(2)

4 0 00

(2)

حب براني.

.لا، لا شيء من لا شيء

لا، لا أندم على شيء

لا ما أحسنوه إليّ ولا ما أساءوه

كل هذا عندي سيّان...()

مدة سنوات ثلاث مضت، قضاها المستوطن غوستاف لوحده في تلك الإقامة الجميلة. كان له بعض الاهتمام بعالم النساء بطبيعة الحال. مع نهاية كل أسبوع، كان يتوجه وحيدا إلى المدينة، يمضي فيها ليلة السبت وصباح الأحد. فغالبا ما تجده في الكازينو على الشاطئ. هناك كان يجد مع من يمضي ليلته وجزءا من نهاره. هي لحظات من أجل الترويح عن النفس ليس إلا، وذلك بعد عناء أسبوع من الوحدة مابين المزرعة والمنزل. لطالما تمنى أن تكون بجانه حبيبة، وحبذا لو كانت إيزابيل...

كانت تلك الصورة لا تفارقه ليل نهار. نعم، لأنها كانت هي حبه الأول...لكنه مع ذلك كان يتدبر أموره للحصول على مبتغاه، ورغم أن ذلك كان على مضض.. في السنوات الأخيرة، بعدم أن اطمأن باله وبعدما هدأت الأمور، بدأ يستأنس شيئا فشيئا مع الأهالي. كان يتطلع إلى إحدى الشابات التي كانت تعمل لديه في المزرعة. في الأ ول كان الأمر يبدو وكأنه صعب المنال، وذلك من حيث وضعه كأجنبي، ثم من حيث علاقته مع واحدة غير إيزابيل أو على الأقل أن تكون واحدة من بلده وثقافته وديينه.. ثم ماذا سيقول الآخرون؟ هذا ما كان يخطر على باله كلما فكر في ذلك الموضوع. لكن بعد تريث، يبدو أنه وجد ضالته، وجدها في المسماة الزايرية. لقدكانت حقا شابة جميلة، لها قوام رشيق وابتسامة ساحرة، وذات عينين عسليتين وخدود حمراء. فكان ذلك الاحمرار من أثر لسعات البرد القارص في الصباح الباكر، وأشعة الشمس الحارقة في منتصف النهار. وكانت الزايرية بدورها لا تخفي إعجابها بالتاجر غوستاف، مثل باقي البنات-باستثناء زهرة. فهذه الأخيرة كانت تتحاشى النظر في عينيه، لأنها كانت أجمل البنات وخجولة زيادة على اللزوم. كان غوستاف يظن بأنها مستحيلة المنال، وهذا ما كان يقول لنفسه من حين الى آخر. على أية حال فإن الزايرية كانت هناك على مرمى البصر. ولذلك تكلم بخصوصها مع الكابْرَانْ جَلُّول. استفسر عن حالها وحال أهلها، ثم سأله عن إمكانية تقديم اقتراح لها من أجل العمل لديه في المنزل عوض المزرعة. "تعد الطعام وتصبن، وأشياء أخرى"، يقول غوستاف.

—أنْتِ هناك، نعم أنْتِ، نعم أقصد الزايرية، تعاليْ هنا، يصيح الكَابْرانْ جَلُّول. لقد أقبل هذا الأخير على تنفيد ذلك بحماسة في محاولة ليظهر للتاجر غوستاف حنكته في العمل، في ضبط الجميع،العمال والعاملات.

وتتوجه الزايرية نحو غوستاف والكابران جلول. لقد فعلت ذلك باستحياء على ما يبدو. كانت تبدي نوعا من الحشمة كما تفعل هنا كل البنات أمام الغرباء، أو لعلها هكذا كانت تريد أن تتظاهر. وقفت بجانب جلول الذي تريث لحظة قبل أن يشير له غوستاف بالكلام.

وقال للزايرية بنت كَبُّور:

—التاجر غوستاف يريدك أن تشتغلي لديه في المنزل، هذا بعد موافقة أهلك بطبيعة الحال.

كان جميع العمال والعاملات واقفين يلتفتون نحو غوستاف والكابْرانْ حلول، حيث كان الحديث يتبادل مع الزايرية. وفجأة يصرخ الكابران جَلّول:

—ماذا تشاهدون؟ أيها الفضوليون... هيا إلى العمل. فينحني الجميع على معاولهم ونظراتهم إلى تحت نحو الأرض، الأرض التي من أجلها جاءوا يشتغلون.. ولا مجال لمناقشة أوامر جلول، وبالأخص حينما يكون التاجر غوستاف في الميدان.

لقد كانت موافقة الأهل مطروحة للنقاش، وذلك حتى لا يكثر القيل والقال. تدخل جلول لدى كبور والد الزايرية، فسّر لهم كل ما يريده غوستاف. فقال : " البنت محظوظة والتاجر مسيو غوستاف سيقوم باللازم، والعمل في المنزل أَخْيَر لها من الشغل طول النهار في الحقول تحت الشمس الحارقة صيفا والبرد القارس شتاء . بعد التردد، قال لهما بأن أجرها سيكون زيادة.. فتم القبول أخيرا على مضض بعدإلحاح الزايرية التي يبدو أنها كانت راضية.

أو تكاد تطير من الفرح.

وهكذا ستدخل الزايرية إلى تلك الإقامة المثيرة، ثم يصبح لها شأن بين أهل دوار أولاد العزة. وسيأتي الوقت لمعرفة ما تبقى من الحكاية..تلك المرأة التي كان يسميها بنت البلاد، وهي تسميه البراني ستملك ما كان يملك أو بالأحرى ما تملكه ذلك الوافد في الوقت الذي ستظهر فيه إيزابيل.

كل العائلات في الدواوير المجاورة كانت(ممثلة) بفرد أو أكثر في مزرعة غوستاف. غالبيتهم شباب وشابات، وقد يجتمع الأخ وأخوه أو أخته، أو ألاخت وأختها، وأحيانا أخرى حتى الأب وابنه أو بنته. كل عائلات الدوار كان لها على الأقل أحد الأفراد يخدم في المزرعة ليتقاضى أجرا في نهاية الأسبوع. لقد كانت السنوات العجاف تتوالى الواحدة أصعب من الأخرى، فلم يعد للأهالي موردا آخر إلا تلك الأجرة الأسبوعية التي يتقاضونها من التاجر غوستاف، لتمثل المورد الوحيد في غالب الأحيان. فانتشر الفقر ومعه الأمراض والأوبئة. لقدكانت العناية الطبية منعدمة إلى أن تدخل غوستاف، فقام بإحضار الطبيب فتم الحد من انتشار المرض. لكن العواقب كانت وخيمة. فالكثير من الأهالي لم يصمد، فمات الكثيرون، ولم يفلت إلا البعض من أصحاب البنيات القوية. فعلى أي حال، فإن التاجر قد قام بالواجب، ولا أحد يدري هل كان ذلك من أجل صحة الأهالي، أم خوفا على نفوق كل الأيادي العاملة.

إيزابيل، جميلة شقراء ذات عينين زرقاوين، قادمة من بلاد الأنوار كما كانوا يقولون .. إنها ما تزال في ريعان شبابها، في سن لا يتعدى الثلاثين ربيعا، ويبدو أن غوستاف كان يكبرها ببعض سنين. لقد عمل هذا الأخير كل ما في جهده لإقناعها وإرضائها رغبة في الألتحاق به بعد أن تكف عن معارضته بخصوص مشروعه في ما وراء البحار. وفي انتظار أمل الالتحاق به شرع في إنشاء ذلك المنزل الفاخر المتوفر على جل متطلبات الحياة العصرية. في هذا المكان القصي، رغم من جمالية المكان، والمناظر الطبيعية الخلابة والجو المعتدل، فهناك قد يحس الإنسان أحيانا بالوحشة والملل كلما طالت وتواترت الأيام والشهور وبعدها السنوات. كان القرب من أفراد العائلة في هذا المنزل الجميل من شأنه أن يخفف شيئا ما من ألم الحنين للموطن، هناك في العوالم المتحضرة وبالأخص الأضواء الباريسية.

فقبل أن تحضر إيزابيل من غيبتها(لم تكن غائبة لأنها لم تحضر من قبل، لكن غوستاف يعتبرها كذلك). كان يقضي جل أوقاته في المزرعة، ومع حلول الليل يروح إلى المزرعة الأخرى التي توجد جنب الغابة، فهناك استقرت الزايرية، في ذلك المنزل الوحيد وسط الغابة، وبين المنزل والاشجار كانت هناك فضاءات واسعة للرعي. فتلك المزرعة كانت خاصة بتربية الماشية حيث كانت تجد المجال الواسع لترعى. وبذلك تكاثر القطيع خلال سنوات قليلة. في غياب غوستاف تصبح الزايرية هناك هي الآمر والناهي للرعاة . في آخر مرة عدد فيها غوسطاف والزايرية القطعان : الأبقار: خمسون، الغنم مائتان. الخنازير: ثلاثون( الزايرية لم تكن تطيق رؤيتها)، الجمال: ثلاثة، الخيل: ثلاثة والحمير: خمسة. أما الدواجن فكان يصعب عدها. كانت الزايرية تسهر على حلب البقرات بمساعدة زوجة الراعي. وتعبأ الحليب في انتظار قدوم الشاحنة في الوقت المعلوم. . خلال سويعات كان يتوجه إلى القرية، على الأقل فهناك ق يلتقي مع أصحابه في الحانة، وهي فترة سانحة ليفك عنه لبعض الوقت شيئا من الوحدة والعزلة. في حانة مدام رنْكَة اليهودية ذات الردفين الكبيرين، كان يلتقي مع مجموعة من المزارعين الأجانب، يتبادون الاخبار ويشربون كأسا، ويكون الحديث في غالب الأحوال بخصوص الفلاحة ومواضيع أخرى.

— لقد تعقدت هناك الأمور كثيرا، يقول غوستاف لزملائه. وكان يقصد الوضع في بلدهم الذي م احتلاله من طرف الجيوش النازية، وتشكيل حكومة موالية لها. .قد تلتحق به إيزابيل بين الفينة والأخرى،مضطرة لأن الأوضاع قد ساءت هناك في باريس. فآخر الأخبار تقول بأنها قد تمكنت من الدخول إلى إسبانيا ،ولعلها في الطريق نحو المغرب للبحث عن غوستاف أو ربما ستتوجه نحو تونس حيث لتستقر مع عائلتها التي تستوطن هناك. "نعم، نحن محظوظون بوضعنا هنا بعيدا عن هول الكارثة هناك، لكن لا أخفي عنكم بأني أتألم كلما أتذكر ذلك، يقوك جاك لزملائه حيث كانوا جالسين تحت الإفريز يتباكون عن مصير البلاد.

من حسن الحظ أن الوجهة التي اختارتها إيزابيل قد كانت نحو غوستاف. لقد كانت تعرف جدا بأنه سيلقاها بالأحضان. فهناك سجدت ما لم تكن تحلم به. ستجد إقامة مجهزة تجهيزا عصريا وبأحسن طراز. حيث جل الحاجيات متوفرة. لكن، المكان ليس كما تلك الأمكنة التي اعتادت عليها في بلاد الأنوار والتي انطفأت مع قدوم جيوش الاحتلال. الوحشة هنا في هذا المكان بالرغم من فخامة البنيان وبالرغم من الحب الذي يكنه لها غوستاف، فإن الوحشة ستكون قاتلة لمن اعتاد على الحياة في المدينة.

بالرغم من سعادتها الظاهرة، كانت تضجر من العزلة في تلك الإقامة الفاخرة بالرغم من وجود وجود غوستاف والصغيرة ماري. مدة ثلات سنوات تمضتي بسرعة،ظلت إيزابيل تحس بالرتابة والوحدة، هناك بعيدا عن أضواء الباريسية الخلابة التي عاشتها أيام زمان. ومن أجل قتل ذلك الوقت الرتيب من حول بدأت إيزابيل بعناية ودقة فائقة تزرع في الحديقة أشكالا مختلفة من الأزهار الرائعة. هكذا مع مرور الزمن أصبحت لها ذراية بعوالم الأزهار والنباتات على اختلاف أصنافها. تعرفت على متطلبات إزهارها حسب الفصول،أحيانا كان غوستاف يساعدها في ذلك، بالخصوص تهييء الارض وتسويتها فيترك لها الباقي. وكان يرشدها ويوجهها في اقتناء الشتلات من المحلات المختصة. وأحيانا كان يحضر لها فصيلة جديدة رائعة، كهدية من عند الأصدقاء أو يقتنيها كلما زار أحد المشاتل بالقرب من المدينة. لقد كانت تلك الهواية هي المتنفس، كانت تشغلها لتفادي آلام العزلة والوحدة وفي الاخير بدأت تسعهدها، كانت هي حياتها. جمال وبشاشة، قوام رشيق ونظرات لطيفة، هكذا بدت إيزابيل في حركاتها كالفراشة بين الورود والأزهار الجميلة. بالتأكيد إنها لحظات رائعة ومشهد أخّاذ، تلك الأزهار وتلك الشابة كالفراشة. إنها لحظات تبهج الناظر كما كانت تبهج بالطبع غوستاف. حينما وصل لتوه من المزرعة، ألقى التحية على راعية الزهور في البستان. قبلة خفيفة، ثم دخل متسرعا إلى المنزل الفسيح، عنه نفض غبار المزرعة، وبعدها فضل أخذ حمام بارد لأن الجو كان حارا بعض الشيء.

—لقد جاء دورنا، الأسبوع القادم عزيزتي إيزابيل، يقول غوستاف.

كان ينشف شعره بالفوطة وهو يذكر أسماء المدعوين: جاك وزوجته، غابريال وربما عائلة ديشان كذلك...

— سعيدة بذلك حبيبي، إنني في غاية من السرور في انتظار يوم الأحد، العزلة قاتلة هنا، وماري، فإنها تسأل في كل وقت وحين عن أقرانها، إنها تنتظر قدومهم ليلعبوا سوية ويسبحون.

—لذا يجب تغيير ماء المسبح، ترد إيزابيل التي كانت تتجه إلى المطبخ لإنهاء تحضير الغداء.

—نسيت اليوم، يا بابا ...اليوم... الأربعاء؟ ردت ماري مبتهجة وكأنها تتمنى وصول موعد الزيارة اللحظة، وأن تمر الأيام الثلاثة في أسرع وقت ممكن. حاولت إيزابيل أن توجه له أحد طلباتها بابتسامتها الجميلة المعهودة. كانت تتودد إليه بأن يسامحها بكونها ستتركه لوحده لمدة شهرين كاملين. كانت تعرف أن المزرعة في حاجة إلى وجوده باستمرار، لذلك فليس بإمكانه مرافقتها إلى تونس لزيارة والديها، وتقول:

—شهر غشت يقترب حبيبي، أريد قضاء الصيف مع والديّ في تونس، هل تسمعني عزيزي غوستاف؟

—بالتأكيد يا عزيزتي..ريثما يصل شهر غشت، فما زال الحال. رد غوستاف دون أن يلتفت إلى ذات العينين الزرقاوين التي ظلت تترقب حركاته المضطربة وهو يستمع لطلبها.

غالبا ما كانت إيزابيل تقوم باستدعاء إحدى النساء من الأهالي، رقية أو فاطنة وأحيانا كلتيهما وذلك كلما كانت في حاجة إلى مساعدة. من أجل الأشغال الكبيرة بالمنزل، كما كانت تقول. ها هي رقية تصل باكرا إلى الإقامة. تدق، تدق، لا لأحد يسمع دقاتها فظلت تدق باب الحديقة ولا من مجيب. الكلاب لم تنبح عليها لأنها كنت تعرف رقية جيدا. وكان صوت الراديو العالي يحول دون سماع دقاتها المتتالية. كانت إيزابيل لحظتها كالعادة بين إزهارها في الجهة الأخرى من الحديقة لذلك لمتسمع شيئا بالإضافة الى أنها كانت تستمتع بسماع اغنيتها على الراديو. ولما سئمت رقية من "الدقّان"، والصياح بدأت تنادي بأعلى صوتها كما ينادي الأهالي على بعضهم البعض على مسافة بعيدة :

—وا... إيِزابيل، وا... إيزابيل. وكان ذلك النداء بلكنة بدوية عفوية. لقد كانت لأول مرة تنطق ذلك الاسم الفرنساوي الذي يستعصي عليها النطق به كما يجب، ورغم رقة تلك الكلمة إلا أن لكنتها لم تسعفها. أخيرا تسمع إيزابيل النداء. كان النداء ممتزجا مع تلك النغمات الشجية التي تصدح بها المطربة إديث بياف على أمواج الراديو:

"Non, je ne regrette rien

Ni le bien qu’on m’a fait, ni le mal

Tout ça m’est bien égal

Non, rien de rien

Non, je ne regrette rien

C’est payé, balayé, oublié

Je me fous du passé"....

Avec mes souvenirs

J’ai allumé le feu

Mes chagrins, mes plaisirs

Je n’ai plus besoin d’eux

Balayés mes amours

Avec leurs trémolos

Balayés pour toujours

Je repars à zéro

Non, rien de rien

Non, je ne regrette rien

Ni le bien qu’on m’a fait, ni le mal

Tout ça m’est bien égal

Non, rien de rien

Non, je ne regrette rien

Car ma vie

Car mes joies

Aujourd’hui

ça commence avec toi…

***

لا، لا شيء من لا شيء

لا، لا أندم على شيء

لا على ما أحسنوه إليّ ولا على ما أساءوه

كل هذا عندي سيّان

لا، لا شيء من لا شيء

لا.. لا أندم على شيء

فكلّه مضى.. انقضى ..انْتَسى

لا أبالي بالماضي

مع ذكرياتي

أوقدتُ ناري

أحزاني..سعادتي

لم أعد أحتاجهم

رحلوا عشاقي

مع زغرداتهم

رحلوا للأبد

سأعود إلى الصفر

لا.. لا شيء من لا شيء

لا.. لا أندم على شيء

لا على ما أحسنوه إليّ و لا على ما أساءوه

كل هذا عندي سيّان

لا.. لاشيء من لا شيء

لا.. لا أندم على شيء

لأنّ حياتي

لأنّ أفراحي

اليوم….

تبدأ معك أنت

لما سمعت إيزابيل النداء أسرعت تجري بين أزهارها نحو باب الحديقة، ولما فتحت، لقيت رقية، فعانقتها بحرارة وهي تستسمح:

—صباح الخير إيزابيل، أين بنتي، تقول رقية للوافدة الشقراء. وكانت تبدو رقية وكأنها تبحث عن شخص ما في الحديقة بين الأزهار. في الأيام العادية كانت تجدها تلعب بالقرب من أمها الحديقة.

—إنها ما تزال في الفراش. لم تنم البارحة باكرا كعادتها. لقد كانت في غاية من السرور لما علمت بقدوم صديقاتها يوم السبت المقبل؛ ولهذا استدعيتك يا رْقيَّة من أجل مساعدتي، فنحن نستعد لاستقبال ضيوف أعزاء ولعلك ستعرفين بعضهم. لقد وعدهم غوستاف بقصعة الكسكس، كتلك التي أعددتها في المرة السابقة. الجميع ما يزال يتكلم عن طعامك اللذيذ، أخبار حذاقتك في كل الأفواه يا رقية ، تقول إيزابيل.

—"وا ماري، وا ماري"، كانت تنادي أمي رقية. هذه المرة كانت كلمة ماري تخرج بكل سلاسة من فم أمي رقية. وكلمة ماري كانت سهلة بالطبع على لسانها من كلمة إيزابيل.

حينما تلتقيان كل من فاطنة ورقية في نفس اليوم لدى إيزابيل بالإقامة، فيحلو ويطول الكلام والحديث حول أمور كثيرة، في أي شيء ولا شيء. من أجل إلهاء التعب ليس إلا. ومع النسوة بالطبع الكلام شيء عادي، في أي شيء. كان ذلك مناسبة سانحة بالتأكيد، فتستأنس إيزابيل بوجودهما معا، رقية وفاطنة. لقد كانت إيزابيل تحب التقرب منهما والحكي معهما لغاية في نفسها: أن تتعلم الدارجة المغربية بمخالطة الأهالي. كانت إيزابيل ترتاح للحوار مع رقية أكثر ما ترتاح لفاطنة، لذا فإنها ترسل الدعوة لهذه الأخيرة كلما دعت الضرورة لذلك. وبحكم اختلاف اللغة، وكذلك الثقافات، اجتهدت إيزابيل في التعامل معهما بلباقة وبكل احترام.

بحكم مستواها الثقافي الجامعي، كان لها من الرزانة ما يكفي لتتفهم الوضع الاجتماعي، وخصوصا المسألة الأخلاقية، المتعلقة بالاستعمار، ومبادئ حرية الشعوب. بالرغم من تشبثها بتلك المبادئ النبيلة، وبالرغم من رفضها لوعة غوستاف للاستثمار فيما وراء البحار في أول الأمر، والتي تسميه هي بالاستعمار، إلا أن الظروف السياسية في باريس مع حبها لغوستاف، كل ذلك جعلها تتنازل على مضض عن مبادئها. لعل ذلك سيكون على الأقل في تلك الفترة العصيبة التي يمر بها بلدها هناك في أوروبا. الحرب العالمية كانت تحصد كل شيء، فالنازية خلطت الاوراق ولم تعد ترحم أحدا.

تلك السيدة التي كانت في ذلك المنزل الجميل، هناك فوق الربوة بين الأشجار الخضراء والأزهار الجميلة، والتي كانت تهوى الأغراس إلى حد العشق. ففي المدة التي تلت وصولها بالإقامة، أصبحت حديث الجميع بالخصوص نساء وبنات الدوار. والفضل بالتأكيد يرجع إلى كل من رقية وفاطنة. لقد كانتا بمثابة مبعوثين رسمين للدوار لدى المقيمة. لقد تفننت كل واحد منهما في نقل محاسن امرأة التاجر في حديث مشوق. كانوا يسمون إيزابيل بالنصرانية امرأة التاجر. الكثير من النساء لم ترين عن قرب تلك الشقراء. منهن من خطفت مجرد نظرة، أو رأت فقط ملامح وجهها وهي تمر راكبة جنب زوجها في السيارة السوداء.. عيناناها زرقاوين وشعر أصهب، يقولون.

كانت تمر مع زوجها في الرونو السوداء، إما للذهاب والإياب من رحلة إلى أو من المدينة، وأحيانا إلى الشاطئ أو لزيارة احد الأصدقاء في مزرعة أخرى، كانت تظهر للعيان، بشوشة، تبتسم في وجه الناظرين. لكن دون كلام، دون حوار، إلا تلك النظرات المتبادلة بينها وبين الأهالي كان ذلك قبل أن تنخرط في التقرب أكثر فأكثر من الناس الذين بدءوا يزورونها في المستوصف من أجل التَّدَاوي. في الأول، هي التي أخذت المبادرة ببناية المستوصف قرب دوار أولاد العزة.

لوصف إيزابيل، لكل من رقية وفاطنة أسلوبها الخاص في إبراز تلك التفاصيل وذلك الجمال و تلك الطيبوبة. من أجل إرضاء فضولهن، كانت البعض من النساء ترددن حتى أدق التفاصيل المتعلقة بتلك الغريبة والتي أصبحت موضوع حديث القريب والبعيد.

عمل غوستاف على إنشاء مسبح خلف تلك الإقامة، فزاد ذلك المكان رونقا وبهاء. كان المسبح أحسن الأماكن بالنسبة لماري خصوصا أيام الصيف الحارة . كانت تتمتع بالاستجمام في مياهه الباردة أو اللعب تحت ظلال البوكانفيليا. فكانت دوما ولزوما أن تنتظر ماري أمها إيزابيل لتكون بجانبها خوفا عليها من التهور، لذا فإن إيزابيل كانت تستغل تلك الفرصة غالبا للسباحة .

تمر فاطنة بكل عفويتها البدوية بالقرب من المسبح، كانت ترتب بعض اللعب التي تركتها ماري بجانب المسبح، وتجمع أوراق الأشجار التي كانت تتناثر مع هبات الريح الخفيفة، أو تجفف الماء الذي يتطاير من المسبح. وتنادي عليها ماري بكل براءتها الطفولية.

—أمي فاطنة أمي فاطنة، "آجي عومي معايا"، تنادي ماري حينما كانت فاطنة تستشير إيزابيل التي كانت تسبح بالقرب من البنت.

تبتسم إيزابيل في وجه فاطنة، وتلك الابتسامة الساحرة تعجب كثيرا فاطنة ، تمد لها يدها كإشارة من إيزابيل التي كانت تتظاهر أنها تريد المساعدة من أجل الصعود من المسبح. بالطبع فإن المسبح كان مجهزا بسلّمين من معدن الكروم اللامع ، الأول في الجهة الشرقية والآخر في الجهة الغربية. وبكل جهدها حاولت فاطنة جر إيزابيل التي كانت تثاقل إلى الوراء. كانت خائفة من السقوط في الماء لأنها لا تعرف العوم، ومن جهة أخرى ستكون في موقف حرج وهي تبلل ثيابها وشعرها. كان المكان غارقا بعض الشيء، وكانت إيزابيل قد انتبهت إلى ذلك، فتحولت إلى جهة غير عميقة، وتمد يدها مرة ثانية لفاطنة.

—هذه المرة ستقدرين على جَرٍّي، سترين؛ حاولي لآخر مرة أرجوك، هيا تعالي فاطنة، تقول إيزابيل.

—لدي الكثير من الأشغال، أنت تعرفين ذلك سيدتي، تقول فاطنة محرجة.

من أجل تلبية الطلب، حاولت أمي فاطنة مرة ثانية. تمسكت بيد إيزابيل محاولة تنفيذ، المطلوب، لكن إيزابيل كانت تتظاهر متثاقلة رغبة في جر فاطنة إلى الماء...

—آه..آه يا ويلي...المرأة تصرخ مرعوبة...

ماري تضحك، إيزابيل تهدئ من هول فاطنة..وكم كان باردا ذلك الماء ...تحس فاطنة أخيرا بعدما هدئت بعض الشيء. لكنها لم تدر ما أصابها، وماذا ستفعل لكي تخرج من الماء وهي مبللة.. تهدئها إيزابيل وتضحك ، وماري كانت تصفق لها.

—في الحقيقة فإن ماري هي التي كانت صاحبة الفكرة، تقول إيزابيل التي كانت تعانق فاطنة لتهدئة غضبها ومساعدتها على الخروج من المسبح.

ضحكت البنت ماري، ضحكت إيزابيل. كان منظر أمي فاطنة يثير الشفقة والضحك في نفس الوقت. بصحتك يا أمي فاطنة، قالت لها ماري بكل براءة. لقد كانت تعرف بأن السيدة طيبة، ولم ترد إلا المزاح. لكن ذلك لم يرق لأمي فاطنة...على أية حال، كانت مناسبة ليأخذ أحد من الأهالي حقه في الاستجمام، وتجسد ذلك في فاطنة.. . بالرغم من الهلع الذي أصابها لحظة السقوط في المسبح على الأقل ضحك الجميع..وكانت فاطنة تحب الهزل..وكانت إيزابيل تعرف طبعا ذلك. (3)

للمياه مجاريها.

"وهل للماء ذاكرة؟

هو ذاكرتي أو بعضاً منها. ذاكرة جيلي الذي ينقرض الآن داخل البشاعة والسرعة المذهلة والصمت المطبق، ذنبه الوحيد أنه تعلم وتيقن أنه لا بديل عن النور سوى النور في زمن قاتم نزلت ظلمته على الصدور لتستأصل الذاكرة قبل أن تطمس العيون ".

واسيني الأعرج.

لا أحد ينكر بأن الماء هو الحياة! للأنهار مجاريها.. عيون من بين الصخور تفيض، روافد تتلاقى فيما بينها فتعطي نهرا عظيما، أنهار تسيل بين الجبال والهضاب والسهول.. تشق طريقها، تروي، تسقي، وفي النهاية تسلم أمرها إلى البحر أو تتيه أحيانا بين الرمال في الصحاري..

ماء رقراق في مسبح ذلك الوافد. ينعش الأجسام في الأوقات الحارة، وبعدها يفرغ مرة في الأسبوع لتعويضه بماء آخر. مسبح خاص أنشأه المستوطن غوستاف، كان ذلك من أجل إرضاء إيزابيل لكي يوفر لها البعض من الكماليات التي ستحرم من منها هناك بعيدا عن المدينة. لكن البنت ماري هي التي كانت تحب النزول إليه للسباحة في الأوقات الشديدة الحرارة، وكانت إيزابيل تهبط معها خوفا عليها من الغرق. وتكون البنت في أوج سعادتها وهي تستقبل صديقاتها بين الفينة والأخرى أيام العطل والمناسبات.

لكي يملأ المسبح بالماء، قام غوستاف بإحضار آلات حديثة ، محرك ومضخة، في نفس الوقت لملئ الخزان بالماء للشرب، الغسيل، سقي الأزهار والأشجار، والمسبح أيام الصيف الحارة.

في الوقت الذي كانت فيه أجساد أهل المستوطن تنتعش وتتمتع بمياه المسبح بالإقامة، كانت الأرض الموجودة على سفح الوادي في حاجة ماسة للماء، مزروعات تحتضر كلما اشتدت عليها حرارة الصيف. تلك المزروعات في غاية من الأهمية بالنسبة لذلك الفلاح البسيط، هادئ وقنوع، إنه سيدي علي والد رشيد. حقله عبارة عن بستان صغير، يتكون من بعض شجرات التين، رمان وكرمة عنب واحدة. ما بين الشجيرات يغرس أحواضا من الخضراوات حسب الفصول. في الصيف يزرع الطماطم ،الفلفل، "السلاوي" والبطيخ. في فصل الشتاء والربيع يزرع البصل، اليقطين، الجزر واللفت. هنا تسمى تلك البقعة المزروعة بالخضراوات المتنوعة، "البْحَيْرة". بين شجرات التين والزيتون، وتحت الدالية يستظل سيدي علي لأخذ أجل حيز من الراحة. بتأني كان سيدي علي يعمل مكابرا لزراعة الخضروات الموسمية في تلك البْحَيرة. هَمٌّ وحيد يلازمه طيلة أيام الصيف، فجلب الماء من النهر عمل شاق. فكلما اشتدت الحرارة مهما فعل فلن يعتق إلا القليل من الأغراس، بالأخص حينما تهب رياح الشرقي الشديدة الحرارة، وقد تستمر لأكثر من ثلاث أيام متتالية. تسمى بأيام "السمايم" خلال شهر غشت. تلك النباتات كباقي المخلوقات لن تتحمل أكثر من اللازم أشعة الشمس الحاقة لعروق. فتراه يمشي ويروح على عربته إلى ومن من النهر، لمسافة بعيدة وشاقة، والوسيلة كانت مجرد عربة وبغلة لا تكاد تتحمل المزيد.

سيدي علي، يلقبونه "الشريف"، هذا ما بقي في حوزته، الشرف. لقد استحوذ الأعيان الموالين للاستعمار على الأراضي التي كانت أراضي جماعية، مقابل استحواذ المستعمر على أخصب الأراضي. فالكثير من أبناء القبيلة فقدوا أراضيهم تحت ضغط القائد، فهاجروا إلى المدن المجاورة، للعمل في أي شيء.

في سن يقارب الستين، بقي سيدي علي متشبثا بالمكان، لم تغره أضواء المدينة. رجل هادئ الطباع له ارتباط كبير بذلك المكان، كان يقول بأنه لا يستطيع العيش في مكان آخر غيره. أجاد في تدبير مزروعات "البحيرة"، بستان، يخرج منه الخير والبركة، كان يقول. رجل حكيم معروف بتبصره. لم يغادر ولا يريد مغادرة المكان مهما كلفه الأمر. جل أوقاته، إما تراه منحيا لخدمة الأرض أو في جالسا تحت ظل شجرة الرمان أو الدالية للقيلولة، أو راكبا على عربته متوجها إلى القرية للتسوق وبيع خضرواته. رجل يحترمه الجميع، لا يبخل البتة على أحد، عند الزيارة من أجل البحث عن إصلاح البين،أو الاستشارة في أمر مستعصي، أو فض نزاع بين أفراد القبيلة أو بين أهله، كأخ مع أخيه أو زوج مع زوجته. وبحكم الجوار مع غوستاف، كان من الواجب عليه، أن يبادله التحية.

لسيدي عليّ قناعاته، كان بإمكانه أن يغتني كما اغتنى الآخرون. لكنه يعرف تمام المعرفة أن الغنى لا يأتي إلا من شح أو من حرام، هذا بالإضافة إلى أموال الريع بعد انبطاح كلي أو جزئي. فهناك من اغتنى بسبب ذلك، بدون مجهود يذكر ولا فائدة قدمها للبلد. كان التقرب من الوافدين والغدر بالأصحاب بالتبليغ عنهم للعدو إحدى تلك المصادر للاغتناء بالحصول على الامتيازات وحتى جزء من السلطة اتجاه الأهالي. أما سيدي على فكان عكس ذلك، لم يتطلع إلى شيء من ذلك القبيل. لم يفكر أبدا أن يهاجر خارج القبيلة اتجاه المدينة، حيث هناك الكسب الوفير بالعمل أو التجارة. كان بإمكانه أن يفعل كما فعل الآخرون،يسكن في برّاكَة في الكاريان...

طالما راودته تلك فكرة، التي يبدو أنها تتمثل في طلب بسيط، لكن نتيجتها من شأنها أن تخلف خيرا كثيرا. وسيكون لها، لا محالة، وقع كبير على مستوى معيشة سيدي علي وأسرته الصغيرة، هذا بالإضافة أنه كان يفكر كثيرا في مستقبل ولده الصغير رشيد، حيث أنه سيواجه مصاريف زائدة لمتابعة مشواره الدراسي. و ستزداد التكاليف حينما ينتقل إلى المدينة لمتابعة الدراسة الثانوية.. إنه مجرد طلب بسيط، لكن ذلك كان يتعلق حتما بموافقة التاجر غوستاف. والموضوع الهامّ ، لا يعدو أن يكون مجرد تحويل مجرى مياه . لقد كان سيدي يرى بأنه من العار أن تضيع تلك المياه التي تتدفق بين الحين والآخر من فوق ولن تحتاج للضخ فالمنحدر كفيل بذلك. إنها مياه كثيرة وتذهب هكذا هباء؛ مياه مصدرها جوف الأرض عمل غوستاف بجهد على إخراجها من الأعماق، لقد كان يمتلك التقنية الغربية وبها كان يتميز. فتلك التقنية التي أحضرها الوافدون والتي طالما وصفها بعض الأسلاف سامحهم الله من أعمال الشيطان ! فمن العبث ترك تلك الكمية من الماء تضيع، في الوقت الذي يكون فيه حقله في أمس الحاجة إلى تلك المياه، وقد أضناه تعب استسقاء الماء من النهر البعيد. عمل يومين أو ثلاث بمساعدة الأبناء، سيكون كافيا لتحويل المجرى في اتجاه البستان. هكذا كان سيدي علي يريد أن يقنع نفسه (في البداية كان يرفض أن تسقى مزروعاته من مجاري النصارى) وقد تكون حاملة معها القدورات، ولا يريد أن تدنس مزروعاته بذلك. كان ذلك في البداية، ربما من أجل إقناع نفسه بعدم جدوى الفكرة، لأنه كان يعرف أن تلك القاذورات لم تمر أبدا من هناك، لقد كانت حقا مياه صالحة لري تلك الخضراوات التي تذبل أوراقها وجذورها المتعطشة من شدة الحر.

كان غوستاف يمر في جولته المسائية حاملا بندقيته كالعادة للبحث عن طريدة. لقد كان الوحيش متوفرا هنا في تلك المحمية. ففي أول الأمر كانت عملية استعراضه بالبندقية وسيلة للفت الانتباه ليس إلا، كرسالة مفادها الرصاص لكل من سولت له نفسه الاعتداء على حرمته.

—مساء الخير سيدي علي.

كانت تلك تحية غوستاف وهو يمر على بعد أمتار قليلة قرب سيدي علي.

—مساء الخير كيف حالك، مسيو غوستاف، يرد سيدي علي.

حينها كان يتردد في إلقاء طلبه.

—قل لأبنائك أن يلتحقوا بالمزرعة من أجل العمل، يقول غوستاف.

لكن سيدي علي كان يريد شيئا آخر غير ذلك. لكنه يتردد كثيرا في طرح الطلب. كان قد رتب مسبقا في ذاكرته بعض العبارات : " مسيو غوستاف... أريد تحويل مجرى الماء المتدفق من فوق، أريد أن أغير مجراه إلى "البحيرة. كما ترى الخضراوات تموت ...الصيف جد حار هذه السنة والحرارة تكاد تجهز على ما تبقى..."، هذا ما سيقوله سيدي علي.

لكن سيدي علي تردد كثيرا في تلك اللحظة بالذات. ربما كان خائفا من عبارات الرفض التي لن يتحملها. فهو لا يريد أن يقع في وضع حرج مع الجار، جار ليس مثل الجيران، رجل براني وله سلطة ونفود. بالطبع، فلكل واحد كرامته، ولو كان الأمر الواقع يعطي الوافد في مرتبة أعلى في اللحظة الراهنة. قبل لحظات يقترح عليه إرسال الأبناء إلى المزرعة، وكان بنبرة تدل على نوع من الاحترام والتقدير لسيدي علي الذي أنحبس سؤاله في حلقه... ربما سيترك ذلك إلى فرصة أخرى، كان يقول لنفسه. لكن من أجل تلك المزروعات، تخرج الكلمات تباعا.. فكان القبول، حيث رحب الوافد بالفكرة ، قال:

—بسيطة، لماذا لم تقل ذلك من قبل؟

—كنت أخشى أن أفسد الطريق، كما تعرف يتعين شق الطريق ولا أريد إزعاجك، يقول سيدي علي.

وفي الغد قام الوافد بإرسال عاملين من أجل فتح ممر للمياه المتدفقة في اتجاه حقل سيدي علي(البحيرة). فعلا قاموا بشق الطريق المؤدية إلى الإقامة، وضعوا أنبوبا إسمنتيا ودكوا عليه التراب.

لحظات قبل تفريغ مياه المسبح، كان سيدي علي يهيئ المسالك لجريان الماء نحو المزروعات والأشجار. وخلال أسابيع ظهرت النتيجة، لقد كانت هائلة.

سيدي علي، الرجل الذي يظل "بالبْحَيْرة" منكبا على رعاية المزروعات كان يجد متعته في هذا المكان، لا يفارقه طول النهار إلا حين يذهب إلى السوق، أو إلى القرية. فتلك فرصة يأخذ فيها نفسه بتغيير الجو ويبيع ما نضج من خضر ثم التبضع من الدكان بجانب الطاحونة، والرجوع هادئ البال إلى حال سبيله..

كلما انتهى سيدي علي من قضاء أغراضه في القرية، فلا مندوحة من اقتناء قطع من الحلوى للولد. كان رشيد آخر العنقود، أصغر أبناء سيدي علي. ولد في عمر الزهور، يتمتع بحسن الملامح والفطنة، له مكان كبير في قلب سيدي علي، يتمنى له مستقبلا زاهرا، يحز في نفسه أن يراه يعيش كالآخرين حياة الجهل والفقر. فكان يتطلع أن يرى ابنه يعيش بكرامة وعزة نفس بعيدا عن هذا الدوار الذي لن يجلب له غير الفقر والجهل. لكن كيف الوصول إلى تلك الغاية؟ الظروف المادية لا تساعد سيدي علي، لذا ارتأى أن يضاعف جهوده، خصوصا بعد تحقيق تغيير مجرى الماء بمساعدة الوافد.

على أية حال، فإن الأمل في الله، ولابد من فعل الأسباب، وهذا ما كان يقوله سيدي علي لمواجهة الصعاب.

كلما كان يرى أباه راجعا من القرية كان يجري لملاقاته، يقبل يده ثم يمتطي العربة بجواره، يدخل سيدي على يده في جيبه ويمد قطع حلويات ، يسمى"فَنِيدْ المكَانة"، هذا ما كانت تجود به عليهم التقنية.كان رشيد كباقي الاطفال يحب كثيرا تلك الحلوى العجيبة. فهي عبارة عن حلوى مرسوم عليها ساعة، وبالدارجة نقول للساعة اليدوية أو الحائطية المغانة (Magana ). لا أحد حينها يعلم بأن تلك الكلمة لها حكاية، فالمكانة ساعة مائية تم إنشاؤها بمدينة فاس بالمغرب، ويعود تاريخها إلى القرن الربع عشر الميلادي، كانت توجد بمكان يسمى "الطلعة الكبيرة" وسط ديكور من الخشب والجبس المنقوش. وظلت تلك الساعة صامتة بعد أن أصابها ا إهمال والنسيان لمدة خمس قرون،وذلك قبل أن يكتشفها علماء الآثار سرها يوم الخميس منذ عشرة سنوات. لقد ذكرها المؤرخ الجزنائي في عام 1366 ميلادية، وصف مجموعة الطاسات من النحاس الأصفر، وفي كل ساعة زمنية تسقط كرة حديدية في إحدى تلك الطاسات. وتتكون واجهة تلك الساعة التي تطل على طريق المارة من ثلاثة عشر صحنا محمولة على أطراف عارضات من خشب الأرز منقوشة وبارزة مزينة بنقوش مكتوبة مشابهة للنقوش التي تزين فناء المدرسة البوعنانية . وكان تتخللها سلسلة من ثلاث عشرة نافذة. تستقبل كل طاسة كرة معدنية تسقط مربوطة بخيط يمر عبر الثقب الموجود في العارضة الحاملة للطاسات. كان هذا الخيط المتصل بالكتلة يحرك بكل تأكيد بآلية تقنية كانت موجودة في الخلف والتي للأسف لم يبق منها شيء يذكر. كانت هذه التقنية تعتمد على مبدأ الجسم الطافي الذي يسمح بانسياب كمية الماء المناسبة بانتظام. وكان هذا الانسياب في الإناء هو الذي يحدد الحركة الملائمة لكمية الماء، لكن انسياب الماء كان يجب أن يكون متغيرا حسب طبيعة وحدة القياس المستعملة: ساعات زمنية أو ساعات وقتية.

فإذا كان الأمر يتعلق بالنسبة لهذه الآلة بوحدة قياس ساعة وقتية، الشيء الذي يبدو أكثر احتمالا، فإن سرعة الانسياب يجب أن ترتبط بطول الأيام، أي بالتقسيمات الاثنتي عشرة التي تسجل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وهذا ما يدل على أن آلية هذه الساعة كانت تضم آلة تحكم تنظم سرعة انسياب الماء. فإذا كانت تلك الساعة قد توقفت منذ ذلك العهد، فإن الزمن لم يتوقف، قد تتغير الأجيال لكن العقليات ليس كذلك. من جيل إلى جيل المفروض أن تتطور تلك العقليات وليس التقهقر إلى الوراء.أسمحوا لي لقد استرسلت في الحديث عن المغانة، فلنعد إلى حيث كنا...

لكن يا ترى، لماذا تطور الآخرون، وبقينا نحن نتفرج. لماذا جاء الوافد إلى هنا؟ وكيف تمكن من إحياء تلك الأرض بعد مماتها بفضل تلك الآلات والمزروعات الجديدة التي أبهرت الأهالي؟ هي أسئلة كثيرة كانت تتردد في عقل سيدي علي. له رأي في بخصوص المستقبل، مستقبل الدوار والبلدة وبالخصوص مستقبل الولد. لا بد من نجدته، هكذا كان يقول في نفسه. فمتاعب البادية في حقول الغير، مصير إخوته من قبله، لذا كان يتعين التفكير في الحل: تسجيل الولد في فيما يسميه الأهالي "السكويلة"، المدرسة.

قبل السكويلة، كان لا بد من الذهاب إلى المسيد. وبالفعل أصر الوالد على ذهاب رشيد إلى الجامع. فحفظ الولد جزءا من القرآن في مدة أدهشت الفقيه، وكانت تلك إشارة إلى أن الولد سيكون له شان لو تابع الدراسة في السكويلة .

***

تحت ظل شجرة الطلح السامقة كانا يتأملان ذلك المنظر الرائع. منظر قد يثير بروعته كل غريب عن المكان. أما ابن البلد، فقد لا يبهره ذلك بتاتا، والسبب يعدو كونه أصبح فضاء عاديا بالنسبة إليه. وربما قد يشد ذلك انتباه ابن البلد الذي سافر بعيدا ولمدة طويلة، قد يدهشه من جديد ذلك المشهد الطبيعي الأخّاذ. بكثرة ما شاهده، لم يعد ذلك المنظر غريبا على رشيد، بحكم أنه قضى أيام طفولته في ربوع ذلك المكان. في الوقت الذي كان ابنه سامي يستمتع بالمنظر متتبعا حركات الطيور ومجرى النهر الذي تلوح تعرجاته مابين الفجاج، كان رشيد يسترجع بما قد تجود عليه الذاكرة حتى يحكي له الماضي.

فكثيرا ما وعد سامي بأن يحكي له الحكايات عن هذا المكان وهما بعيدين عن المكان في بلاد المهجر. لكن، ها هو اليوم بأم عينيه يشاهد ذلك المكان والمنظر، فمهما حكى له عنها، لن يتصورها كما هي مباشرة الآن أمام عينيه. أما فيما يخص تفاصيل مجريات الحكاية فكما تعهد، فكان على أتم الاستعداد للشروع في سرد تفاصيلها. وبعدما اتضحت أمامه صور الأمكنة، فالولد من جهته بدا على استعداد أيضا لتتبع فصول تلك الحكاية.

—فهذا هو المكان الذي طالما حدّثْكَ عنه، يا سامي، يقول رشيد ابن سيدي علي للولد.

—أسمعك يا بابا، إنه منظر جميل، يرد الولد( كان يكلمه باللغة الفرنسية حيث كانا يتواصلان بها بكل سلاسة، اما اللغة الدارجة فكان سامي يتلعثم حينما يتكلم بها) .

يخترق المكان نهر تجري مياهه بين السهول والتلال. على ضفتيه تتوارى أحزمة خضراء، غالبيتها أشجار تين ورمان والقصب،أما أشجار الخروع فكانت تتباهى بأزهارها الزرقاء والدفلى بأزهارها الوردية ما بين الصخور والحصى. منازل متواضعة متناثرة هنا وهناك، أطياف مخلوقات تتحرك، لعلها أشخاص وماشية. فكان الولد متلهفا لسماع كل الحكاية في لحظة واحدة. قال له الوالد:

"لا تستعجل يا بني، إني أحاول استرجاع الذكريات، لكن يا ولدي، قبل أن نبدأ الحكاية يجب أن أذكرك بأمور من شأنها أن تجعلك تتحملني وتصبر على ارتجالي . ومن جهة أخرى، أرجوك أن تعذرني إن نسيت أو تناسيت أمور بعض التفاصيل في هذه الحكاية. كل ما سأرويه لك فهو ليس من باب الخيال، بل هي وقائع وأحداث، فالفعل قدجرت في هذا المكان. أما كل ما خرج عن هذا السياق، فستأتي اللحظة المناسبة لروايته ولعلك ستعرفه بنفسك وحدسك حينما تكبر أو سيأتي من يحكي لك بطريقته وأتمنى ان يكون صادقا في ذلك. وأيضا أذكرك يا بني، فهناك أشياء لا يمكن لي أن أرويها لك أنت بالذات، بحكم الأبوة والحشمة. فهي أشياء قد يتطلع لها الكثير من القراء طبعا ومن شأنها أن تشد انتباههم إلى آخر هذه الحكاية.

اعذرني كذلك يا ابني إن سمعت أشياء لن تروقك، أكيد أنك سترغب أن تسمع أخبارا سارّة عن أسلافك. فهذا من حقك. نعم،من حقك أن تتمنى بأن يكون أسلافك من علية القوم، وذلك حتى تفتخر بهم بين أقرانك. لكن أطمئن يا ولدي، اطمئن.. لقد كان أجدادك يتصفون بالصبر والكرم وغير ذلك من الصفات الحميدة. ولعل هذا قد يكون كافيا، حتى تشعر بالافتخار.. لكن يبدو أنه مهما عددت لك الأسباب، ومهما ذكرت من التبريرات التي بسببها فرط أجدادك في تلك الأرض، فلن تصدق ما سأقوله. باستثناء، إذا تابعت تفاصيل هذه الحكاية...وهكذا سترسل رشيد ولد سيدي علي في الحكي الى أن أطلع تنهيدة من أعماقه وهو يقول:

إن المكان الذي هو أمامك يا ولدي ، وتلك الأرض عطف الوادي، كانت ولا زالت تسمى ببلاد أولاد العزة. كانت أرض أجدادك قبل أن تصادر من طرف "أصحاب الوقت". تلك الأحزمة الخضراء التي ترى والتي لا زال البعض منها هناك كانت جنانا من التين الرمان. كان جدك هو الذي قام بغرس تلك الاشجار ورعايتها. من بعيد، كنت تسمع مع طلوع الفجر طنين الأسطال وهي تغرف الماء من الوادي لسقي تلك الأغراس قبل أن تصبح أشجارا مثمرة تسر الناظر وتشبع الجوعان. تأكد يا بني بأن كان كل عابر سبيل يمرمن هناك واشتهى الباكور أو الرمان كان يجد مبتغاه، وتذكر يا بني وبدون مقابل "فَابورْ"()، كانت كلمة" الله يرحم الوالدين تكفي". أما الآن فلا تعطي فابور غير العقرب كما يقول المثل.

—"أصحاب الحال" من يكونون يا أبتي؟ كان الولد قد كتبها بين قوسين، وانتظر أن يصمت الوالد ليأخذ نفسه من أجل طرح السؤال.

—لا تتسرع يا ولدي، "أصحاب الحال" سيتأتى الوقت لمعرفتهم. ولعل ذلك سيكون من خلال هذه الحكاية إذا استطعت أن تصبر حتى النهاية.

ذلك النهر يا ولدي ما يزال- ويعلم الله منذ متى- يسيل في مجراه. وها هو ما زال يسيل بتلك المياه البلورية، فتارة تمتزج بالطمي أيام الفيضانات بعد هطول الأمطار، وأحيانا يفيض النهر من جراء عواصف رعدية في جبال الأطلس فتنجرف بلون التراب. وأما في نهاية فصل الربيع فتذوب الثلوج ، يفيض النهر بمياه صافية تنساب عبر المجاري بين الوديان والهضاب والسهول من تلك الجبال العالية نحو البحر قاطعة مئات الكيلومترات. تمر لتطفئ بحنان عطش الإنسان والحيوان، وتروي النباتات على ضفتيه اليمنى كاليسرى. الأسماك تداعب مياهه بزعانفها وكأنها تشكره امتنانا وتدعو له بالخير والدوام. لكن أحيانا فذلك النهر يبدو أشد عنفا وعنفوانا، يتغير لونه، يصبح داكنا وكأنه وحش عملاق يحبو غاضبا في اتجاه المجهول. لكن ذلك النهر لا يؤدي يا سادة كل من ابتعد عن مجراه؛ يكفي الابتعاد منه خلال فوران غضبه، التأمل في جريان مياهه بين الأجراف لترى المياه الجارفة تحمل معها كل شيء في طريقها نحو مصب النهر في ذلك المحيط الواسع بلا حدود الذي يتحمل كل ذلك ويطلبالمزيد، يستقبله بتأني فيهدئه من فورة غضبه وكأنه لا شيء أمام ذلك البحر.

قبل أن يشيد ذلك السد وتلك القنطرة التي تراها أمامك، والتي منها مررنا ونحن قادمين لزيارة الاهل بدوار اولاد العزة. لقد كان من المستحيل أن نقطع إلى الضفة الأخرى خلال فيضان النهر، وكنا نسمعهم يقولون حينما يفيض النهر: ( الواد حامل احذروا). كانت المياه تسيل بعنفوان من فوق الرتج الحديدي الضخم والسد الأسمنتي، متحدية تلك كل الحواجز الكبيرة إلى أن يتعانق النهر مع البحر..

كما قال ادريس الشرايبي وهو يحكي- بلغة موليير- ذلك المشهد على ساحل البحر، حيث وقف عقبة ابن نافع قادما من الحجاز، توقف لأنه لم يجد ممرا ليتابع فتوحاته الإسلامية في بلاد افريقية، ومن فوق حصانه العربي الأدهم، والماء يصل إلى حد صدر الحصان، فيغرف القائد عقبة الماء ويتوضأ وهو راكب ... بترو، وفي صمت مطبق على عزف الأمواج على الشاطئ.. بالماء المالح يرش وجهه، رأسه، ثلاث مرات. ويقول ثلاث مرات: " الله...الله...الله أكبر" ثم يدير عينيه نحو المد الصاعد، ويتوجه نحو الذي جعله يتحرك من أرض الحجاز:

— يا رب الأراضين، البحر والبشر، اللهم اشهد: فهذه هي نهاية الأرض، المجد لك! المُلك رجع لك كما كان في الأصل. ها هو من جديد يمتد من الشرق حيث خلقتني على دين الإسلام إلى غاية هذا المغرب ومنه أدعو اسمك العظيم، المجد لك! أنا لست سوى واحدا من عبادك، لكن اشهد يا ألله: فليس بمقدوري أن أتقدم إلى الأمام. لو وجدت ممرا لما توقفت، ولكنت تابعت طريقي لغزو البحر...

وكان أولياء أمورنا يخافون على علينا من النهر. فكانوا ينصحوننا على الدوام بالأخص حينما تشتد السيول العارمة بعد العواصف الرعدية، فيقولون:" احذروا الواد وأصحاب الحال".

يقول جبران خليل جبران:" الإنسانية نهر من النور يسير من أودية الأزل إلى بحر الأبد".

ويقول علي بن أبي طالب:" العلم نهر، والحكمة بحر، والعلماء حول النهر يطوفون والحكماء وسط البحر يغوصون" وانا أذكر النهر والبحر تذكرت تلك القضية تم النصب فيها على الآلاف من الشأن المغاربة، كانوا يبحثون عن شغل بغية تحقيق مستقبلهم وعيش كريم. لقد تم النصب عليهم بطريقة شيطانية. أوهموا المسؤولين بأنهم يحتاجون ليد عاملة على البواخر السياحية، فتم إشاعة الخبر، فهرع الآلاف من الشبان للتسجيل حيث فرضت عليهم مصاريف بطرق احتيالية. جمع المحتالون الملايين ولم يتركوا من ورائهم أثرا غير خيبة الأمل التي يتخبط فيها الشبان الحالمين، والشماتة التي ألمت بالمسؤولين.. ذهب الأمل وبقيت الشماتة تنخر القلوب، ووضع أصحاب الحال رأسهم في الرمال، كالنعام، في انتظار مرور عاصفة الشماتة.

في الأوقات العادية، في أواخر فصلي الربيع والصيف بالأخص، تصبح المجاري صافية وهادئة.

على ضفافه كانت طفولتي يا ولدي. تعلمت العوم صغيرا، بدون معلم سباحة. نظل نلهو على ضفته الشمالية. تختلف الأماكن على ضفاف النهر. فهناك أماكن غارقة لا يقربها إلا الكبار والمحترفين في العوم. أما الصغار فهناك أماكن غير غارقة إلى حد الصرة كانت مناسبة ليتعلم فيها الصغار. ومع التقدم في السن كنا نتقدم شيئا فشيئا نحو الأماكن الغارقة التي مع مرور السنوات بدأنا نخالط فيها الكبار. فكنا نغوص في الأعماق كالإوز، في تلك المياه الباردة، نسبح، نغطس، ونلهو إلى أن نحس تلقائيا بأن أجسامنا في حاجة إلى الراحة والقليل من الدفء. حينما نحس بالجوع، فناذرا ما نترك اللهو والأصدقاء، لقد كانت على الضفة الأخرى أشجار التين والصبار التي لا تبخل علينا بالثمار. أما إذا أردنا السمك، فكان ذلك يحتاج فقط للقليل من الصبر، خيط وصنارة، فنصطاد ما يكفي لوجبة الشواء. الحطب هناك كان في المتناول، والأسماك كذلك. وكثيرا ما كنا نقوم بذلك بمجرد التسلية ليس إلا. كانت مياه أم الربيع تسيل بسخاء، صافية، عذبة إلى درجة أنك ترى الأسماك كأنها في أكواريوم تبحث عن رزقها مطمئنة البال، فكانت كلما دنت من صفحة الماء ينعكس طيفها بقوام رشيق كالحورية بحراشفها البراقة . كلما كانت المياه هادئة كانت الأسماك الصغيرة في مجموعات تطفو بنصف رأسها وتسبح، كانت تلك الأصناف جميلة المنظر، و لذيذة المذاق، لكنها كانت منيعة جدا، فلا يمكنك اصطيادها بالصنارة. كانت الشباك هي الوسيلة الوحيدة لاصطيادها. كانت لا تهتم بتاتا بالطعم في الصنارة. وكانت هناك اسماك نهمة، يكفي أن ترمي لها الطعم لتلتهمه فتعلق بسهولة. وكلما كانت الأسماك كبيرة فأكيد أنها لن تترك في يدك إلا القصبة. تلك الأسماك الكبيرة كانت من أختصاص الكبار، قد يتجاوز وزنها العشر كيلو. أما سمك الشابل فلم يبق منه إلا الاسم في هذا النهر، انقرض بسبب الإهمال والعبث بالمجاري. كانت تصل إلى حد هناك آتية من البحر، تتحدى التيارات القوية للبحث عن مكان آمن لكي تضع بيضها. كانت تعمل ذلك بفطرتها لكي تحافظ على نسلها، لكن تدخل الإنسان في مجرى النهر حرمها من أن تتابع العمل على ما فطرت عليه. فقام بالحواجز من البحث عن المنفعة دون أن ينتبه إلى انه ساهم في انقراض سمك الشابل في هدا المكان. كان الوالد من هواة صيد الشابل. كانت العملية تتطلب الجهد والشجاعة والصبر للظفر بتل الأسماك الناذرة. يصل وزن الواحدة أكثر من الكيلوغرامين، جميلة المنظر وشهية المذاق. فيها أشواك حادة في لحمها اللذيذ، لذا يتطلب طهيها مدة طويلة تصل إلى اثنتا عشرة ساعة على الجمر، كانت تطبخ في قدر من الفخار أو الطاجين. ويصعب وصف مذاق لحمها اللذيذ. كان الوالد يرتب لعملية الصيد طويلا وينتظر المناسبة، كان يترقب مجرى النهر الذي يكون فائضا لعدة أيام قد تتجاوز عدة أسابيع. وكلما تهيأ النهر ليعود إلى هدوئه ، كان يعرف أن الشابل سيصل لا محالة في بداية فصل الربيع. كانت العملية تتم في الليل، تكون الأجواء جد باردة ويتعين قطع النهر عوما لإيصال طرف الشباك إلى الضفة الأخرى. ويبدأ الانتظار بعد إشعال نار لتدفئ الجسد المتجمد في مكان بعيد عن الِّشباك.

أتذكر القِدر الموضوع على النار الذي تعده الوالدة، تضع ما يحتمل القدر من الشابل وتتركه يطهو على مهل على النار. تمر عليه بين الفينة والأخرى لكي تراقبه وتبلله لكي لا يحترق، في الغد يكون غداء "الحوت" وما أدراك ما الحوت...حكمة يقولها الصينيون عن السمك، هل تعرفها يا سامي؟

—نعم يا أبي:" لا تعطيني سمكة بل علمني كيف اصطادها".

إذا نظرت جانبا إلى اليمين سترى السد والقنطرة، ولتلك القنطرة حكايات يا ولدي. كثيرا ما مررت من هناك الآلاف من المرات أروح صباحا وأعود مساء. لو لم تكن تلك القنطرة لتعذر علينا الذهاب إلى الضفة الأخرى أيام فيضان النهر. كان علينا أن نمر من هناك لنصل إلى المدرسة القابعة على الضفة الأخرى. بعد انطلاق الدراسة، القليل من أقراني من ساعدهم الحظ للذهاب الى المدرسة. فالكثير من الأهالي كانوا يفضلون أن يبقى الأبناء لرعي الأبقار والغنم بدل الذهاب إلى الدراسة، المدرسة كنت تعتبر للبعض عن اقتناع أو دونه مضيعة للوقت. والبعض الآخر كان يقولون بأن تعلم لغة النصارى حرام. لقد شيدت تلك القنطرة للمرور، السد من أجل تعبئة المياه، وشيدت المدرسة بالقرب من تلك القنطرة والسد، ثلاث أقسام من أحسن طراز. كانت مجهزة بالماء والكهرباء كمنازل العمال، وأيضا منزل "الشاف "(رئيس العمال) الفرنساوي. كان حينها وجود مدرسة عصرية في البادية يعتبر شيئا ناذرا. أما هذه المدرسة بالقرب من القنطرة، فكانت تتوفر على الكهرباء، الماء، المراحيض وأيضا على قاعة للاستراحة وللوقاية من حر الشمس والأمطار. أنشئت تلك المدرسة بالضرورة من أجل أبناء العمال. بالقرب من السد معامل، واحد لتوليد الكهرباء يوجد وراء الجبل،آخر لضخ المياه النهر قرب القنطرة وآخر على بعد كيلومترين للتصفية ثم اضخ نحو المدينة التي تبعد بحوالي ثمانين كيلومتر. بالطبع فمن أجل كل ذلك كان يتعين شق الطريق وتعبيدها لمرورو تلك الآلات العجيبة التي تنقل البشر والسلع . كانوا يسمونها المنجورة ( لاروت)كما يقول الوافدون .

للذهاب إلى المدرسة التي يسمونها السكويلة كان أبناء العمال يركبون الحافلة أو الرونو( كنا نطلق على تلك الحافلة الصغيرة اسم الرونو) . أما أبناء الفلاحين فيذهبون على الأقدام، كان البعض منهم من يقطع أكثر من خمس كيلومترات للوصول. وكان أبناء العمال يلبسون لباسا أنيقا؛ أما أبناء الفلاحين فكانوا يرتدون ما وجد، ويظلون في المدرسة إلى غاية المساء عكس أبناء العمال الذين يروحون للغداء ثم يرجعون راكبين. ورغم ذلك فأمر هؤلاء الأطفال المساكين لعجيب حقا، لقد كانوا يحتلون المراتب الأولى في الدراسة ! وكان رشيد من أحسنهم.