(4)
... الأم ...
قضى محمد عطلة نصف العام في بيت جده ولم يخرج للتنزه في أي مكان على غير عادته حتى شارفت العطلة على الانتهاء
الأم : مالك يا ضنايا ؟
انت متغير بقالك مده واني مش عاوزه أكلمك
محمد : عشان قاعد في البيت يعني، أبدا يامه داني بس نفسي أقعد معاكي انتي وجدي، أصلكوا بتوحشوني قوي واني لوحدي هناك في مصر
الأم بحنان : يا ضنايا يابني ... تحب اجي اقعد معاك في مصر؟
محمد : ماينفعش يامه اني قاعد مع اصحابي، وبعدين هانت، كلها كام شهر وتلاقيني عندك هنا على طول
حضرتيلي الشنطه يامه ؟
الأم : طبعا يا عين أمك، وفيها شرز تقيل زي ما طلبت
ولو اني مش عارفه لازمته ايه ؟ دا الشتا قرب يخلص
محمد : لا ماهي الدنيا ساعات بتبرد بالليل في مصر
وقف محمد على باب البيت مودعا أمه مقبلا يديها
محمد : ادعيلي يامه ... ادعيلي جامد قوي
الأم تقول والدموع تحاول أن تهرب من عينيها : قلبي بيدعيلك في كل صلاة يا قلب أمك
محمد : لو غبت عليكي ماتقلقيش عليا ... أصلي ناوي أجيبلك هديه حلوه قوي معايا واني راجع ... أحلى هديه في الدنيا
الأم وقد غلبتها دموعها : أني هديتي انك تاخد بالك من صحتك ومذاكرتك وترجعلي بسرعه
محمد : ماتقلقيش عليا يامه، هارجعلك إن شاء الله ... هارجعلك بسرعه
ودعته الأم وهي تحاول التغلب على ذلك الشعور الغريب بالانقباض في صدرها وحاولت أن تطمئن نفسها
سافر محمد إلى القاهرة ...
بعد عدة أيام رن جرس التليفون في منزل الحاج طه حسن الشرقاوي
ردت الأم على التليفون، وكان المتحدث فوزي
أيوه يا خالتي أم محمد ... محمد عندك ؟ عاوز أكلمه
الأم بلوعة : ايه ! دا سافر مصر من كام يوم هو موصلش عندك
فوزي مذعورا : لا ماوصلش، راح فين المجنون ده ؟
دي الجامعه كلها مقلوبه عليه، بكره بطولة الكونغ فو والمدرب هايتجنن
الأم تبعد الهاتف بحدة شديدة وتنظر إلى إحدى الصور المعلقة على الجدار، تنظر إليها نظرة غريبة وكأنما تطلب منها المساعدة
... التيه ...
أعاد محمد النظر في الخريطة للمرة العشرين ثم نظر إلى البوصلة ...كان يحاول تحديد موقعه بدقة
لقد عبر السور خلسة في الليل أي من عدة ساعات مرت إذا لا بد أن يكون في رفح
لكن ...
انتابه شعور قوي أن هناك شيء خطأ
ظل يرتب أوراقه وخرائطه وأعياه البحث عن أية علامات في الطريق
كان شعوره أن هناك شيئا خطأ يزداد ويزداد
حتى تأكد حدسه بما لا يدع مجالا للشك
تأكد مع صوت سيارة قادمة تشق الصحراء
اختبأ بسرعة حتى يتبين ما هو الشيء القادم
أطل بعينيه من مخبئه ليتأكد ظنه عندما رأى السيارة تحمل جنودا يضعون شارات تحمل شكلا مميزا لنجمة زرقاء
اعتقد محمد زمنا طويلا أن الخوف هو ذلك الشعور الذي ينتابه كلما غضب منه جده
لكنه أدرك أخيرا ومن خلال تجربة حقيقية أن هناك فرقا كبيرا بين الخوف والهيبة
وكانت هذه هي أول تجربة له مع الخوف
تسارعت دقات قلبه، وارتجفت أوصاله
وجرى عرقه كالأنهار ...
وبدأ يسأل نفسه : يا وقعتك السوده يا محمد ... ياترى لو العربيه وقفت هنا هايحصل ايه ... ياترى لوحد منهم لمحك هايعملوا فيك ايه
بدأ يقوي من عزيمته : جرى ايه يله، ما تسترجل ... هي موته ولا أكتر ... هاتعيط من أولها ؟
لكن ما كان يخاف منه لم يحدث أبدا ... وسارت السيارة في طريقها حتى توارت عن الأنظار
التقط محمد أنفاسه ... وبدأ يدرس أبعاد الموقف
لقد أخطأ فقط في بضعة كيلومترات
بضعة كيلومترات ألقته بعيدا عن هدفه ... في قلب الصحراء
في مكان مجهول، لا يدري من أين يأتيه الخطر
أخذ يردد آيات وأدعية الكرب كما علمته أمه
أمسك بالخريطة للمرة ال م يعد يستطيع العد
قال بغيظ : حتى الخرايط مغشوشه ؟ مزق الخريطه بمنتهى الغيظ
وبعدين يا محمد ؟ هاتعمل ايه دلوقتى ؟
... ظل يفكر حتى غابت الشمس وأظلمت الدنيا
تدثر بالبلوفر الصوفي الذي وضعته أمه مع الملابس
لكن هيهات أن يدفع عنه البرد ...كان البرد قارسا
ولم يكن باستطاعته أن يشعل نارا ... فهو لا يعرف أين هو بالتحديد ولا من الذي يمكن أن يرى ضوء النار
قضى الليل مستيقظا من شدة البرد والخوف
أشرقت الشمس أخيرا ... وبعد أن صلى الفجر
استسلم لقدر الله
بدأ ينظم أفكاره ... أخرج كل أغراضه من الحقيبة وبدأ يفتشها بمنتهى الدقة والتأني وكلما وجد علامة أو ورقة أو كلمة تدل على هويته مزقها ودفنها في الصحراء بعناية
بعدها خلع ملابسه قطعة قطعة وفتشها مثل الأغراض
مر وقت طويل قبل أن ينتهي من مهمته
توكل على الله ...
وبدأ يسير في الصحراء على غير هدى ... يحاول أن يجد أية علامة
بدأ الطعام ينفذ والماء يقل
ولا يلوح له أي أمل في الأفق
مر يوم ... والثاني ... والثالث ...
وكلما نفذ منه شيء يدفنه في الرمال حتى لا يجده أحد
انتهى الطعام والماء تماما ...
لكنه لم يجد بدا من السير وإلا فسوف يموت في الصحراء
تخفف من حمله ودفن حقيبته وأغراضه، ثم الساعة، ثم النظارة الشمسية ...
لم يبق معه شيء
بدأ يجف جسده ... خلع قميصه ووضعه على رأسه ليحميه من الشمس
بدأ جسمه ينهار من التعب والإعياء والعطش والجوع ...
سقط القميص وهو يجر نفسه جرا
سقط على الأرض، ولاح له شبح الهلاك ...
انهارت مقاومته تماما
خيل إليه أنه يسمع صوت سيارة قادما من بعيد
ضاع من عينيه ضوء النهار... وسقط في قاع بئر مظلم