الفصل الرابع

8 0 00

الفصل الرابع

كان في مكتبه ، يراجع بعض الملفات ليقدمها في جلسة الغد ، فاذا بالهاتف يرن

- ألو .. ألو .. الأستاذ كريم

يحاول أن التعرف على الصوت .. غير ممكن

كريم: نعم .. من على الخط ؟

-أنا الدكتور مجبر ، رئيس مجلس أطباء المستشفى

كريم: مرحبا دكتور

الدكتور مجبر: سأزورك في مكتبك بعد الدوام ، هل يمكن ؟

كريم: ابتداءا من الساعة السادسة مساءا ، مرحبا بك

الدكتور مجبر: شكرا أستاذ .. شكرا ..

انقطعت المكالمة وعاد كريم يقلب ملفات موكليه ..لا يستطيع أن يركز .. هل الأمر يتعلق بخضراء ؟ .. ! لا ، لا أظن...بعد كل هذه المدة ؟.. اللهم اجعله خيرا ... دفع كرسيه الى الوراء ، مد رجله وطوى الأخرى ، ينظر الى حذائه ، كان عازما على شراء حذاء آخر ، لن يجد فرصة أخرى كهذه ، وقبل أن يقوم قرع أحد الباب ، استوى وأذن له بالدخول ، دخل الرجل ينظر الى كريم بعيون همعة ، وشفة ترتعش ، مرتبك تخنقه العبرات ...

الرجل: شيء فضيع يا أستاذ ، فضيع ، قتلوا زوجتي وابني ، قتلوهما المجرمون ، قتلوهما ببرودة أعصاب وبرودة دم

كريم: من قتلهما ؟ ... تعرف المجرم ؟

الرجل: في المستشفى ، يقتلون فيه بعبثية ... في مصلحة الولادة..

كريم: اجلس ، واروي لي بالتفصيل ماذا حدث ، وأقسم لك أنني سأدافع حتى انصافك ومعاقبة المجرم

الرجل: أدخلت زوجتي في حالة مخاض الى مصلحة الأمومة ، وأنا رجل فقير ، لا أقدر على دفع مصاريف العيادات الخاصة ، والجميع يعلم ما وصلت اليه هذه المصلحة من اهمال وتسيب ، متسببة في الكثير من الوفايات التي بقيت دون عقاب ، وكانت زوجتي وابني ضحيتا تأخر التوليد ، وقد أثبت الطبيب الشرعي أن ابني مات نتيجة خنق وامرأتي من أثر النزيف الحاد ... ها هو ذا الملف الطبي ، حوله الي أحد الممرضين ، ويمكن أن يشهد اذا تأكد من الحماية

كريم: حاضر ، سأقوم بالمهمة بعد أن أطلع على الملف وأتحقق من الجريمة.

أدخل الرجل يده في جيبه ، وأخرج مبلغا من المال ، مده الى كريم فرفضه

كريم: لا ، لا أريد شيئا حتى أتبين وأطلع على محضر الشرطة وأقوال الشهود ، والمتهم ..

أعاده الرجل الى جيبه وقال في أسى :

مابقي للمظلوم سوى الله والمحامي النزيه مثلك يا سيدي ، هكذا قالوا عنك ، وأخشى أن يأتي يوم يفرض على المواطن القصاص لنفسه ونعيش حكم الغاب

كريم: لا ، لا .. لا تخشى ذلك ، هناك قضاء وقوانين وعدالة ... اطمئن ، لا يضيع حق وراء مطالب ...

خرج الزبون وترك الباب وراءه مفتوحا ، فتح كريم الملف يقلب وثائقه ، عبارة عن شهادات طبية وبطاقة متابعة الحمل ، وأشعة وتقارير طبية للحامل ولظروف الوفاة ، كانت اطلالة روتينية لقضية مكتسبة مسبقا ، لن تقل عقوبة الجاني فيها عن 20 سنة ، هذا بعيدا عن الرشوة أوالمحاباة ، فقط يجب التحري أكثر للتيقن .. وقام لغلق الباب فاذا بمساعده يدخل كالثعلب الماكر ...

كان رجلا قصير القامة ، أنفه كالببغاء بمناخر كفوهتي بندوقية صيد ، بعينين ضاحكتين ، طويل الوجه ، أمرد الخدين ، أجعد الشعر أسوده ، رقيق الشفتين تظهر أسنانه قبل أن يبتسم ، يتكلم بسرعة حتى لا يكاد يفهمه الا القليل ، يبتلع الحروف وأواخر الكلمات بلعا ، يبالغ في الادغام ولا يحسن المد ، يبدأ بالساكن ويمضغ المتحرك

المساعد: لا زلت هنا ؟

كريم: نعم ، أنا خارج الآن

المساعد: ما هذا ؟ ، ملف جديد ؟

كريم: نعم ، هذا رجل يدعي أن زوجته وابنه توفيا في مصلحة الأمومة نتيجة اهمال

المساعد: نعم ، سمعت بهذه القضية ، حولت الى العدالة ، المتهم الرئيسي فيها قابلة معروفة ، طالتها الألسنة من كل جهة ، في الحقيقة هي قابلة ماهرة ، تجاوزت سن التقاعد ولا يزالون يحتفظون بها لمهارتها واتقانها واخلاصها في العمل ، قالوا أنقذت الكثيرات من الموت ، يظهر أن ادارة القطاع الصحي ستتولى الدفاع عنها ، لقد أوقفت بالأمس وأدخلت السجن ، ستتصل بك الادارة للدفاع عنها لا شك.

كريم: عندي ميعاد مع الدكتور مجبر في المساء

المساعد: لا شك لأجل ذلك ، ولا مفر لك من الدفاع عنها

كريم: أنا الآن ضدهم ، ولا أستطيع أن أتراجع ،هذا التزام ،سيأتي طلبهم متأخرا

المساعد: لعلك يا أستاذ تمزح

كريم: أمزح ! كيف ذلك ؟ اني أكثر جدية من أي وقت ، وليست من عادتي أن أتخلى عن موكلي

المساعد: أنسيت أننا بصدد التوقيع على عقد مع ادارة القطاع الصحي لتمثيلهم أمام العدالة ؟

كريم: لكن لم أوقع بعد ، وما كان هذا في الحسبان .. الحقيقة أني نسيت هذا الأمر ، انني مرهق في هذه الأيام حد الارتباك ، لقد أجلت كل الملفات التي تحتاج الى دقة وتركيز كبير، تفاديا للهفوات

المساعد: حقيقة ظهر عليك بعض الفتور والتعب في هذه الشهور الأخيرة

كريم: هيا بنا ، الساعة الآن منتصف النهار والنصف ..تتغذى معي ؟

المساعد: لا ، أذهب الى البيت ، عندي ضيوف .

حمل حقيبته وانصرف .

أحس برغبة في الاستحمام ، وليس من عادته ، فدخل غرفة الحمام ، نزع ثيابه ودخل في المغطس ، شعر بنوع من الارتخاء ، يتحسس النوابض في جسده المرهق ، تمنى لو تيسر له الأمر لينام هنا ، ينظر الى شامة سوداء في صدره ... كأنها خضراء في القبيلة ، ابتسم وقال :

أتمنى أن تكوني بخير ، سأعمل المستحيل ... سأعمل المستحيل ، هي قضية وقت فقط وظروف ، يمكن أن يغير الزمن هذه القلوب القاسية وترحمك وترحمني ، فقط تأكدي لن أبدلك ولن أتغيرأبدا ، والأمل نحن نصنعه ، فقط كوني بخير .. كوني بخير ..

لما خرج من الحمام وجد أخته قد أعدت له المائدة ، الا أن الشهية قتلتها رغبة كاسحة للراحة ، أشار اليها بيده أن ارفعي مائدتك ، دخل غرفته ، امتد ، وأغمض عينيه ، يتنفس الصعداء ، أفكاره كالنحل المضطرب ، تلسعه الواحدة تلوى الأخرى ، استوى قاعدا ، شبك أصابعه ينظر من نافذته الى السماء ، كأنه موسم الهجرة ، الطيور تمر أسرابا أسرابا نحو الجنوب ، ونحن لا زلنا في أول سبتمبر ، ظهر له أن كل المخلوقات تحب الهجرة ، تدفعها اليها عوامل مختلفة ، ايجابية أو سلبية ، وتبقى الهجرة رمز الحرية ومغامرة من أجل الأفضل .. قليلة هي الأشياء الجميلة التي تأتي الينا ، ظاهرة البحث عنها في الانسان قضاء وقدر لا مفر منه ، بل حتى في المخلوقات الأخرى، هل خضراء ذهبت من أجل ذلك ، أم هروبا من الجحيم الذي كانت تعيشه ... كانت السماء صافية ، تمر بعض البواسق الصغيرة من حين لآخر ، على أشكال مختلفة ، يحاول أن يقرأها ، أعجزته لمسات هذه اليد المجهولة التي ترسمها ، تسوقها الرياح العليلة ، كالراعي يسوق مواشيه التي تخلفت برفق الى المورد ... لا شك أن السماء ستمطر في هذا المساء ، و لا شك ، و لا شك..و لا شك...

ولما استيقظ ، كانت الساعة الثالثة بعد الزوال ، غسل وجهه ، لبس بذلته ، تعطر وحمل محفظته وخرج في عجالة ، لقد تأخر كثيرا ، دخل المكتب وجد بعض موكليه ينتظرونه ، اعتذر وبدأ يستقبلهم الواحد تلو الآخر ، لما جاء الدكتور مجبر وجده مع آخر زبون ، انتظر قليلا ، لما انصرف دخل ، قام له كريم واستقبله بحفاوة كبيرة أنزله بها منزلته ، الدكتور مجبر ، شخصية في الولاية ، منارة يعرفه العام والخاص ...

هو رجل طويل القامة ، في العقد السادس من العمر ، كبير الرأس غليظ الشفتين ، أسمر ، تحت كثافة حاجبيه عيونا أتعبتها دقة التأمل ،النظرو التروي ،تظهر فيها حدة ذكائه وجديته ، طويل الأطراف، كأنه يمارس المصارعة الحرة ، لا يزال يحافظ على بنيته ، يعتني كثيرا بمظهره ، حتى لا تكاد تعطيه أكثر من خمسين سنة ، يتحرك بلباقة ورشاقة الكهل ، يتكلم بطريقة الواثق من نفسه وبروح مسؤولية عالية ، الكثير من الناس يقولون أن خروج الدكتور مجبر من المستشفى ضربة قاضية لهذا القطاع ، انه رجل له وزنه ...

كريم: مرحبا دكتور

الدكتور مجبر: أستاذ كريم ،بدون اطالة أومقدمات ، عندنا في مصلحة الأمومة مشكلة كبيرة جدا ، تتطلب منا جميعا تناولها بحذر ، مجرد سقوط سعفة من الطرح ندفع بضحية الى المقصلة ، أعترف لك بأنه خطأ ، ولكنه مهني ، وهذا النوع من الخطأ يقع في جميع المستشفيات ، يعالج بطرق مختلفة حسب الظروف ، والفاعلين فيه ، الضحية والجاني ، حتى الزمان والمكان لهما نصيب في دفع الحدث ليكون قضاءا وقدرا أوجريمة ، يستحيل يا أستاذ أن قابلة في العقد السادس من العمر ، أفنت عمرها في خدمة صحة المواطنين ، تتعمد خطأ كهذا ، ولهذا أريدك أن تدرس ملف هذه البائسة بطريقة استثنائية ، نساعدك بقناعتنا كمختصين وبشهادتنا التي سنعتمد فيها على المضاعفات والأسباب الحقيقية التي أدت الى الوفاة ، المرأة ليست مجرمة في نظر الطب يا أستاذ ، كل الوظائف والمهن لها هامش أو نسبة مسموح بها من الخطأ

كريم: دكتور مجبر ، مع كل احتراماتي وتقديري لك ولكن أعذرني ، لا أستطيع أن أدافع عن مجرمة زهقت روحين ، مهما كانت الأسباب و الحجج ، هذه المرأة في نظر المجتمع كله مجرمة ، تستحق أشد العقاب ، زيادة عن ذلك ، لقد سبقكم الخصم و وكلني ، سأرافع لصالحه .

الدكتور مجبر: أعرف أن موقفك صعب جدا ، وأعرف أن الأمر أصعب مما يتصوره أي انسان ، ولكن تبقى مسؤوليتنا كبيرة لما نبني أحكامنا على العاطفة أو على ظاهر الأشياء ، ولولا يقيني ببراءتها ما جئتك بنفسي ، وأنت اليوم على موعد بامضاء العقد للدفاع عن القطاع الصحي ، معنى هذا أنت ملزم بذلك طبقا للقانون وملزم كذلك كضميرحي لانقاذ روح بريئة من الموت ، أليس القانون جاء لممارسة الحياة مثله مثل الطب ، أنا وأنت هنا لاحياء الناس ونتحدى الموت الا في قضايا الاجرام ببينة .. أستاذ كريم ، صدقني المرأة بريئة وبحاجة الى رجل مثلك يؤمن بالعدل ويحترم القانون لينجيها من حبل المشنقة ، تخليك عنها جريمة يا أستاذ في حق الانسانية و مهنة الطب ، وسكوت غير مبرر عن حق في الحياة يزهق أمام الجميع ...

كريم: يا سيدي ، أنا لا أتاجر بالأرواح ، و لا بالذمم ، وظيفتي الدفاع لاعادة الحقوق الى أصحابها ، أما الأحكام فهي من اختصاص القاضي ، المهم أن يعوض موكلي عن الضرر ، فاذا ردع المشرع فأين مسؤوليتي في هذا ، وليس من السهل أن ندافع عن امرأة حكم عليها الجميع قبل محاكمتها ، و أدانها القريب و البعيد ، رغم أن الشارع لا يقيد الشرع الا في مفهوم الجبناء.

الدكتور: لا علينا ، نحن نقبل بتعويض مادي للضرر ، ويمكنكم المرافعة على هذا الأساس ، المهم اسقاط عقوبة السجن ، انها في آخر عمرها و لا نريدها أن تنهي مشورها فيه

كريم: وهذا نصف الاعتراف بالجريمة.

الدكتور: سأكون شاهدا بأدلة طبية ، بأن الخطأ مهني محتمل في كل مستشفيات العالم ، وسأقنع الجميع .. ما رأيك ؟

أدخلت الضحية يوم السبت صباحا ، كان من المفروض أن تلد قبل الساعة الثانية مساءا ، وهي ساعة انتهاء الدوام الأول ، وفي آخر لحظة طرأ عاجل في القاعة الأخرى ، استدعى التدخل السريع للجراح والقابلة ، فاستلزم ذلك وقتا لانقاذها ، في هذه اللحظة بالذات اشتد المخاض على الضحية ، فأسرع الجميع على أنها ولادة عادية ، ولسوء الحظ كان الولد قد حول رأسه الى الأعلى واستوى قاعدا ، مع أنها ولادتها الأولى وجب اللجوء الى عملية قيصرية ، وهكذا كان الجميع في سباق مع الزمن يتحدون المستحيل ، وعملوا ما في وسعهم ، ولكن ويا للأسف حصلت الكارثة ..أعلمك بأننا لا نزال نعمل بامكانيات محدودة جدا ، وهذه القابلة أنقذت العشرات من الأرواح في ظروف أخطر ، ألا يشفع لها هذا ؟.. المهم سأكون حاضرا ، وأتطرق الى الموضوع بتفصيل أكثر .. أستاذ هكذا يكون القضاء والقدر في بعض الأحيان أسرع ..

كريم: أترك لي فرصة لأفكر

الدكتور: الوقت يداهمنا لا تطيل في الأمر

كريم: انني الآن أمام أكثر من اشكاليتين ، التزامي مع الرجل ، العقد معكم ، والمرافعة في قضية ملغمة ، ولست مطمئنا لبراءتها

الدكتور: أتظن أننا نتلاعب بالأرواح ؟ أم ضميركم أعظم

كريم: أبدا يا دكتور ، أنت مطمئن لهذا الطرح لأنه اختصاصك ، أما أنا أتعامل مع النص القانوني الذي لا مكان للعاطفة فيه ، كيف يمكنني أن أجمع عدة عوامل متناقضة للخروج بتركبة منصفة والضحية انسان

الدكتور: وهذا الانسان هو الذي يبقى فوق كل الاعتبارات ، لتوجيه كل العوامل نحو صناعة العدل ، والعدل وحده ... وبعدها كيفما يكون الحكم نكون نحن قد برأنا ذمتنا .. والخطأ سمة البشر ، وحتى القاضي يخطئ في حدود هامش حدده القانون ، والواقع لا يكذب ذلك ، والجريمة هي عندما نتعمد الفعل ، و كثيرة هي النوايا التي لا يعلمها البشر مهما كانوا.

استوى واقفا ، نظر الى الأستاذ كريم بعمق ، مد له يده ، ضغط عليها بقوة وقال: لا تخذلنا ، وستتيقن أنك تدافع عن قضية عادلة أنت أحق بها .. أتركك بسلام

كريم: شكرا دكتور، سأحاول .

خرج الدكتور وبقي كريم ينظر الى مساعده ، وساد صمت تحته اضطراب ... وما وجد كلمة يربط بها ليواصل الحديث ، كان حرص الدكتور على تبرئة المتهمة شديدا ، قبوله الفدية مهما كانت ، انه أرحم من اليقين ، موقفه هذا جعل كريم يعيد قراءة شخصية الدكتور من جديد .. أهذا هو الدكتور مجبر ؟ ، لا شك ان له تركيبة أخرى لم يطلع عليها أحد ، تترادف الأسئلة والأجوبة ... أغلق مكتبه وانصرف ، يجتر كعادته حديث آخر مقابلة .. ويفكر في الحاجة القابلة.

مسكينة تلك الحاجة ،الآن هي في السجن ،على عاتقها جريمتين .. بالمناسبة ألآ يمكن أن تكون على علم بماضي خضراء؟.. كيف لم أنتبه لهذا ؟.. أظن أن العقدة أحكمت هنا و بحضورها ، غريب ، لم يذكرها أحد في كل هذا الذي حدث ، لا شك أن... انها الآن في السجن..

على الحائط كتابات بالعربية والفرنسية ، وتواريخ ورسومات ، النساء جماعات جماعات ، أغلبهن غير مباليات ، بالعكس كأنهن في عرس ، يغنين ويرقصن ، اللهو والمزاح مستمر ليلا ونهارا ، بعضهن يتصرفن أحيانا تصرفات تثير الفضول وتزرع الشك والتساؤل في النفس ، ألفتهن للانتباه ماما ، هي امرأة في العقد الرابع ، قوية البنية ، طويلة الأطراف تبدو أكبر من سنها ، كأنها رئيسة الجوق ، فتيات في مقتبل العمر ، أهملهن المجتمع وأفسدهن السجن ، من كل الولايات ، التفتت الى التي كانت بجانبها وقالت:

- هل لك أهل ؟

الفتاة: مقطوعة من شجرة

القابلة: يعني من الملجأ

الفتاة: نعم .. جريمة ، أليس كذلك ؟على كل حال ليس هناك فرق بيني وبين بنت الأصول ، هنا كلنا سواسية ، وجهين لعملة واحدة

القابلة: انا قابلة في المستشفى أعرفكم جيدا .. ماذا فعلت ؟

الفتاة: قالوا عني بائعة هوى ، و بائعة الخمور بدون رخصة ، تقاتل ثلاثة شبان من أجلي ، مات أحدهم والآخر في غيبوبة والثالث في حالة فرار .. و .. و ..

القابلة: أنت ؟؟؟!

الفتاة: نعم ، أنا ، مستصغرة ؟! هذا وأكثر ، أتمنى أن أكون في يوم من الأيام سيدة قاعة من قاعات السجن ، وأتعلم كيف أدافع عن هوى الشوارع والحدائق ، أقول لك سر آخر ، أتمنى أن أقتل حتى ألمس معنى الجريمة ، لا زلت لا أدرك معناها الحقيقي ، كانت هذه الكلمة ترهبني وترعبني ، أما اليوم والسجن مرقص ، كأني متعطشة للانغماس فيها الى النحر أو أكثر ،.. سأحقق لهم الصورة التي يرسموني فيها

القابلة: لهذه الدرجة تهون عليك نفسك ؟

الفتاة: لست أفضل من ماما ولا ماما أفضل مني ، هي الآن موقوفة للجريمة السادسة ، وخيرة للجريمة الرابعة ، وأم الخير لا تخرج من السجن ، كلنا لنا سوابق ... ومن منا أوفى للسجن وأخلص ؟ .. نشكر الاسلام والثورة على مناسبتهما ، نخرج نتنفس الجريمة ونعود ... أنت ، يظهر أنك لأول مرة تدخلين السجن

القابلة: نعم لأول مرة .. السجن شيء فضيع

الفتاة: قولي الحقيقة ، كم أجرمت من مرة ؟

القابلة: الله أعلم

الفتاة: أنت كذلك تعلمين ، ولكن كنت ذكية جدا ، وهذه المرة خانك شيء ما ، ومن يدري لعلك ستدفعين ثمن كل الجرائم .. على كل حال ستألفين المكان وتتخذين صديقات وتتعلمين أشياء كثيرة ، ان كان في العمر بقية ، أشياء أعماك عنها ما أعمى الحكومة عن جرائمك

القابلة: أنا متهمة بجريمة قتل امرأة ومولودها أثناء الولادة ، ولكن أنا بريئة

الفتاة: الذي يقرر ويعرف هل أنت مجرمة أم لا ، هو الشرطي ، وقاضي التحقيق والقاضي الذي يحكم عليك بالمؤبد أو الاعدام ، كلمتك أمامهم لا تساوي شيئا ، لا زلت أذكر نكتة روتها لنا سجينة خرجت ، قالت أثناء الحرب جاء طبيب يفحص الذين سقطوا في الساحة بعد المعركة ، ومن كثرة الأموات فحص جريحا كان يتألم ويصيح ، فقال الطبيب: خذوه انه ميت ، ضعوه مع الأموات ، فحمله المساعدون فقال الجريح: أنا حي لست ميتا ، فقال المساعدون: وهل تعرف أفضل من الطبيب ، أنت ميت ووضعوه مع الأموات ، والفاهم يفهم ...

انصرفت الفتاة لشأنها تغني وترقص ، تتمايل كأنها جارية في قصر الأمير ، وتركتها في دوامة الرعب والقنوط ، انها في يومها الثالث ، لم تأكل شيئا ، يرقرق الماء وحده في جوفها كالقربة ، وجاء يوم الاستقبال ، كانت في حالة احباط تام وارهاق جسدي زاد في سنها عشر سنوات حتى انحنت ، تقدمت الى الشباك والدموع تنهمر من عينيها ، عائلتها خلف السياج المقابل

الزوج: لا تخشي شيئا ، لقد عينا محاميا بارعا ، انه كريم ابن الحاج لشرف ، ولد سترة صديقتك ، تهز رأسها وتعض شفتها التي ظهرت عليها بوادر الابتسام وقالت تستعطفهم أكثر:

اسمحوا لي ، أتعبتكم ..

الزوج: لا تقولي هذا ، الجميع يسأل عنك

ابتسمت وفاضت عيناها بالدموع من جديد

القابلة: بلغوهم تشكراتي

الزوج: اليك ببعض المأكولات والفواكه ، ستأتيك الحارسة بها ، سنعمل المستحيل لاخراجك من هنا ، وفي أقرب وقت ، عليك بالصبر فقط

رن الجرس وانصرف الزوج والأولاد ، وأدخلت السجينات ، وعادت القابلة الى مكانها تجتر ماضيها ... لماذا لم يأتي المحامي بعد ؟ حتى يطلعني على محتوى ملفي ، أتراهم اقتنعوا باجابتي عن كل تلك الاتهامات التي وجهت الي ؟ ماذا أثبتت التحريات ؟ ما تلك الملفات التي جاء بها رئيس مصلحة الأمومة ؟ ، وماذا قالت القابلة المتقاعدة ؟ ماذا قال المدير ؟ لماذا استجوبوا كل هذا الحشد من العمال ؟ لا شك أنهم سيعذبوني لانتزاع مني ما يريدون من اعترافات ، قالوا أن لهم وسائل جهنمية يعترف بها الجاني عن قتل آدم وحواء ، حتى تتوسع دائرة الرشوة لافقار قارون و ذله ، سيتفطن زوجي لهذا ، ويبذل ما أمامه وما وراءه للافراج عني ، وكريم محامي قدير وشهم ، وما قدمته لهذه العائلة من خدمات لا يعوض بمال منها حادثة خضراء ، وسرها الذي لا يعلمه غيري ، بما بامبرا و نونة الشبح ، سرلا يعوض بثمن ، هذه القنبلة الموقوتة أخشى أنه حان وقت انفجارها ،و ستدفع سترة ثمنا باهضا ، ربما سكتة قلبية ، ذلك هو ثمن الخيانة، يأتي دائما بآخر الحساب ... سيدافع عني كريم بكل ما يملك من وسائل ونفوذ ، ليس له الخيار ، سترغمه أمه على فعل أي شيء ، نعم ، سيفعل ... كانت تتكلم وتشير بيديها ، فتقدمت اليها ماما ووضعت يدها على كتفيها ، فارتعشت ، حاولت أن تخفي قلقها ، ولكن خانها الصبر ففاضت عيناها وأسندت رأسها على صدرها وهي تشهق .. اني خائفة يا ماما ، اني خائفة

ابتسمت ماما ساخرة ، تنظر الى الأخريات وقالت لها:

لا تخشي شيئا يا ضنايا ، هي أيام قليلة وتتعودين ، الله !! تبكي وأنت في هذا السن يا شيخة !! وماذا يفعل العيال مثلي ؟

القابلة: انه آخر عمري ، هي العاقبة التي تبكيني ، أخشى أن أقضي آخر أيامي في السجن

ماما: لا ، لا تخشي شيئا ، بقاؤك أو خروجك مرهون بحلوة الى القاضي و فدية الى أهل الضحية ، ناس اليوم يتاجرون في كل شيء ، ألم تقولي أنه خطأ مهني ؟! اللهم الا اذا كان هناك قضايا أخرى

القابلة: أخشى من التلفيق ، عائلتنا ميسرة ولم نقع بين أيديهم الا هذه المرة ، سيجردوننا من كل شيء

ماما: لك أن تشتري براءتك بالدينار ، فقط جريمة الكرسي لا تغتفر هنا .

القابلة: المهم أخرج من هنا ، نحن لم نخلق للسجون ، ولا نبخل على أنفسنا بشيء ، نخطئ ونشتري كرامتنا بأي ثمن ، المهم نحافظ عن شرفنا .. السجن شيء رهيب لا يصلح الا للمنحرفين .. أنظري ، أغلبية المسجونات شابات في مقتبل العمر ، ولا فيهن واحدة تجاوزت الخمسين ، لا زلنا نحن نستر عيوبنا ونخشى الفضائح ، أما أنتم تشترون الجريمة وتجاهرون بها بل تفتخرون ، ما كنت أتوقع أن السجن يستر كل هذه العيوب ، وهذه البشاعات .. تجردتم من القيم والأخلاق ، ما كنت أصدق عندما كانوا يقولون لي أن السجن مثل القبر يستر المتعفن ..

ماما: من غيركم فعل بنا هذا ولا يزال ؟ يا أهل الشرف ، هذه التي أمامك اغتصبها طبيب ، وتلك اغتصبها دركي ، والأخرى نافذ والأخرى شرطي ، وحتى كبار المسؤولين ، وكلكم ، تغتصبون الخادمات و تتحرشون بالكاتبات وغيرهن ، نحن يا أيتها الشريفة جرائمكم ، نحن الوجه الحقيقي وراء أقنعتكم ، وعشرات الفتيات اغتصبهن الارهاب الأعمى ، هكذا عندما تنتهون من أكل الفريسة تأكلون بعضكم بعضا ، أنتم من حكم علينا قبل القضاء ، وشوهنا قبل القدر وعوق حياتنا ، ألا تستحي ؟ السجن بنيتموه يا أيتها الشريفة لستر بشاعاتكم وافرازات حماقاتكم ... فلا تحاولي ، يا أيتها السيدة الشريفة ...

بهتتها ، كانت حينها تنظر اليها بعيون الدهشة ... مثل هذه في السجن ! يظهر أنها واعية ومثقفة ، القاضي الذي حاكمها لم يراع أي شيء ولم يأخذ بعين الاعتبار أي عامل ، انهم يحاكمون الناس وكأنهم العبيد والجواري ، بل أكثر من هذا ، أين مسؤولية المجتمع في هذا المصير المفروض؟... لم تعد تسمع كلام ماما ، هي الآن أمامها شفاه تتحرك وأيد ثائرة ، ونظرات تتطاير منها شظايا الغضب وشرارات الكره ... لم تعد تسمع الا أنتم .. أنتم ... أرادت أن تسكتها فدفعتها وواصلت ، كفرنا بكل قيمكم ، وشرعياتكم ، وشرائعكم ، ومقسداتكم ، أنتم من صنع مواطنين من الدرجة الأولى ، وصنع منا العبيد والرجعيين والكفار ، والظلامين ، أنتم وحدكم أبناء هذا الوطن وغيركم طحالب .. أنتم .. اجتمعن عليها وكأنهن أشباح ماضيها ، خرجن من قبورهن لحضور المحاكمة ، وجوه أخرى خلفهن ، أطفال ، نساء ، فتيات، كلهن ملطخات بالدماء ، يحيطون بها ، يتردد صدى كلماتها في عمق رأسها ، وضربات كأنها على الصناجة انتفضت ذاكرتها التي كانت في عمق النوم وأيقظت الضمير ... وضعت يدها على وجهها وانحنت فوق ركبتيها ... لما رفعت ، وجدتهن قد تفرقن ، وحدها ماما أمامها .. نظرت اليها ، ستدفعون الثمن غاليا ، أشاحت بوجهها وذهبت

القابلة: يا هذه ، ما أنا الا حلقة في هذه السلسلة التي تذكرين ، ولو كنت كذلك ما وصلت الى هنا أبدا يا بنيتي ، هوني على نفسك ، لماذا كل هذا الحقد والكره ؟ يكفيني ما أنا فيه ، تريديني أن أدافع عن قدر كتبوا منه بيدي مرغمة ..

ماما دون أن تلتفت: لم نقل لكم أنجبونا ، أنانيتكم هي التي صنعت جيلا تسميه أنت مفككا وغير أصيل لا يؤمن بأي شيء ، لأنكم كذبتم علينا تلك الكذبة ، سميتموها بيضاء في طفولتنا ، وبالغتم حتى أصبحت سوداء ، لم تترك لنا منفذا لرؤية الحقيقة ونتبين ، و الآن نحن على ما نحن عليه ، لن نغفر لكم أبدا ... أبدا ، لقد حكم التاريخ ، فانتظروا لحظة التنفيذ ... انها أقرب ..

انصرفت وتركتها في حالة انهيار عصبي رهيب ، ومن تلك اللحظة اعتزلنها جميعا

وفي اليوم الموالي ، فتحت الحارسة الباب ودعتها ، كانت فرحتها شديدة جدا لما رأت الأستاذ كريم

القابلة: كريم ، ابني ، تأخرت عني كثيرا

كريم: هوني عليك يا خالة وهدئي من أعصابك حتى نستطيع أن نتكلم ، استقرار حالتك النفسية يساعدنا كثيرا على ايجاد مخرج بسلامة ، اجلسي ، لكي أضعك في الصورة

جلست وهي تنظر الى تقاسيم وجهه لعلها تدرك شيئا ... جلس ، نظر اليها ، ابتسم وقال:

مهما تكن التهم الموجهة اليك ، أنت في نظري يا خالتي بريئة ، حقيقة ملفك ثقيل جدا ، واذا لم تساعديني بالصراحة وتخبريني بالحقيقة ، سأقع في متناقضات ، ولا أستطيع أن أدافع عنك لأفتك البراءة مهما عملت

القابلة: أقسم لك أنه كان خطأ مهنيا

كريم: واستبدال المواليد ، والاجهاض ، ووفيات الأطفال ، وموت الوالدات ، وهذه ليست المرة الأولى ، أنت متهمة كذلك بالمتاجرة بالرضع

القابلة:كل هذا ؟! المتاجرة ؟.. من قال هذا ؟

كريم: وأكثر ، اني أنتظر اكتمال الملف ، وبعد مرورك أمام قاضي التحقيق سنتكلم بالتفصيل ، حتى الآن لم تتضح الرؤية جيدا ، سأكون حاضرا في كل الاجراءات ، فكوني قوية ، ودافعي عن نفسك بكل شجاعة ، مر من هنا من هو أكبرمنك تهما وأثقل ، واستطاعوا أن يحصلوا على البراءة لأنهم كانوا حقيقة أبرياء ، سأنصرف الآن وأتركك ترتبين أفكارك حتى نتكلم بدون ارتباك وبموضوعية ، كوني على يقين أني سأدافع عنك حتى آخر نفس، فقط كوني صادقة معي ، وحتى لو حكم عليك سيكون الحكم خفيفا لأننا سنحاول أن نكون صادقين قدر الامكان بعيدا عن التوريط ، وغير متنصلين من مسؤوليتنا .. لا تديني نفسك قبل الحكم بالخوف والقلق

القابلة: سأحاول

كريم: سأعود اليك .. أتركك بخير ..

كعادته ، دخل متأخرا ، جلس على حافة مكتبه يرتب التهم ، ويستجمع أفكاره التي بعثرتها القضية ، قام وجلس على الأريكة ، وضع رأسه على المسند وراح ينظر الى الثريا .. يا لطيف كأنها حبل مشنقة ، هكذا حتى فتح الباب فجأة ، استدار ، انها أمه تحمل طبق العشاء ، وليس من عادتها ، فقام اليها ، أخذه من يديها ، وضعه على الطاولة ، أجلسها وقال:

أنت ؟! لماذا ؟ أين ثورة ؟

الأم: أردت أن أستعيد تلك الأيام الجميلة ، لما كنت في عنفوان شبابي ، أخدمك ، قبل أن أصبح عجوزا .

كلماتها أعادته الى ذلك الزمن الجميل بحضور خضراء ، أراد أن يغتنم الفرصة ، الا أن الوقت ليس مناسبا ، لا يريد تعكير الجو و لفت الانتباه الى هذا العامل الجديد ..

كريم: أبدا ، يا أمي ، لا زالت البركة ، لايزال الحاج يغار عليك .

ضحكت ملأ فاها وابتهجت ، ثم انقلب وجهها فجأة ، وعاد ذلك الوجه العبوس الحديدي ، بلمسات شجونه

الأم: أخبرني ماذا فعلت في قضية القابلة

كريم: هي أول قضية سأخسرها بجدارة ، صدقيني يا أمي اني أشك في براءتها

الأم: لا يا كبدي ، انها أمكم جميعا ، تقف علي دائما في المخاض والوضع ، ساعدتني في ولادتكم جميعا ، يجب أن تفتك لها البراءة مهما كلفك ذلك ، ولا تسمع كلام الناس فيها ، أعرفها ، انها امرأة شريفة ، لكنه الحظ يا بني ، كل تفانيها في العمل لم يشفع لها عندما أخطأت ولأول مرة ... نعم ولأول مرة .

كان يتابع حديثها و الريبة تتزايد ، و الظن يتشكل رويدا رويدا في نظره الى يقين .

كريم: سأحاول يا أمي ، الا أن القضية أصعب مما تتصورين ، لا أخفي عليك انها متهمة بتبديل المواليد الأنثى بالذكر والذكر بالأنثى، مقابل مبالغ مالية باهضة ، زيادة عن الاجهاض وتوليد الأمهات العازبات والتخلص من مواليدهن ، انها تتاجر يا أمي ، أنتظر فقط استكمال الملف حتى أطلع على أقوال الشهود و أقوال الضحايا .. انها جريمة في حق الانسانية ، يعاقب عليها القانون بشدة

الأم: تبديل المواليد ؟ ! الا هذه ، أبدا ، أبدا ، غير ممكن ، لا أصدق .. حسدوها المسكينة ، ولا يزالون يلفقون لها التهم ، وصدقني ليس بيدهم ما يثبت ذلك ..

كريم: يا أمي ، القانون هو الذي يدين أو يبرئ ، شهادتك لا تفيدها أمام القضاء .. أطمئنك أني سأبذل أقصى ما يمكن لاخراجها من هذه الورطة وبأخف ضرر ، هذا اذا كانت بريئة حقا

الأم: أتمنى أن لا تصدق ما يقال عنها يا بني

كريم: حتى الآن هي اتهامات نتمنى أن نجد ما يفندها

الأم: صدقني أنا أمك ، كل ما يقال عنها كذب وافتراء

كريم: أمي أرجوك ، انك طيبة وعلى نيتك

الأم: أتمنى لك التوفيق ، ولكن احرص ، فضلها علينا كبير

كريم: أعدك أنني سأدافع عنها كأنك أنت

الأم: بورك فيك يا بني ، لا تصدق ما يقال عنها ، انها أشرف امرأة عرفتها في حياتي ، نجتني من الموت عدة مرات ، كان المخاض دائما يأتيني عسيرا ، وكانت اصابتي بالقلب تزيد في صعوبة الولادة ، كلكم نجيتم وخرجتم الى الحياة التي تتمتعون بها بفضل تفانيها معي وسهرها علي ، حتى تلك الأفعى السوداء ، و بعد أحمد نصحتني بالتوقف نهائيا عن الحمل ، رغم حرص الحاج عن المزيد .

كريم: الأفعى السوداء ! تعني خضراء ؟

الأم: نعم ، نعم .. آه ..هي قالت لي ذلك ، قالت أنقذتها بصعوبة ، ولما ماتت أمها لم تغفر لنفسها ذلك رغم الأجل والموت الطبيعية ، لقد صامت شهرين وتصدقت بنصيب من المال ، ولا تزال تستغفر الى اليوم

كريم: لو كانت خضراء هنا لساعدتنا كثيرا ، بصفتها كانت تعمل في نفس المستشفى

الأم: ما أعرفه أنا أكثر مما تعرفه خضراء

كريم: لا علينا يا أمي ... سنجد في المستشفى من يساعدنا على كشف الحقائق ، وسنجد من سيشهد لها أو عليها .

الأم: لا تزال الشكوك تساورك ، ولم تقتنع بعد ، أعرفك جيدا ...

كريم: يا أمي ، ملف المرأة ثقيل جدا ، يجب أن أقتنع أنا أولا حتى أعرف كيف أدافع عنها ، هذه قضية تتطلب محامي أكثر مني خبرة وتجربة واطلاعا على خفايا الجرائم ، محام صهرته التناقضات والممارسة الطويلة في معالجة قضايا الاجرام ، ولهذا أفكر منذ الآن في عرض الفكرة على الادارة ، أتمنى أن يعفوني من هذه القضية ، لأنها ستسيئ الى سمعتي ، وفشلي في نظر الناس سيبدأ من هنا ، أنا لا زلت في البداية ، ينقصني الكثير ، والقضاء في وطننا لا يزال برزخا تحت الكثير من الممارسات والمخلفات البائدة ، لا القاضي حر بمفهوم القانون ولا هو مقيد به ، ولا المحامي جريء بالدرجة التي تجعله يعتمد على النص القانوني والدراسات العلمية للمرافعة في قضاياه ... مفهوم الجريمة محدد على الورق فقط ، أما الواقع غير مانتعلمه في الكليات ، هل فهمتي ؟!.. ما أحمقني ! وكأنني أخاطب عميد نقابة المحامين ، أعطيك مثلا بسيطا ، ممكن أنني أتعب وآتي بأشياء كثيرة تثبت براءة موكلي ، ويقتنع القاضي ، ويقدرني في نفسه وتدهشه براعتي ، ولكن يكون قد تلقى شحنة مال أو مكالمة من الأعلى ، فأظهر أمامه دونكيشوتيا أو مهرج أو شبيه ذلك .. بعض المحامين يبرؤون موكليهم قبل الجلسات ، لنفوذهم ومعرفتهم أبواب القضاء الحقيقية التي لا تفتح الا عندما يغلق قصر العدالة أبوابه

الأم: لماذا اخترت هذه المهنة ؟

كريم: وكأنك يا أمي لا تعرفين هذه الأشياء ، انها الهواء الذي يتنفسه أبي في قضاء جوائجه ..

اخترتها يا أمي ظنا مني أنه سيأتي اليوم الذي تحتاج فيه بلادي الى أبناء مخلصين ، شرفاء ، شباب ، أخطأ أباؤهم ، فيأتوا لاصلاح ما أفسدتم لبناء واقامة الدولة ، التي لا تزول بزوال الأشخاص ، انظري أمي الى الشارع ، حتى الأطفال يخربون كل شيء يرمز الى الدولة ، الأشجار ، اشارات المرور ، سياج الحدائق ، مواقف الحافلات ، يكتبون على جدران المراحض العمومية ، على جدران المدارس ، الشباب والمراهقون منهم يمزقون مقاعد الحافلات ،و اللافتات ، يفسدون أي شيء تابع للدولة ، انهم يا أمي يمارسون الرفض بامتياز ، والجميع ينتقم ، من لا يفعل لا ينهي ، هكذا تبدأ الانتفاضات ، كنار التبن ، هذا كله لأن حرب التحرير التي لا تلد ثورة تطهرها من الانتهازيين تبقى ناقصة وتتحول الى وبال على أمتها ... هكذا علمنا التاريخ .. الحمد لله اني أقول هذا الكلام لأمي، والا فمصيري السجن ، حتى لو كان كلامي هذا مجرد انفعال، يعاقب قائله ، لأنه جريمة في نظرهم وخيانة كبرى يحاكم أصحابها في المحاكم الخاصة ، والاعدام هو أخف الأحكام ، جيلكم يا أمي رهيب ، رهيب .. رهيب .. أصعب جيل عرفته البلاد ، زور التاريخ ، سلخ الأمة ، مسح الهوية ، زرع الفتنة التي لا تنام حتى تقسم ظهر الأمة ، وستحتاجين يوما الى جواز سفر للذهاب عند خالك في الشرق أو عمك في الغرب أو صهرك في الجنوب وبتأشيرة ولم لا ؟ زرعتم الحقد والكراهية ودنستم التاريخ ، رفضه هذا الجيل جملة وتفصيلا ، اشتريتم الأيادي والألسنة وقهرتم القلوب وكثرت الخفافيش والفجر بعيد ..

الأم: تقول كل هذا لأمك ؟ سامحك الله يا بني ، سامحك الله

كريم: لأنك أمي ، أقول لك هذا وأكثر ، أقول لك هذا الكلام لأنك في اعتقادي أنت الوطن ، الذي يجب أن يحتوينا جميعا بعيوبنا ونقائصنا ، أتصورك كذلك لأن مصيرك لم يكن أبدا في يوم من الأيام في يدك ولا في أيدينا.

حضنها بكل رفق ، قبلها على الجبين وقال:

مجرد حلم يا أمي ، لا تخشي شيئا ، لا نزال نيام

الأم: فزع قلبي وتكدر ، أخشى عليك حتى من أمك

كريم: أنا أعرف ، لم يسمعني غيرك ، فلا تخشي علي

الأم: شغلتك عن طعامك حتى برد ، أسخنه وآتيك به

كريم: لا ، لا يا أمي ، لا تتعبي نفسك سأفعل وحدي

الأم: أبدا ، دعني ، أحب أن أخدمك بنفسي في انتظار العروس التي ستخطفك مني ، أتمناها محامية مثلك حتى تفهمك

نظر اليها وهي تحمل الطبق وتخرج من المكتب ، كأنها تغادر قاعة عرض ، انغلق الباب وراءها بكل هدوء تدفعه النسمة العابرة من هنا ، وعم الصمت من جديد ، تتساقط شظايا انفجاره على بسيطة العقل باردة ، كأنها قطع من الثلج ، وقف وسط المكتب سارحا يجتر حديثه وينظر الى صورة على الجدار ، ألوان ولمسات يتعدد تشكيلها كأنها السحر ، وتختلف قراءتها من زاوية الى أخرى ..

كريم: سآكل جملا أو فيلا لو قدمتيه لي ، اشتقت الى الأكل من يديك

الأم: تسلم يا بني

وقفت هنيهة تنظر اليه وتحتويه بابتسامتها ثم خرجت ..

تذكر خضراء ، وأطباقها اللذيذة ، تذكر عندما كان يمازحها وهو يقول ، حتى ولو برجلك أنت ماهرة .. وهو يمضغ ويمضغ ..ويمضغ وأبت اللقمة أن تبتلع ، شيء ما سدها ، زاد عليها جرعة ماء وبلعها مستكرها ... أين أنت يا خضراء ... أرجوك كوني بخير اني أقترب ..

في مساء اليوم الموالي ، وكان يوم جمعة ، اجتمعت الأسرة كلها في الصالون ، الأب ، الأم ، ثورة ، كريم ، حتى نونة الغائبة الحاضرة ، لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر شيء على القلب ، ينظر اليها كريم ، يستغرب ، كيف استطاعت أن تجعل الجميع على الهامش ، سكنه هاجس الفضول ، كيف استطاعت أن تطوع هذه السلبية المعلنة ؟ ..

رغم تركيز نظرته اليها ، لم يحرجها ولا ظهر على وجهها شيء ، كأنها تمثال الحديقة ، تحتفظ دائما بنصف ابتسامتها التي تجعلك تقف هنا .. لا تسأل ولا تجيب ، هي رأي الجميع ، يتساءل ، كيف كانت علاقتها مع خضراء ؟ وهل تعرف حقيقتها ؟ وهو كذلك حتى سقط عليه السؤال

الأب: ماذا عن قضية القابلة ؟

كريم: آه .. القابلة ، يحتاج الى شيء من الوقت لدراسته ، ملف متشعب والتهم كثيرة ، يتطلب تحريات وتحقيقات خارج الورق

الأب: ستتحول الى محقق ... بوليس

نظر اليه كريم وقاطعه مواصلا

البحث في ماضي الناس جريمة لا تغتفر ، تصور لو أكتشف أشياء لم يكتشفها البوليس ، هل أسكت عنها لأنها موكلتي ؟ أما شهادة المحيط ، تكاد تتوازن ، الادانة والبراءة لا زالتا بعيدتان

الأب: المحاماة تحتاج الى مكر وخداع وذكاء وجرأة ومراوغة الثعالب ونفوذ .. يا ولدي أدهن السير يسير

فهم كريم قصد أبيه فسكت

الأب: اياك واياك يا ثورة من قراية الحقوق ، يضيع منك كل شيء .. وضحك

ثورة: ما عدت الى الدراسة بالمراسلة لتعلم الثرثرة ، فهذه أنا أحسنها منذ زمان ، الأدبيات كلام فارغ ، سأتحصل على البكالوريوس علمي ، الحقيقة والحقوق في المخابر والورشات ومكاتب الدراسات ، الحقيقة هنا تراها وتلمسها ، ليست سرابا أو تنتظر العالم الآخر لتراها وتلمسها ، نحن العلميون لا ننتظر الآيات بل نصنعها ..

كريم: احذري أن تصنعي صاعقة تدمر العالم فتكون نهاية البشرية قبل أوانها وعلى يدك

ثورة: نستنسخكم ، لا تخشى شيئا ، نصنع مخزونات للخلايا البشرية ، وبعد انتهاء مفعول الصاعقة نستخرجكم

كريم: جميل جدا ، رائع ، أرباب جدد لعصر جديد ، انه جنون البشرية الذي يمكن أن يفسد السماوات والأرض ، وها أنتم بدأتم بطبقة الأوزون ، ما أتفهكم ، وما أعظمك يا ثورة عالمة رسوم متحركة

ثورة: كريم .. يكفي ، تريدني أن أخرج ؟

الأم: يا ثورة ، تأخذين كل هزل جد ، طموحك مشروع ، ولكن للمزاح مكانته في كل جد بين الاخوة

كريم: دعيها ، اذا تعدت المحضور لن أدافع عنها

ثورة: لا أحتاجك ، اختراعاتي تدافع عني وعن نفسها ، واكتشافاتي مهما كانت تخدمني

كريم: وستخسرين الكثير بهذا التفكير ، حتى وأنت في عالم الكارتون ..

الأب: العشاء جاهز يا ثورة ؟

ثورة: نعم ، لا تنتظر الأخبار ؟

الأب: لا ، نتعشى لتنصرف عمتك ونواصل

ثورة: النقاش مع كريم مهزلة ، هو لا يرى المقدس الا في القانون ، أما العلوم الأخرى فهي عبيد لجلالة القانون

كريم: وهذه هي الحقيقة

ثورة: الحقيقة التي يختلف فيها كل الناس

كريم: اذكري لي من خالف من ؟

ثورة: كلام فلسفي لا أطيقه

كريم: ما أطول لسانك وأقصر باع علمك

ثورة: سأدخل الى الجامعة وسترى

كريم: نعم ، جامعة سبيستون .. ابدئي الآن بتقديم العشاء ويومها سنرى ، أنت مملوءة بالحشو الأحمر

نظرت اليه وانصرفت كالزوبعة ، تركت الجميع في حضن الابتسامة الساذجة ، وكأنهم صدقوها

الأب: لا تهدأ حتى تهيج أمواجها

كريم: يا أبي في الثانويات تيارات فكرية ، بقدر ما تفيد تفسد ، هذه التيارات غير مراقبة والصراع الثقافي والاديولوجي يبدأ من هنا ، العلم نور فاذا تجاوز حد العقل يضر أكثر مما ينفع ، فلتكن علمية اذا أرادت ولكن بأفكار نيرة وانسانية بعيدا عن الحديد والنار

الأم: هكذا كنت أنا ، عنيدة ، لكن مع النساء فقط ، أما الرجال فكانت جلساتنا معهم قليلة ، حتى المدرسة في عهد الاستعمار ، واحتراما لديننا وتقاليدنا ، بنوا مدارس للذكور ومتوسطات ومدارس ومتوسطات للبنات ، المعلمون يدرسون البنين والمعلمات يدرسن البنات ، لا زلت أذكر يوم أحرق الحجاب في ساحة الشهداء رمزا لتحرير المرأة ، كان حينها الفاعل يرتدي بذلة صينية ، وكم حز في أنفسنا لما سمعنا بسجن الشيخ الابراهيمي ، رئيس جمعية العلماء المسلمين آنذاك ..

الأب: وبعدها كان ابنه وزيرا للتربية الوطنية

الأم: بعد وفاته

الأب: والله لا أذكر ، المهم كان ذلك

كريم: هذه شهادات يسجلها التاريخ ، يجب أن نحتاط ونتحرى عندما نتكلم في أمور كهذه .

عادت ثورة تحمل الطبق وهي تقول:

تصور أخي كريم لو كان أول رئيس امام ، لكان الوطن كله مساجد

كريم: مساجد أفضل من ثكنات وسجون

ثورة، لا فرق ، الا أن المساجد باقية على حالها والثكنات والسجون تطورت بكثير

كريم: بل تفننت

الأب: يا ثورة ، يا ثورة ، لك الحق في كل ما تقولين الا في شؤون الدين .. مجتمعنا لا يرحم ، لا تجاهري بهذا الكلام ، ذهبت أنا وجدك الى الحج وبذلنا أموالا كثيرة ونحن نتصدق على الفقراء ، ونتوسط للناس في قضاء حوائجهم ، كل هذا لتحافظ أسرتنا على منزلتها ونفوذها ، فلا تضيعي هذا العمل من أجل فكرة أنت غنية عن حملها اليوم

كريم: وربما تتخلين عن هذه الأفكار يوما ، وتتراجعين عندما تتجاوز أفكارك مرحلة المراهقة الثقافية

ثورة: اطمئن لن أتراجع

التفت الأب الى أحمد آخر حبة في العنقود ، وهو يضحك

الأب: وماذا تقول يا أحمد ؟

أحمد: هذه كافرة يا أبي ، كما قال الشيخ حفظه الله ، دهرية ستأكلها النار وهي حية تسعى

ثورة: أدخل وحدك الى الجنة

أحمد: أبي أرجوك ، هذا مجلس نحاسب عليه ، وأنا لا أطيقها .. سفيهة

الأب: لا ، لا يا أحمد ، لا تغضب ، ديننا يحترم حرية الرأي والخلاف ، الدين يا بني يسر ورحمة

أحمد: يا أبي نحن ملزمون بالشرع ، والخوض في مسائل عقائدية يسوقنا الى الكفر عن قصد أو غير قصد ، هي لا تزال لم تتجاوز الثانوية ، وبدأت تؤسس للفكر الجحود ، انها تردد ما لقنها بعض الأساتذة المنحرفين ورفاق السوء ، هذه الدروس الحرة هي في الحقيقة أوكار لنفث السموم .. و

الأب: ثورة يا أحمد ، أنت تعرفها لا تؤمن بما هو فلسفي ، انها تعيش التجربة بالملموس ، تجهل الأدبيات مثل الشعر والقصة والتاريخ ، هذه المواد التي تعتمد على على التلقين والحفظ ، تقول انها مواد يتفوق فيها الأغبياء ، ومن أجل هذه المواد طردوها من المدرسة وأعدناها الى الدراسة بالمراسلة ، واستطاعت أن تثبت جدارتها في العلوم والرياضيات والفيزياء والكيمياء وغيرها

أحمد: هؤلاء العلماء الذين نظروا وجربوا ، علماء مخابر الشرق والغرب ، يدخلون الى الاسلام أفواجا أفواجا ، أرجوك يا أبي ألزمها حدها

الأب: احترموا بعضكم بعضا ، الذي يهمني نجاحكم

أحمد: ان شاء الله يا أبي ، دكتوراه في الشريعة الاسلامية من جامعة أم القرى، قالوا انهم يحفزون الطلبة بتسهيلات كثيرة ، ويساعدون طالبي العلم الشرعي ، هذا حلمي يا أبي ولكنه بعيد

الأب: الله ، الله ، هكذا مرة واحدة ... السعودية ، لا تكفيك جامعة قسنطينة

أحمد: أريد أن أرتوي من العنصر ، يا أبي الاسلام جاءنا ، وأنا أريد أن أذهب اليه ، والرجوع الى الأصل فضيلة ، هناك المنبع الصافي ، هناك النص والحس

ثورة: تصبحون على خير ، سأقوم مبكرا لآداء بعض الحركات الرياضية ، يجب أن أرتاح

الأم: أتعبناك يا كبدي ، ليلتك أسعد

ثورة: بركتك يا شيخ أحمد

وانصرفت تضحك ملأ فاها

الأم: عندما تتزوج لا ندري ماذا نفعل ؟

الأب: نبحث عن خادمة

الأم: خادمة في بيتي ! .. أبدا ، الا هذه

أحمد وهو ينصرف: لو بقيت خضراء لكفتكم

الأم: لا تزال هذه اللعنة تطاردنا ، حتى هذا الذي يدعي الاسلام

كريم: لا تقلقي يا أمي ، هذا مجرد كلام

الأم: صرت لا أحتمل حتى اللون الأخضر

ويعود أحمد يتحسر، أعتذر ، لقد نسيت ، هناك فوق المكتبة استدعاء من الشرطة لأبي ، قال انه يخص خضراء ، قلت له أنها ليست هنا ، فقال لي أعرف ذلك ، قل للحاج يأتي الى القسم نحتاجه ...

الأم: الشرطة ! استدعاء ؟ لعلها تكون قد قامت بوقاحة ما ، خذه يا كريم ، الحاج تعبان ، ولا ندري ما وراء هذا الاستدعاء

الأب: هذه هي المهازل التي أخشاها ، والبهدلة ..

أخذ كريم الاستدعاء ، وضعه في جيبه وانصرف ، تركهم في دوامة الأسئلة والتساؤلات ، غريب ، العمة تأخرت الليلة ، وكأنها كانت تنتظر المفاجأة ، ينظر بعضهم الى بعض في مبارزة الظنون .

الأب: لم يبق الا هذا ، الحاج لشرف في مكتب المباحث ، يا فضيحة آخر العمر ، يا بهدلة العاقبة ، أنا ، أنا عند الشرطة ، كل هذا حصيلة حماقتك يا سترة ، ماذا يقول عني الناس ؟