4
يرتدي أبي الروب. يفتح باب البلكونة الزجاجي. يدفع المصراع الخشبي إلى الخارج. يثبته في الجدار بالشنكل. يتسلل ضوء الصباح الضعيف إلي الغرفة. يغلق المصراع الزجاجي وهو يتأمل البلكونة المقابلة. أسعل وأشكو من التهاب حلقي. يجس جبهتي. يتحسس أسفل صدغي متلمسا اللوزتين. يغادر الغرفة وينهمك في إعداد طبق من الفول المدمس بالزيت الحار.
يضع الطبق على الطاولة الخشبية المستديرة التي أحضرها "عباس" من المخزن. الطاولة في مستوى الفراش و تتسع بالكاد لطبق الفول وقطعة الجبن الأبيض في ورقتها ورغيف الخبز والليمونة المشقوقة. يستخرج بصلة صغيرة من تحت الفراش ويضعها في الحيز الفاصل بين باب الغرفة والحائط دون أن ينزع قشرتها. يجذب الباب إلي الداخل ويضغط قليلا. يعيد الباب إلى مكانه ويلتقط البصلة قبل أن تسقط فوق الأرض. ينتزع قلبها الذي برز خارجها ويلقي الأجزاء الخارجية جانبا. يقول إنها أفضل طريقة للمحافظة على فائدة البصل وطعمه.
يتربع فوق الفراش. أجر كرسي المكتب وأجلس أمامه. يعصر فص ليمون فوق الفول. أغمس لقمة صغيرة. وأقضم طرفا منها بغير حماس. أقول أني لا أحب الفول. يقول إنه كان يفطر وهو تلميذ من حلّة الطبيخ البايت دون تسخين. تنادي عليه أمه من الطابق العلوي كل صباح: "عندك حلة الطبيخ في المنور".
ننتهي من الإفطار. نخرج إلى الصالة. نغتسل من حنفية الحوض. يدق جرس الباب. يفتحه لبائع اللبن. يحضر له حلّة صغيرة ويأخذ رطلاًً. يشعل الموقد ويضع الحلة فوقه إلي أن يغلي اللبن. يضع إبريقا من الصاج مكانه ليعد القرفة. أظل واقفا بجواره إلى أن تغلي القرفة عدة مرات. يصب لي كوبًا ويضيف إليه اللبن. أرفع الكوب إلى فمي. أشم رائحة الجاز. أعيده إليه. يغضب ويشرب من كوبه في صمت.
يدق الجرس مرة أخرى. أهرع إلى الباب وأفتحه. تدخل "أم نظيرة". نحيلة وقصيرة. رأسها ملفوف بمنديل أسود اللون معقود فوق جبهتها تتدلى من حافته خصلات بيضاء. وجهها شاحب وعيناها غائرتان. تترك صندلها الأسود بجوار الباب. تضع كيس الخضار على مائدة الطعام. تلقي ملاءتها السوداء فوق ظهر أحد المقاعد. تقول إنها تأخرت لأن متطوعات الكوليرا أوقفنها في الطريق وأخذنها لمركز التطعيم.
يعطيها أبي ما تبقى من افطارنا. تهم بالجلوس علي الأرض فيدعوها لأن تجلس علي أحد مقاعد المائدة. يسألها عن أولادها وزوجها. يحسب معها ثمن الخضار الذي أحضرته. يعد لنفسه القهوة في كنكة صغيرة فوق موقد السبرتو. يفرغها في فنجان من الصيني المزخرف. يحمله في طبقه.أتبعه إلي الغرفة. يجلس متربعًا فوق الفراش. يحتسي القهوة في بطء. أعيد الكرسي إلى مكانه خلف المكتب. أجلس وأفتح كراسة الحساب.
أبدأ حل الواجب. أتوقف حائرًا أمام إحدى المسائل. أتطلع إلبه. يجمع ويطرح ويضرب ويقسم دون أن يستخدم القلم والورقة. تقطيبة وجهه لا تشجعني على طلب مساعدته. يشعل سيجارته السوداء. أفكر في طريقة. أتذكر درس اللغة العربية عن المفردات اللغوية:أسأله عن صفة منزلنا بين أنواع المنازل. أعددها له على أصابعي: القصر، الصرح، الصومعة، السرداب، النجيرة. يهز رأسه قائلاً إن منزلنا نسيج وحده. أعرض عليه مسألة الحساب فيحلها.
أرتدي نظارتي وأغادر الغرفة إلى الصالة. "أم نظيرة" تصف الأواني التي غسلتها فوق رخامة البوفيه. أتوقف أمام باب غرفة الكونستابل. أتلصص النظر من ثقب الباب فلا أرى غير طرف سرير منكوش الأغطية. أضع أذني على الثقب.لا أسمع حركة. ألف من خلف مائدة الطعام. أبتعد عن الباب الزجاجي الذي يؤدي إلى المنور ويأتي منه الهواء البارد. ألف مرة أخرى وأتوقف أمام الحجرة الثالثة. أدير مقبض الباب وأدخل. أرض خشبية مهترئة مليئة بالحفر. أثاثنا القديم: كرسي هزاز من القش المخرّم تمزق جانب منه. فوتيان وكنبة. أحد الفوتيين بقاعدة غائرة.
الغرفة باردة. دهان الحوائط متآكل يكشف عن رقع من المصيص. بعضها تغطيه أوراق ملونة. أقترب منها. صفحات من مجلة مصورة خضراء اللون مثبتة بالدبابيس. صورة الملك "فاروق"وهو صبي جميل بالبنطلون القصير والطربوش. صورة أخرى له في سيارة مفتوحة مع شقيقاته الثلاث الجميلات. صورة ثالثة له بجوارأبيه الملك "فؤاد"ذي الشارب المدبب الطرفين المرفوعين إلى أعلى. أتحسس بيدي سطح الصور المصقول. يتساقط المصيص من خلفها. تناديني "أم نظيرة" لأخرج كي تكنس الغرفة.
أبي فوق الفراش والمسبحة في يده. شيش البلكونة المقابلة مفتوح لكن ستارة من الدانتلا المخرمة مسدلة خلف مصراعه الزجاجي. البلكونة صغيرة وضيقة مثل بلكونتنا وبلكونات الطوابق الأولى. فوقها بلكونتين كبيرتين متجاورتين في شقة واحدة. يسكنها موظف متزوج من امرأتين لكل منهما بلكونة. واحدة مفتوحة والأغطية منشورة فوق سورها. الثانية مغلقة. معني ذلك إنه قضى الليلة فيها. سيأتي الدوراليوم على البلكونة الأخرى.
أقف خلف الزجاج.ألصق وجنتي بسطحه لأتمكن من رؤية المنزل الواقع على الناصية. نافذة "صبري" أفندي مفتوحة. تظهرزوجته لحظة ثم تختفي. قصيرة سمينة. يمتلىء وجهها بحبوب الحمونيل. أولادها أيضا: البنت الكبيرة "سهام" والوسطي "سها" والصغيرة "سلمى" وسمير" الأصغر منها.
تنادي علينا "أم نظيرة" لنغادر الغرفة كي تكنسها وتمسحها. يترجل أبي من فوق الفراش. يضع قدميه في القبقاب. تفتح باب البلكونة وتجر السجادة وتبسطها فوق السور. تكنس الأرض. نرقبها من مدخل الغرفة. يخشى أن تمد يدها إلى ملابسه المعلقة بالمشجب.
تنتهي من الكنس فتضع الخيشة في جردل الماء. ترفعها وتوزع المياه في أنحاء الغرفة. تركع لتمسح البلاط. يكشف جلبابها عن عظام ركبتيها البارزة. تعصر الممسحة في الجردل. تجفف الأرض. تنتصب واقفة وهي تلهث.
تحمل الجردل وتهم بالانصراف. يستوقفها أبي. يشير بيده إلى منطقة مبللة قرب البلكونة. تقول إنها لا ترى البلل. وإنه على أي حال سيجف بعد قليل لو تركنا باب البلكونة مفتوحًا. يزعق فيها: إعملي زي ما بقولك. تنصاع غاضبة. يخطو أبي إلى الداخل ويغلق باب البلكونة. يظل عندها وعينه على البلكونة المقابلة.
تصيح "أم نظيرة" من الصالة: المية سخنت. أحمل ملابس نظيفة ولوفة وأغادر الغرفة. يتبعني أبي حاملاً جريدة قديمة. يغلق الباب بالمفتاح ويضعه في جيب الروب. نتجه إلى غرفة الضيوف. حوض الغسيل الصاج في الوسط. وابور الجاز يعلوه إناء مياه يتصاعد منه البخار. صفيحة من المياه الباردة. يخلع أبي روبه. يقرفص. يخلط المياه الباردة بالساخنة في الحوض ويقيس حرارتها بيده. أحاول أن أتذكر ما قاله مدرس العلوم عن كيفية تعيين نقطة الغليان. المياه تغلي فوق وابور الجاز. تملأ أمي كوزًا معدنيًا بالماء المغلي..تضيف إليه مياه الصنبور ثم تصبه فوق جسدي العاري. تملأ كوز المياه الساخنة مرة أخرى. تنسى أن تخففه بالمياه الباردة وتصبه فوقي. أصرخ. يهرع أبي إلى. يحملني إلي غرفة النوم. يجفف جسدي برقة.يرش فوقي مسحوقًا أبيض. يلبسني ملابسي ويصحبني معه إلى المسجد.
أخلع ملابسي وأغطس في مياه الحوض. يدعك شعر رأسي بالصابونة النابلسي. يدعك جسدي باللوفة. يطلب مني أن أقف ليشطفني بالمياه النظيفة. يجففني. أتطلع إلى صور الملك على الحائط.يلف صدري بورق الصحف. أرتدي ملابسي فوقها. ينادي على "أم نظيرة" لترمي المياه الوسخة وتملأ الصفيحة من جديد.
نذهب إلى حجرتنا. يخلع الروب والجلابية. يعطيني ظهره ويرفع فانلته الصوفية كاشفا عن ظهره. يطلب مني أن أهرش له. أرتدي نظارتي. أتجنب البثور الزرقاء الثلاثة الموزعة علي ظهره. جسمه أبيض على خلاف وجهه وساعديه حتى المرفقين. يطلب مني أن أبحث عن القمل في أنحاء الفانلة. يشير لي أن أدقق في ثنيتي الحياكة على جانبيها. أعثر على واحدة سمينة بيضاء. في ظهرها نقطة سوداء. أفضلها على النوع الأسود الرفيع. أضعها فوق ظفر إبهامي الأيسر. أضغط بظفر الإبهام الأيمن. أسمع طقتها. يسدل الفانلة قائلا: كفاية.
ينتقي ملابس نظيفة من الدولاب. يقول بصوت خافت: خلي بالك من "أم نظيرة". أتبعه حتى باب الغرفة. " أم نظيرة" جالسة إلي مائدة الصالة. تقشر حبات القلقاس.
أجلس إلى مكتبي. أقوم. أتلصص على " أم نظيرة" من فتحة الباب. تعمل السكين في حبة قلقاس. تقطعها إلى مكعبات صغيرة.
يخرج أبي من غرفة الضبوف مرتديًا جلبابًا نظيفًا. يطلب من "أم نظيرة" أن ترمي المياه الوسخة وتجفف أرضية الغرفة.
تقول: لما أخلص اللي في إيدي.
يقول إن المياه يجب أن تجفّف الآن قبل أن تتجمع في فتحات الأرضية الخشبية. تنهض ممتعضة وتمضي إلى المطبخ. تحضر الممسحة والجردل وتدخل غرفة الضيوف. تخرج بعد لحظة بالجردل. تذهب إلى المطبخ. تعود وتهم بالجلوس. يطلب منها أن تغسل يديها أولاّ. تذهب لغسلها.أقول له بصوت خافت إنها لم تغسل القلقاس بعد تقشيره. تعود وتجلس. تستأنف تقطع القلقاس.يسألها عما إذا كانت غسلته بعد التقشير. تقول إنها ستفعل بعد أن تنتهي من تقطيعه. يزعق فيها قائلاّ: أنا مش قلتلك تغسليه الأول وبعدين تنشفيه بالفوطة؟
تقول: مفيش فرق.
يقول: تعملي زي ما أقولك.
تزم شفتيها. تواصل تقطيع القلقاس في صمت.
يستخرج موساً من علبة الحلاقة. صندوق صغير للسجائر من الكرتون. يفك غلاف الموس الذي يحمل صورة التمساح. يضع قدمه اليمنى فوق حافة السرير. ينحني ويكشط الكالو من إصبعه الصغير. يقول إنه ناتج من الأحذية المدببة التي كان يرتديها في شبابه حسب الموضة. يكشط الكالو من القدم اليسرى. يعيد الموس إلى غلافه. يضعه في العلبة الكرتون. يستخرج منها مقصًا صغيرًا. يقص الأظافر المتصلبة في أصابع قدميه بصعوبة. يغادر الغرفة ليغسل يديه. يعود.يرتدي جورباً من الصوف.
يأتي صوت خطبة الجمعة من راديو "أم زكية". تسكن الطابق الأول في المنزل المجاور وتطل نافذتها على المنور. يرتقي أبي الفراش وينتصب واقفًا. يقترب من الحائط. يلمسه براحتيه ثم يرفعهما إلى وجهه ويمسحه بهما وهو يتمتم بالدعوات. ينتهي من التيمم فيستعد للصلاة. أقف بسيارتي الحمراء عند باب حجرة الطعام ويدي على الدركسيون أنتظر بفارغ صبر وعيني على وجهه المتجهم. عزائي أني أشيه سائقي السيارات الذين تحتجزهم إشارات المرور. يصل خطيب الجمعة إلى نهاية الخطبة ويبدأ الدعاء للملك. يبسط أبي سجادة الصلاة في غرفة المسافرين. أنتظر ملولاً وأنا أعد ركعاته. يلوي عنقه ناحية اليمين ليسلم علي ملاك الكتف الأيمن ثم يفعل المثل مع الملاك الأيسر. وقبل أن ينهض واقفًا وهو يطوي السجادة أكون قد انطلقت.
يركع فوق الفراش. أخرج إلى الصالة. أتناول طبقًا من فوق البوفيه. أصب فيه من برطمان العسل الأسود. أتفحصه جيدًا لأتأكد من عدم وجود نمل. أضيف قليلا من برطمان الطحينة. أتناول رغيف خبز. أوازنه في صعوبة مع الطبق. يهتز الطبق في يدي وتسيل قطرات منه على الأرض. أضع الطبق فوق المائدة. ألعق نقطة عسل فوق إصبعي. تلمح "أم نظيرة"نقاط العسل فوق الأرض. تقول غاضبة: أنا مش حامسح تاني.
تنتهي الصلاة ويظهر أبي عند الباب. يسألها عن سبب زعيقها. يقول لها في غضب إنه لا يسمح لها برفع صوتها علىّ. يأمرها بأن تمسح بقعة العسل. تنصاع متجهمة. ينتظر حتى تنتهي وتشرع في العودة إلى المائدة فيأمرها بأن تغسل يديها بالصابون. نعود إلى الغرفة. أنتظرأن يعنفني لكنه لا يفعل. أحتل مكاني خلف المكتب وأفتح كراسة الحساب. يطلب مني أن أراقب "أم نظيرة"حتى لا تشرب السمن. يتربع فوق الفراش. يتناول المسبحة الطويلة ذات الحبيبات الخشبية الداكنة. يبدأ في العد عليها متمتمًا باسم" لطيف".
أتلصص على "أم نظيرة" من فتحة الباب. أراها تحمل إناء القلقاس وتذهب إلى المطبخ. أتبعها. أتجنب النظر إلى الكنيف. أقترب من باب المطبخ في خفة. أقف لصق الحائط. أمد رأسي قليلا محاذرًا أن تراني.
تضع الحلة فوق وابور الجاز بعد أن تضيف إليها المياه. تقشر الثوم وتقطعه بالسكين إلى أجزاء دقيقة. تضعه مع السلق في قلاية معدنية بمقبض طويل.
تتناول برطمان السمن. تأخذ منه ملعقة. تضيف محتوياتها إلى السلق والثوم. أحبس أنفاسي عندما تعيد الملعقة إلي البرطمان. تملؤها للمرة الثانية. هل ستشرب السمن ؟ أرقب يدها وهي تتجه إلي القلاية.
أشعر بحركة خلفي. يقترب أبي في حذر. يضع يده على كتفي. يمد رأسه ليرقبها. تمسك حلة القلقاس بفوطة وترفعها عن النار. تضعها على المائدة. تضع المقلاة فوق النار. تقلب الخليط بالملعقة. تقترب برأسها لتدقق النظر.تتجه بالملعقة إلى برطمان السمن. يميل أبي برأسه ليتبين ما تفعل.
تلتفت فجأة فتلمحه. تصرخ. تفلت يدها مقبض الإناء. تسيل محتوياته على الأرض. تخبط صدرها بيدها: خضتني. حرام عليك.
يلج أبي المطبخ ويزعق: حرمت عليك عيشتك. مش تاخدي بالك.
تصيح: دي مش شغلانة دي.
ـ لمي اللي وقع.
تندفع خارجة: ابقى شوف اللي يلمه لك. أنا مش قاعدة.
يصيح أبي خلفها: في داهية.