الفصل الأول
قامت واهنة الحركة..وجاءت بفاكهة فألقتها على المائدة. ثم جلست وقالت:
يا مدين إنه قد ذهب صبري وعيل تجلدي. أفلا نخرج من هذه البلاد؟
وأُسقط في نفسها فتنهدت وقالت:
تجاوز طاقتي هذا الحر يثقل كالندم، وهذا العفن كالجثث البوالي، وهذه الغدران. وتعلق النتن بالهواء ودخل الحلق مع الأنفاس. وكرهت عيني أن لا تصيب إلا جثث الموتى، ونفسي أن لا يقع لها إلا معاني الموت والفناء، وبرمت بهذه الأرض الندية المسترخية اللخناء.
قال:
إنه قد مات لي اليوم بالمارستان ميت.
قالت:
ترى لو أسلمنا للموت أمره وللأموات، وطلبنا لأنفسنا الحياة؟
فألقى إليها ببصر ناحل كئيب وقال:
ومتى سهونا يا ليلى عن طلب الحياة؟
انظري حسنك وسلامة جسمك والمائدة بين يديك. إنا لا نفتأ نطلب الحياة ونطعم ونشرب فنهيئ للدود الطعام.
ثم أخذ موزة وقشرها ونظر فقال:
وسيأتي يوم يسترخي اللحم ويبيض كالموز ويطيب للدود ويكون الختام.
قالت:
وتريد أن تقتل الموت؟
قال:
نعم يا ليلى: ومع هذا أريد أن أقتل الموت لأن الأبد واجب والحياة..
وقامت ليلى حيرة وتيها. فوقفت في شرفة الغرفة، وحامت ببصرها في ظلام الليل فوق أجمة ذات حلفاء وقصب وماء.. واكتفى مدين من الطعام فقام ووقف في الشرفة وقوف ليلى يسأل الظلام. فكأنما قد انصرفا إلى الغيب.
وكانت ساعة أو بعض ساعة.
***
ثم برز من السكون كرفرفة الجناح حركة وصوت
قال مدين:
إنها ريح جنوب.
وقالت ليلى:
وإنها لوهجانة الزفيف.
وتصاعدت فيها الريح والحر فقالت:
هذا الجنون قد عاود الكون. والله ما رأيت كهذه الأرض أنثى تضبع وتعوي من قلة الصبر. أفليس لها من ذكر فحل يستطيع الضراب؟
ولوت وكأنما انهالت قواها، فاستلقت على فراش. وقام مدين وحده بالشرفة. وهب من الريح نفس شديد خنق السراج. ودفق الظلام فملأ الغرفة حتى ثقلت كالشقاء.
وقال مدين:
اسمعي يا ليلى دوي الجنوب كالثعابين تنساب.. وإنها لحماسة المغير أو غيظ شديد.
وذهبت بليلى نوبة حمى، فهي لا ينفذ إلى نفسها من صوت الريح إلا كعدو الخيل تحت الأرض تحمل على خيل. فكأن الريح تهز أصول الأشجار هزا ولا تصيب الفروع.
وقال مدين:
هذه الذكرى مقبلة إليَّ. أراها تدفع الجبال لتبرز من بطن الأرض، وتصارع الزمان. وستخرج بعد حين، من أرض بعيدة كثيرة الغيوم كثيرة الأطياف، وتتخلص من الوحل والصمغ والغراء، وترتفع فتتبدد، فكأنها زبد على الريح.
ورف على مدين كالنفخة أو الخاطر الرائع فقال:
أشفة الريح؟
وقال:
لا، بل أنت مَجَرّ أبيض كمجرة السماء.
وتجمعت ذكراه فسمع هاتفة تقول:
أنا ذكراك يا مدين.
وقام مدين في الشرفة إلى ذكراه تحدثه ويحدثها، وقد أخذت منه الحمى فهذى.
قال:
لقد جئت وكنت مؤمنا بقدومك. إنك من الصادقين.
قالت:
بل أنا يا مدين من الكاذبين..
وقالت:
... استطعت الكذب فكذبت. وكذبتك وكذبت نفسي، وآمنت بالباطل في حياتي. وكنت أقول: إني مؤمنة بالصورة، مؤمنة بهندسة السواري والتماثيل، كافرة بمادة السارية والتمثال. فتقول: إني مؤمن بالمادة يا أسماء. وتقول: إنه ليس من الحق إلا محض المادة، لم تعمل فيه هندسة ولم يهذبه شكل. لا صورة ولا زنة. المادة المحضة.
قال:
وكنا يا أسماء نقول كثيرا غيره.
قالت:
وكنت أنظر إليك فأراك تبتسم في وجه العم.
قال:
وكنت تجعلين نعومة يديك على فمي، فإذا كامل جسدك عار، يرف عليَّ نفسا مارا أو نفح ريحان لطيفا، كالمني تسري إلى القلب. إلا تقتربين فتجعلى يديك على فمي، فأجد لين أيام كنت معي في الحياة؟
قالت:
إني ميتة يا مدين. قد ذهبت الخفة من يدي واللين. وانتفت عني الصفات.
واشتد به التوق إليها فأغرى وقال:
ألا تقتربين أحدثك عن مستقبلنا الماضي؟
قالت:
حدثني عن الأمل مات بموت المادة وأخلف باطل الروح.
قال:
لقد كان هذا منبع خوفنا وكانت علتنا هذه المشكلات. وكانت أفراحنا تنكسر بين المادة والصورة كالجوزة في مكسر الجوز. ونهزل فنقول:
إن الفرح كالفأرة، فنحن نفتش عن فأرة الفرح بين الأرض وعدل، وقد فطسها العدل على الأرض. ولكنّا اليوم آمنا واسترحنا يا أسماء. فقد ذهب الإشكال وذهب الخوف، وقتلت المادة وقتلت الصورة والروح. تمثال ولا حركة ولا خطوط، ومادة ولا شكل ولا زنة.
وسكتتْ قليلا كأنما انصرفت إلى الماضي، ثم قالت:
وكنا نجلس تحت شجرة التفاح، فآخذ تفاحة وأقول: أهديك حمرة خدها محضة بلا لحم.. فتعض لحمها وتقول: أفضّل اللحم...
وظللت أعتقد أنه لا يؤكل من التفاحة إلا شكلها وألوانها، ولا يؤكل لها دم ولا لحم، وأنه ليس في الحياة غير الصور والخطوط والألوان، حتى أماتني اعتقادي.
قال:
وكانت لنا أحلام، وكان لنا في أحلامنا بيت وطفل وسرقناهما للمستقبل البخيل وأخفيناهما عن الزمن وخلطناهما حتى أصبحا صديقين. وكانا يولدان في أنفسنا مطلع الفجر، فيبقي الفجر في أنفسنا طول النهار. ونمتزج فأضل فيك وتضلين في وتنتفي الفروق. فالبيت والولد والفجر وأنت وأنا كلها فينا بنا.
قالت:
وقد ذهب كل شيء. ولم يبق لي إلا هذه الأحلام لم تدرَك. وقد شكرتك من يوم موتي يا مدين على ما لم نصب من الأماني، على وحيد ما بقي لي من نعمة الحياة على مفتوح الآمال.
قال:
ماذا صنعت من يوم دخلت الموت؟
قالت:
ما يصنع جميع الأموات: بقيت في الأرض وبكيت حتى كثر بكائي، وأعولْتُ حتى مللت عويلي ومزقت روحي أشلاء. وجاءني الشيطان بدولاب ومجانيق وآلات، فحملت بها على أجساد الموتى قبل الدفن. لا تزال فيها حرارة الحياة، أريد أن أتلبس بها لحظة من الدهر، فلم أجد فيها منفذا ولا شقّا. وغلبني كمال المادة، فأسلمت وآمنت.
قال:
تحدثني نفسي أحيانا أن السماء قد أثقلتها الأرواح، فهي تداعى إلى السقوط، وأن زنة الأرض وثقلها توفر الحياة، وأن الإنسان عليها كالظمآن يسبح في نهر من الكوثر وفمه مختوم.
قالت:
وأنت يا مدين ماذا صنعت بعدي؟
قال:
صارعت الموت وناصرت الحياة.
قالت:
احذر. إنه من صارع الموت فقد مات.
وهبَّ نفس من الريح فخرج الطيف.
وصاح مدين وقد بلغت به الحمى: لا تذهبي يا أسماء.
وجعل المطر يعزف فيه فيلطم الوجه، والبرد يزلزل العظام، فيهتز له مدين كالنخل في الذاريات. وكان أقصى النوبة وأشدها، فاصطكت أعضاؤه فلقي الأرض وأهوى.
***
ورأته ليلى، فتحاملت على نفسها، وقامت إليه تريد أن تدخله الغرفة. وخطت إليه خطوات، فهي على رأسه إذ خارت قوتها، فصاحت وسقطت على مدين:
يا هند، يا هند..
وخرجت الجارية هند فاحتملتهما إلى الفراش.