(5)
لالَّة ..وسيدي
لماذا كل النساء تنادين عليها "لالّة" مَنَّانة، وجميع الرجال ينادون عليه "سيدي" علي؟ أكيد أن ذلك بمثابة تعبير على مدى الاحترام والتقدير الذي يكنه هؤلاء الناس لكل من سيدي علي وزوجته لالة منانة. فأهل الدوار بالطبع ناس طيبون، كلهم يحبون عائلة الشريف سيدي علي، فهو طبعا سليل أشراف قدموا من الجزيرة العربية، فواجب التشريف ذلك ليس فقط بكون سيدي علي من أهل زاوية أولاد العزة، بل أيضا تقديرا للأخلاق العالية التي يتحلى بها أهل سيدي علي، وأيضا لمكانة زوجته لالّة منانة المرأة الطيبة.
منذ سنوات خلت وهم يقومون بشؤون الزاوية أبا عن جد. فتلك الزاوية كانت مكانا رحبا لاستقبال طلاب العلم بتوفير المأوى والمأكل، وتقدم الخدمات بدون مقابل لكل عابر سبيل.
إن الزاوية مؤسسة تشعبت البحوث حول تحديد مفهومها وتاريخ نشأتها. فلا اختلاف بين المهتمين فيما يتعلق بالوظائف التي مارستها الزوايا منذ القديم، والتي ما يزال البعض منها تمارس تلك الوظائف إلى يومنا هذا. فالزواية من جهة مؤسسة دينية تمارس فيها العبادات من صلاة وتلاوة القرآن والأذكار واعتكاف، وهي أيضا مدرسة للعلوم، فهناك تلازم إذن وترابط وثيق بين الزاوية ووظيفتها الدينية والعلمية، إذ تنطلق من تربية روحية ومعرفية في آن واحد وتستهدف في المريد أن يقوي إيمانه بالله تعالى ويتعلم شرع الله. إن الزاوية لم تفصل بين رسالتها الدينية ومهمتها العلمية، بل جعلت من المهتمين معا صورة واحدة للإسلام الصحيح الذي لا يقبل التجزيء أو الفصل بين الإيمان والعلم والعمل.
تُدرَّس في الزاوية العلوم مع حفظ القرآن الكريم والحديث والفقه وأصوله. وقد خلفت الزوايا في هذا المجال العديد من الكتب والمؤلفات. هذا مع الإشارة إلى الجانب الاجتماعي الذي تقوم به الزاوية. واشتهرت الزاوايا أيضا بإسهاماتها الكبيرة في مجال التكافل الاجتماعي كالمساعدة على الإيواء وإطعام الطعام، بمعنى أنها كانت تلعب دور المجتمع المدني في المجال الاجتماعي بحيث يقوم الصوفي أيضا دوره البارز في التصدق على المحتاجين بتوزيع ما يحتاجه الفقراء من المأكل والمشرب.أما في الوقت الحاضر، فقد طرأ تطور في دور الزاوية من الناحية الاجتماعية، فلم يعد يقتصر على إطعام الطعام وإيواء المحتاجين بل تعدت إلى توفير كل ما يحتاجه الإنسان الفقير من لوازم مدرسية عند الدخول المدرسي وتقديم دروس التقوية والدعم إضافة إلى إلقاء دروس في المجال الديني والاجتماعي إلى غير ذلك من الأعمال التي من شأنها أن تساعد الفرد والجماعة في الحياة اليومية. ومن جهة أخرى فالزاوية إلى جانب كونها عبارة عن مدارس تربوية وأخلاقية وتثقيفية فقد كانت أحيانا بمثابة حصون عسكرية تعمل على التسلح من أجل الجهاد في سبيل الله من الناحية العسكرية وكذلك تسليح المجاهد من الناحية النفسية. و من أهم وظائف الزاوية أيضا قيامها بدور التحكيم للفصل في مشاكل الأفراد والجماعات المحيطة بها، نظرا لما يرمز إليه شيخ الزاوية من تجسيد للحقيقة والحق والعدالة الدنيوية والأخروية. ويتدرج عمل شيخ الزاوية في هذا المجال من التوسط لتحقيق الصلح بين الأفراد إلى دور التوسط بين القبائل لحل مشاكلهم مع بعضهم البعض أو بين بعضهم مع ممثلي السلطة. وفي بعض الحالات يتدخل شيخ الزاوية لتحقيق الصلح بين المتنازعين على السلطة، فهو بذلك بشكل عامل استقرار وأمن لأنه يطفئ نار الفتن والحروب الأهلية ويحقن الدماء ويؤلف بين القلوب المتنافرة والاتجاهات المتصارعة .
***
إنها بشهادة أهل دوار أولاد العزة لسيدة طيبة وكريمة. فناذرا ما كانت تخرج من البيت. إنها لالة منانة. فمنذ الصباح الباكر، فأول من تصحو هي لالة منانة، وآخر من تنام في الليل هي لالّة منانة. مع طلوع الفجر، تتوضأ للصلاة، بعدها توقظ سيدي علي، ومباشرة تتجه نحو الكشينة لتهيئ الفطور. بعد أكل ما تيسر، يُعَيِّن سيدي علي لكل فرد من أبنائه مهامه. فمهما كانت بسيطة تلك الأعمال، إلا أنها مع ذلك تبدو أنها ضرورية لتيسير الحياة هناك في البادية.
تنهمك للا منانة في أشغال البيت، تنظيف، غزل الصوف، إعداد الغداء وغير ذلك من الأشغال المنزلية. فبعد حلب البقرات تقوم بمساعدة بوشعيب الولد البكر في تمرير القطيع نحو المرعى في اتجاه الشعاب. يذهب رشيد إلى الجامع، ويقصد سيدي علي البستان بعد ترتيب معداته فوق العربة، هذا إذا لم يتجه إلى النهر لجلب الماء أو إلى السوق الأسبوعي كل يوم اثنين.
بعد أن يذهب كل واحد من أفراد الأسرة إلى حال سبيله، تبقى لالّة منانة لوحدها. فأشغال البيت لا تنتهي حتى حلول الليل، موعد لقاء كل أفراد الأسرة..تلك الليلة، بعد وجبة العشاء كانوا مجتمعين حول صينية شاي. كانت لالة منانة هي التي "تعمر"، فجلسة الشاي تلك لها طبعا طقوسها، ومع تلك الجلسة يحلو الحديث. الحديث بين لالة منانة وسيدي علي، ومع الأولاد أحيانا. فإذا لم يكن حول مستجدات أخبار الدوار، قد يدور حول البهائم والزرع والمراعي أو عن أحوال الطقس. فكثيرا ما يستعطف رشيد كعادته والدته أو والده سيدي علي من أجل إعادة إحدى الحكايات، كحكاة احديدان الحرامي أو حكاية طولا، التي سمعها لعدة مرات من طرف لالة منانة، وأحيانا أخرى على لسان سيدي علي. لكل واحد منهما طريقة خاصة في الحكي. وكان رشيد يفضل رواية أمي منانة، لأنها كانت ترويها بشكل رائع وممتع...
كان يا ما كان، في قديم الزمان، في قرية بعيدة، فتاة تدعى طولاَّ. كانت تعيش مع أمها وأخيها الصغير. لها شعر طويل، طويل جدا. كانت تجعل منه ضفائر جميلة. تلفه حول خصرها على شكل حزام عريض أسود.
وأيضا كانت طولاَّ تغني بصوت رخيم، فتجتمع طيور الغابة لتحط بجوارها لتستمع إلى لحنها الرائع. وبعد لحظات تنام جميع الحيوانات في الغابة حينما تسمع أنغام طولا الرائعة بالعزف على مزمارها الصغير.
طولا فتاة بشوشة، الابتسامة لا تفارقها، كما أنها كانت تمد يد المساعدة لكل من يحتاجها.
تستيقظ طولا باكرا، تحمل جرتها وتذهب لجلب الماء من النهر القريب رفقة فتيات القرية. وكانت الفتيات أحيانا يسبحن في المياه العذبة في النهر الهادئ. لكن طولا كانت ترفض دائما مشاركة رفيقاتها هذه المتعة رغم إلحاحهن. بعد الاستحمام، كل واحدة تحمل جرتها المملوءة بالمياه العذبة فوق رأسها. تعدن إلى حال سبيلهن فَرِحات ومَرِحات.
في أحد أيام الصيف الحارة، توجهت طولا وصديقاتها كما العادة إلى النهر. كانت الحرارة مرتفعة جدا مما دفع كل الفتيات إلى نزع ملابسهن ثم القفز في النهر للاستمتاع بالمياه المنعشة. لم تستطع طولا مقاومة الرغبة، كانت ترغب في العوم مثل رفيقاتها فقفزت وسط المياه العذبة، وكان ذلك لأول مرة. فشعرت طولا بفرحة لا حد لها، وحين كان شعرها الطويل يطفو على طول مجرى النهر... بدأت طولا تغني بصوت عذب وشجي مما جعل الأسماك من حولها تتقافز وترقص فوق شعرها المنساب على صفحة الماء. كان ذلك المشهد رائعا، وكأنه لوحة رائعة من إبداع الخالق..
بقيت الفتيات في فرح ومرح طيلة النهار، وبعد أن أصابهن الإعياء، قمن بمساعدة طولا على فتل ضفائرها الطويلة، وكانت تلك لحظة ناذرة بالنسبة للفتيات مع طولا.
وفي مساء ذلك اليوم بالذات توقف بالقرب من النهر شاب غريب، يبدو أنه كان عائدا من رحلة طويلة. جلس الشاب على صخرة عالية وترك حصانه يروي عطشه من مياه النهر بعد الرحلة الطويلة. بدأ يتأمل في المياه الصافية الرقراقة قبالته. فسحره ذلك الجمال وأبهره ، وحينها ارتمى في خضم أحلام لا حدود لها.. وفجأة يستفيق من أحلامه على صوت صهيل الفرس الذي يترنح.
هرع نحوه لمعرفة السبب، لاحظ أن شعرة الْتَوتْ على لسان الفرس في الوقت الذي كان ينهل من مياه النهر الصافية. حاول جاهدا أن يخلصه من الشعرة، لكن دون جدوى لأنها كانت طويلة ومتينة ملتفة حول اللسان بإحكام شديد.
لم يستطع الشاب أن يتحمل رؤية الحصان وهو يتألم. فأسرع في الذهاب نحو سكان القرية القريبة لطلب النجدة. تبعه جميع سكان القرية نحو ضفة النهر، كل فرد من سكان القرية قام بمحاولة لإنقاذ الحصان المسكين. لكن كل المحاولات باءت بالفشل. ولأن طولا كانت تعلم بأن تلك الشعرة العالقة هي شعرتها، فقد اقتربت من الحصان وبسهولة نزعت الشعرة من لسانه. لقيت محاولتها الناجحة استحسان الجميع، وكان الشاب في غاية من السعادة، ورأت طولا دمعة الفرح في عيني الشاب.
وفي تلك اللحظة أقسم الشاب مع نفسه بأن يتزوج تلك الفتاة الرائعة ذات الشعر الطويل.
بعد أن تفرق الجميع، سُمِع طرق على الباب في المنزل الذي تقطنه طولا مع أمها. كانت الدهشة عظيمة لأن الطارق كان هو الشاب نفسه، فأسرعت الأم نحوه من أجل تفحصه، فرأت العلامة على أنفه فتعرفت عليه في الحال ! انه ابنها الأكبر الذي غادر القرية منذ طفولته ! عانقت الأم ابنها العائد وبكى الجميع تأثرا بهذا اللقاء الذي تم بعد طول غياب.
تعرف الشاب على طولا التي أنقذت حصانه الحبيب وحياها بحنان، لكنه اكتشف بأنها الفتاة التي أحبها منذ اللحظة الأولى، ولذلك طلب من أمه أن تزوجها له برا بقسمه، لكن الأم رفضت قائلة:
— لكنها أختك يا ولدي، إن زواجك من أختك طولا أمر مستحيل.
فأجاب قائلا:
— إنني مصر، لقد أقسمت يا أمي أن أتزوج الفتاة صاحبة الشعر الطويل مهما كلفني الأمر.
حاولت الأم استعطافه لتنهيه عن ارتكاب هذه المعصية، لكنها لم تتوصل إلى أية نتيجة.
في فجر الغد أمرت الأم ابنتها الهروب إلى مكان بعيد، حتى لا يعثر عليها أحد أبدا.
رضيت طولا بقدرها المحتوم وانطلقت تطوي المسافات على صهوة حصان أخيها، من جبل إلى جبل ومن صحراء إلى أخرى، دون توقف، بالليل والنهار تطوي المسافات. وبعد ثلاثة أيام متتابعة وصلت طولا إلى واحة خضراء، فيها الماء والعشب والنخيل.. توقفت منهكة القوى وقد أخذ التعب منها كل مأخذ، فنامت تحت نخلة سامقة...كعادته وككل الأطفال، كل مرة كان لا يستطيع البقاء صاحيا إلى آخر الحكاية. وفي كل مرة تتوقف أو يتوقف الحاكي عن الكلام حينما يرى رشيد يغط في النوم ...
وفي إحدى الأمسيات حيث كان الكل مجتمعا حول الصينية، وكان رشيد يداعب العثة التي تحوم حول الشمعة في محاولة لإبعادها عن اللهيب، بكل عفوية طلب رشيد من أمه للا منانة أن تعيد له حكاية الفراشة.
—أمي... أمي ! ها هو ذكر العثة الذي حكيت لي عنه، إنه يريد أخذ النار من أجل إهدائها إلى حبيبته قصد طلب يدها للزواج.
غمزت للا منانة الولد. لكن رشيد لم يبالي ولم يلفت النظر إلى أمه التي كانت تغض على شفتيها، مطأطئة رأسها. وجهها من الخجل. فهرع الأولاد الكبار خارج البيت كاتمين ضحكاتهم إلى أن ابتعدوا في الهواء الطلق.
***
تلك كانت المزرعة شاسعة الأطراف على حد البصر، وفوق الربوة هناك كانت توجد إقامة المستوطن غوستاف. ويتشكل الدوار من منازل متناثرة هنا وهناك، بعضها بني بالحجر والباقي عبارة عن" نوالات، تبدو كتلك التخشيبات التي تشاهد على الصور والأفلام في أدغال إفريقي؛ ومن فوقها تتراءى خيوط الدخان المتصاعد إلى السماء، التي سرعان ما تتبدد في السماء اللازوردية . بأشجارها المتناسقة تبدو تلك المزرعة وكأنها تستهزئ من تلك الفدادين 'البورية' التي لا تأخذ زينتها إلا مع حلول فصل الربيع. مزرعة من أحسن المزارع في البلد، لأنها وجدت من يهتم بترابها ويعتني بأشجارها.
من أجل جني البرتقال ينظم الكابران العمال حسب تعليمات غوستاف في مجموعتين، مجموعة ذكور والأخرى للأنات، يرأس المجموعتين الكابران جَلّول، وهذا الأخير يطبق تعليماته بالحرف، لكنه مع ذلك كان يتسامح معهم في بعض الأحيان بحكم أنه واحد من أبناء البلد ومن قبيلة لا تبعد كثيرا عن دوار أولاد العزة.
بغية إلهاء الإحساس بالتعب، في اللحظات التي يكون فيها المزاج راق، حيث يسمع بين الفينة والأخرى ذلك الصوت الشجي الذي يصدح بإحدى الأغنيات الشعبية من هذه المجموعة أو المجموعة من الأخرى حيث يشتغل الجنس اللطيف، فحين يسمع هذا الطرف،فسرعان ما يرد عليه الطرف الآخر بصوت أنثوي بنغمة أحسن من الأولى. هكذا تتنافس المجموعتان بإيصال كل واحد صداه، وفي الصدى معاني. الطرف الآخر الذي يفهم القصد والمعنى يرد في الحين، فتلك الأغاني غالبا ما تبعث برسالات. فتوجه إلى حبيب أو حبيبة وبطريقة مشفرة، وقد لا يفهمها إلا هذا أو تلك حسب السياق. فكثيرة هي نظرات الإعجاب، لعلها قد تكون إحدى المقدمات، أو تتطور مع الزمن إلى مشروع زواج.
في تلك الظروف والملابسات، وفي تلك الطرقات ما بين المزرعة والدوار، تعرفت تلك الشابة الجميلة على فاتح. زهرة شابة خجولة ذات عينين عسليتين. مع أولى النظرات في اتجاه فاتح، بادلها في صمت نفس الإعجاب والإحساس، لقد كان ذلك بطريقة لبقة قد لا تثير الإحراج طبعا.
هكذا التقاليد، فالاحتكاك مع البنات الأصيلات مسألة ناذرة ، لكن أحيانا تكون للضرورة أحكام، فشرف العائلات يكون دائما محل اعتبار، فحتى بالنسنة لتلك الأسر المتواضعة فالشرف هو أغلى شيء. ومن أراد أن يدخل إلى الدار، فليس من النوافذ طبعا هذا في حالة ما إذا كانت الأبواب مفتوحة والقلوب راضية كذلك.
لم يطل الانتظار كثيرا، حيث قام فاتح بما يلزم حتى يظفر بزهرته. إنه كان يرغب في تلك الشابة اللطيفة بأي ثمن، والثمن الذي تطلبه زهرة لا يعدو أن يكون قلبا حنونا. كان فاتح يقول لهم بأن زهرة لا تستحق كل ذلك العناء في مزرعة الفرنساوي. أما زهرة فكانت بدورها في غاية من السرور لتتزوج بذلك الشاب الشجاع الذي طالما حماها من النظرات الطائشة...فذات يوم، تجرأ عليها أحدهم، فحاول التهجم على زهرة بالكلام ، فنال بوشعيب ما يلزمه. كانوا يطلقون عليه اسم الأعور. كان شابا مرحا، يتكلم طول الوقت بدون موجب، وأحيانا أخرى كان يلعب دور المهرج الوقح. وغالبا ما كان الزملاء يستحملون تصرفاته الطائشة تلك. لكنه في ذلك اليوم، يبدو أنه تجاوز حدوده. لقد قام باحتقار زهرة التي لم تتحمل كلماته الجارحة، ومن سوء حظه أن فاتح كان قريبا من المشهد. فبعد أن تأكد عن طريق الشهود من سوء معاملة بوشعيب لزهرة التي كانت حينها تمسح الدموع حينما اقترب منها، فلم يتحكم فاتح في أعصابه، فقام بضرب بوشعيب ضربة واحدة،في رمشة عين، وبتلك الضربة القوية تحت الأذن، على إثرها سقط بوشعيب فاقدا للوعي. في تلك اللحظة وصل فجأة غوستاف فرأى الجميع في حلقة . منهم من كان يشد فاتح، الذي من شدة الغيظ كان أن يريد أن يجهز على الضحية، ومنهم من كان يقوم بمساعدة الضحية بوشعيب على النهوض. بعد أن استرجع هذا الاخير لوعيه تفرق الجميع على إثر تعليمات غوستاف. فأخذ كل واحد مكانه. فكان يبدو لبوشعيب بأنه في حلم مزعج، وأخيرا يقف على رجليه لكن ذلك كان بصعوبة. فالذي كان قبل قليل يهرج ،يَضحك ،يُضحك جمهوره ويتهكم على زهرة، فهاهو اللحظة ينهض مترنحا من شدة وقع الضربة ليتابع عمله بين أشجار البرتقال، لكن هذه المرة بصمت وبنظرات محتشمة، كان غوستاف قد مد له سيجارة من النوع الرفيع، لعلها تهدأ من وقع تلك الصدمة القوية على رأسه. ذلك الرأس الصلد الذي سولت له النفس أن يصدر تلك العبارات الجارحة ضد زهرة. وهذه الاخيرة التي كانت تبكي من شدة وقع تلك الكلمات الجارحة،فرغم سعادتها من جراء تصرفات فاتح لحمايتها، إلا أنها في نفس الوقت كانت جد قلقة عليه، حيث فقد أعصابه قبل قليل وكاد أن يرتكب حماقة من أجلها، فكان من شأن تصرفه ذلك أن يفقده لا قدر الله حريته، أما هي فكانت ستفقد حبيبا شجاعا يغير عليها. لكن والحمد لله لقد مرت الأمور بسلام هذه المرة.أما بوشعيب فقد تنحى جانبا، ينفث دخان سيجارته، هناك بعيدا، بعد أن أخذ مسافة عن الفريقين حتى يتفادى الكلمات والنظرات القادحة.