الفصل الثالث

8 0 00

الفصل الثالث

وطلع الفجر فطلع مدين على ليلى. فقام عند رأسها وقال:

هذا حُسنك لا يزال عليك، أرى فيه سناء الحياة يا ليلى.

قالت:

كذا نحن. ما تلاقينا بعد فراق إلا ترددتْ فينا الأفراح كالقوس رنينا.

قال:

أراك فأقول إنه لا يموت إلا من حرموا حسن الحياة، فهم لا يحسنون إلا في جلال الموت. وحُسنك أرضيٌّ يا ليلى.

قالت:

اجعل وجهك يا مدين على وجهي.

وانحنى فعطف على وجهها، وملأها بعينيه، وجالت نفسه فيها، وانتشر النور واضحا. وهمّت أن تتكلم فقال:

أمسكي لا تدنسي الحب بالكلام. صونيه من الطين والظلام.

قالت:

هذا الصباح.

قال:

لا يا ليلى. إنا لا نزال في الليل... ولن نزال، مادمنا نرقع... ما دام الطب والأطباء يرقعون الحياة.

قالت:

ما قالت رنجهاد؟

قال:

رنجهاد لا تقول. وإنما تسمعك همس الغاب وسر الأشجار والمياه، وتصب فيك الغناء صبا، ويصغر عندك الكلام، ويذل المعنى.. كالواضع أذنه على الصخرة ليسمع الحياة مائجة فيها، يبعد عنه سخف البشر وينسى. رنجهاد لا يكون كلامها إلا وحيا همسا.

قالت:

أَوَتداوي بالهمس مرضاها؟

قال:

بل تداويهم بالنسيان يا ليلى. وقد علمتْني اليوم...

ووجمت ليلى، وانصرف مدين عنها إلى غريب الحديث. قال:

علمتني السكون وأن الحركة الدائمة جنون. وإنها لامرأة غريبة الشأن يا ليلى. دائمة السكون ولو طارت، ولو مشت لا حراك لها. ولا يدرك لقرارها نهاية، وفيها احتقار للناس غاية، وفيها أنفاس الأبدية. إذا تكلمت انتفى الزمان والفواصل والصورة، وجاءت كلماتها لا سابقة ولا لاحقة، واصطفت بناء بديعاً تحضرك معاً جميع أحجاره دفعة واحدة، كالفرح الكامل أو ملْء الحياة... أو كالحب يترفع إلى الذروة، أو كقمم الثلج في الجبال تصيرك مثل الزجاج شفافاً...

وسكت مدين. وانصرفت ليلى إلى عميق خواطرها، كالغائصة على نفسها. فاضطجع مدين إليها، كما يقع للنفس بعد القسوة اللين.

فقالت:

ما كره إليك دواء مارستانك؟ ما ذهب بك عني. من عالم الوجود. الراضي إلى الرفض والنفي؟

وكان أول نشأة العبرة بعينيها.

قال:

لا رفضاً ولا نفياً. إنما هو أني كرهت أن... يرقع الممرضون حياتي، ويرموا صحتي بدوائي. وإني لأهم بالدواء أن أشربه، فإذا هازئ يهزأ من عجزي، وصوت يردّد على سمعي: ترى أتكون الحياة كاملة كالموت؟ أم لا تكون إلا من الناقص المختل، يرقع ويرم رقعاً ورما؟ حتى أكاد أجن...

قالت:

يرقع ويرم أم يستكمل ويكمل؟

قال:

لا. إنما يرقع ثم يرقع...

قالت:

أوَلهذا (...) كفرت بنفسك وجحدت تطبيبك، وتناسيت أنك صاحب المارستان طبيبه... واستغثت ساحرة؟ أو داخلك الخوف؟ أم جاءت خشية الموت يا مدين؟

***

فأمسك مدين وابتسم. وقالت ليلى وقد اضطربت نفسها:

ولكنهم بعد الذي صنعت اليوم سيكفرون جميعاً بتطبيبك ومارستانك ودوائك. وسيعودون إلى السحر والساحرة، وتبقي أنت وحدك خلاء فقرا.

قال:

لا أراهم فاعلين. بل لن يفعلوا. لأنها هي التي من اليوم ستأتيهم... ويرونها... إن شاؤوا. ويبرؤون أو يموتون. هذا عندي سواء.

قالت:

تهمل مرضاك ورنجهاد تأتي المارستان؟ أفأصبت يا مدين؟

قال:

لا تظني سوءاً يا ليلى.. إنها تأتي لغير مداواة المرضى. لتساعدني على تركيب دوائي. لعلى أستريح من هذا البحث الذي أكلني وأنهك عمري. وقد رأيتها الليلة، فرأيت في تركيب الدواء وجها جديداً...

قالت:

رنجهاد أوحت إليك؟

قال:

بل علمتني:

قالت:

سحرها؟

قال:

لا. بل أن لا بد أن أطهر من الزمان دوائي.

قالت:

لقد أصبت حتى بمنطقها يا مدين

قال:

ومع ذلك فهو كما قلت: لا بد من حذف الزمان مقوما للحياة يا ليلى. فهو الذي أوجد الحركة، والذي ثورته الحركة هو النفاد يا ليلى. لأنه كل متحرك فاسد نافد. وإن الزمان لكالرحى الدائمة الرحي، لا بد من كسرها حتى تأمن الحبة ويطمئن الكيان.

قالت:

وإذا كره الزمان أن يطرد ويرد هكذا كالسائل المحروم؟ إذا انتقم الزمان يا مدين؟

قال:

لا بد من كسر الزمان، أو تشويش دواليبه، حتى يختلط ويهذي كالسكران، طوعا أو كرها.

قالت:

وتنسى يا مدين أن الزمان سنة حتم: (... ) سنة الكيان، سنة الموت طيا فطيا.

قال:

سنة الخدعة: إنه لم يكره إلى الموت إلا أنه سرقة وافتراء واحتيال.. بل انظري هذا الكوكب في أقصى الأفق الغربي يتردد فيه النور. أترينه حيا أم رمادا تتراماه أرجاء السماء ميتا؟.. نرى نوره متحركا حيا وهو لعله منذ دهور قد اندثر وزال ومات، ولم يبق إلا النور والكوكب فات؟

قالت:

وتظن أن بقاء الروح بعد الموت زمان؟

قال:

بهذا يا ليلى تحدثني نفسي منذ ليلة الحمى. فكأني بالروح وقد تخلصت من الجسد واجتازت الدنيا إلى الآخرة، فذهبت هائمة يسكنها الزمان وتحيرها الذكرى، ويزورها ما انقضى من حياتها، ويتحرك فيها ما ضاع من آراء وأحلام وأفراح إلى الأبد. فإذا همت أن تقف وتستريح لدغتها عقرب الزمان فسارت.

وكنت أظن الموت ذروة الآلام وكمال الحياة والراحة الكبرى. كالذي يكون في أقصر العذاب وكمال النعيم. لكن الزمان وراء الروح، يذكّر ويزرع الندامة والأسى والوله والحسرة. وهذه هي الخدعة يا ليلى والختل والحيلة. هذا الموت الذي يعيد الحياة في صورة شوهاء قبيحة، ويعجز أن يكون مصبها ومقرها وأقصى درجات قرارها سكونا، ويثقلها ذكريات وأسفاً على الجسد وافتقاداً لماضي الوجود ولوعة... وقد بلي الجسد وفنيت كل حياة.

سمعت ليلى وأمسكت. وسكت مدين ساعة، ثم قال:

ألا ترين هذا النور الناشئ، وهذه الألوان ترف كالطير على ذرى الأشجار؟... لكأن الدنيا جميعاً تشكو اضطراب العليل القلب. أفلا تهدأ؟ ألا تسكن؟

***

قالت ليلى:

لقد سقطت عني الحمى وانقضى الليل. أفلا نستقبل النهار؟

وقامت وهي تصلح من ثيابها، وقام مدين، وخرجا إلى الشرفة وجه الصباح...

فنفذ النور من مبذل ليلى شفوفاً، فارتدت به طيفاً من زجاج خفيفا.