1

6 0 00

1

لم تكن الساعة قد بلغت بعد الثامنة صباحا حين وداع رشيد لعمته فطومة. الساعة لم تحن بعد للدخول إلى المدرج. قال لنفسه وهو ينتظر أمام باب الكلية بيأس و ملل. الحارس لم يصح بعد، أو أنه في معركة مع الخبز و الزيت على طاولة الإفطار. رشيد وسط نفر من الطلبة، تذوب صيحات معدتة في يم من الضجيج، فيخجل من نفسه ويلعن حاله، ويذهب إلى ركن من أركان الجدار حيث لا يوجد أحد. يراقب ببغض وحقد مؤخرات الطالبات وهي تتلوى أمامه في حركات متسقة لا يعتريها خلل. تختنق أنفاسه ويهرب إلى حيث لا يرى و لا يسمع، لكن صوت هديرالسيارات و الشاحنات على الطريق الرئيسية الرابطة بين أكادير وتكوين ما زالت تلازم أذنيه.. رائحة كريهة تسطع أنفه، ينظر أمامه بحثا عن مصدرها، يتلوى يمينا و يسارا دون أن يحدد منبعها، يبتعد عن المكان فترافقه تلك الهالة الكريهة من الرائحة، فتزعجه إلى حد الجنون. يرفع رجله اليمنى ليستشعر وزنها، فتصفعه الرائحة الكريهة بشدة، و يريعه المنظر؛ فيسب و يشتم البطن الذي لفظ ذلك الغائط و ملته.. يحك فردة حذاءه بالتراب، يمسحها بأوراق جمعها من على الأرض، ثم بالبلاستيك، ويعيد حكها بالتراب؛ لكن الرائحة ما زالت وما تزال.

رنت أجراس الثانويات، فانتعل ذلك الحذاء يأسا و غضبا، وتوجه إلى المرحاض إستعدادا لولوج المدرج وحضور المحاضرة.

يا لهذه البداية المخزية، وهذا الحظ العثر. ما كان ليلج الجامعة، لكن الأقدار قادته إليها. لقد حذره سابقوه، لقد نهوه من التوجه إلى الآداب و لا حتى العلوم ما عدا بعضها، لكن ما العمل، فحظه هكذا كله عثرا ت. لو ساعدته عمته فطومة، لكان الأن في معهد من المعاهد أو مدرسة من المدارس. لو ساعدته ولو بمبلغ زهيد لدبر أمره، لكنه الأن في عداد المفقودين، ولا فائدة للندم والبكاء على الماضي و ما فات؛ فليكن من الجامعيين وليكن ما يكون..

أخذ مكانه في مقدمة المدرج، و استمع إلى الأستاذ وهو يخوض في الأجناس الأدبية بعزم وبثقة زائدة في النفس، وكأنه يتحدث عن أشياء مضبوطة مقاييسها و معاييرها مرسومة، لا خلاف فيها و لا غموض. تحدث عن أفلاطون و أرسطو، ثم انتهى برولان بارت و فوكو و ليفستراوس و لاكان... طوال الساعتين لم يتوقف عن الكلام، و لم يطرح عليه سؤال، فكان هو التالي من الساكتين.

نظر رشيد يمينا و شمالا، أمعن النظر في الوجوه، فلم ير فيها سوى علامات البله و الملل.. يا لهؤلاء أهم من سيقودنا إلى الأمام؟!! (قال و قام من مكانه تأهبا للخروج.)

_ إلى أين أنت ذاهب؟ قال له صوت.

_ إلى طريفة . أجابه بإستنكار.

_ إحجز لي مكانا معك هناك. (قال الآخر ساخرا، ثم خرجا معا من المدرج.)

_ ما إسمك؟

_ رشيد، و أنت؟

_ سعيد.

_ تشرفت بمعرفتك.

_ من أين أنت؟

_ من قندهار، و أنت؟

_ من الشيشان.

_ كيف الحال هناك؟

_ كما هو هناك.

_ و كيف هو هناك؟

_ كما هو هناك.

_ سبحان الله.

_ و بحمده... (أضاف الآخر).

_ هل أنت جديد بالكلية؟

_ أجل... وأنت؟

_ لا، لقد فشلت العام الماضي في إجتياز الإختبار الشفوي.

_ يعني أنك إجتزت الإختبار الكتابي؟

_ أجل .. لكن في الإختبار الشفوي لا أحد من الأساتذة يعرفني.. بديت لهم غريبا جدا...

أطلق الآخر ضحكة ساخرة ثم قال مستطردا:

_ سبحان الله...ألست آدميا.. تبدوا من صنف الغوريلا!!

_ لقد أجبت عن جميع الأسئلة، لكن أقلامهم لم ترحمني... كانت إرهابية.

_ سبحان الله، حتى في الجامعة تلزمنا أمريكا.

_ صحيح، الجامعيون لا يعرفون سوى أن ترد إليهم بضاعتهم.. الإجترار يا أخي لا يفارقنا كالبقر...

_ ربما يكون هذا سببا من أسباب عقم التعليم في العالم العربي.. عوض أن تكون الجامعة مرتعا لاستثمار الأفكار و تشكلها، أصبحت مسرحا تجتر فيه النصوص وتعرض.

_ يا أخي، أنصحك نصيحة؛ إذا كانت لديك أفكارك الخاصة فأحفظها لنفسك. هؤلاء لا يعرفون سوى و لو طارت معزة، فاحذر لسانك...

_ لا تقلق، و لو طارت معزة هو أول درس يأخذه التلميذ عند دخوله المدرسة.. هذا باب.. هذا باب.. لا مجال للنقاش، حتى و إن كان المعلم أحولا فأشار إلى النافذة.

_ ألم تجر أية مباراة لولوج المعاهد العليا؟

_ بلا أجريت مباراة ولوج المعهد العالي للسياحة.. لكن كما حدث لك، أثقلوا علي بالأسئلة في المقابلة: أين تسكن؟... في ماذا يعمل أبوك؟... ماذا تعمل أمك؟... وكأني في قبضة شيخ القبيلة.

_ كان يجدر بك أن تبحث عن أحد لديه معارف في المعهد، هكذا فعل أغلب الناجحين.. الأعسر هو إجتياز المباراة الكتابية، أما المقابلة فذاك أمر متروك للمحسوبية وأصحاب النفوذ و النقود... لو كان أبوك وزيرا لولجت المعهد دون مباراة...

_ نحن لا نطلب جزاءا و لا شكورا.. الغني يزداد غنا و الفقير يزداد فقرا.. الناس يصلحون منازلهم و نحن ندمر منزلنا، حتى أصبح إخواننا يدقون أبواب الجيران هربا ويأسا.

_ هذا هو الواقع.. فليكن الله في عون صاحب بيت يسكنه الجرذان... إنها العاشرة .. علي أن الحق بالحافلة، تشرفت بمعرفتك، إلى فرصة سانحة إنشاء الله.

_ إنشاء الله.

تفرق الإثنان، ذاب سعيد في زحمة الأوتوبيس، بينما بقي رشيد جالسا أمام باب الكلية يواسي بطنه الجائع، ويعده بوجبة إفطار تنسيه ألم الحاضر ومعاناته.

بعد لحظات تأمل ومراقبة أشبع فيها عيناه وخاطره بمناظر الأجسام أرقها وأسمنها، توجه إلى داخل المقهى لشحن بطاريته التي ظلت لساعات ترسل إشارات إلى السائق تخبره نفاذ الذخيرة.

دخل إلى المقهى، فوجد أنه مكتظ عن آخره بالطلبة و الطالبات، في حلقيات مبعثرة، تنبعث في البعض منها قهقهات متوالية ترج المكان، بينما يغط قسم آخر في جو رومانسي سماءه كلها نجوم و أحلام.

إستمتعوا بوقتكم. قال لهم في قرارة نفسه، ثم بادر النادل بالتحية:

_ السلام عليكم

_ و عليكم السلام..بماذا أخدمك؟

_ أريد خبزة و درهم زيت..

لم يكن ليتمها حتى ضج المكان بالضحك، و انفرجت الأفواه عن آخرها، حتى أن النادل لم يتمالك نفسه، فانفجر هو الآخر ضحكا، بينما بقي رشيد منتصبا وفي رأسه تتوالى الأسئلة واحدا تلو الآخر:

أوصلت بنا الوقاحة إلى هذا الحد؟.. أيعقل أن نضحك لأتفه الأشياء؟..أقلت شيئا مضحكا؟...لا يهم هؤلاء إن تبعتهم أصبحت مثلهم وقحا...

من جديد بادر النادل بالطلب:

_من فضلك أريد خبزة و درهم زيت..

_ يا أخي نحن هنا لا نبيع الزيت.

_ ماذا تبيعون إذن؟.

_ لدينا هنا حلويات متنوعة..كرواصون، كيك، ميل في...

لم يكن النادل يكمل كلامه حتى تدخل أحد الطلبة من الفضوليين قائلا:

_ لو رأيت الحارس بوجمعة، لربما أحسن إليك بقليل منها.

رج المكان بالضحك من جديد، مما أغضب رشيدا فلم يتمالك أعصابه، وأمسك بالطالب من فتحة قميصه شاهرا لكمة من يده اليمنى.

_ إسمع يا أخي.. أنا لم أبادرك بالطلب، أنا سألت النادل وليس أنت..إذهب...

دفعه دفعة قوية تكاد تسقطه وسط حلقية طلابية اغلب أفرادها بنات، ثم توجه نحو الباب منصرفا...

_ التفضيل والعقل لم يزد هذا الحيوان إلا تعاسة. قال وهو يخطو خارجا من باب الكلية الرئيسي متوجها نحو أحد باعة السندوتشات المتراصين أمام باب الكلية بعرباتهم اليدوية المرصوص سطحها بالطناجر، و أنواع العلك و الحلويات.

_ السلام عليكم.

_ وعليكم السلام.

_ سندويش عدس من فضلك.

_ درهمان و نصف... تفضل.

_ شكرا.

أخذ الطالب سندوتشه و مضى يقضمه قضمات حيوانية، وسار في طريق لم يعرف بعد مخرجها، وإنما مشى على خطوات رجليه المتأنية.

أخذته غمرة حنين إلى أمه صفية، و خطيبته سعاد، فتناسى كل شيء من حوله، حتى أنه لم يعر أي إهتمام للدراجات الهوائية التي تمر على بعض سنتيمترات من قدميه.

ترى، ماذا تفعلين الآن يا أمي؟..و أنت يا سعاد، أما زلت تذكرينني، أما زلت تذكرين تلك الأيام قرب الساقية و الحقول؟..أما زلت ببالك أم انك نسيتني و طردتني من خيالك؟..كيف أنت الآن؟ أما زلت تحتفظين بتلك الإبتسامة المعهودة، أم أنك كذلك لوثت قلبك هموم الحياة، و طبعت خاتم العباسة على وجهك؟... إنني أنا و الله لمن العابسين.

_ يا سيد.. يا عبوس...يا مسافر. ناداه صوت و أمسكت بتلابيبه يد.

_ نعم.. أجابه بفظاظة.

_ هل لك أن تدلني على الجامعة من فضلك؟

_الجامعة يا أخي ليس فيها سوى الإسم.. لا تزعج نفسك.. إنها دون فائدة.. جعجاعات بلا طحين...

_ أعذرني يا أخي، لكني أسأل عن جامعة إبن زهر، ولست أسأل عن جامعة الدول العربية!

_ أعذرني، جامعة إبن زهر من هذا الطريق.

_ شكرا.

تمتم كلمة العفو بنبرة يختلجها بعض الغم و يعتريها الإرهاق؛ ثم تابع طريقه من جديد ويداه في جيوب بنطاله تتحسس بعض الدريهمات ألتي سلمت من أدرج أصحاب المأكولات و أوراق النسخ. فكر مليا في كيفية صرفها، وإن كانت قليلة لا تتجاوز الخمسة، فقد شغلت باله لمدة لا تقل عن ساعة، فانتهى أخيرا بقرار قاده إلى أحد مقاهي الإنترنت، و رمى بنفسه في صخب الدردشة، و كله أمل في أن يجد سيدة تبعده من سنابك القهر و الحرمان.

_هيه.

_هيه.

_ ما إسمك؟

_ رشيد.. و أنت؟

_ روساليا.

_ من أين أنت؟.

_ من إسبانيا، و أنت؟

_من أكادير.. المغرب.

_ جميل.. كم عمرك؟

_ ثلاثة و عشرين سنة..و عمرك؟

ـ ثمانية عشر سنة.

_ من أي مدينة أنت؟

_ من قادس.

_ عظيم..أنت إذن من مسقط رأس رافييل البرتي؟

_ أجل.

_ لا تقولي لي أنك شاعرة أيضا؟

_ بلى، ولكني أكتب في مجال القصة.

_ عجيب، أنا أيضا أكتب القصص.

_ جميل أن ألتقي بكاتب.

_ و أنا أيضا، تشرفت بمعرفتك.

_ لقد فزت هذه السنة بجائزة فديريكو كرثيا لوركا.

_ مبروك لك... أنا لحد الآن لم أعرض أية قصة لي، ولم أشارك في أية مسابقة. في المغرب ليس هناك إهتمام بالكتاب ولا بالكتابة... فناذرا ما نجد مبادرة من هذا النوع.

_ هنا في إسبانيا هناك الكثير من المسابقات، حتى أنني لكثرتها أحتار في إختيار مشاركتي...

_ بأية لغة تكتبين؟

_ الإسبانية طبعا.

_ أنا أيضا أكتب غالبا بالعربية، وإن كنت أتكلم الإسبانية جيدا.

_ أتتكلم الإسبانية؟!!

_ طبعا.

_ فلنتواصل بالإسبانية إذن، بدل الفرنسية.

_ لا مشكلة، فأنا أيضا أفضل لغة ثرفانتس على لغة موليير.

_ أقرأت الدون كيخوته؟

_ أجل.. قرأته عدة مرات.. أنا مغرم بالكتابات الإسبانية والإسبانوأمريكية.

_ لمن تقرأ كثيرا؟

_ اقرأ كل شيء، ولكن تعجبني كثيرا روايات نجيب محفوظ.. قرأتها جميعا.

_ نجيب محفوظ.. لا أعرفه.. من يكون؟

_ كاتب مصري ..حصل على جائزة نوبل للآداب سنة 1988 .. رواياته و قصصه رائعة.

_ الديك MSN ؟

_ أجل.

_ فلنستعمله إذن.

_ لا مشكلة.

_ دعنا من الأدب... قل لي في ماذا تشتغل؟

_ في الحقيقة أنا ما زلت طالبا، أدرس.

_و أنا أيضا.

_ جيد.

_ما هو حلمك.. ماذا تريد أن تكون في المستقبل؟

_ في الحقيقة أنا لا أفكر الآن سوى في الإستقرار.

_ لماذا.. أليس خطيرا أن تفكر في الزواج، و أنت ما زلت طالبا؟

_ لا... لا أظن... و أنت فيما تفكرين؟

_ أريد أن أكون كاتبة مشهورة... كاتبة عالمية.

_ يا له من حلم..ينتظرك الكثير إذن.

_و أنت، ألا تفكر في أن تكون مشهورا؟

_ كلا، أنا في الحقيقة أكتب بالضرورة. الكتابة تفرض علي نفسها، فلا أستطيع أن أقاوم تلك الرغبة في الكتابة إلا بالكتابة. ولعي بالكتابة نتاج حبي للقراءة.

_أنا في الحقيقة لا أقرأ كثيرا و لا أحب القراءة.

_ و العزلة أتحبينها؟

_ ليس كثيرا.. أحيانا أفضل أن أكون وحيدة، وأحيانا أخرى أيأس فأفرمنها.

_ جميل يا عجوز.

_ هيه، لا تقل لي عجوزا، أنت العجوز، يا هرم...

_ لا تغضبي.. أنا في الحقيقة أحب أن أنعت الكتاب بالشيوخ، لأن الكتابة سرعان ما تجعلنا شيوخا.

_ إنك لتخرف...

_ ربما.. ولكن أنظري بنفسك، فربما تجدينني محقا. الكاتب يمكن أن يكتب عن أي حدث في التاريخ بكل تفاصيله: مثلا يمكن أن يكتب عن الحرب العالمية الثانية، و كأنه عاشها، فيكون بذلك شيخا.

_ الآن فهمت، فيكتب في زمن المستقبل، فيكون قد سبق أيامه.

_ صحيح.. أنت عجوز إذن.

_ لا تقل لي عجوزا، يا شيخ، يا أحمق...

_ أنا العجوز الهرم.. لا تغضبي فالغاضب لا يفكر.

_ من فظلك دعنا من هذه الفلسفة التافهة، فقد حان وقتي للذهاب... إلى اللقاء.

_ إلى اللقاء.

كان هذا أللقاء الأول بينهما، وإن كان رشيد قد حصل على العنوان والرقم الهاتفي فإنه ثأثر كثيرا بطريقة كلامها، فأحبها بمجرد سماع صوتها من خلال السماعة، فلم يستطع مقاومة رغبته في مكاتبتها. لقد أحبها من كل قلبه، إلا أنه لم يستطع مصارحتها بكل أحاسيسه، فكتم عنها الأمر لمدة طويلة، وتواصلت الرسائل بينهما دون أن تظهر من خلالها بوادر الحب و المودة.

كان يعتري أغلب رسائلهما الطابع الفكري والإبداعي، حتى أن بعضها كان عبارة عن كتابات قصصية و شعرية، كتبها خاصة لتكون هدية للفتاة المجهولة.

طوال تلك اللقاءات و المناقشات، لم يستطع أن يتعرف ملامحها، و لا حتى إستطاع أن يطلب منها صورتها، و إن كانت هي في أغلب جملها قاسية منفعلة، فإنه لم يتوانى ذلك اليوم في كتابة رسالة إعتراف و مصارحة.

أيتها الفتاة المجهولة روساليا:

ها أنا ذا أكاتبك مرة أخرى من خلال هذا الجهاز العجيب. أكاتبك من خلال هذه النافذة المفتوحة على العالم، لا لأهديك قصيدة أو قصة، وإنما لأتحدث لك عن شخص سلبه جمال الطبيعة راحته و سكونه، واستبدت به ظلمة الوحشة و الوحدة، وكابد من الآلام والأحزان ما لم يكابده فيما مر به من أيام حياته. دب الحب في قلبه دبيب المرض القاتل في الجسد، وأخذ منه اليأس مأخذ الداء في البدن، و اختلط عليه الليل بالنهار، وصارت في أيامه وحشة مقفرة لا تنقطع، إلا للحظات معدودة يداعب خلالها أزرار هذه المرآة العجيبة، التي يرى عبرها نصفه الآخر و ذاته الثانية.

أيتها الكاتبة الناشئة: إن أسوأ طريقة للإعجاب بأحد، هي أن تجلس بقربه و تعلم علم اليقين أنه لن يكون لك أبدا، و لن تنال من قلبه قدر إنملة، ولن تستطيع الأيام أن تقربه إليك حتى و إن ضحيت من أجله، وأهديته كل نفسك وحياتك.

إن هذا الأمر لمحزن، وليحزنني كثيرا أن تكون البلوى قد أصابت أحدنا دون الآخر، فيكون العلاج مستعصيا، ويكون الدواء مستحيلا، فتكونين شاهدة على موتي و مراسم جنازتي.

إنني يا عزيزتي لأحبك كثيرا، ليس لمهنتك و لا لمقامك، وإنما لإحساساتي عندما أكون بقربك. عندما أتذوق طعم كلماتك، و أستنشق من خلالها عبير أنفاسك، وطيب خواطرك، ومحاسن أخلاقك.

باختصار، إنك يا عزيزتي بالنسبة لي العالم و الدنيا بأسرهما، ولست شخصا للعالم كما تظنين.

المغرم بك، رشيد

أكادير

هكذا كاتبها و تنفس الصعداء، واستراح من حاله السابقة؛ إن لم نقل فيما بعد، أنه ازدادت أوضاعه سوءا، خاصة بعد أن غابت عنه الإجابة، و راحت عنه الأخبار، فلم يعد يسمع عنها خبرا، ولا عن أعمالها و تحركاتها شيئا، حتى دقاتها عبر الهاتف لم يعد يستقبلها، و لا رقم هاتفها عاد يعمل. سدت جميع الأبواب في وجهه، و طرقت جميع المنافذ في سبيله، فكانت الكارثة أن مرض مرضا عضالا لا دواء له سوى تلك الرسالة المفقودة.

ما عاد يفتح دفترا، ولا كتابا، ولا يقرأ درسا ولا نصا، ولا يحضر محاضرة و لا فصلا، إلا و تراءت أمامه كلمات رقيقة حنونة يطبعها طابع الرضي و الموافقة، و يعتري لبها المشحون بالحب الأمل و الحيوية.