2
لا شيئ و لا أحد يمكنه أن يوقف الزمن.. الأيام تمر، ثم الشهور والسنوات... الطالب يتراقص على سلم المجتمع. تحول من تلميذ إلى كاتب مبدع، ثم من كاتب مبدع إلى كاتب روائي مشهور، ملأت أصداء رواياته كل العالم، وتراكمت عليه رسائل المعجبين، وإستدعاءات الصحافة و الباحثين و النقاد... ما عاد رشيد ذاك الشاب النحيل العابس الوجه الذي نعرفه بالأمس، ولا ذاك الفتى ذو القميص الرقاع الأحمر الذي يسخر منه الطلبة و الأصدقاء... لم يعد هذا و لا ذاك، بل أصبح إنسانا أنيقا، وشابا وسيما تطارده العيون و العدسات أينما حل و ارتحل، وتلوك حوله الأفواه من الكلام ما يتأرجح بين الخطأ والصواب، والكذب واليقين...
لم يعد من أولئك الذين يغرمون بالنساء بقدر ما يغرمن به، و لا عاد يبحث عنهن بقدر ما هن يأتين إليه. لقد أصبح من أولئك الذين لا يقيمون الأشياء إلا ناذرا، عندما يتعلق الأمر بإحدى قضايا الحياة و الموت، عندما يهدد كيانه خطر قاتل، أو قلبه حب مزمن لا ينتهي إلا بانتهاء أيامه..
لم ينساها، و لا أراد أن ينساها. مازال حبه لتلك الفتاة المجهولة يلازم قلبه، وما زالت نوبات تلك القصة القديمة تعكر صفو حاضره.. أمله في إيجاد تلك الرسالة المفقودة يزداد يوما بعد يوم.. ورفضه الزواج من فتاة غيرها قرار لا رجعة فيه، خاصة بعد أن فكر في السفر إلى إسبانيا للبحث عن روساليا.. إن لم نقل أنه رتب كل الأشياء في الحقائب، و أبدى إستعداده لبدء الطريق...
_ صدقة في سبيل الله. قال له شاب من المتسكعين..
_ تفضل.
رمى بخمسة دراهم في يد الشاب، ثم مضى في طريقه دون أن يشعربما حوله من الناس والأشجار و الأشياء، لكن سرعان ما أيقضه وجع معدته الفارغة، وشدة حساسية منخاريه في إشتمام روائح الطعام.
أدخل يديه في جيوب بنطاله ليتحسس الدراهم الخمسة ألتي وفرها للغداء، ففوجأ بإختفائها.. تذكر ذلك الشاب المتسكع، فولى راجعا مهرولا مقتفيا أثره إلى أن وجده في آخر درجة من درجات إسمنتية شديدة الإنحذار جعلت على الساحل لتربط الشاطىء بطريق رئيسية تقود إلى الصويرة...
_هيه، أنت، أين دراهمي الخمسة؟
_ عم تتحدث؟!
_ قلت لك دراهمي الخمسة أين هي؟
_ أنا لم أر دراهمك الخمسة.
_ بل رأيتها.. أين وضعتها؟( أمسك به ليفتشه.)
_ هيه، إبتعد عني.. أنت هو الله لكي تعطي وتأخذ.. إبتعد...
دفعه دفعة قوية، أسقطته من أعلى الدرجات فتدحرج إلى أسفلها، و تهشمت كل عظامه، وسال دمه بغزارة على الأرض، وإنطلق لسانه المتلعثم في ترديد:
سعيد.. سعيد.. سعيد.. ثم توقف و انتهى.