-2-

6 0 00

-2-

نستيقظ لا بل قل نفزّ على صوت طائرات حربية ..

أقول لزوجي

- خير انشاءالله ؟؟ وكأنني في بيروت ؟؟ وكأنه اختراق جدار الصوت ؟؟

يقول زوجي:

- نعم يبدو ذلك .. أنا متأكد أنها طائرات حربية ..

- اوه انها الساعة الخامسة والنصف ؟؟ خير انشاءالله

- لا أدري افتحي التلفزيون ..

- يا فتاح يا رزاق ... التلفزيون لا يفتح قبل السابعة..

- افتحي الراديو اذن ..

- انه موعد القرآن ... الأخبار تبدأ في السادسة على ما أظن ..

- حسناً ... ولكنه نشيد وطني .. وليس تلاوة قرآنية ..

ويدوي صوت انفجار كبير ولكنه بعيد ... ويستيقظ الأولاد مذهولين ومرعوبين يسألون ما عسى أن يكون هذا الصوت ؟؟؟

يقول زوجي:

- لا تخافوا هو صوت انفجار لكنه يبدو بعيداً ... اسألوني أنا الخبير .. لا تخافوا عودوا الى فراشكم لا زال الوقت مبكراً ...

ويعودون الى فراشهم مصدقين ....

أما أنا فلم أصدق .. أقرأ في نبرة صوته ذلك الخوف الذي كنت أقرأه في بيروت .. فما أن يبدأ القصف حتى يقول بالطريقة ذاتها : لا تخافوا هيا ندخل الغرفة

الصغيرة التي تبعد جدرانها عن الجدار الأول في البيت فلو أصاب البيت أية قذيفة لا نكون متضررين مباشرة .

ويسود السكون بانتظار الساعة السادسة موعد نشرة الأخبار ..

الساعة السادسة .. بدأت الأخبار .. جلسنا نستمع بكل انتباه .. مذيع الأخبار الكويتي .. يذيع الأخبار بشكل عادي .. الخبر الأول عالمي لم نعره أي اهتمام

.. هل هذا يعني أنه لا شيء يحدث والانفجار والطائرات مجرد حادث عرضي ؟؟؟

ويأتي الخبر الثاني ليعلن المذيع أن القوات العراقية تتحرش على الحدود محاولة اختراق الحدود الكويتية والاعتداء على الأراضي الا أن الجيش الكويتي يصدها

ببسالة...

هو هجوم عراقي اذن .. على الحدود .. هي الحرب قادمة ؟؟؟ أمر غريب ؟؟؟ سمعنا الأسبوع الماضي قضية محاورات ومناقشات ... أما هجوم عسكري ؟؟؟

هل نتصل بالأصدقاء لنتشاور بالأمر ؟؟ لكن الوقت مبكر جداً ولا تبدو الأمور سيئة لهذا الحد والحدود تبعد عن المدينة فلم الخوف ؟؟؟ نحن أصابتنا عقدة الخوف

من أي طائرة أو صوت انفجار ... لم الرهبة والتلعثم ...

ربما الأوضاع ليست مثالية لكن التحرشات والاشتباكات على الحدود ليست أمراً غير عادي أو يدعو الى كل هذا الخوف .. لنتكل على الله ونتسم بالشجاعة على الأقل

حتى نتبين حقيقة الأمر ..

قال زوجي:

- سأذهب الى العمل وأستوضح الأمر وأتصل بك من هناك لأخبرك حقيقة الوضع لا بد أننا هناك سنعرف أشياء أكثر ..

- تذهب وتتركني مع الأولاد .. ماذا لو كان الأمر أسوأ مما نعرف ؟؟ ماذا لو لم تتمكن من العودة ؟؟ لو انقطعت الطريق ؟؟ لو ؟؟ لو ؟؟ ..

- ما بك ؟؟ عدت الى تخيلاتك القديمة .. هنا الكويت وليست بيروت .. اشتباكات وقناصة وقذائف ... ربما هناك شيء ما لكنه على الحدود ... هنا الدولة والجيش

مسيطران وليس ميليشيا وجيوش أهلية ...

سأذهب باكراً وان أحسست بأي خطر سأعود حالاً كما أعدك أنني لن أخاطر أبداً .. ولو أحسست بالخطر في طريقي سأعود ..ألا تعتقدين أنني أخاف عليكم أكثر مما

تخافين؟؟؟

ولكن يجب أن أذهب الى العمل وأستوضح الأمر ... وسأمر أيضاً على البنك في طريقي لسحب بعض النقود احتساباً لأي أمر طارىء ...

كان صعباً جداً علي منعه من الذهاب أو الرد على كل ما قال .. فأنا مقتنعة بما يقول ولكن الذكريات العالقة في الذهن مخيفة ، مخيفة جداً .

كان يخرج في الصباح كما الآن ولا أعرف متى يعود وأتساءل بداخلي كل يوم وهل يعود ؟؟

كنت أذهب في الصباح الى المدرسة حيث أعمل قريباً جداً من المنزل .. وهناك ننشغل بالعمل ولا نستمع الى الراديو ولا نعرف ما يحدث .. الا اذا حدث شيء كبير

حينها تصل الأخبار من السكرتيرة أو الناظر أو البواب ..

وأعود الى المنزل مسرعة وألتصق بالراديو كما يفعل الجميع حيث أتتبع تفاصيل الاذاعات المختلفة التي تتلف الأعصاب .. حتى يصل ..

كم من مرة قال لي لا تستمعي الى الراديو فهو يقلقك أكثر ولا حاجة بك لذلك .. الا أنني لم أستطع اطاعته يوماً .. والآن أستمع اليه يطمئنني عن ذهابه ..

يعيد علي جمل التطمين ذاتها ..

اليوم الأولاد حولي لا يعون وأنا أرتعد خوفاً .. وما باليد حيلة .. هو يجب أن يذهب وأنا يجب أن أهدأ، وخرج.

لم أنتبه هل قبلني قبلة الخروج .. والأولاد هل قبلهم كالعادة .. أو ربما لم يفعل حتى لا يعتبرها قبلة الوداع ... سيعود .. أنا أعرف أنه سيعود ...

جلست أستمع للراديو .. أغنيات وطنية .. ثم أغنيات وطنية .. ثم أناشيد وطنية .. لا حديث ديني ولا برامج من أي نوع ..

هل هذا مطمئن؟؟

لم أكن يوماً مهتمة بالسياسة .. لم تستهويني وبخاصة أيام الحرب كنت أثور جداً وأحس بالغضب وهم يتناقشون حولي عن هذا الحزب أو ذاك وهذا الفريق وذاك ..

كان معظم من هم حولي مولعون بالسياسة الى درجة الادمان أما أنا فقليلا ما وجدت أحداً يشاطرني اهتماماتي الأدبية .. لذلك كنت دوماً صامتة أستمع لما يقولون

وأثور بداخلي ثم أسرح بعيداً عن نقاشاتهم اللامنتهية ..

اليوم هل أتمنى أن أفقه شيئاً في السياسة علني أحلل الموقف وأعرف مدى البعد الذي يجب أن أقلق فيه ..

تحدثت مع جورجيت فاذا بهم قلقين أيضاً شيء ما يحدث لكن ريمون ذهب الى عمله كالمعتاد .

ليلى قالت لا شيء أنا أتحضر للذهاب الى مكتبي والأولاد نيام والياس ذهب من الصباح الباكر الى فيلكا لتفقد المشروع هناك ..

الهاتف يرن، اعتقدت أنه زوجي يتصل ليطمئنني بوصوله الى مكتبه .. ولكن ؟؟ انه مدير الشركة يتصل من الخارج يسألني بكل قلق :

- كيف حالكم ؟؟؟

مرعبة قالها .. ومخيفة .. ثم استدرك ..

- كيف حالكم، اتصلت بالمكاتب ولا من مجيب ..

لم أدر ما أجيبه .. حدثته عما حصل في الصباح وأخبرته بأن زوجي أصر على الذهاب الى المكتب ولم يخابرني بعد ولم يعد ..

يبدو أن المدير أحس بأنني هادئة أكثر مما يتوقع .. وتبين أنني غير مدركة بما حصل .. لذا قال لي :

- سأتصل بعد حين ولكن ان لم أستطع لأي سبب، أرجوك أكدي له بأنني أعطيه موافقتي بل أطلب منه الخروج والهروب في أول فرصة يعتقد أنها سانحة ولا تعرض سلامتكم

للخطر، وليتصل بنا من أول نقطة يصلها ويتمكن من الاتصال .. وأغلق الخط .

وأنا كمن يحلم .. كمن يستمع الى اتصال لا يخصه ولا علاقة له بمحتواه .. لم أجبه بشيء ولم أعلق .. صمتي ربما جعله يعتقد بأنني غير منتبهة .. الا أنني كنت

فعلاً غير مدركة لما يقول .. يوصيني أن ننتبه لأنفسنا .. نهرب عندما تسنح لنا الفرصة .. نترك كل شيء ولا نهتم .. الشركة ستتولى أمرنا .. فهي التي أحضرتنا

وستتكفل باعادة استقرارنا في مكان آخر .. ماذا يعني كل هذا ؟؟

جلست ذاهلة أفكر .. ما عساه يعني ؟؟ ولم كل هذا الخوف ؟؟ لم كل هذا القلق في صوته ؟؟؟ لا بد أن الأمر كبير. وبدأت أستفيق .. نعم لا بد أن الأمر خطير

.. أين هو زوجي وقد مضى على ذهابه ساعة من الزمن .. المكاتب لا ترد اذن هي مغلقة .. أين هو اذن ؟؟

وبدأ القلق .. القلق الحقيقي المغذى بالأفكار السوداء والذكريات القاتلة ..

لم أستطع الثورة أو البكاء فالأولاد حولي الآن وان فقدت أعصابي كيف أفسر لهم ما يحدث ؟؟ بشكل غريب ضبطت أنفاسي وطلبت اليهم الابتعاد وتناول طعام الافطار

بمفردهم ..

أين هو يا رب ؟؟ أين علق ؟؟ لا لم أسمع انفجاراً بعدما ذهب .. يا رب أين يمكن أن يكون ؟؟ هي تجربة جديدة ولا أعرف أن أتخيل له مكاناً .. على الطريق ؟؟

خنقة سير قوية ؟؟ وليس بامكانه الاتصال بي .. ربما لكن طرقات الكويت كلها عريضة وواسعة ولم نشهد يوماً خنقة سير .. لا بأس علي الصبر والانتظار ..

بدأ الاولاد بالاحتجاج لأن التلفزيون لم يعرض أفلام الكرتون كالعادة وراحوا يسألون عن السبب ..

سمحت لهم حضور الفيديو فأنا غير مستعدة أبداً لأسئلتهم.

نصف ساعة أخرى وكأنها الدهر .. ويعود مكفهر الوجه غاضباً ..

عشر دقائق أخرى وكأنها ساعات عشر حتى استعاد انفاسه وصار بامكانه التحدث ..

العراق احتلت الكويت والدبابات العراقية هي هنا قريبة جداً على الشاطىء ..

لم أنبس ببنت شفة .. وتابعت الذهول الذي دخلته منذ الصباح ..

وتابع يقول :

ما ان غادرت صباحاً باتجاه الشويخ الى المكتب .. حتى بدأت خنقة سير غير طبيعية قبل الوصول الى الدوار، وشرطي مرور يوجه السير للعودة ويمنع الذهاب باتجاه

الشويخ والجميع يعودون ولا يفهمون شيئاً.. فقلت لنفسي حسناً سأمر بالبنك مباشرة لسحب المال .. المصرف مغلق والطابور على ماكينة السحب طويل .. فقررت الوقوف

بالدور أنتظر فقد تذكرت أنك طلبت مني البارحة مبلغاً وأنه ليس لدينا أية أوراق مالية في البيت .. ..

فيما كنا أنتظر بدأت أسمع الناس يتبادلون الأحاديث قلقين .. منهم من يقول أن العراق احتلت الكويت فعلاً ودخلت منذ الصباح الباكر .. ومنهم من يعترض قائلاً

لا لا يمكن ذلك فالجيش الكويتي جيش باسل .. ومنهم من راح يعترض على وقوف الدبابات على طول خط البحر لأن الجيش العراقي سيقصف الأماكن السكنية عندما يقصفها

فيرد آخرون أن الدبابات الرابضة على شاطىء المسيلة هي دبابات عراقية ..

كان يتحدث وصوته مضطرب .. حزين .. قلق .. وتابع:

كنت محظوظاً بحيث تمكنت من سحب الحد الأقصى المسموح به في البنك الآلي وهو مئتان وخمسون ديناراً . وقد صادفت رياض هناك يسحب مبلغا من بنكه هو الآخر وأكد

لي أن الوضع يبدو سيئاً وطلب مني أن أقصده لو احتجت لأي مبلغ فهو عازب وبدون عائلة ..

بعد أن شرب كأس الماء .. أخبرته بالاتصال الهاتفي الذي تلقيته من المدير وما قاله لي .. حينها فقط انهار وقال : الأمر جدي اذن وليس شائعات .. اذن صحيح

أننا في حرب الآن .. لو لم يكن الوضع خطيراً وأنهم يسمعون أكثر منا لما اتصل .. وقال ما قال ..

حاولنا كثيراً ومراراً الاستماع الى اذاعة لندن أو مونت كارلو أو صوت أميركا دون فائدة .. التشويش كبير والاذاعات غير واضحة .. ولا أخبار محلية ..

الهاتف يرن مجدداً، انه زوج أخته ..

بكل القلق سأل عنا وأخبرنا بأن عائلتانا قلقتان وأكد له أن الأوضاع تبدو خطيرة ويجب الخروج من هذه الأجواء بالسرعة الممكنة وأكد له أن وجودنا هو مسؤولية

الشركة لذا يجب الخروج بنا مهما كلف الأمر. وعندما أكد له زوجي اتصال المدير أصر حينها على ذلك .. وأكد أنه ربما لن يتمكن من الاتصال مجددا لأن الاتصال

هذا كان صعباً للغاية . كما أخبر زوجي أنه سمع أن القوات العراقية احتلت المطار وأغلقته وهي تؤكد عبر وسائل الاعلام أنها لن تؤذي المقيمين ..

كان زوجي يتحدث الى صهره وألوان وجهه تتغير وتتلون مما يدل على عظم الكارثة التي أحس بها حينها.

أغلق السماعة وهو يقول علي أن أذهب الى الجمعية لاحضار بعض المؤن قبل أن تفرغ ..

مجدداً كان علي أن أعترض على ذهابه .. ففي المرة الأولى لم أعرف عظم الكارثة .. أما الآن بعد كل ما سمعت وما لم أسمع كيف أتركه يذهب؟؟

قال : الجمعية هنا قريبة .. لن أذهب الى مركز سلطان لأنه على الشاطىء والدبابات تحيط بالشاطىء، سأذهب الى جمعية السالمية القريبة جداً وصدقيني لن أتأخر

.. وإن تأخرت فيجب ألاّ تقلقي لأنني أتوقع طوابير من الناس تحاول شراء المواد الغذائية .. دعيني أذهب قبل أن يعلم الجميع جدية الموضوع.

مقتنعة من كلامه ومن ضرورة احضار بعض المواد الأساسية فالأولاد أفواه لا تتحمل الجوع والعطش وماذا ان انقطعت المياه وأغلق كل شيء ؟؟

كان علي أن أقبل مجبرة .. مغلوبة على أمري .. تركته يذهب بالرغم من أنني فكرت أن نذهب جميعاً وان حدث أي شيء نكون معاً. ولكن الأطفال .. هل من المعقول

أن أحمل الأطفال ما لا أعرف ما أتوقع .. يجب أن أحافظ على أعصابي وأتمالكها جيداً حتى لا يزيد من عذابي قلق الأطفال.

سمحت لهم باللعب على الكومبيوتر وكان هذا أمراً مستغرباً لهم لكن متعتهم أنستهم كل الأسئلة.

جورجيت اتصلت .. الأمر متشابه .. هم يسمعون أصواتاً وانفجارات قريبة منهم تبدو قادمة من قصر الشعب . أخبرتها بالاتصالات التي تلقيناها وأخبرتني باتصال

أهل زوجها من أميركا وكذلك أهل سليم والكل يقول يجب المغادرة .. وسريعاً.

فعلاً تبدو الأمور معقدة ورحنا نتصل ببعضنا ونطمئن بعضنا البعض .. الاجتياح عسكري ولن يمسنا بأذى .. أكثرهم رأوا الدبابات على طول كورنيش البحر .. تريز

تركت بيتها المواجه للبحر وهربت الى بيت أختها ..

ليلى لا ترد على هاتفها لكننا علمنا من هدى أن الياس عاد من فيلكا وهم يتحينون الفرصة للذهاب الى بيتها .

عاد زوجي ببعض المؤن، ما تمكن من الحصول عليه فالمسؤولون في الجمعية لا يسمحون بشراء الكثير من الأغراض حتى يتمكن الجميع من الحصول على المؤن بالتساوي.

حوالي الظهر اتصلت جورجيت باكية ترتجف .. وتتكلم بصوت منخفض .. الاشتباك هنا قريب جداً يبدو أنهم هجموا على قصر الشعب هجوماً عنيفاً نحس القذائف فوق رؤؤسنا

. قالت : قد مرت الآن سيارة عسكرية مع مكبر للصوت تؤكد لنا الاّ نخاف لأن الهجوم هو على قصر الشعب فقط. الا أن الأصوات مخيفة .. كانت ترتعد وبصعوبة هدأتها

وطلبت منها أن يأتوا الينا اذا ما استطاعوا .

كان طلبي كمن يطلب من الجريح أن يذهب بنفسه الى المستشفى .

رحت أتصل بها مراراً حتى هدأ الاشتباك .. لكن النفوس لم تهدأ فقد كانوا خائفين من تجدده في أية لحظة لذا لم يجرؤ أحد على التحرك في المنطقة.

كم شكرنا الله أن الهواتف الداخلية لم تنقطع .. فقط المخابرات الخارجية توقفت .. كانت الاتصالات هي الملاذ الأوحد.

حل الظلام بعد أن مر اليوم ثقيلا ثقيلا ثقيل بعد أن تأكدنا أن العراق تحاول احتلال الكويت.

جلسنا مساء على الشرفة بعد أن خلد الأولاد للنوم وانخفضت درجة الحرارة قليلا صامتين ..

لم نتحدث كثيرا الا أنني كنت متأكدة بأن زوجي مثلي يستعيد في ذهنه كل ذكريات الحرب في لبنان والقلق والحوادث التي تعرض لها ثم تعرضنا لها معاً.

وبعد ... ماذا بعد ؟؟؟ ترى ماذا سيحدث الآن .؟؟؟ ماذا يجب أن نتوقع ؟؟؟ ماذا نعدّ وماذا ننتظر ؟؟ هل هو مجرد انقلاب يرافقه اجتياح عسكري .. هل تعود الأمور

الى نصابها قريباً أم هل سنضطر الى الرحيل حقاً ؟؟؟

لا زال الوققت مبكراً جداً للحديث عن ذلك ..

لا خبر يشفي الغليل على الراديو ... كلها أناشيد وطنية وبعض النداءات بالصمود أمام وجه العدوان الغاشم، وفي اذاعة العراق انتصارات الاجتياح والمحطات الأجنبية

مشوشة ... والعقول كلها مشوشة كذلك ...

فكان النوم أفضل الحلول .. ومن ينام في ليلة كهذه ؟؟ كان كل منا يضغط على عينيه لاغلاقهما ليشعر الآخر بضرورة اغلاقهما لعدم الازعاج .. وهكذا تسهو العين

ويسرقك النوم..

من الصباح الباكر بدأ اليوم الثاني ثقيلاً ، وثقيلاً جداً.

الاتصالات الخارجية لا زالت مقطوعة لكن الداخلية تعمل ...

رحنا نتصل بعضنا ببعض للاطمئنان .. بعضهم يرد وآخرون لا يردون .. هل انفطعت الاتصالات في بعض المناطق ؟؟

ليلى وعائلتها لا زالت بغير خبر، قيل أنهم احتلوا الجابرية أين هم يا ترى هل تمكنوا من الرحيل والصمت ؟؟ هل هم مختبئون حتى لا يشعر بهم أحد ؟؟؟ احتلوا

الجابرية ماذا يمكن أن يعني هذا ؟؟ هل قطعوا الأسلاك ؟؟ هل اقتحموا البيوت ؟؟ هل قتلوا أحد ؟؟

هدى تكاد تجن لتسمع خبراً عنهم...

أبو سمير وسمير في محلهم في النقرة بخير .. يتجمعون ويتآزرون ..

مها وشكري ذهبوا الى بيت أهلها ليتآزروا أيضاً ويحسوا بمزيد من الأمان .

وجورجيت بعد أن هدأت الاشتباكات في منطقتهم هدأت نفسيتها وارتاحت وتمكنت من النوم...

لم نكن نستطيع الاسترسال في المناقشات على الهاتف .. خوفاً من ماذا ؟؟ لم نكن ندري من ماذا ؟؟ كانت اتصالاتنا فقط للاطمئنان والشعور بالأمان ..

لا جديد ، سوى انفجارات تسمع هنا وهناك بعيدة ومتباعدة.. واشاعات تأتي لا نجرؤ على التمادي في الحديث عنها وهل نصدقها وكم نصدق منها ...

هل نبدأ باستهلاك المؤن بحذر ؟؟ هل ستنقطع الكهرباء ؟؟

الكهرباء؟؟ .. امكانية انقطاع الكهرباء هي الكارثة الحقيقية .. حرارة الجو مرتفعة جداً والعيش دون تكييف الهواء أمر مستحيل خاصة بالنسبة للأولاد .. والأهم

من ذلك تبريد الماء ليس للشرب فقط بل ليكون بالامكان وضعه على الجسم أو في الفم .. لأن من لم يختبر حرارة الصيف القوية لا يعرف أنها تأتي من الصنبور بحرارة

أربعين درجة مئوية ..

كل ساعة تمر نشكر الله أن الكهرباء لم تنقطع ..

في احدى اتصالات التطمين كنت أتحدث مع منى صديقة ليلى التي هربت أيضاً من منزلها المواجه للبحر في المسيلة الى بيت أهلها في شارع تونس، وبعد أن تبادلنا

امكانات مصير ليلى والياس والأولاد وقلقنا عليهم وتوقعاتنا بأنهم في مكان ما وليس بمكانهم الاتصال بأحد.. تذكرت وقصت علي انقطاع الكهرباء العام الذي

حصل بعد عطل فني كبير في المولدات ودام ثلاثة أيام .. في الثمانينات .. كيف عانى الأهالي وقضوا أيامهم ولياليهم في السيارات يدورون فيها هرباً من الحر..

وكيف كانوا يتجمعون بعد ذلك بحسب جدول التصليح ويقضون الأيام معاً للتوفير .لم تكن قصة مشجعة أبداً لذا لم أرد سردها على جورجيت حتى لا أزيد قلقها حين

خابرتها فإذا بها تقص علي قصة جارتها التي كانت في الكويت في الثمانينات وعاشت تلك الأيام الصعبة . فالمحن تستذكر القصص المتشابهة والمحن المتماثلة ...

كنا وحيدين في المبنى الجديد .. بعض الشقق لم تؤجر بعد واكتشفنا أن جميع المستأجرين غير موجودون .. وجارتنا الجديدة عند أهلها ...

محظوظة نعم عند أهلها .. فقد اعتقدت دوماً أن من تسكن في بلد فيه أحد أفراد أسرتها هي محظوظة ، ربما لأنني منذ تزوجت وأنا بعيدة عن أهلي وعن أهل زوجي

.. دوماً في الغربة .. تحس بحاجة الأهل .. لهم مكان معين لا يعوضه أحد حتى أعز الأصدقاء.

لذا يتجمع الأصدقاء في الغربة ليؤلفوا عائلة كبيرة تملأ بعض فراغ الأهل. وهكذا كان بيننا ... فقد كنت مع ليلى وجورجيت كالأخوات وها نحن اليوم لا نعرف

عن ليلى وعائلتها شيئاً وليس بيدنا الا الصبر والدعاء والتمني بالسلامة .. كل منا في بيته .. حتى اتصلوا أخيراً بعد الساعة العاشرة وكانوا قد وصلوا الى

بيت هدى .. لم نسأل عن التفاصيل .. فقط علمنا أن الجميع بخير، كان هذا ما نريد سماعه وهكذا كان ...

شكرنا الله وخلدنا الى النوم يسحقنا التعب والقلق بعد يوم ثقيل .

* * *

وبدأ اليوم الثالث..

بدا أهدأ من اليومين السابقين .. مر الليل دون انفجارات ..

حركة الشارع بطيئة جداً،

بدأت الهواتف باكراً.. ريمون شجاع للتحرك وجورجيت متحمسة للخروج قالوا أنهم سيمرون على الجمعية ويقصدونا للزيارة وتبادل المشاعر والمؤازرة ..

ليلى لم نتصل بها باكراً فهم ربما لا زالوا نياماً...

مرارً قلنا لريمون .. انك شجاع ولكن هذه المرة كان شجاعاً حقاً .. قلنا له طبعاً ستحس بالشجاعة فأنت أمريكي ولو حدث لك أي مكروه سيحضر الأسطول الامريكي

كله لانتشالك ...

حينها أخبرنا أن السفارة الأمريكية فعلاً اتصلت به وطلبت منه أن يكون جاهزاً للهروب في أية لحظة يصل فيها الأسطول وليكن بحوزته حقيبة صغيرة فيها كل ما

يلزم من الأوراق الثبوتية وبعض الأغراض الشخصية الهامة... وطمأنوه أن المقيمين غير مستهدفين ..

كنا نستمع اليه بكل هدوء لأننا حتى تلك الساعة لم نعتقد أن الأمور يمكن أن تتأزم الى ذلك الحد وأنهم بالتأكيد سيجدون حلاً ...؟ ولا بد للقوات العراقية

من التراجع ... ربما هي حركة سياسية للتخويف أو ربما ...؟؟ تهويل ؟ هل يمكن أن يكونوا جديين في الاحتلال ...؟ أين الجيش الكويتي ؟؟ لا بد أنهم يحضرون

الخطط لرد الهجوم ونحن هنا مغلق علينا ولا نعرف ما يحدث فعلاً ... نعرف أن معظم الوزراء والشخصيات الهامة هم جميعاً في دول الاصطياف .. ولكن هل هذا يعني

أن الدولة فارغة وليس من يتمكن من فعل شيء ... لا ...

قضينا الزيارة ونحن نتحدث عن كل هذا .. عن قلقنا على الأهل في الخارج الذين لا يعرفون عنا أي شيء ولا يمكنهم الاتصال بنا بأي شكل ...

قال ريمون أن أحد جيرانهم استطاع الاستماع الى احدى الاذاعات الأجنبية وهم يصفون الوضع في الكويت بصفات مخيفة لا نحس بها نحن هنا ولكن أهلنا لا يعلمون

هذا...

وحدها ديما ذكرتنا بالسؤال عن الطفلة المنتظرة التي لم نكن نكف عن ذكر انتظارنا لها وللاحتفالات المرافقة لقدومها ... يا الله كيف تأخذنا المحن وتنسينا

أهم الأمور ...

جورجيت بدت غير قلقة لأن الدكتور زياد سألها أن تمر الى المستشفى الأسبوع المقبل ... آملاً أن تكون الأوضاع أفضل ..

دعونا للذهاب لزيارتهم والبقاء معهم اذ وجدوا أن شارعنا فارغ ومبنانا فارغ وهذا لا يريح أما شارعهم فهو مغلق أكثر ومكتظ بالسكان والسيارات مع مكبرات الصوت

تمر كل يوم لتطمئن الناس ونؤكد أن الاعتداء هو على الكويتيين أما المقيمون فيجب الا يقلقوا بل بامكانهم المساعدة.

طبعاً لم يرد عليهم أحداً بخصوص المساعدة ولكن معرفة حدود الأمور .. يريح الأعصاب ويمنح بعض الأمان ... فوعدناهم خيراً.

ليلى اتصلت بنا، لم تقل الكثير فقط طمأنتنا وأكدت أنهم سيبقون حالياً عند هدى وبسام معهم ...

أكدت أنهم تمكنوا من الحصول على بعض المؤن وهذا كاف حالياً.

صوتها طمأننا قليلا وكان يجب أن نغصب أنفسنا لانتظار سماع الحقيقة حين نلتقي ...

images/clip_image

طال الأمر ونحن ننتظر

السادس من آب 1990