياد الشوبكي وكايد الغول .
الهروب من المستشفى
قبل بدء موعد الزيارة بقليل ،ركبت الدراجة ذات الثلاث عجلات كعادتي ، ورحت أتحرك في المستشفى مرتديا ملابس مدنية تحت ملابس المستشفى .
وفي حدود الساعة الثانية عشر ظهرا ، فتح الباب للزوار ، وكان أصدقائي المذكورون سابقا أول الداخلين .
أخذ أحدهم الدراجة وأبعدها عن الممر ، وهمس لي صالح بأن الحارس الذي يقف على الباب الخاص بالأطباء العاملين في المستشفى ،صديق له ، وأنه أخبره بأن المريض يريد الخروج من هذا الباب لزيارة والدته المقعدة، وسيعود قبل انتهاء موعد الزيارة .
خرجنا من ذلك الباب فعلا ، وبعد أن قطعنا مسافة قصيرة اجتزنا حارتين، ثم وقفنا أمام أحد البيوت، بينما ذهب شكري ليحضر سيارة أجرة، أما نحن فقد طرقنا باب ذلك البيت وطلبنا منهم أن نشرب الماء .
بدونا في وضع عادي جدا ونحن نجلس أمام البيت وبابه مفتوح، وحضر شكري مع السيارة ، فأعدنا إبريق الماء وأغلقنا باب البيت ، وركبنا السيارة إلى مخيم الشاطئ ، وكانت بيوت هذا المخيم ذات طابق واحد ، ومتلاصقة تقريبا .
دخلنا إلى بيت صالح الغول ، حيث قدم لنا أهله بعض الطعام.
سمعنا صوتا من البيت المجاور يقول : هناك شخص اسمه حمزة يونس مطلوب لليهود، وقد هرب من المستشفى إلى مخيم الشاطئ .
عندما سمعت ذلك توقفت عن الطعام رغم حاجتي إليه ، وطلبت من الأصدقاء نقلي في أسرع وقت إلى مكان آخر ، فأحضروا سيارة على الفور ونقلوني إلى شمال غزة في منطقة شجرية يوجد فيها العديد من ورشات الفخار ، كما أن فيها حفرا عميقة مظلمة ، وفيها أماكن يمكن الاختباء فيها .
وهي في الوقت نفسه قريبة من بيت زياد الشوبكي، الأمر الذي يسمح لأصدقائي بأن يأتوا إلي في الليل، وكانوا في بعض الحالات يحضرون معهم طبيبا ليقوم بمعالجتي .
مكثت هناك بضعة أيام ثم انتقلت إلى إحدى بيارات البرتقال ، لأنني لم أكن واثقا من إمكانية مراقبة المنطقة من ذلك المكان خوفا من التوقعات والمفاجآت، آثرت الذهاب إلى وسط البيارة حيث حفرت حفرة في ظل شجرة برتقال كبيرة ، وكنت عندما أنام في الحفرة أضع على رأسي حزمة من العشب تسمح لي بالرؤية والتنفس .
وفي الليل كنت أتدرب على المشي ، واستمريت على هذا الحال لمدة تقارب شهرا. وتمكنت خلال هذه الفترة من السير لمسافة عشرة أمتار.
في هذه الآونة سمح للمواطنين الإسرائيليين بدخول غزة. وذات يوم رأيت صالح الغول ، وشكري الخالدي قادمين إلي في وضح النهار، عندما اقتربوا من الشجرة التي كنت أستلقي تحتها قال شكري :
إن والدك وابن عمك عندنا في البيت ، وقذف لي بطاقتيهما ، وحين رأيت صورتيهما اغرورقت عيناي بالدموع، وصمت قليلا ثم قلت:
أحضروهما في المساء إلى بيت زياد الشوبكي .
وفي المساء ذهبت إلى بيت زياد قبل أن يحضروا إليه ، واغتسلت وحلقت ذقني واستعددت لاستقبالهما .
عندما دخلا تعانقنا وجلسنا بعض الوقت أخبرني والدي برؤية الجندي اليهودي ، وحافظ مصالحة ، وأن أهلي منذ ذلك الوقت حاولوا دخول غزة لكن الجيش كان يمنعهم ، وواصل والدي كلامه قائلا:
لقد حضر معنا عدد من أقاربك وأبناء البلد ، وانقسموا إلى ثلاث أفواج
للبحث عنك بعد أن ذهبوا للمستشفى الانجليزي وعرفوا من بعض العاملين فيه أنك هربت ، وأنك ملاحق من طرف المخابرات الإسرائيلية.
ذهب بعضهم إلى المشافي الأخرى ، وبعضهم الآخر ذهب إلى أصدقائك الرياضيين عسى أن يعرفوا منهم أين حمزة ، أما الفوج الثالث فقد ذهب يبحث عنك في البيارات.
أضاف والدي قائلا:
اتفقنا على أن نلتقي في السابعة مساء لنعود إلى القرية ثم نستأنف البحث عنك في اليوم التالي .
ولما أتم والدي كلامه ، خشيت من أن ينتشر خبر وجودي هنا ، فقلت له :
أنوي أن أذهب غدا إلى مصر عن طريق البحر ، وطلبت منه أن يذهب إليهم في الموعد المتفق عليه دون أن يخبرهم بأنه رآني ، وأن يطلب منهم عدم الحضور مرة أخرى ، وقلت إنني سأرسل لهم رسالة فور وصولي مصر.
ثم تعانقنا وودعاني وانصرفا ، وكان والدي يعتقد أنني سأذهب فعلا إلى مصر غدا .
وبعد يومين خضر شكري الخالدي وأخبرني بأن والدي ووالدتي واثنين من أقاربي عنده في البيت ، وأنه أخبرهم بأنني مازلت هنا .
ذهبت في المساء إلى بيت زياد فوجدتهما في انتظاري ، وبعد العناق راحوا يستفسرون عن أحوالي وعن كيفية سفري بالبحر .
كانت هذه الرحلة من نسج خيالي ، ولم يبد والدي مقتنعا بها ، فاقترحوا أن أذهب معهم إلى قريتنا مستعملا هوية أحد الأشخاص الذين يشبهونني فيما يبقى صاحب البطاقة في القطاع إلى أن تعاد له البطاقة .
وبعد مناقشة تفاصيل هذه الفكرة اقتنعت بها ، وتحمست لها لأنها تجعلني قريبا من الضفة الغربية حيث يمكنني الانتقال منها إلى الضفة الشرقية ، وهذا ما حدث فعلا .
وحين وصلت إلى المسقاة وجدت جميع أقاربي في انتظاري وكأننا على موعد ، وفور وصولي قام الأهالي بمنع الأولاد من مغادرة الحي خوفا من انتشار خبر وجودي في القرية .
مكثت في القرية حتى الفجر ثم امتطيت حمارا إلى الضفة الغربية ، ومن ثم ركبت سيارة أوصلتني إلى الجسر ، وعندما وصلت إلى نقطة المراقبة الإسرائيلية ، كانت تجري عمليات نشطة لإصلاح الجسر ، وفي الطرف المقابل كان الجيش الأردني يمنع سيارات الأجرة من الوصول إلى شرق النهر ، منعا لخروج أهالي الضفة الغربية منها .
حاولت أن أغير شكلي قدر الإمكان حتى لا يتعرف علي جنود النقطة الإسرائيلية التي أخبرني أفرادها بأنه لا يوجد سيارات من الطرف الآخر ، فقلت لهم : أنا طالب في جامعة القاهرة ولا أستطيع البقاء لأن هذه الفترة فترة امتحانات ، فطلبوا مني أن أوقع على وثيقة تنص على تنازلي عن كافة ممتلكاتي في الضفة الغربية ، فوقعتها باسم عارف محمد سالم ، ثم ركبت السيارة وطلبت من السائق أن يوصلني إلى أقرب نقطة من الجسر حتى لا يكتشفوا أنني مصاب وعاجز عن السير.
وكان هناك أخشاب تستعمل في إصلاح الجسر ، ساعدتني على إخفاء إصابتي لأنني كنت لأتكئ عليها متظاهرا بالسير الطبيعي .
عندما وصلت إلى الجسر استأجرت من أحدهم حصانا أوصلني إلى منطقة المثلث المصري داخل الحدود الأردنية ، ومنها ركبت سيارة إلى عمان .
في عمان التقيت بعض أقاربي وذهبت إلى مستشفى الأشرفية ، وبعد أسبوع سافرت إلى مصر ، وهناك عولجت بادئ الأمر في مستشفى العجوزة ، ثم في مستشفى الحلمية العسكري .
وحين تم شفائي عملت في تدريب بعض دورات حركة فتح التي صار لها وجود رسمي في مصر كما عملت مذيعا في إذاعة منظمة التحرير الفلسطينية .
وكما ذكرت في مكان سابق ، التحقت بثانوية السعديات وحصلت على الثانوية العامة.
وفي القاهرة قابلني بعض رجال المخابرات المصرية لتقديم راتبي إلي، لكنني رفضت استلامه ؛ لأنني كنت قررت عدم العمل مع الجيوش النظامية رغم أن رائدا في المخابرات المصرية هو الآن لواء متقاعد ، وهو السيد إبراهيم الدخاخني ، كان يحبني كثيرا ، فحاول إقناعي بقبول الراتب إلى حين شفائي تماما .
وكما ذكرت سابقا ، كنت تعرفت على بعض الشباب من حركة فتح، ثم التقيتهم في مصر ، وكانوا يقارعون قوات الاحتلال ، وأصبحت مشدودا أكثر إلى فتح بعد معركة الكرامة ؛لأنني ساهمت في تدريب بعض المشاركين فيها .
* * *