*~*~ عاطفة من ورق ~*~*~
- آن ميثر -
(روايات عبير)
الملخص:
من يستطيع الجزم بأنه لن يقع في الحب مرة ثانية وثالثه.
بعضنا يردد في يأس مؤكداً موت قلبه بعد فشل حبه الأول....
وبعضنا الاخر يعتقد اعتقاداً راسخاً بأن عواطفه انكسرت الى الأبد ولا
أمل من عودة قلبه الى الخفقان...
لقد انتهيت...هكذا يصرخ العاشق ممزقا بآلام الخيبه, مرتمياً بحزن في
احضان التفاصيل الصغيره.
ولكن...من منا يعرف متى تهب نسمة فتزيل الضباب المتراكم فوق سهول القلب؟
ربيكا جرحها الحب الأول من رأسها حتى أخمص قدميها.
شلتها الصدمه, وشردتها رياح الغربه لتعمل ممرضة في الفيللا التي تخص أديل سانتا كلير
على شاطئ المحيط الهادئ, حيث التقت بيير واحبته, ولكن ابنه بول احبها
وطلبها للزواج. أما أديل فكانت تحيك الأفكار الانتقامية المدمره...
لمن تستسلم ربيكا... للحب ام للحقد ام للزواج؟
********************
الفصـــل الأول ...
1 – حطام امرأة
أسدل الغسق عباءته على الجزيرة . وهبت نسمة باردة فتوارى قرص الشمس وراء الأشجار المحيطة بالفيللا . وراحت أصابع النسمات تخفف من الحرارة التي لفحت جبين ربيكا . وهي تغادر غرفة مريضتها وتتنفس الصعداء مقفلة الباب وراءها . تاقت في تلك اللحظة للاستمتاع بحمام . الوقت أصبح ملكاً لها بعد أن أخلدت مريضتها آديل إلى النوم . وعندما بلغت غرفتها , تخلصت من زي التمريض , وألقت بجسمها في المياه الباردة .
وفجأة توقفت عن مواصلة الاستحمام شعرت بضيق لما يحدث , فالخدم في إجازة هذه الليلة ... وهي وحدها في الفيللا مع آديل التي استغرقت في النوم الآن . ما أثار ضيقها الرنين المتواصل لجرس الباب ! تنهدت في يأس وراودها الأمل في انصراف الزائر عندما يكتشف أن الأنوار غير مضاءة . ولم تستطع أن تتخيل من يكون ... فإن آديل تعرف القليل من الأصدقاء وليست هذه الليلة التي يأتي فيها الطبيب عادة . عندما رن الجرس مرة ثانية أسرعت بإرتداء ثيابها . وكان شعرها مشعثاً وهي تغادر الحمام نافدة الصبر . وعندما بلغت الباب الأمامي , وفتحته قليلاً . وفي الضوء الخافت , رأت رجلاً طويلاً يقف في الخارج فتمتمت تسأله : " ماذا تريد ؟ "
ولكنه لدهشتها دفع الباب برقة وحزم واضح , ثم دخل حتى وقف في الصالة فلم تملك إلا أن تصيح به في غضب :
"انتظر قليلاً من فضلك " .
" عفواً يا آنسة ظننتك خادمة آديل . أقدم لك اعتذاري لإزعاجك ".
فحاولت ربيكا السيطرة على الدماء الحارة التي سرت في أوصالها عندما تبينت أنها ترتدي ثوباً خفيفاً يكشف عن جسمها . وأن الرجل يحملق فيها بعينيه السوداوين . ولكنها وجدت فيه شخصاً جذاباً لم يسبق لها أن التقت بمثله من قبل وعندما أفاقت لنفسها . أخبرته قائلة :
" آنسة سانت كلاود أخلدت للنوم . وأنا ... أنا ممرضتها " .
" آه ... كان خيراً لي أن أدرك ذلك . ولكن ماذا كنت افعل إزاء تأخر طائرتي في أي حال لن أزعجها الآن . هل لك أن تخبريها بأنني جئت للسؤال عنها ؟ "
" أقول لها من الذي سأل عنها , يا سيدي ؟ "
فقط أخبريها بأن سانت كلير جاء يسأل عنها . وستعرف من هو وأنت يا آنسه ما أسمك ؟"
" الممرضة ليندسي " .
" هل التحقت بالعمل هنا من فترة طويلة ؟"
أجابت ربيكا وهي تتمنى أن يرحل عنها سريعاً :
" منذ عامين يا سيدي " .
" سنتين . إنها فترة طويلة يا آنسة أظن أن شقيقة زوجتي مريضة . ومن الصعب التفاهم معها . هنا في فيجي ممل ألا تشعرين بالوحدة , أم أن لديك أصدقاء " .
وشعرت رغبة بالاحتجاج على ما وراء سؤاله من معان ولما كانت لا تعرف تماماً مدى علاقته بآديل اضطرت لمعاملته بأدب . لذلك قالت له :
" أنا ... أنا سعيدة تماماً هنا , وشكراً لك يا سيدي " .
أخشى أن أكون سببت لك ضيقاً يا آنسه ولكن يجب ألا يعزى فضولي إلا خشونة في مسلكي . إنني أعتذر لك ثانية " .
قالت ربيكا وهي ترتجف : " ليس ضرورياً يا سيدي " .
" أنت ترتجفين من البرد يا آنسة . من الأفضل أذن أن أؤجل فضولي إلى يوم آخر .. وداعاً ! ".
توردت وجنتاها , كان من الممكن أن تخبره بأنها لا ترتجف من البرد وأن ثمة مشاعر مختلفة أشاعت الرجفة في أوصالها . ولكنها لم تتفوه بشيء , وبعد قليل انصرف وعلى شفتيه ابتسامة شاحبة .
انتظرت ربيكا حتى ابتعد قليلاً , فأغلقت الباب وراءه , وسمعت محرك السيارة يدور . ولم تمض لحظات حتى كان صوت المحرك يتلاشى شيئاً فشيئاً كلما ابتعدت السيارة عن البيت ... وأخيراً شعرت بالارتياح وغن كانت ساقاها لم تقويا على حملها أثناء عودتها إلى غرفة نومها .
كانت آديل سانت كلاود . سيدة في أواخر الثلاثينات . ولكن منظرها يبدو للعيان أكبر من حقيقة عمرها ولدت وهي تشكو من ألم في القلب أعجزها عن مواجهة الحياة . وامتد عجزها إلى تفكيرها . وغادرت بريطانيا منذ عشر سنوات مضت بحثاً عن الجو الدافئ الذي يتميز به جنوب المحيط الهادئ . واصطحبت معها خادماً عجوزاً كانت تقوم بخدمتها وتمريضها . وكانت أسرة آديل من أصحاب مصانع الملابس ومشهود لهم بالثراء . وينتسبون إلى سلالة فرنسية . ويقيمون في مقاطعة سمرست . ولم تفكر يوماً في السؤال عن أي دخل تستحقه . وربما يكون ضعفها هو الملوم في عدم سؤالها . وربما يكون السبب موقفها من شقيقاتها وفي أية حال . فإنها لم تضيع الوقت في أن تستأنف حياة جديدة في فيجي عقب وفاة والدها . ولسوء الحظ ماتت ممرضتها العجوز بعد ثماني سنوات ... فاضطرت إلى الإعلان عن طلب ممرضة بدلاً منها . وجاءت ربيكا لتمريضها والآن . عندما تقلب الأمر فإنها لتتساءل كيف واتتها الشجاعة في أن تقطع هذه المسافة الطويلة وحدها . إذا لم تكن ترغب في الهروب من موقف غير سعيد ! .
وفي اليوم التالي لزيارة الغريب توجهت ربيكا في الصباح الباكر لتمارس رياضة السباحة ... وكانت تفضل هذا الوقت من اليوم فتلقي بجسمها في أحضان المياه المتلاطمة حتى تستطيع مجابهة مطالب السيدة العليلة التعسة . وكانت ترتدي ثوب البحر الذي يكشف عن بشرتها التي لوحتها أشعة الشمس ... وشبابها ونضارتها ولم يراودها الخوف من فضول الناس ... لأن الشاطئ كان خاصاً بالفيللا ولما كانت آديل لا تستفيد منه لعجزها فإن ربيكا كانت تعتبره شاطئها الخاص .
وعندما عادت إلى الفيللا . تناولت طعام الإفطار مع روزا مدبرة البيت وهي من أهالي فيجي . ثم أعدت صينية الإفطار لآديل . وحملتها إليها فوجدتها مستيقظة إلى وسائد حريرية . وبدا الشحوب والإعياء على وجهها وأشفقت ربيكا لمنظرها بالرغم من معرفتها بان آديل لا تقدر هذه المشاعر حق قدرها .
قالت ربيكا وهي تضع الصينية فوق ركبتي آديل :
" صباح الخير آنسة سانت كلاود . هل نعمت بليلة هادئة ؟ "
فنظرت إلى ممرضتها نظرة ازدراء وهي تقول :
" لا .. كانت ليلة سيئة الحبوب التي وصفها دكتور مانسون لم تكن بالجودة التي كانت عليها الحبوب السابقة . تقلبت في الفراش وقتاً طويلاً قبل أن أستغرق في النوم " .
" تقولي أنك تقلبت في الفراش وقتاً طويلاً ! إنك لتثيرين دهشتي . لقد ظننت أنك استغرقت في النوم سريعاً .إذن سمعت الجرس وهو يدق . أليس كذلك ؟ "
" جرس ! أي جرس ؟ جرس التلفون ؟ "
" أقصد جرس الباب " .
" هل جاءنا زائر ليلة أمس ؟ ".
" نعم بعد أن أويت إلى الفراش " .
" لابد أن إفاءة قد داهمتني لحظة رن الجرس . أخبريني من كان الزائر ؟ هل هو الدكتور مانسن ؟ أو بلاكويل المسن ؟ "
" ليس واحد منهما . وإنما هو رجل اسمه السيد سانت كلير هل يعني هذا الاسم شيئاً بالنسبة لك ؟ "
" بيير سانت كلير ؟ "
" لم يخبرني باسمه الأول يا آنسة سانت كلاود ! "
وفجأة أدركت ربيكا التشابه في لقب الأسرة وتنهدت آديل وهزت رأسها ثم قالت :
" إنه بيير أعرف أن عمله يغطي العالم كله . ولا عجب أن يكون لديه عمل هنا في سوفا . لماذا لم تخبريني بقدومه ؟ "
" أنت تعرفين أن تعليمات دكتور مانسون واضحة تماماً . يجب ألا يزعجك أحد ".
" كيف واتتك الجرأة على صرف صديق تكبد مشقة الحضور إلى هنا لرؤيتي ؟ "
" لم أصرفه ... انصرف برغبته عندما شعر بأن الوقت غير مناسب " .
تململت آديل في مكانها حتى كادت تطيح بالصينية وسألتها :
" هل قلت أنه سيعود ؟ "
" أجل ... على الأقل .... أظن ! "
توقفت عن مواصلة الحديث . وهي تتذكر جانباً من الحوار الذي دار بينها وبينه . ثم استطردت قائلة :
" أنني على يقين من انه سيعود ! "
" فتاة حمقاء ! ألا تفعلين شيئاً صحيحاً ؟ أليس لديك من الإدراك ما يجعلك تعرفين متى تسمحين للزائر بالدخول . ومتى تصرفينه ؟ ألم يساعدك ذكاؤك على أن تدركي بأن بيير سانت كلير ليس زائراً عادياً ؟ "
واجهت ربيكا غضب آديل في صمت . وأدركت أن المناقشة معها غير مجدية وبذلت جهدها في أن تسير الأمور وكأن شيئاً لم يحدث . وتقدمت نحوها وصبت فنجاناً من القهوة بدون أن تتفوه بكلمة ورشفت آديل رشفة من الفنجان ثم سألتها بنبرة هادئة :
" من كنت تضنين هذا الرجل يا ربيكا ؟ "
تنهدت ربيكا فقد كانت تأمل أن تضع حداً لموضوع بيير سانت كلير في الوقت الحاضر . ولكنها كانت تعرف طبيعة آديل . إذ تتعمد المبالغة في الموقف فردت :
" انه ... انه شخص جذاب "
" انه رجل واسع الثراء يا ربيكا يمتلك عدة شركات للإنشاءات في فرنسا واسبانيا"
ابتسمت ربيكا وقالت :
" أحقاً ما تقولين ؟ هل عزمت على مغادرة فراشك هذا الصباح ؟ هل أعد لك الحمام ؟ "
" بحق السماء كفي عن تصرفاتك المتعجلة يا ربيكا كل ماسألتك عنه هو رأيك في سانت كلير ؟ "
" إنني لم أتعرف عليه جيداً حتى أكون رأياً عنه "
" لا عليك يا ربيكا . لا أظن أنه تغير كثيراً طوال السنين . كان دائماً شيطاناً أنيقاً "
" لا شأن لي بجاذبية زوارك . هل من خدمة أخرى أقدمها لك الآن يا آنسه سانت كلاود ؟ "
وأزاحت الصينية بعيداً عنها ثم استطردت تقول بنبرة اختفت منها العصبية :
" بالطبع سأغادر الفراش هذا الصباح . ولابد أن أبدو في أجمل صوري . إنني واثقة بأن سانت كلير سيقوم بزيارتي مره ثانية " .
وبعد ساعة قادت ربيكا المقعد المتحرك الذي تجلس فيه آديل حتى بلغت الحديقة المحيطة بالفيللا . وعندئذ تناهى إلى سمعها صوت محرك سيارة . وتطلعت آديل إلى ممرضتها وتألقت عيناها وهي تقول :
" إنه سانت كلير أدفعي المقعد بسرعة إلى موقف السيارة " .
كان بيير يرتدي سروالاً رمادي اللون .... وقميصاً بنياً مفتوحاً عند عنقه وبدت على وجهه مسحة من الكبرياء .... وتبرمت ربيكا عندما شعرت بنبض قلبها يدق سريعاً . وتساءلت : لم هذا الاضطراب ؟ إنه ليس أول إنسان جذاب تلتقين به ...
ودبت الحيوية في أوصال آديل عندما اقتربتا منه وتشابكت أيديها وهي تصيح :
" بيير ! بيير سانت كلير ! بحق السماء . ما الذي أتى بك ؟ "
أطبق يديه القويتين على يديها النحيلتين . وقال لها بابتسامة دافئة :
" ألا تظنين أنك سبب كاف يدعوني للمجيء ؟ "
وتوقف عن الحديث وهو يتطلع إلى القوم النحيل الذي يقف ممشوقاً وراء المقعد المتحرك . ثم استطرد يقول :
" ألم تخبرك الممرضة لندسي بأنني جئت للسؤال عنك ليلة أمس ؟ "
" بالطبع أخبرتني ... وانزعجت لأنها لم تنبئني بوصولك في حينه ... الأطباء حمقى ... إن إيقاضي ولو لمرة واحدة . لن يؤذيني "
" عزيزتي .... يجب أن تطيعي أوامر الطبيب ... وإلا فإننا سنكون في غنى عن استشارتهم .... ألا توافقينني يا لندسي على رأيي ؟ "
أجابت ربيكا وأصابعها تتشبث بمقود المقعد المتحرك :
" طبعاً أوافقك " .
تطلعت آديل إليها نافدة الصبر . وقالت :
" من الطبيعي أن تقولي ذلك "
ثم حولت بصرها إلى بيير وأردفت قائلة :
" حقيقة .... ما الذي أتى بك إلى فيجي ؟ هل الأمور تسيير طبيعياً في الوطن ؟ "
" إنها تجري في مجراها الطبيعي "
وأخذ يجيل بصره باهتمام في الحديقة الشاسعة التي ازدهرت بأشعة الشمس , ثم قال :
" عن ما جاء بي هو المشروعات التي أزمع تنفيذها على طول الساحل في ياساواس . هناك مشروع لإقامة فنادق ... وقد جئت إلى هنا لعمل مسح شامل للمشروع ! "
سالت آديل :
" آه ... تنوي المكوث هنا فترة طويلة ؟ "
" أسبوعين ... وربما ثلاثة أسابيع . إنني أقيم هنا في سوفا . ولكنني أنوي الانتقال إلى لاتوكا " .
" هيا بنا نتوجه إلى المنزل . إن روزا ستقدم لنا القهوة بالطبع ستتناول طعام الغداء معنا " .
وتطلع بيير إلى ربيكا مرة أخرى . ولكنها تحاشت نظرته . فحول بصره إلى آديل وقال :
" أحب أن أتناول طعام الغداء "
وفي طريقهم صوب الفيللا أخذ مقود المقعد من ربيكا .... التي وجدت نفسها تسير إلى جواره وهو يتطلع فيها ثانية ويقول لها :
" إنه صباح جميل ... أليس كذلك يا آنسه ؟ "
حاولت ربيكا أن ترسم ظل ابتسامه على شفتيها . وهي تقول :
" جميل ... ولكن أغلب فترت الصباح في فيجي جميلة "
" ما يثير حيرتي أن فتاة مثلك ترضى بوظيفة من هذا النوع ... إنني أعتذر لك يا آديل ... ولكن من المعتاد أن تقبل سيدات متقدمات في العمر مهام التمريض أليس كذلك ؟ "
رأت ربيكا علامات الضيق تكسو وجه آديل وهي تصيح :
" بحق السماء ... لا تقل هذا يا بيير . إنك تثير في نفسها شعوراً بعدم الرضى وإني أؤكد لك أنها راضية بما تؤديه من خدمات . "
وفي ذلك الوقت أنتاب ربيكا ارتباك واضح ... ولكن بيير أضاف في سخريه :
" إنني متأكد أن لندسي لن تتأثر بما أقوله ... إنها تثير إعجابي بكونها فتاة راضية النفس " .
هدأت ثورة آديل ... وتطلعت إلى ربيكا وقالت في سخرية :
" وأنت ستتعرفين على بيير " .
فشعرت ربيكا أن موقفها يزداد سوءاً عن ذي قبل . وبدأت تشعر بالارتياح عندما بلغو المنحدر المؤدي إلى الفيللا .... وعندما وقفت ربيكا في الصالة قالت لها آديل :
" اخبري روزا بأن تحضر القهوة إلى غرفة الجلوس . وقولي لها أن لدينا ضيفاً سيتناول الغداء معنا "
" سأخبرها يا آنسة كلاود "
وكانت الرغبة تحدوها في الفرار من الصالة ... ليس من سخرية آديل وحدها وإنما أيضا من علامات المزاح التي كانت تتراقص في عيني بيير .
وعندما غادرت المكان ... أمضت بقية فترة الصباح في كتابة التقرير الطبي اليومي . ومراجعة محتويات خزانة الأدوية الخاصة بآديل . وأعادت ترتيب غرفة نومها . وغسلت بعض ملابسها الشخصية . ووضعت لمسة من أحمر الشفاه ومشطت شعرها وعقصته خلف رأسها . وتسألت في يأس مرير عما إذا كانت ستتناول طعام الغداء مع آديل وضيفها هذا اليوم فقد كان من عادتها أن تتناول الطعام مع آديل . ولكن لا بد أنها اليوم ستغفل دعوتها حتى تنفرد بصحبة بيير . وراود ربيكا الأمل في أن تغفل آديل عن دعوتها وذلك حتى لا تتعرض لسيل من شكواها . ولنبرة سخريتها .
ونحت أفكارها جانباً ... وعبرت غرفة النوم , وهبطت إلى الصالة . فوجدت باب غرفة الجلوس مفتوحاً .. واضطرت إلى أن تنظر لتتأكد من وجود آديل . فوجدتها تجلس على المقعد تحتسي كوباً من الشراب المنعش المثلج . بينما كان بيير واقفاً أمام المدفأة . وقد استند بيده على الرف .... ورفع بيده الأخرى كأساً من الشراب . وتطلعت آديل إليها عندما بدا عليها التردد وهي تقف بالباب . وقالت لها :
" ادخلي ... ادخلي .... يا فتاة هل أعد طعام الغداء ؟ "
" أنا .... أنا لا أعرف ... كنت أريد أن أسأل عما إذا كنت بحاجة إلى شيء ما . وحيث أن السيد سانت كلير سيشاركك الطعام اليوم فإنني ... إنني سأتناوله في غرفتي " .
" حسناً يا ربيكا بإمكانك أن تخبري روزا بأننا على استعداد لتناول الطعام عندما ... "
ولم تواصل آديل الحديث إذ قاطعها بيير قائلاً :
" أوه .... ولكنني بالتأكيد أرحب بأن تشاركنا الممرضة ليندسي الغداء إذا كانت معتادة على تناول الطعام معك , إن حديثنا لا يتناول الأسرار , ولدينا متسع من الوقت نتحدث فيه عن شؤوننا الخاصة .... أليس كذلك يا عزيزتي ؟ "
سألتها آديل :
" لماذا لا ترغبين في مشاركتنا طعام الغداء ؟ "
" إن دوافعي بسيطة للغاية ... من الطبيعي أنك وضيفك تفضلان أن تكونا وحدكما ... "
" لماذا تتصورين ذلك يا ربيكا ؟ هل تفترضين أنني وبيير ... يكن أحدنا للآخر عاطفة قديمة ؟ هل تظنين أننا كنا عاشقين يوماً ما ؟ "
" سأذهب إلى روزا . وأخبرها بأنكما على استعداد لتناول الطعام "
" لماذا تصرين على تجاهل أسئلتي يا ربيكا ؟ هل أنا طفلة تتدلل بدون أن تناقش ؟"
تنهدت ربيكا ... وألقت نظرة على سانت كلير ولكنها أشاحت بوجهها حتى لا ترى نظرة السخرية في عينيه . وكان من الواضح أنه لا يرغب في مساعدتها وأخيرا قالت :
" أظن من المستحسن أن أواصل عملي . وأنني آسفة إذا كنت تشعرين بأنني قد قطعت عليك خلوتك عن عمد . ولكن ليس من واجباتي أن أشركك معي في فترات راحتي " .
حملقت آديل في ربيكا غير مصدقة . وقالت :
" يا لك من فتاة وقحة "
وشعرت ربيكا بأنها لم يسبق أن أجابت على آديل بمثل هذا الأسلوب من قبل .
وهنا تمتم بيير بهدوء :
" مهلاً يا آديل .... ربما كانت الآنسة ليندسي على حق . ليس من المحتم أن تمضي كل وقتها معنا ... أقصد معك . إن لها مشاعرها هي أيضاً . وأظن أنك أثقلت عليها فترة طويلة ! "
وفي هذه اللحظة تطلعت ربيكا إليه . وشعرت بارتياح لتدخله . وبأن استعماله لكلمة أثقلت قد خفف من حدة الموقف . كما أن هذا التدخل أتاح الفرصة لآديل أن تخرج من المأزق بدون أن تريق ماء وجهها . فتقبلت كلامه وقالت :
" حسناً يمكنك أن تذهبي ياربيكا "
غادرت ربيكا الغرفة . وأخبرت روزا بأن تعد الطعام ثم حملت صينيتها إلى غرفتها وعندما انتهت آديل وبيير من الطعام . ظهرت مشكلة آخرى ... كانت آديل معتادة على النوم ساعة بعد الغداء . ولكن كيف تحملها ربيكا على مثل هذا الأمر في هذا اليوم ؟ وتساءلت هل تتناسى تعليماتها ؟ ولم ينقذها من حرج الموقف سوى صوت محرك السيارة . فأسرعت إلى النافذة ورأت السيارة الزرقاء تنطلق إلى عرض الطريق .
تنفست ربيكا الصعداء . فالآن أصبح في وسعها حمل آديل على النوم بسهولة ولكنها تبينت أن الزائر قد أثار آديل عاطفياً ... وجسدياً ... لذلك قابلتها بثورة عندما توجهت إليها قائلة :
" كيف تجرؤين على الحديث معي بهذا الأسلوب أمام الضيف ؟ لا تظني أنني قد نسيت الاهانة لمجرد أن بيير قد صنع منك بطلة ... إن فتاة وقحة مثلك . تجهل من يكون أبوها .... "
صمتت آديل بينما أخذت ربيكا تتحكم في مشاعر الغضب التي اعتلت في صدرها . ولكنها لن تلوم سوى نفسها ... ففي ذات يوم . باحت لآديل بسرها في لحظة عاطفية . وقالت لها :
" أن أبي قتل وهو في طريقه إلى الكنيسة للزواج من أمي " .
استطردت آديل تسألها :
" إذا كانا أبواك مثاليين في الفضيلة ... إذاً ما الذي أتى بك على هنا ؟ "
أجابت ربيكا :
" كانا يتمتعان بالشباب . ويحب كلاهما الآخر . لا أتوقع منك أن تدركي ذلك . قاست أمي الحسرة عندما فقدته . وجدتي لم تفهم مشاعر أبي . وكانت تتحين كل فرصة لكي تهزأ بها .... ولم ينقذه من عذابها سوى موتها في حادث تصادم القطار الذي كانت تستقله "
ويبدو أن آديل شعرت بأن شرودها قد تجاوز الحد . فأسرعت تقول :
" أليس جميلاً أن يتناول رجل معنا طعام الغداء ؟ لا نعرف أحداً هنا سوى الطبيب وبلاكويل المسن ... ولكنهما مختلفان أليس كذلك ؟ "
وكان أندرو بلاكويل . يشغل منصب القسيس المحلي بالرغم من أن آديل كانت غير متدينة وتجادله كثيراً إلا أنها كانت تسعد بحديثة .
فأجابتها آديل متسائلة :
" لماذا رفضت تناول الطعام معنا ؟ لا يمكن أن يراودك التفكير في أننا كنا نبغي الإنفراد إن بيير لا يسعده أن يجلس إلى أمرأه عجوز شمطاء مثلي "
" أنت لست عجوزاً ولا شمطاء . لا تكوني حمقاء "
تنهدت آديل وقالت :
" ذات مره , كنت وبيير يعرف أحدنا الآخر حق المعرفة . عندما كنت شابة ولم أكن مشلولة كما أنا الآن . كان في وسعي أن أفعل الشيء الكثير "
قالت ربيكا في رقة :
" أنت لست مشلولة الآن "
" ليس تماماً . إنما مقيدة إلى كرسي متحرك , لا أستطيع المشي على قدمي . أو الرقص , أو السباحة .... "
وكانت ربيكا تشعر في هذه اللحظة بمشاعر العطف نحو آديل فقالت لها :
" ولكنك لست مقيدة إلى الفيللا , لدينا السيارة ويمكننا الذهاب إلى نافويا غداً إذا شئت . دكتور مانسون يقول إن الرحلة النهرية التي تبدأ من هناك جميلة للغاية ... ستستمتعين بمنظر الغابات والشلالات " .
وهنا التفتت آديل نحوها , وقالت بنفاد صبر :
" إنني لا أرغب في رحلة نهرية , إنك شابة , تتمتعين بالصحة , فلا تسخري مني . إنني عديمة النفع , غنني حطام إمرأه . ولا أستحق أن أدعى إمرأه ... "
" هذا هراء ! "
" أي هراء ؟ هل تظنين أنني لا ألاحظ الطريقة التي يتطلع بها الرجال إليك ؟ الطريقة التي ينظر بها الدكتور مانسون إليك ؟ الطريقة التي ينظر بها بيير إليك ؟ "
توردت وجنتا ربيكا وقالت :
من فضلك يا آنسة سانت كلاود ... "
" لماذا ؟ لماذا لا أقول ذلك ؟ إنها الحقيقة أليس كذلك ؟ لا تجعليني أبدو غبية يا ربيكا ! ماذا قال لك بيير ليلة أمس حتى أثار القلق في نفسك ؟ "
بدأت ربيكا تقود المقعد المتحرك عبر الممر . حتى بلغت غرفة آديل . فتكلمت ثانية بنبرة مختلفة فقالت :
" أخبريني يا ربيكا . الآن أتيحت لك الفرصة للتحدث إليه . ما رأيك في بيير ؟ "
" يبدو أنه شخص جذاب للغاية "
وصمتت ربيكا قليلاً حتى تحمل آديل إلى فراشها وتحل أزرار ثوبها , ثم استطردت قائلة :
" هل تعرفينه منذ زمن طويل ؟ "
" إن أسرته وأسرتي تربطهما صداقة وطيدة . وفي وقت من الأوقات ظن الناس أننا سنتزوج .... "
تطلعت ربيكا إليها وهي تحاول إخفاء دهشتها . لابد أن بيير سانت كلير كان في مثل سن آديل في ذلك الحين ... وفجأة تذكرت شيئاً قاله تلك لها ليلة أمس ... أخبرها بأنه زوج شقيقتها ! انتابها شعور اعتصر أمعاءها هل تزوج من شقيقة آديل !
أخذت آديل تراقب ربيكا عن قرب . ثم سألتها :
" لماذا أنت متجهمة الوجه ؟ هل فوجئت بالأمر ؟ "
" لا ... لا ... إنما هناك شيء قاله لي السيد سانت كلير ... "
" ما هو ؟ "
هزت ربيكا كتفيها . وقالت :
" قال إنه زوج شقيقتك "
هزت آديل رأسها وألقت بظهرها على الوسائد . وقالت :
" هذا صحيح . لقد تزوج واحدة من شقيقاتي الأربع "
سألتها ربيكا :
" إذن ... هو متزوج ! "
تطلعت آديل إليها طويلاً ... ثم رسمت ابتسامة فوق شفتيها . وقالت :
" شقيقتي ماتت ! "
ثم أغلقت عينيها . وضغطت ربيكا يدها على بطنها . وقالت :
" سأحضر أحد الأقراص المهدئة "
فتحت آديل عينيها . وقالت :
" ليس ضرورياً ... إنني أشعر بإعياء شديد "
" سأتركك الآن .... استدعيني إذا كنت في حاجة إلى شيء "
" سأفعل وعلى فكرة . بيير سيأتي لتناول طعام العشاء مساء غد . واطلبي من روزا أن تستخدم براعتها في إعداد أطباق جديدة تختلف عن تلك التي تعودت أن تقدمها لنا "
وسارت ربيكا نحو الباب وهي تقول :
" سأتحدث إليها ... "
وانفلتت هاربة بسرعة من الغرفة !
********************
الفصل الثاني .....
2- أرصفة القلب المشمسة
توجهت ربيكا صباح في اليوم التالي إلى الشاطئ , وكانت الرمال الناعمة باردة تحت قدميها , ولكنها توقفت برهة عندما بلغت مكان التقاء الماء برمال الشاطئ , فمدت ذراعيها تستقبل بهما أشعة شمس الشروق .
وبرز رجل من وراء الأشجار المتناثرة . أخذ يتجه نحو ربيكا التي أحست بوقع خطوات متطفلة تقتحم عليها وحدتها , فاستدارت وهي تلهث يخالجها مزيج من الضيق والدهشة , وعندما تبينت الشخص المتسلل . كان بيير سانت كلير قد أصبح في مواجهتها فبادرها قائلاً :
" صباح الخير يا آنسه . هل أعتدت السباحة في هذه الساعة ؟ "
حاولت ربيكا أن تتمالك إذ فاجأها الرجل وهي ترتدي ثوب البحر . فشعرت بالحرج . وقالت له :
" هذا الوقت يخصني وحدي . الآنسة سانت كلاود لا تستيقظ من نومها قبل التاسعة "
هز بيير رأسه وقال :
" آه ... فهمت "
ترددت ربيكا قليلاً . ثم قالت :
" الذي أعرفه أنك مدعو لتناول العشاء . وليس لتناول طعام الإفطار "
ابتسم بيير قائلاً :
" إن لديك لساناً صغيراً لاذعاً يا آنسه . قد يدهشك أن تعرفي أنني ما جئت لزيارة الفيللا . غرفتي في الفندق حاره لذا قررت التجول بسيارتي وبينما كنت أمر بالفيللا رأيتك تسيرين نحو الشاطئ ... إنني أعتذر لتطفلي عليك "
توردت وجنتا ربيكا وقالت :
" بما انك صديق أو بالاحرى قريب لرئيستي في العمل . فإن وجودك على الشاطئ لا يفسر بأنه اقحام لوحدتي . فأنا لست سوى موظفة عند آديل "
" لا أهتم كثيراً بتعليماتك ياآنسة أنا لم اقصد المجيء إلى هنا "
لطم بيير سرواله براحة يده . ثم أستدار وسار على الشاطئ وعندئذ ضغطت ربيكا شفتيها في حسره . فقد كانت واثقة أنه لن يشير إلى هذا الحادث أمام آديل . وشعرت بالحماقة لأنها سلكت معه هذا المسلك الوقح .
وكان ينتابها إحساس غريب بأن شيئاً يجذبها إليه . وإن لم تكن هي واثقة بانجذابة نحوها . تنهدت والقت بنفسها في أحضان الماء . وامتنعت عن التفكير فيه حتى لا تبدد جمال اللحظة التي تتمتع فيها بالسباحة في البحر .
عادت ربيكا إلى المنزل وبينما كانت تقوم بتنسيق الزهور في القاعة رن جرس التلفون فرفعت آديل السماعة وعندما أعادتها كان وجهها متجهماً وغاضباً واتجهت إلى ربيكا في الحديث قائلة :
" إنه بيير ... طلب تأجيل موعد العشاء ! "
ابتلعت ربيكا ريقها بصعوبة ... وحاولت أن تظل متماسكة فتمتمت تقول بهدوء :
" أوه ... هل أشار إلى سبب التأجيل ؟ "
قالت بحدة تنم عن نوع المعاملة التي سوف تتلقاها ربيكا في هذا اليوم :
" له علاقة بأعماله التي ينجزها هنا . وفي هنا . وفي اية حال . فإنه لن يأتي ... عليه اللعنة ! "
مضت ثلاثة أيام قبل أن تراه ثانية . وكانت آديل خلالها تتحرق شوقاً إلى سماع مكالمة تلفونية منه . ولكنها لم تتلق واحدة كما أن ربيكا بدأت تعتقد أن لن يعود لزيارة الفيللا مره أخرى وعندما انتهت اعماله في سوفا . وتوجه إلى لاتوكا تضاءلت الفرصة كثيراً في رؤيته .
ولذلك كانت مفاجأة يوم ألتقت به ربيكا كانت قد ذهبت إلى سوفا لتشتري بعض الحاجيات التي طلبتها آديل وعندما انتهت من الشراء أخذت تتجول بين الاكشاك المتناثرة في السوق ... وقع بصرها على قنينة تحتوي على زيت الصندل تباع في أحدها , وهي معروضة بطريقة تجذب أنظار السياح وراح البائع يغريها بالشراء وبدا عليها التردد عندما أحست برجل يقف إلى جوارها . فأدارت رأسها وأت بيير سانت كلير .
قال وعلى وجهه علامات الوقار والجدية :
" صباح الخير يا آنسه هل تنوين شراء القنينة "
ابتسمت ربيكا ابتسامة شاحبة . وأجابت :
" لا أظن ذلك , إن منظرها جذب بصري "
" هل تعرفين أن أهالي فيجي اعتادو استعمال هذا الزيت ليطيبوا أغجسامهم به ؟ "
" إنني أفضل عليه العطور "
وتطلع بيير إلى البائع . وسأله بالفرنسية :
" هذا العطر ... كم ثمنه ؟ "
وارتجفت ربيكا ... وقبل ان يتفوه البائع بكلمة . ولت مسرعه . هاربه . فقد ادركت انه ينوي شراء القنينة وهي لا ترغب في شرائها ... وكانت قد تركت سيارتها في شارع جانبي . وبالرغم من حركة المرور في شارع سوفا وازدحام السياح بها الا انها لم تتخلص من اضطرابها لوجود بيير سانت كلير إلى حد ما إلا في ازدحام الناس .
على انها ماكادت تبلغ سيارتها . وتميل بجذعها لتضع المفتاح في الباب حتى وجدت الرجل الذي تهرب منه يقف الى جوارها . فقالت بصوت يتسم بالحزم :
" هل أفهم من هذا أنك تطاردني ؟ "
قال وعقد ذراعيه فوق صدره :
" أجل ! "
وكان شعره الاسود الكثيف مرسلاً ناعماً فوق رأسه , بينما عيناه السوداوان تشعان بكبرياء أخاذه
" أخبرني بالضبط لماذا تقتفي أثري ؟ "
هز كتفيه بإستخفاف وقال :
" لاعطيك هذا ... "
وقدم لها طرد صغير ملفوفاً بورق ملون ولكن ربيكا أبت أن تأخذه وقامت بوضع حقيبة المشتريات في السيارة ثم استدارات وقالت له :
" شكراً ... لا أريد شيئاً منك , والآن هل تسمح لي ؟ "
نظر بيير إليها ببرود وقال :
" ماذا تتوقعين أن يكون في الطرد ؟ "
" من الأفضل أن لا أخمن شيء "
" تظنين أنه زيت الصندل ... أليس كذلك ؟ "
" وماذا يكون غير ذلك ؟ "
انتزع الورقة التي تكسو الطرد , وقال :
" ماذا لو قلت لك إن شيئاً قد سقط منك في السوق . وقد عثرت عليه . فأعدت تغليفة بهذا الورق الملون ! "
وأسرعت ربيكا تتطلع الى حقيبة المشتريات ... وبدون مراجعة محتوياتها راودها الشك في انه من المحتمل ان تكون نسيت شيئاً , فعضت شفتيها وقالت :
" أنا واثقة بأن شيئاً لم يسقط مني ! أظن أنك تتعمد مداعبتي لسبب في نفسك "
رفع حاجبيه . وبحركة هادئة فض الطرد فسقط مسحوق البودرة عل راحة يده فنظرت ربيكا إلى البودرة بعيون غير مصدقة إنها بودرة تالك ذات الرائحة المعطرة التي أشترتها لآديل وشخصت ببصرها اليه ولكن عينيع لم تنما عن شيء وابتلعت ربيكا ريقها بصعوبة , ثم قالت :
" انها لا تخصني ! لايمكن ان تسقط مني وإلا سمعت صوت سقوطها ! "
" لم لا ؟ لا يمكنك سماع سقوطها وسط ضجيج السوق ! "
" لست متأكدة .... ربما أخذتها من حقيبتي "
هز رأسه في يأس . وسألها :
" ماذا فعلت حتى تحكمي علي براي ضعيف ؟ ماذا قالت لك شقيقة زوجتي ؟ "
وفتحت ربيكا باب السيارة . وقالت :
" لم تقل شيئاً ياسيد ... والآن هل تسمح لي ؟ "
" ألا تحبين استرداد علبة البودرة . ياآنسه ؟"
" أوه ... أوه من المفروض أن أخذها ! "
وانتزعت العلبة من قبضة يده , وألقت بها في المقعد الخلفي للسيارة . ثم استطردت قائلة :
" ألان يجب أن أرحل إن أديل أقصد الآنسة سانت كلاود سوف تتسائل عن سبب تأخيري "
" حسناً ... ارحلي ياآنسه . مادمت مصرة على ذلك "
وجلست ربيكا وراء عجلة القيادة . وتطلعت إليه وقالت :
" إنني لا أفهمك ! "
" أحقاً ماتقولين ؟ "
" هل أنت . أقصد هل ستأتي لتناول طعام العشاء ؟ قبل أن ترحل ؟ "
" هل ترغبين في ذلك ؟ "
شعرت ربيكا بتقلص أمعائها . وقالت متلعثة :
" أنا ... أنا ... لا شأن لي بذلك "
" أحقاً لا يعنيك ؟أجل سآتي . سأطلب من آديل تلفونياً وأرتب معها الموعد . وبعدها هل ستصحبينني في نزهة بسيارتي ؟ "
اتسعت عينا ربيكا وانتابتها رجفة . ثم قالت :
" أنا ... أنا ... أنا موضفة عند آديل . لا أستطيع الموافقة على لقاء مثل هذا . وبالاضافة إلى ذلك . فإن آديل لن توافق على هذه النزهه "
والتقت عيناه بعينيها . فقال لها :
" يجب ألا تعرف آديل . هل يجب ان تعرف ؟ "
قالت ربيكا وهي تلهث :
" أعتقد ذلك ... تبدد وقتك هباء . أنا . أنالا أشبه النساء اللواتي تعرفهن ! "
قال بيير :
" أعرف ذلك "
هزت ربيكا رأسها يأساً , وقالت :
" يجب أن أرحل .... الوداع "
فأجاب على الفور :
" إلى الملتقى "
وتراجع بيير إلى الوراء ... وعندما انطلقت ربيكا بالسيارة , انعكس الاضطراب على أسلوب قيادتها وفي طريق العودة لم تشعر ربيكا بجمال الطبيعة . وإنما كانت تحس بالألم والاضطراب والخوف من أن يمارس بيير ضغوطه عليها . ففي وجوده كان يذوب نفورها منه . بل إن مقاومتها له تضعف !
لقد أثر عليها وكان الجانب الأحمق من شخصيتها يدفعها لتتلقى كل الاطراء الذي يطوقها به . ولكن الجانب العاقل فيها كان يحذرها من أن أي شيء يقدمه لها قد يهددها بالخطر ... وإزاء هذا الموقف المتضارب كانت ربيكا تشعر بالتمزق .
وعندما عادت إلى الفيللا . كانت آديل تستلقي على مقغد طويل في الحديقة وتستفئ بظل مظلة مخططة الألوان وقد تطلعت إلى ربيكا بنظرة متأنية ثم قالت :
" لقد غبت فترة طويلة . ماذا كنت تشترين ؟ "
وبذلت جهداً كبيراً حتى لا تتورد وجنتاها بالخجل , وقالت :
" كل ماطلبت مني شرائه "
وركعت على القرميد الدافئ . وبدأت تفرغ محتويات حقيبة المشتريات وكانت علبة البودرة التي أعطاها بيير لها موجودة على رأس الأشياء . فقدمتها أولاً لآديل ثم الجوارب . ومستحضرات التجميل ومعجون الاسنان وكانت علبة بودرة تالك معطره تقبع في الحقيبة . وتشابه نفس العلبة التي أعطتها في بادئ الأمر لآديل .
تناولتها ربيكا ونظرت إليها غير مصدقة . ولاحظت أديل طول تأملها في العلبة . فقالت لها :
" بحق السماء فيم كنت تفكرين . هل أشتريت علبتين من بودرة التالك ؟ "
توردت وجنتا ربكيا . وألقت العلبة الثانية جانباً . ثم قالت بسرعة :
" أنا ... أنا اشتريتها لنفسي ! "
قالت آديل بنفاد صبر :
" ولكنك لا تحبين هذا النوع من البودرة . لا حاجة بك إلى التظاهر ياربيكا . إني لا أضيق بوجود علبتين , ولكننا سنجد أنفسنا نستعملها في وقت واحد "
غضت ربيكا شفتها بشدة . ثم قالت :
" أوه .... ولكني في الواقع "
قاطعتها آديل قائلة :
" ولكن في الواقع ... لاشيء يهم اذهبي وضعي هذه الادوات في مكانها وأطلبي روزا أن تعد لي القهوة ! "
وجاء اليوم التالي ... وحتى تحين اللحظة التي يدق فيها بيير جرس التلفون ليحدد موعد تناول العشاء . وعاشت ربيكا تحت وطاة الاحساس بانتظار وصوله وفكرت جلياً في موضوع علبة البودرة . وادركت أن بيير لا بد قد رأى العلبة التب اشترتها من خلال القش الذي صنعت منه الحقيبة . واشترى علبة مماثلة لعلبتها . ثم اختلق القصة عندما قدم الطرد لها.
وقد اتفق بيير مع آديل على أن يتناول العشاء في مساء اليوم التالي ... وفي صباح ذلك اليوم أصرت على التوجه إلى سوفا لزيارة مصفف شعرها . وكانت ربيكا لا تريد القيام بمثل هذه الزيارة وخاصة انها تشعر باضطراب يهز كيانها . ولكن ما جدوى رايها اذا كانت آديل تصر على موقفها !
وعند الأصيل . استلقت ربيكا لتناول قسطاً من الراحة بينما اخذت ربيكا تكوي الثوب الذي سترتديه في المساء . وكانت آديل تشعر بكراهيه نحو ربيكا تدفعها إلى عدم السماح لها بحضور حفل العشاء . اما ربيكا فكانت تتحاشى غضب آديل إن هي حضرت الحفل . ولذلك استغرقت في افكارها الخاصة بها . وراحت تبحث عن اسباب تتذرع بها للغياب عن الفيللا في هذا المساء . لكي تضع مسافة بينها وبين زوج شقيقة آديل .
وبعد ان أخذت آديل حماماً ساعدتها ربيكا على ارتداء ملابسها وتأملت آديل نفسها في المرآة . ثم قالت :
" منظري بديع للغاية . ألا تظنين ذلك يا ربيكا ؟ "
" بديع للغاية يا آنسة سانت كلاود يجب أن تعديني ألا يزيد اضطرابك هذه الليلة . كان يوماً مجهداً لك . ومن الطبيعي ... "
" عم تتحدثين يافتاة ؟ ستظلين هنا حتى أكون أمام عينيك أليس كذلك ؟ إنني اتوقع أن تنضمي إلينا على مائدة العشاء ؟ "
" كلا ... كلا يا آنسه كلاود . لقد اتفقت على عدة مقابلات أخرى "
قالت آديل بصوت حاد :
" أية مقابلات أخرى ؟ "
وابتلعت ربيكا ريقها . ثم اخذت تبحث في عقلها عن أعذار تلتمسها وأخيراً قالت :
" فكرت في أن أمضي الليلة في الخارج "
" ماهو المكان الذي ستتوجهين إليه وحدك ؟ لك أن تتجولي في الجزيرة أثناء النهار . ولكن عندما يأتي الليل . فالأمر مختلف ! "
" سبق أن قلت لي انه يمكنني أن أستقل السيارة "
" أعرف ذلك ؟ ولكن قد أحتاج إلى خدماتك هذه الليلة الىن إذهبي واخلعي زي التمريض . وارتدي ثوباً جميلاً "
وتطلعت ربيكا إلى آديل في يأس وقالت :
" أريد أن أتناول العشاء في غرفتي يا آنسه سانت كلاود "
" لماذ ؟ هل هذا بسبب وجود بيير ؟ "
" ماذا ؟ لا ... لا "
" حسناً ... لا أظن أنني السبب سبق أن تناولت العشاء معي مرات عديدة "
" لماذا ترغبين في أن أنضم إليكما للعشاء ؟ "
" ربما لأن الأيام التي أمضيتها هنا كانت بلا أحداث . وأشعر بالاسف لك وعلى العموم . لن تتيح لك الأيام الفرصة لتتناولي الطعام مع مليونير "
وأنسبت ربيكا أظافرها في راحة يدها . ثم سألت :
" هل من حقي الاختيار ؟ "
قالت آديل بصوت صارم :
" لا ليس من حقك . الىن اذهبي وأعدي نفسك . حتى لا تكوني سبباً في زيادة اضطرابي ؟ "
" اذهبي وأعدي نفسك . حتى لاتكوني سبباً في زيادة اضطرابي ؟ "
تنهدت ربيكا , وانصرفت وعندما بلغت غرفتها . راحت تفحص خزانة ملابسها بعناية . وسالت نفسها : بحق السماء أي ثوب سارتديه ؟ إن الثياب القصيرة لا تقي من البرد . وهي غير مناسبة في مكان مثل هذه الجزيرة . أما الثياب شرقية الطراز هي أكثر أنوثه . ولكنها لن تشعر بأدني رغبة في أن تثير مزيداً من الاهتمام .
ولذلك اختارت قطفاناً مزيناً بنقوش الغابة . وكان طويلاً وأكمامه تختفي استدارة ذراعيها فارتدته . وانضمت إلى آديل . وعندئذ سمعت صوت محرك سيارة يتوقف عن الباب . وفتحت روزا الباب . وبعد دقائق قليلة دخل إلى الردهة شخص يقول :
" السيد بيير سانت كلير ياسيدتي . ورفيقته الآنسه إيفون دي بوي "
وشعرت ربيكا بالدماء تكاد تفجر وجهها . عندما رأت بيير يدخل الغرفة بقوامه الطويل النحيل . وهو يرتدي جاكيتاً من اللون الأبيض يتدلى من جيبها العلوي منديل أحمر . وكانت بصحبته أجمل نساء العالم . لم يسبق لربيكا أن رأت مثلها من قبل . وبالرغم من أنها كانت تبدو في مرحلة الشباب إلا أن ربيكا قدرت سنها بين الخامسة والثلاثين والخامسة والأربعين . وقد تخللت شعرها الأسود بعض الخصلات الرمادية . وكانت نحيلة القوام . أنيقة ترتدي ثوباً من الحرير الفضي . أبرز رشاقتها وعندما انتهت ربيكا من استطلاع اهم سمات غيفون . حولت بصرها إلى آديل لتعرف الانطباع الذي تركه قدوم الضيفة عليها .
ولدهشة ربيكا بدت آديل وكأنها لم تفاجأ بزيارة الضيفة بل كانت تتوقع قدومها . وانتابتها الحيرة والتساؤل . لماذا اصرت آديل أن تدعوها على مأدبة العشاء . في حين انها كانت تعرف أن بيير سيأتي بضيفة ؟ ولماذا لم تخبرها بأن زوج شقيقتها لن يأتي وحده ؟
أدركت ربيكا مدى السعادة التي ستنعم بها آديل في مثل هذا الموقف . فهل تكون قد شعرت باهتمام ممرضتها السيد بيير فاختارت هذه الوسيلة لتجبرها على ألا تعلق أمالها عليه ؟
في أي حال هذه الليلة ستكون فوق طاقة البشر .
راحت آديل تتحدث إلى إيفون . لتشعر ربيكا بأن ربيكا بأن المرأتين على معرفة سابقة منذ عدة سنوات مضت . بينما اتخذ بيير طريقة ووقف على جوار ربيكا . وتمتم قائلاً :
" مساء الخير يا آنسه . إنني مندهش لأن آديل سمحت لك بالانضمام إلينا "
" الآنسه سانت كلاود أصرت على حضوري ولسوء الحظ لم اكن في موضع يسمح لي بالاختيار "
سألها بصوت منخفض :
" لماذا تصرين على هذا المسلك الطفولي ؟ "
وهنا تطلعت ربيكا إلى آديل التي قالت لها :
" نريد ان تروي ضمأنا يا ربيكا . هل يمكنك إحضار بعض كؤوس الشراب ؟ على فكرة يا إيفون هذه هي ممرضتي ربيكا ليندي . كنت أنا وإيفون في مدرسة "
كانت نبرة آديل تشوبها البهجة والمرح ولم تجد ربيكا أمامها أي اختيار غلا أن تذهب وتشد على السيدة الفرنسية . وتسألها أي شراب تحب أن تحتسية عندما توجهت لاعداد الشراب . لحق بها بيير وشعرت بالحرج من وجوده معها ولم ينقذها غلا وصول روزا لتعلن أن العشاء قد أعد وتعهد بيير بقيادة المقعد المتحرك وهما يتقدمان ربيكا والسيدة الفرنسية ويتجهان إلى المائدة .
خيم الصمت على ربيكا وهي تتناول طعامها بينما كان الامر سهلاً في أن تدير آديل دفة الحديث مع ضيفيها . وهكذا وجدت ربيكا نفسها وحيدة ولكنها لم تابه كثيراً وكان هذا افضل لها وغن كانت تتوق على الهروب منهم جميعاً .
وقدمت روزا القهوه في غرفة الجلوس . وبعد أن أحتست ربيكا فنجانها نهضت وقالت :
" اسمحوا لي بالانصراف . علي بعض التقارير الطبية كما وانني اشعر بصداع خفيف "
تجهمت آديل . وقالت :
" كتابة التقارير ليست أمراً عاجلاً . أما بالنسبة على الصداع فإنني أعتقد أن جولة في الحديقة كفيلة بأن تخلصك منه . وأنا متأكده من أن السيد سانت كلير يمكنه مرافقتك "
وحملقت آديل في بيير الذي نهض واقفاً بدوره . فتوردت وجنتا ربيكا وتساءلت : ماذا وراء آديل ؟ ولماذا اقترحت ان يرافقها بيير أثناء جولته في الحديقة . وبخاصة أنه لم يسبق أن أبدت أي اهتمام بممرضتها من قبل ؟
قالت ربيكا :
"
شكراً لك , لكن ... "
عندئذ قاطعها بيير ثائلاً :
" آديل على حق . هواء الليل سيفيدك أكثر من جلوسك في غرفتك , أنا واثق بأن آديل وإيفون ستجدان موضوعات شتى للخوض فيها "
مالت إيفون إلى الأمام ووضعت يدها على ذراع بيير وقالت له :
" دع ليندسي تتخذ القرار لنفسها ياعزيزي . ربما تكون متعبة "
راقبت ربيكا الحديث الدائر باهتمام وتساءلت اية علاقة تربط بين إيفون دي بوي وبينه ؟ ومن ملامح المودة التي ارتسمت على وجهها استطاعت ربيكا ان تدرك ان العلاقة بينهما على النحو الأردا . فقالت ربيكا مؤكدة :
" أجل , إنني مجهد وارغب في النوم "
قالت آديل في قسوة :
" ماذا عن امري أيتها الفتاة ؟ أنسيت أن واجبلتك نحوي لم تنتهي بعد هذا المساء ؟ "
ترددت ربيكا وقالت :
" اظن ان روزا لن تمانع في مساعدتك فهي كانت تحل محلي أثناء الأمسيات التي أمضيها بالخارج "
وحتى لا تظهر آديل في صورة المستخدمه العنيدة فم تستطع أن تتخذ قرار اتجاه ممرضتها . وتمنت ربيكا للجميع أمسية طيبه . وهي تتجاهل نظرة الازدراء التي بدت في عيني بيير , وأرعت لتبحث عن الأمان في غرفتها وكانت تعرف أن آديل ستجعلها تدفع ثمن معارضتها لها بهذا الأسلوب غالياً . لكنها لم تكترث كثيراً !
*******************
3- بئر بلا قرار
في صباح اليوم التالي. لم تتوجه ربيكا إلى الشاطئ للسباحة كعادتها. ففي الساعات الأولى أيقظتها أديل بنداء ضعيف. فأسرعت ترتدي ثوبها. وهرعت الى غرفة مريضتها.
كانت أديل ترقد وسط الفراش. وكان من الواضح أنها توجهت إلى الحمام, وفي أثناء عودتها تهاوت على الأرض. وبدا جليا أنها تحاول التقاط أنفاسها, وهي تضغط راحتها على صدرها لتخفف من حدة الألم الذي كان يمزقها.
عاونتها ربيكا على النوم في وضع مريح ثم أسرعت إلى خزانه الأدويه وعادت تحمل معها دواء أعطتها إياه. وكان لوجود ربيكا اثر فعال في أن تستعيد أديل هدوئها الطبيعي. وبعد قليل تحدثت إلى الدكتور مانسون هاتفيا وطلبت منه المجيء بسرعة.
وعندما وصل الطبيب أثنى على ما فعلته ربيكا وانب أديل على طيش سلوكها في اليوم السابق وقال لها:
" ليكن في علمك أن صحتك لا تحتمل قضاء يوم كامل مشحون بالانفعال. بالاضافه إلى انك تناولت طعاما دسما. ربيكا اخبرني بكل شيء. أنت سعيدة الحظ بوجود ربيكا معك. لا ادري ماذا كلن يحدث لو..."
وكانت أديل قد بدأت تفيق تدريجيا من نوبة الشلل التي هاجمتها. فألقت نظره عتاب إلى ربيكا وقالت:
" إنا في صحة جيده ولا حاجه لاستدعائك بتاتا. أرادت ربيكا ان تخبرك بأنني لم أنفذ تعليماتها. يا الهي متى تأتي الساعة التي لا اعتمد فيها على احد "
نظر اليها دكتور مانسون بحنان وقال:
" آنت تدركين تماما بأنك ستعتمدين على غيرك ما حييت, وهذا امر يجب ان تتقبليه برحابة صدر "
بدت المرارة على وجه أديل وصرخت بصوت يشوبه ألم العذاب:
" لقد عشت به طوال حياتي "
تحول دكتور مانسون عنها وفي عينيه نظرة يأس وشاركته ربيكا شعوره بهزة من رأسها. كان كل منهما يخشى آثار الكآبة على نفسيه أديل.
وبعد رحيل الطبيب قامت ربيكا بإعطاء أديل قرصا مهدئا. وبعد قليل استغرقت في النوم وأحست ربيكا بالذنب وراحت تلوم نفسها واخذ عدد كبير من الاحتمالات يطن في عقلها. فلو أنها مكثت معها ليله أمس حتى انتهاء وليمه العشاء, لو أنها رافقتها حتى الفراش. لو أنها راقبت العلامات الأولى التي تنذر بقدوم النوبة لأمضت أديل ليلة هادئة ولما أصابتها هذه النوبة. لا شك أن الطعام الدسم وكمية الشراب التي احتستها سبب ما حدث لها!
تركت ربيكا فراش أديل وتوجهت إلى غرفتها وكانت الساعة تقترب من السابعة صباحا. ولم تفكر في أن تأوي إلى سريرها. فقد تحتاج إليها أديل ثانيه. ولذلك توجهت إلى المطبخ وطلبت فنجانا من القهوة من روزا التي بدا القلق على وجهها وراحت تسأل ربيكا اسأله عديدة عن أديل. هدأتها ربيكا ثم سألتها:
" هل كانت أديل بخير عندما قمت بمرفقتها إلى السرير ليلة أمس؟ "
قالت روزا:
" كانت متعبه فقط. رأيتها تتناول قرصها كما أخبرتني أنت. كانت بخير "
" لا داعي للقلق يا روزا. ستعود إلى حالتها الطبيعية حلال يوم أو اثنين. عليها أن تمكث في فراشها اليوم وربما غدا أيضا. إن الدكتور مانسون اخبرني بذلك "
وقدمت روزا فنجان القهوة وقالت لها:
" هل أنت بخير الآن؟ إن السيد سانت كلير اخبرني بأن صداعا قد ألم بك ليلة امس, ولذلك توجهت إلى فراشك قبل رحيل الضيوف "
" أخبرك السيد سانت كلير بذلك! متى رأيته؟ "
" لقد ساعدني على ان أضع أديل في فراشها قبل ان يرحل "
عضت ربيكا شفتيها وقالت:
" أوه..أوه! متى رحل الضيفان ليلة أمس؟ "
لم تسمع ربيكا محرك السيارة عند رحيلها. وقد يرجع السبب في ذلك الى ان غرفتها تقع بعيدا عن الطريق العام. وأفاقت على صوت روزا وهب تقول:
" رحلا بعد أن أويت إلى فراشك مباشرة "
هزت ربيكا رأسها, وحملت فنجان القهوة, واقتربت من النافذة, وراحت تتأمل المرج الممتد خلف الفيللا. لم تفكر في الألم اللذيذ الذي كانت تشعر به في أعماقها. وراحت تسأل لماذا يحاول بيير ان يؤثر فيها بهذه الطريقة؟ لماذا لا تستطيع أن تبعد التفكير فيه عن ذهنها؟
كان المرض المفاجئ الذي داهم أديل مانعا من أن تلوم ربيكا على ما بدر منها من شلوك في الليلة الماضية أثناء مأدبة العشاء, ولما تمالكت قواها وغادرت الفراش في اليوم التالي وجهت بعض التعليقات الساخرة لها. وان لم تشر إلى اسم بيير سانت كلير بإشارة. وكان التفسير الواضح الذي شعرت به ربيكا لعدم ذكر اسمه يرجع إلى هناك أسباب تحتفظ بها أديل لنفسها, وتمنت ان تعرف ما يدور في خلد مرضتها.
وفي مساء اليوم الثاني لحدوث النوبة بدأت أديل تعود إلى حالتها الطبيعية, مما أتاح الفرصة لربيكا لأن تتوجه إلى الشاطئ وتمارس رياضة السباحة. كانت أول مره تغادر فيها الفيللا. لأنها خشيت طوال الوقت على أديل أن تهاجمها نوبة أخرى.
خلعت ثيابها, ولامست قدماها الماء البارد ثم القت بجسمها في احضان البحر. وراحت تسبح مسافات طويله حتى شعرت بالحيويه تتجدد في ساقيها. فألقت بظهرها فوق سطح الماء. وراحت تتامل قوس السماء التي تعلوها.
عادت الى الشاطئ وهي منتعشه, ونفضت الماء عنها. وبينما كانت تضم الروب حول جسمها جيدا تناهى الى سمعها صوت وقع اقدام تسعى نحوها فأجفلت ورأت شبح رجل مقبلا عليها وراودها التفكير في الهرب ولكن أطرافها تجمدت مكانها. ووقفت عاجزه عن الحركه وقالت:
" الا تعلم أنك تقتحم خلوتي؟ انه شاطئ خاص!"
"وانت مجنونه لكي تستحمي وحدك هنا. يا الهي أليس لديك أي ادراك يا ربيكا؟"
وسألته وهي ترتعد:
" هل كنت تتجسس علي؟ "
" انا لا اتجسس عليك. وانما جئت هنا على امل رؤيتك. ان منظر انثى شبه عاريه مثلك ليس امرا جديدا بالنسبة الي. واذا كنت متطفلا كما تقولين, فماذا كان سبيلك للدفاع عن نفسك وانت في مثل هذا الثوب؟ "
عادت تكرر مرة اخرى:
" انه....انه شاطئ خاص! "
" ولكنه ليس محددا بسياج. انت تعملين باستمرار على اثارة غضبي. عندما اتحدث اليك او عندما احاول ان اكون صديقا لك, تبادرين بالوثوب علي مثل الهرة الشرسه. جئت هنا بدون اتخاذ أي احتياطات من اجل سلامتك. لقد نفذ صبري معك "
" انني لا اطمع في تسامحك. والان ابتعد عن طريقي "
ولكن بيير ظل في مكانه يحملق فيها, وعندما بدات تتحرك تحرك هو بدوره يعترض سبيلها. فتطلعت اليه بغضب مستخدمة غضبها درعا يقيها من جاذبيته ثم قالت له بحزم:
" من فضلك ابتعد عن طريقي "
وتنحى بيير عن طريقها بدون ان يتفوه بكلمة ووجدت صعوبة في المشي فقد تجمدت ساقاها. وبعد جهد استطاعت ان تقطع الشاطئ وتخترق الحشائش حتى بلغت الفيللا ولم تنظر وراءها, ولكنها كانت تدرك تماما انه يتطلع اليها.
وفي نهاية الاسبوع تحدثت أديل تلفونيا ودهشن ربيكا اذا اعتادت أديل ان تسألها القيام بهذه المهمة وكان من الواضح ان أديل كانت تبغي ان تكون وحدها أثناء المكالمه فتركتها ربيكا وهي تتساءل عمن يكون الشخص الذي تتحدث اليه أديل سرا.
وبعد مضي يومين وعند الاصيل قامت ربيكا بمساعدة أديل لأخذ اغفاءه قصيره ثم دخلت الى الصاله لتجمع الزهور الذابله من المزهرية. وعندئذ شعرت ان بيير سانت كلير دخل الى الصاله, فتطلعت اليه ورأت البرود والتجهم باديين على وجهه فقالت له على الفور:
" لنني لم اسمع صوت محرك سيارتك "
" تركتها في مكان بعيد, اذ خشيت ان تكون أديل نائمه ولم ارغب في ازعاجها "
" ما دمت تعرف ان أديل نائمه فما سبب مجيئك؟ "
" لأسباب واضحه. انني استطيع ان اتصور ما اخبرتك به أديل عني. ولكن ارجوك لا تتسرعي في اصدار حكمك علي "
" ليس من حقي ان اصدر حكما عليك. ان ما اشعر به حقيقة هو انك تبدد وقتك ومواهبك في مطاردتي "
" كفى...انت لا تعرفين شيئا عن حياتي "
واطبق قبضته في غضب, ثم استطرد يقول في نبره متغيره:
" ربيكا...هيا بنا نقوم بجوله في سيارتي "
" لا استطيع...ربما تحتاج الي الانسه سانت كلاود "
" لن تحتاج اليك قبل ساعه...هل تعتبرين طلبي امرا مستحيلا؟ وهل تعتبرين صحبتي شيئا بغيضا الى نفسك؟ "
واشاحت بوجهها عنه فقد كانت حواسها كلها تهيب بها ان تقبل دعوته, بينما كان عقلها يرفضها. ولكن العقل يجب ان يقهر من اجل سلامته. وعندما تحركت ربيكا نحو الممر المؤدي الى غرفتها سألها بحزم:
" ما هو قرارك؟ "
" سأكون مستعده بعد قليل "
وحينما عادت وجدته يذرع الصاله نافذ الصبر, كأنه حيوان سجين في قفصه,ولكن عينيه تألقتا بالبريق عندما رأها جذابه وهي ترتدي تنوره بيضاء بكسرات وبلوزه بلا اكمام. قال لها:
" اخبرت روزا بأننا سنخرج سويا في حالة ما اذا استيقظت أديل اثناء غيبتك "
استقلا السياره وقطعا مسافه استغرقت ثلاث ارباع الساعه حتى بلغا سهلا يقع فوق ربوه عاليه تطل على الوادي كله. أوقف بيير محرك السياره وفتح الباب المجاور له ترجل خارجا, وراح يتأمل جمال منظر الجزيره. ثم استدار حول السياره حتى بلغ ربيكا التي ظلت جالسه في مقعدها فسألها:
" حقا المنظر جميل, أليس كذلك؟"
قالت ربيكا بتعاسه:
" حقا جميل! ولكن يجب ان نعود اننا سنتأخر "
مال على الباب وعيناه تدغدغان مشاعرها وقال:
" أوه يا ربيكا. هل أنت دائما مهتمة بما هو صحيح وما هو خطأ؟ "
ترجلت ربيكا تاركه مقعدها لتقف الى جواره وهي حريصة على ان تكون بعيدة عنه, ولكنه كعادته نجح في بلبة افكارها. تنهد ثم قال لها:
" اقتربي مني, سنجلس قليلا, هل تدخنين؟ "
"كلا...لا ادخن "
جلس بيير على الارض الخضراء التي ادفأتها اشعة الشمس واخرج سيكاره واشعلها ثم تطلع الى ربيكا وهز رأسه في تعجب وقال لها:
" اخبريني, ما سبب قلقك؟ "
تدافعت انفاسها, وفجأه تذكرت السبب الذي دفعها الى ترك بريطانيا. لقد ماتت جدتها قبل ان تنتهي فترة تدريبها فاضطرت ان تعيش في شقه مع ممرضه تدعى شيلا. كانت مخطوبه لشاب يدعى بيتر فيلدمان وكان من الطبيعي ان يتردد بيتر على الشقه. فأحس بأنجذاب عاطفي نحو ربيكا ومالت اليه بدورها, كان الموقف حرجا, لأن شيلا كانت فتاة مليحه وصديقه مخلصه, ولا تستحق ان تطعن في مشاعرها, ولذلك فإنها عندما انتهت من دراستها قبلت هذه الوظيفه التي تجملها الاف الاميال, بعيدا عن الاغراء الذي يفرق بينها وبين صديقتها. ولقد ظنت انها كانت تحب بيتر ولكن هذه الارض الجديده وبفعل الظروف المحيطه بها استطاعت ان تنساه وشكرت السماء حين اكتشفت ان عاطفتها نحوه انطفأت جذوتها. في الوقت الذ بدا فيه بيير يخلق لها مشاكل مختلفه تماما. فقد اثار عاطفتها بطريقه لم تعتقد يوما ان انسانا يستطيع اثارتها. حقا انه لم يمسها ولم يبذل من جانبه أي مجهود واضح, ومع ذلك استطاع ان يشيع الاضطراب في مشاعرها.
لقد فزعت عندما تحدث اليها وهي في سيارتها وكانت خينئذ مستغرقه في افكارها فلم تدرك دوافعه, اما الان فأنه يسألها سؤالا مباشرا:
" لماذا تخافينمني يا ربيكا؟ "
حاولت ان تفتح فمها لتعترض ولكنها اغلقته من دون ان تتفوه بكلمه. انها حقيقة لا مراء فيها. انها خائفه منه او على الاقل خائفه من القهوة التي يفرضها عليها. وعندما شرعت في الابتعاد عنه, أطبقت أصابعه على ذراعها وتنهد بحرقه. ثم تمتم قائلا:
" ربي...لماذا التقيت بك؟ "
ارتجفت ربيكا من قبضته وقالت بوهن:
" يجب أن نعود "
تطلع اليها عن عمد ثم قال:
" احقا يجب ان نعود؟ انا لا ارغب في العوده, فهل ترغبين انت؟ "
" أوه...بيير! إنه...إنه...."
ومال برأسه ومست شفتاه ذراعها مدغدغا إياها عن عمد. ثم استطرد قائلا:
" يا لها من بشرة ناعمة مثل بشرة الأطفال, ولكنك لست بطفله, وإنما أنت امرأة يا ربيكا. أنت تريدينني كما أريدك أيضا "
" لا...لا...أنت مخطئ! "
لم يحاول أن يبقيها بين يديه عندما بدا الخوف على محياها, وإنما راح يراقبها فترة سادها الاضطراب, ثم أشاح بنظراته عنها وراح يحملق في الجزيرة ومياه البحر اللانهائي. ومرت بها لحظه انتابتها الرغبة في العودة إليه. ولكنها قبل أن تحقق رغبتها, رأت بيير يخطو فجأة بخطوات واسعة نحو السيارة وهو يقول لها بصوت آمر:
" هيا بنا "
ووجدت نفسها تسارع في الانضمام إليه. وفي طريق العودة خيم الصمت عليهما حتى بلغا الفيللا ومد ذراعه وفتح لها الباب فانزلقت منه خارجه. وبدون أي كلمة أغلق الباب ثانية وأدار محرك السيارة وانطلق ينهب الطريق.
وكانت مفاجأة ربيكا أن تجد أديل مازالت في فراشها طوال الفترة التي غابت فيها عنها. وما كادت تدخل غرفة النوم حتى سألتها المرأة العجوز:
" أين أمضيت كل هذا الوقت يا آنسة ربيكا؟ "
أغلقت ربيكا الباب ثم ارتدت زي التمريض على أمل أن يشفع لها لدى مريضتها وأجابت:
" قمت بجوله في سياره السيد سانت كلير. انني اسفه اذا كنت قد تأخرت. كيف تشعرين الان؟ هل استمتعت براحة كافية؟ "
" انتظري دقيقة, أريد تفسيرا لخروجك معه "
تنهدت ربيكا وقالت:
" جاء وأنت نائمة ودعاني للخروج معه, وقبلت دعوته. أنني أسفه إذا كان لديك اعتراض على خروجي معه "
"انتظري قليلا, إنا لم اقل إنني معترضة. هل قلت ذلك؟ ماذا حدث؟ "
" ماذا تعنين بقولك ماذا حدث؟ ماذا يمكن أن يحدث؟ لا شيء إطلاقا طبعا "
وبدأت ربيكا في طي الاغطيه, استعدادا لمغادرة أديل الفراش فسألتها أديل:
" هل أخبرك بسبب دعوته لك؟ "
" اعتقد إنها كانت نهاية المطاف, وأنه لن يدعوني مرة ثانية "
حملقت أديل في وجهها وسألتها:
" لماذا؟ ماذا حدث؟ "
بذلت ربيكا جهدا كبيرا كي تحتفظ بهدوء أعصابها, فقد كانت تعرف أن أديل تتحرق شوقا الى معرفة أي أخبار. وفي هذه المرة لا تستطيع ربيكا أن ترضي فضولها, ولا تستطيع أن تكشف لها ما دار بينها وبين بيير سانت كلير. فقد بدا لها ما حدث لا يعدو أن يكون تجربة قامت بها وتحتاج نتائجها الى تحليل. وفجأة صرخت أديل قائله:
" بربك يا فتاة. ألا أستطيع أن أبدي قليلا من الاهتمام عندما أرى ممرضتي تجذب اهتمام رجل مثل بيير سانت كلير؟ "
قامت ربيكا بمساعدة أديل على مغادرة الفراش وعاونتها على تثبيت ثيابها ثم قالت:
" ما حكايتك يا ربيكا؟ هل تشعرين بالغيرة؟ "
فتطلعت إليها ربيكا بغضب وقالت:
" لا...بالطبع لا "
وصمتت ربيكا قليلا حتى لا تتيح لأديل إثارتها. وهذا تماما ما تصبو إليه المرأة العجوز. وقد توقعت منها ان تصب جام غضبها على أية بادرة خطأ تحدث منها. ولذلك تقبلت ربيكا هذا اللوم بأبتسامه. واجلستها على المقعد المتحرك ودفعتها الى غرفة الجلوس حيث كانت روزا تعد شاي بعد الظهر. و أصرت أديل على أن تصب الشاي بنفسها وتعمدت أن تسكب قليلا من السائل الساخن على السجادة بالقرب من قدمي ربيكا التي اضطرت للبحث عن قطعه قماش لتجفف بها أثار الشاي المسكوب وهي تدرك أن أديل كانت تتمنى لو أنسكب السائل الساخن فوق رأسها!
واستأذنت ربيكا لكي تعيد تنظيم فراش أديل ثم توجهت لغرفتها لتنظيفها, وكانت حماستها فارتع. وعندما استنفدت صبرها ألقت بجسدها فوق سريرها, وراحت تحدق في المرآة شاردة الذهن وطفقت تحدث نفسها: لو لم تقبل بيير لما تشتت تفكيرها. كانت الحياة بسيطة منذ عشرة أيام, وكانت راضيه بحياتها ومتقبله لتصرفات أديل الشاذة. ولكن بيير افسد عليها حياتها. لقد أثار في أعماقها معنى الحياة. هل هي حمقاء أن ترفض ما قدمه له حتى لو لم يكن أبديا؟ إن كل ما تعرفه عنه انه رجل ثري وان زوجته متوفاة. هذا ما أخبرتها بها أديل وهي تحدثها عنه. أما هو فلم يخبرها بشيء. هل لديه أسره؟ وإذا كانت لديه أسرة, فأين هي؟ كان في نظرها لغزا مثل بئر بلا قرار!
في صباح اليوم التالي التقت ربيكا بالسيد بيير سانت كلير على الشاطئ فقررت أن تسير بعيدا عنه ولكنه قال لها فجأة:
" جئت لأعتذر لك عما بدر مني من تصرفات. يا الهي لم أكن سيء السلوك يوما ما "
وتطلعت إليه ربيكا مندهشة, وتساءلت هل هو جاد في كلامه أم أنها محاولة جديدة للعبث بها! ولكنها تبينت أمارات الجدية بادية على وجهه. فمدت يدها محيية وقالت:
" لا تلم نفسك...لم يحدث أي ضرر! "
" أحقا ما تقولين؟ كيف حال أديل هذا الصباح؟ هل ما زالت نائمة؟ "
" لقد أخبرتك بأن أديل تظل نائمة حتى التاسعة "
" أنني أتبادل معك الحديث هذا كل ما في الأمر "
" أوه...انه ليوم جميل! ما خططك لهذا اليوم؟ "
" أنني على موعد لمقابلة الوزير هذا الصباح. أما بعد الظهر فإنني لا أدري ماذا أنا فاعل. ربما أقوم برحلة بحرية لمشاهدة الجزر. سأمكث أسبوعا آخر هنا أقوم فيه بزيارة الأماكن التي يتردد عليها السياح عادة.
تمتمت ربيكا قائله:
" أسبوع آخر؟ وبعد ذلك ماذا ستفعل؟ "
" سأقوم بزيارة باريس. لدي شقة هناك تقع في الضواحي "
" الديك بيت واحد فقط؟ "
ابتسم ابتسامة شاحبة ثم قال:
" بيت؟ قولي هل لديك وطن؟ "
اتسعت عينا ربيكا وقالت:
" طبعا...أنت لست جادا في كلامك "
" أنا جاد تماما. لدي أربعة بيوت. هذا ما تبغين معرفته, أليس كذلك؟ "
" إنني لا أهتم بما تملك, إذا كان هذا ما تشير إليه "
تردد بيير ثم تنهد وسألها:
" ألا تهتمين حقا؟ إذا أنت فريدة من نوعك يا آنسه! "
تأملت ربيكا استدارة أظافرها ثم سألت نفسها: لماذا لا تتركيه الآن؟ لماذا لا ترحلي قبل أن يتطرق الحديث إلى أشياء أخرى؟ وشعرت به يتحف1ك ويخطو خطوة واسعة نحوها, وقد ركز نظراته على رأسها المنخفضة وبعد قليل قال لها:
" اغفري لي مرة ثانيه. يبدو أنني أتفنن في قول وفعل الأشياء الخاطئة! "
" الأمر لا يهم "
" من الواضح انه لم يخطر ببالك أن لقاءاتنا المتكررة لا تعدو أن تكون مجرد مصادفات "
تطلعت إليه بعينين فزعتين وقالت له:
" لا أعرف ما الذي تهدف إليه. أظن أنه من الأفضل أن أذهب "
ندت صرخة من صدره وراح يمرر راحته فوق شعر رأسه وهو يقول:
" أجل...أجل...اذهبي. هذا ما تعودت عمله عندما يتأزم الموقف بيننا, أليس كذلك؟ "
عضت ربيكا شفتها السفلى وقالت:
" إنني لا أرى أي هدف في هذا الحديث "
" هل هذا ر%Cيك, أم أنك تخافين الاستمرار فيه؟ "
ترددت ربيكا ثم تنهدت وقالت:
" أعرف أنني أصبحت موضع اهتمام واحد يعد أقوى فرد في عائلة سانت كلير, وأنني لا أرى أي هدف من وراء مناقشة ذلك. ماذا تريد مني؟ إنني لست واحدة من مجتمعك النسائي. ولست على استعداد لكي أبيع نفسي إلى الطبقة العليا...بل أنني لا ارغب في ذلك "
امتقع وجه بيير وقال:
" كيف تجرؤين على الحديث معي بهذا الأسلوب؟ "
وفي الحقيقة لم تعرف ربيكا بدورها كيف تحدثت بهذا الأسلوب. لقد انطلقت الكلمات من فمها بلا تفكير, فشعرت بالخجل وقالت أخيرا:
" أسفه...إنني أسفه, لست أدري ما الذي دهاني "
رمي بيير سيكارته تحت نعل حذائه وقال:
" يبدو أن كلا منا قد أخطأ في أحكامه, أقول لك , إلى الملتقى يا آنسه "
تركها فجأة وسار طوال الشاطئ. وشعرت ربيكا بالتعاسة وودت لو جرت وراءه وتوسلت إليه أن يغفر لها. وقالت له أن عواطفها المضطربة هي سبب ما تفوهت به, وأدت إلى نقطة الاختلاف بينهما. ولكن كيف السبيل إلى الحديث معه؟ ربما لو تحدثت إليه لأنفجر ضاحكا منها. في أي حال ان الأسباب التي يريدها من أجلها كانت تختلف عن الأسباب التي تريده من اجلها.
استنشقت نفسا عميقا وبدأت تسير على الشاطئ والتعاسة تملأ أعماقها وتمنت في هذه اللحظة الا تراه ثانية. وكانت مواجهة هذه الحقيقة مفزعة لها. واستغرقت في أفكارها فلم تشاهد أبو جلمبو وهي تدوسه بقدمها. وانغرست أطرافه في جلدها فأطلقت صرخة مدوية وسقطت على الرمل وهي ممسكة بقدمها المجروحه, وراحت تفحص ما أصابها فرأت الدم يتدفق من التمزقات التي شقت الجلد. وامتزجت الآم جروحها بشعور الكآبه الذي كانت تكابده فأطلقت العنان لدموعها تجري فوق خديها.
واستغرقتها هذه الحالة فغطت عينيها بذراعها, فلم تلاحظ ظل شخص أخر يتقدم نحوها. وعندما احست بوجوده تطلعت ببصرها نحوه ومسحت بسرعة آثار الدموع من فوق خديها. وتطلع اليها بيير وسألها:
" ماذا حدث؟ سمعت صرختك "
هزت ربيكا رأسها وقالت:
" لا شيء اطلاقا "
جالت عيناه في أرجاء المكان حتى وقع بصره على بقع الدم فوق الرمل, ومال بجسمه ورفع قدمها وفحصها فقالت له:
" أخبرتك بأنه ليس هناك شيء اطلاقا. داست قدمي على أبو جلمبو "
قال لها:
" يجب أن تنظفي مكان الجروح ببودرة سلفا عندما تعودين الى الفيللا "
ثم مال برأسه وأخذ يمتص الدم من كل جرح ويبصقه فوق الرمل. وكانت ربيكا تراقبه غير مصدقه عينيها لما يفعله وعندما انتهى قال لها:
" الا تعرفين أن هذه الطريقة هي أفضل وسيلة تمنع سريان السم في الجسم؟ أعرف انها طريقة بدائية اذا ما قورنت بخبرة ممرضة مثلك, ومع ذلك فإنها فعالة "
قالت له بإستسلام:
" شكرا لك! "
أعاد بيير قدمها لتستقر فوق الرمل. ووجدته يجلس أمامها وراح يتطلع إليها وقد أرتسم على محياه تعبير غريب. سألها برقة:
" لماذا كنت تبكين؟ "
هزت ربيكا رأسها وقالت:
" غباء مني. ان الجروح لم تكن بالخطورة التي كنت أتصورها "
" لا أعتقد أن هذا كان سبب بكائك, الا يمكن أن تكوني صادقة مع نفسك يا ربيكا؟ "
تحرك فجأة وحملها على ذراعيه وقال لها:
" سأصحبك الى الفيللا "
عارضته ربيكا ولكنه تجاهلها. فاستسلمت وشعرت بالفرح لقربه منها. وعندما اخترق بها المرج وتوجه صوب المنزل لم يحاول أن ينظر اليها ولكنها كانت تشعر بصلابة ذراعيه ورحابة صدره وحرارة جسمه.
سألها بصوت منخفض عندما وقف في وسط الصالة قائلا:
" أين غرفتك؟ "
أشارت ربيكا الى الممر فقطع المسافة بخطوات واسعة, وعندما بلغ بابا أشارت اليه فدفعه بيير ودخلا الغرفة. فرأى الفوضى تشيع فيها. الفراش لم يسو بعد والأغطية مدلاة من فوقه, والثياب مبعثرة. سار بيير نحو السرير ليضعها فوقه فالتفت ذراعاها حول عنقه حتى يستقر جسمها بارتياح وشعرت بجلده الناعم, وعندما حاول أن يستقيم بجسمه منعته. وتمتم بصوت متهدج:
" اتركيني يا ربيكا "
وحاول أن يبعد ذراعيها من حول عنقه ولكن أصابعها ازدادت تشبثا به فاضطر أن يجلس الى جوارها. كانت عيناه تكابدان العذاب وهو يحدق فيها, وفجاة مال برأسه نحوها...ومد يده التي راحت تتحسس كتفها, ثم أخذت تتلمس طريقها الى ذراعها وحين بلغت وسطها قامت بفك أزرار سترتها وعندئذ ثارت مشاعرها, ولكن ما أثارها اكثر كانت رغبتها فيه مثل رغبته فيها. وكانت لمساته مدمرة لحواسها, ولكنه انتزع نفسه فجأة فشعرت بخيبة أمل.
ابتعد عنها وأدار لها ظهره وهو يهز رأسه قائلا:
" لا..لا ...يجب الا ارتكب اثما "
حملقت ربيكا في ظهره وتجهم وجهها. وعندما استدار وتطلع اليها قال:
" ربيكا...يجب أن أرحل "
ارتكزت ربيكا على مرفقيها فبدت مثيرة وتمتمت قائلة:
" هل تفر هاربا يا بيير؟ "
هز كتفيه, وراح يتفرس فيها بعينين نهمتين وقال:
" أجل..أجل...انني افر...انني لا أستطيع أن أدمر هذه البراءة "
ازداد تجهم ربيكا وانزلقت من الفراش وقالت له:
" بيير...بيير...انني أعرف ما ألإعله! "
تتطلع ببصره نحو السماء وقال:
" أرجوك يا ربيكا لا تجعلي الأمر يبدو قاسيا على نفسي أكثر مما كان. لأول مرة في حياتي بعد سنوات عدة عشتها مع امرأة كنت أكرهها, واحتقرها اتيحت لي الفرصة لأن اجد شيئا جميلا. شيئا جديرا بتقديري. ولكن يا الهي...لا أستطيع أن اناله "
واستدار فجأة ليغادر الغرفة وهو يقول:
" يجب أن أرحل...ان أديل سوف تستيقظ حالا...واذا عثرت علي هنا..."
قاطعته ربيكا وقد امسكت بذراعه وجذبته نحوها, وتمتمت قائله:
" بيير...عم تتحدث؟ انني لم اطلب منك شيئا, ولا اتوقع منك شيئا "
امسك بكتفيها وهزها برقة قائلا:
" لم لا تحاولين الاتصال بي؟ اننا لا نستطيع ان نناقش الامر الان. ليس هناك متسع من الوقت. انني أحتاج الى وقت لكي....لكي... "
صمت ثم هز رأسه واستطرد قائلا:
" قابليني الليله...سوف نتبادل الحديث "
" حسنا...ولكن كيف نلتقي؟ اقصد كيف يحدث ذلك بدون أن تعلم أديل؟ "
" سأحضر الى هنا...سنلتقي على الشاطئ...التاسعه ما رأيك؟ "
بلعت ربيكا ريقها وقالت:
" لا بأس "
وهبها ابتسامة رقيقة...ثم امسك بها وضمها الى صدره وهمس في أذنها قائلا:
" أنت تستحقين كل الحب. أحبك "
وبدون أن يتيح لها الفرصه لأن تتفوه بكلمة انفلت خارجا من غرفتها.
وبعد رحيله سارت ربيكا معتمدة على ساقيها المضطربتين لتغلق الباب, واستندت بظهرها عليه. وراحت تستعيد الأحداث التي مرت بها سريعا. وتساءلت ماذا يعني كل هذا؟ ماذا يعني بيير بالنسبة اليها؟ وهل الكلمات الأخيره التي فاه بها جادا تماما؟ قال لها أحبك..هل هذا محتمل حدوثه؟ هل أحبها؟ واذا كان يحبها, فما الذي يضمره لها؟
اتجهت مذهولة إلى طاوله الزينة, وتطلعت إلى الساعة التي كانت تشير إلى الثامنة والنصف. حان الوقت لارتداء ملابسها وإعداد طعام الإفطار. وإلا فإن روزا ستبدأ في التساؤل إذا ما تأخرت عن موعد الحضور. وبدت لها الساعات التي تفصل بين الوقت الحالي والساعة التاسعة مساء طويلة. وكان السبيل الوحيد لكي يمر الوقت سريعا هو أن تغرق نفسها في الأحلام!
********************
4- الحقد حلم جنوني
لم تكن روزا في المطبخ عندما دخلته ربيكا . فانتابتها الحيرة . لأنها اعتادت ان ترى مدبرة المنزل في مثل هذا الوقت من الصباح تعد صينية طعام آديل . وكانت كل الدلائل تشير الى أنها كانت موجودة منذ لحظات . ولابد أن تكون قد خرجت لشراء الخضروات . ولذلك قررت ربيكا ان تصب لنفسها فنجانا من القهوة . وجلست الى المائدة تحتسيها في الوقت الذي أقلبت فيه روزا من البهو .
ابتسمت ربيكا وقالت :
- صباح الخير ياروزا .
ولكن روزا لم تبادلها الأبتسامة . وأنما قالت على الفور :
- صباح جميل يا آنسة . هل أعددت قهوتك ؟
- اجل شكرا . لقد افتقدت وجودك ... ولذلك أعددت القهوة بنفسي.
ولكن ربيكا وجدت ان روزا مشغولة عنها فقالت :
- هل حدث شئ ؟
جالت روزا ببصرها في المكان والقلق باد على محياها . وأخيرا قالت :
- ليس تماما يا آنسة . كل ما في الأمر انني حملت صينية الأفطار الى الأنسة آديل .
اصطك فنجان القهوة بالطبق في يد ربيكا وسألت :
- تقولين ماذا فعلت ؟
- اقول انني حملت الصينية الى الآنسة اديل . لقد طلبتها .
هزت ربيكا رأسها مستفسرة :
- هل طلبتها ؟
- اجل يا آنسة . في بادئ الأمر ظننت انك موجودة في صحبتها . ولكن الأنسه اديل جاءت الى المطبخ . على كرسيها المتحرك .
وقفت ربيكا مأخوذةوقالت :
جاءت الى المطبخ على كرسيها المتحرك ! آسفه يا روزا اذا كنت أبدو لك حمقاء . ولكن مافعلته اديل لم يحدث من قبل . منذ اتيت الى هنا .
- اعرف يا انسه . لقد دهشت انا بدوري . اظن انها استيقظت .
استغرقت ربيكا في التفكير وفجأة لاحت لها امور شتى فسألت :
- متى ..متى حدث ذلك ؟ ومتى جاءت الى المطبخ ؟
- اظن منذ خمس او عشرين دقيقة .
- خمس عشرة او عشرين دقيقة ؟
قالت ذلك ثم اغلقت عينيها لفترة طويلة ..وعندما فتحتها ثانية كانت روزا تراقبها عن كثب . وعندما شعرت ربيكا بقلق روزا . رسمت ابتسامة شاحبة على شفتيها وقالت :
- كل شئ على ما يرام ياروزا . كنت افكر . هذا كل مافي الأمر . هل قالت لك الآنسة آديل شيئا عندما حملت اليها الصينية ؟
- لا يا آنسه . لقد جاءت لتقول لي انها تبحث عنك .
كان من الصعب على ربيكا العثور على أسباب لما فعلته آديل . وقد يقفز تفكير اديل الى احكام غير ضرورية . ولكن مهما يكن الموقف . فأن عليها ان تواجه اديل . وقبل كل شئ وبعده فأن امرا سيئا لم يحدث . هل حدث حقا شئ سئ ؟ لقد شجعتها اديل على الخروج مع بيير سانت كلير . هو بالتأكيد فأنها لاتستطيع ان تعترض . لأنه عاد بها من الشاطئ .
ولكن هل هناك شئ اكثر من هذا ؟ هل رأتهما آديل او سمعتهما وهما يعبران البهو ؟ او هل تبعتهم حتى غرفة ربيكا ؟ وعند هذا التساؤل توردت وجنتاها .
وحاولت ان تتذكر هل كان الباب مفتوحا ام كان مغلقا . ولكنها تذكر الآن ان الباب كان مفتوحا . لأن بيير دفع الباب عندما حملها الى داخل الغرفة وتركه خلفه مفتوحا . هزت رأسها . فأن احدا منهما لم يلاحظ المتلصص الذي جاء هادئا .
وراح يراقبهما . انتاب ربيكا شعور بالغثيان , فأشاحت بوجهها عن روزا حتى لاترى امتقاع وجهها . ولكنها وجدت انه من السابق لأوانه التفكير في أشياء تتصور ان اديل وصلت اليها وأصدرت فيها أحكاما . ولايعني هذا ان اديل ستناقشها فيما رأت او سمعت .
سارت ربيكا نحو الباب وقالت وهي تغادر المطبخ :
- سأذهب لأتبين ما أذا كانت اديل قد انتهت من طعامها ّ!
وتوقفت ربيكا في الممر ثانية لتتسائل : لماذا تعذب نفسها بهذا الأسلوب ؟ وماذا يهم اذا كانت اديل قد رأتهما ؟ لاشئ اطلاقا قد حدث . لاشئ يمكن ان تخجل منه . على الأقل !
انتصبت بكتفيها وسارت عبر البهو صوب غرفة اديل . وبعد ان طرقت الباب ودخلت . وجدت اديل جالسة على المقعد المتحرك . وتضع الصينية على ركبتيها . تطلعت الى ربيكا بنظرة كلها انتصار غريب . فابتلعت ربيكا ريقها قبل ان تقول :
- صباح الخير يا أنسة سانت كلاود .
وضعت اديل الصينية على الطاولة بجوار الفراش . ومسحت شفتيها بمنشفة وقالت :
- صباح الخير يا ربيكا . صباح جميل اليس كذلك ؟
ضغطت ربيكا على شفتيها فقد كانت تحية غير عادية من أديل . وقالت :
- حقا ... انه صباح جميل .
وتطلعت ربيكا حولها فرأت الستائر قد انفرجت قليلا جانبا . فأزاحتها الى منتهاها حتى تتيح لأكبر قدر من ضوء الشمس الدخول الى الغرفة . وفي نفس الوقت استطردت قائلة :
- لقد استيقظت مبكرة هذا اليوم .
استراحت اديل بظهرها على المقعد وقالت :
- اجل . لعل ضوء النهار اثارني. او ربما شئ أخر . الا تظنين ذلك ؟
سألتها ربيكا وهي تحاول الأحتفاظ بصلابة عودها :
- هل جذبت الستائر جانبا ؟
هزت أديل رأسها وقالت :
- اجل فعلت . القي نظرة خارجا يا ربيكا . هل ادركت متعة المنظر الذي اتمتع برؤيته من هنا ؟
تطلعت ربيكا خارج النافذة . فرأت المرج المؤدي الى الشاطئ . وكل من يجلس امام النافذة يتمتع برؤية جمال منظر كل شئ . وكل انسان يتحرك هناك .
وأستدارت ربيكا وواجهت اديل قائلة :
- انه منظر رائع .
- كثيرا ما جلست امام هذه النافذة يا ربيكا . ليس دائما في الصباح . ولكن أحيانا في اوقات اخرى . هذا الصباح كنت قلقة . ولذلك جلست هناك لفترة .
شعرت ربيكا بعضلات وجهها تتجمد وقالت :
- اوه حقا !
- اجل ... رأيتك وأنت تتوجهين للسباحة يا ربيكا . كم أحسدك .
لم تستطع ربيكا ان تتحمل المزيد فصرخت قائلة :
- كفى ..ماذا تحاولين يا انسة سانت كلاود ؟ انت تحاولين قول شئ اليس كذلك ؟
- صدقيني يا ربيكا انت حساسة هذا الصباح . ماذا تظنين انني احاول قوله ؟
"هل انتهيت من تناول طعامك يا آنسة سانت كلاود؟ إذا كنت قد فرغت منه
فسأحمل الصينية إلى المطبخ ..
"مهلأ يا آنسة ، تعالي واجلسي , أريد أن تخبريني بما حدث بعد ظهر الأمس ؟
حدقت ربيكا فيها بدهشة ، وقالت :
"بعد ظهر الأمس ؟ ماذا حدث بعد ظهر الأمس ؟.
رفعت آديل حاجبيها وسألت .
"رحلتك مع بيير. أريد سماع كل ما حدث ..
"لا شيء هناك يمكن أن أفضي به لك . أرجوك يا آنسة سانت كلاود. دعيني أحمل
الصينية حتى تأخذي حمامك ..
"فيما بعد يا ربيكا. أما الآن فإن لدينا أمورأ يجب مناقشتها. حسنأ يجب أن أقول
لك بعض الأشياء عن بيير .
شعرت ربيكا بالمرارة وقالت بحزم .
- لا أريد الكلام عن السيد سانت كلير.
ضيقت آديل ما بين عينيها. وقالت :
" لا أريد منك أن تتحدثي عنه يا ربيكا، من أجل مصلحتك ..
"ماذا تعنين ؟.
" إني اجرؤ فأقول بأني أعرفه أكثر منك . واتساءل هل كنت حمقاء اذ
تركتك تتعرفين إليه !.
" انت لم تسمحي لي بأن أفعل شيئا. إنني وحدي أستطيع أن أتخذ قراراتي. شكرأ لك ..
"عجبا ..عجبا مسكينة جنيفر فقد وثقت به بدورها. كما فعلت أنت .
ضغطت ربيكا على شفتيها وحدثت نفسها بأنها لن تكون موضع تساؤل من احد . كانت آديل تراقب ملامح وجهها، واستطردت تقول:
" مسكينة ..جنيفر. لقد سبق أن حدثتك عنها. أليس كذلك . أختى!.
"الآخت التي تزوجت بيير؟.
" آجل . أختى جنيفر لم أرها منذ ثمانية أعوام.
وراحت ربيكا تجمع الأطباق جانبأ فوق الصينية استعدادأ لحملها، ولكن
ما قالته أديل جعلها تتوقف فجأة و تنظر اليها بدهشة ، وتتساءل :
" ولكنك قلت إنها ماتت ؟
اتسعت عينا آديل وتطلعت إلى ربيكا بغضب وقالت .
" جنيفر؟ ماتت ؟ متى حدث ذلك ؟
" أنت قلت لي هذا بنفسك !.
" أوه ...لا...لا. إنني لم أقل ذلك ..
"ولكنك فعلت ذلك . ألا تذكرين ؟ كنا نتحدث عن بيير. ومسألة زواجه وأنت
التي قلت إن شقيقتك قد ماتت ..
"أوه أدركت الآن . لقد اختلط الأمر عليك . قلت إن شقيقتي ماتت . ولكنني لم أقل
زوجة بيير. إنها ليست جنيفر. وإنما أقصد دنيس !
وشعرت ربيكا بالغثيان يفور في أعماقها. إن بيير متزوج . إنه متزوج !
لم تستطع أن تصدق الحقيقة أوتقبلها. لقد كان الموقف سيئأ فى يوم من الأيام
عندما كانت تقدر الهوة الكبيرة التي تفصل بينهما، أما الآن فان الأمر يبدو
رهيبأ...مؤلمأ...مدمرأ.
حملقت ربيكا في وجه آديل وفجأة أدركت شيئأ...إن آديل تخطط لأمر
يدور فى عقلها. إنها تعمدت إن تفضي لها بأمر زواج بيير، ومتى عرفت
ربيكا ذلك سيكون وقعه مؤلمأ عليها. لا بد أن آديل انتظرت حتى حدث
ما حدث هذا الصباح . ولكن ربيكا لم تأبه كثيرأ لما قد يترتب من نتائج ...وصاحت قانلة .
"أنت رأيتنا هذا الصباح ...أليس كذلك ؟.
" رأيت من يا ربيكا؟.
" آوه....أنت تعرفين ...أنت تعرفين . رأيتني مع بيير. ولكن متى؟ وأين ؟.
ورفعت يدها ووضعتها على جبينها، واستطردت قائلة :
"لا يمكنك ...لا يمكنك ....
ولكنها لم تلبث أن استدارت فجأة . ولم تستطع مواصلة الكلام ! وبدت فرحة
كريهة على وجه آديل التي قالت :
"لا يمكنني ماذا...يا ربيكا؟.
ودفعت المقعد التحرك حتى اقتربت من الفتاة المرتبكة . واستطردت تقول .
"سأخبرك . هل يجب علي أن أخبرك ؟ لقد ظننت أنني لا أستطيع أن أدفع هذا المقعد
المتحرك عبرالممر المؤدي إلى غرفتك . أجل غرفة نومك يا آنسة . لقد رأيت يير
عندك أنت مخطئة يا آنسة ! إنني أستطيع التحرك !.
ضغطت ربيكا راحة يدها فوق فمها. وصرخت صرخة مكتومة .
وبدت فرحة الانتصار على وجه آديل . وتابعت .
"أجل يا آنسة . راقبتك ...وهذا أتاح لى أن أعقد عقدأ جديدأ مع الحياة .
صدقيني..
قالت ربيكا مأخوذة :
" لم ابدأ بعد في فهم دوافعك . أنت شخصيه ملتوية ...شريرة !
" ربما أكون شريرة ...ولكني لم أعد أكترث لذلك !
" ولكن ماذا جنيت من وراء كل هذا؟ فرصة لايلامي...أليس كذلك ؟.
" ان تصرفي هذا لا يقارن بمعرفتك لهذا الرجل الذي هجرني للزواج من جنيفر.
فهو لا يعتد بتصرفاته الآن ...تمامأ كما كان العهد به قديمأ!.
" بيير ؟ هل تعنين أنه هجرك ؟.
" اخبرتك من قبل يا ربيكا عندما جا، بيير لآول مرة إلى هنا! ولكن جنيفر
لم تتركنا وشأننا. وظن بيير أن داخلها ممتاز. كمظهرها. ولكنه أخطأ،
واكتشف ذلك بنفسه ، ومع ذلك تزوجها لأنها كانت حاملأ منه . ماذا كان يمكنه أن
يفعل غير هذا؟.
هزت ربيكا رأسها غير مصدقة ما تقوله المرأة الأخرى. إن الأمر يبدو أمام
عينيها كابوسأ يؤرقها. وأفاقت على صوت آديل وهي تستطرد قائلة .
"والآن ...أنت تعرفين كل أبعاد القصة . مؤلمة . أليس كذلك ؟ لقد كنت صغيرة . بينما
كانت جنيفر أكبر مني قليلأ..
ولكن ربيكا لم تشعر بأي شفقة بالنسبة إلى هذه المرأة التي أعدت نفسها
لكي تستخدمها للانتقام من شقيقتها. ومن بيير. ولم تحتمل أعصابها البقاء في
الغرفة معها، فحملت الصينية وما كادت تندفع خارجأ حتى ترنحت قليلأ. ولكنها
لم تلبث أن تماسكت وواصلت سيرها حتى بلغت المطبخ . وألقت بالصينية على
المائدة ، ثم تهاوت على المقعد. وجذب شحوب وجهها نظر روزا واهتمامها.
فأقبلت عليها فى قلق . وقالت صائحة :
"آنسة ...آنسة ! ماذا بك ؟ هل حدث أمر سيء؟ هل أنت مريضة ؟.
تطلعت ربيكا إلى وجه روزا الطيب الطبيعي، وسألتها.
"هل تعرفين أن السيد بيير سانت كلير متزوج ؟.
قالت روزا وهي تشخص ببصرها تجاه الباب . وقد بدا صوتها كرجع
الصدى:
"السيد سانت كلير...أنا...أنا...لا أعرف يا آنسة . إنني لم ألتق به من قبل
الزيارة التي قام بها منذ أسبوعين ..
"أدرك تمأمأ ما تقولين . هل لديك بعض القهوة . إنها ستفيدني قليلأ..
"طبعأ لدي بعض القهوة ...انتظري قليلأ!.
واكتملت صورة ما حدث أمام عيني ربيكا. وهي تتناول عدة فناجين من
القهوة . كان الموقف صعبأ. والاضطراب باديأ عليها. حتى لاح لها الأمر في صورة
حلم جنوني، وكان حقد آديل حقيقة بادية لها. واعتصر الألم المميت أمعاءها
عندما قدرت ما ينتظر علاقتها مع بيير سانت كلير من إخفاق وفشل !
ألهذا السبب سيطر على نفسه في هذا الصباح ؟ ألهذا السبب اعتبها بريئة ؟ ألا
يعرف أنها لم تكن على علم بأمر زواجه ؟ أو أنه يظن أنها واحدة من ذلك النوع
من الفتيات اللواتى يرغبن في الإنغماس في العلاقات ؟ ما رأيه ؟ إذ كانت آديل
قد تجنبت عن عمد أن تخبرها بأمر زواجه ، فإنه كان من الأجدر بها أن تحمل
بيير على أن يفضي بالأمر لها. ولكن ترى ماذا رأت هذا الصباح ؟ وماذا كانت
تصوراتها عندما شاهدتها بين ذراعي بيير؟ هل تعتقد آديل أن علاقتها به
تجاوزت الحد؟
دفنت ربيكا وجهها في راحتيها. وأقبلت روزا ولمست ذراعها برفق .
وسالتها:
" ما بك ؟ هل أستطيع مساعدتك ؟
" لا أحد يستطيع مساعدتي!.
ثم وقفت على قدميها...واستطردت تقول :
"سأخرج يا روزا. وفي وسعك أن تخبري الآنسة سانت كلاود بانني ساعود
بعد فترة لأحمل متاعي..
"هل أنت راحلة ...يا آنسة ؟.
عضت ربيكا شفتيها وقالت .
"أجل أنا راحلة . حدث شي، ولا أستطيع البقاء هنا..
عقدت روزا ذراعيها فوق صدرها، وقالت :
"هل أنت واثقة مما أنت مقدمة عليه ؟ إن الأمر يبدو غريبأ بالنسبة إلي . ألا يمكنك
الانتظار قليلأ. يومين مثلأ...حتى تتدبري شأنك ؟.
" لا أستطيع البقاء في هذا المنزل . عن إذنك . يجب أن أذهب لأبدل ثيابي..
وقبل أن تبدل ثيابها. طلبت دكتور مانسون هاتفيأ، وأخبرته بقرارها، الذي
كان مفاجأة له ، لأنها لم تقدم له تعليلأ لرحيلها المفاجىء. وطلبت منه أن يرسل
ممرضة أخرى تحل محلها. ثم طلبت بالتليفون سيارة أجرة . وسارعت بارتداء ثوب
من القطن . أبرز رشاقة قوامها، وقامت بتسوية شعرها، وحزمت حقائبها. وعندما
أصبحت مستعدة للرحيل ، وقفت تنتظر وصول السيارة بفارغ الصبر. وأخيرأ
أقبلت و توقفت أمامها، فسارعت إلى الارتماء على المقعد،وطلبت من السائق أن
يتوجه بها إلى أحد الفنادق فى سوفا. و لم تدهش كثيرأ عندما وجدت نفسها
تجهش بالبكاء، فأخرجت منديلأ، جففت به دموعها. ولكن ليس أمامها الآن وقت
للدموع ويجب عليها أن تتخذ قرارها قبل أن تفقد الشجاعة على تنفيذه .
وكان فندق افينيدا يقع فى شارع هادىء. وقد حجزت فيه غرفة لليلة واحدة . ثم طلبت المطار هاتفيأ وسألت عن إجراءات الحجز إلى لندن . وتناولت
طعامها فى مطعم الفندق . وراحت تفكر فى الطريقة التي يمكنها من الاتصال
ببيير . فهي لم تكن تعرف الفندق الذي يقيم فيه . وهناك عشرات الفنادق
المتناثرة فى أنحاء سوفا. ولمحها موظف الاستعلامات فسألها بأدب :
"هل يضايقك شئ يا آنسة ليندسي ؟.
"لا شئ البتة . شكرأ..
"ولكنني سمعتك تسألين عن ضيف لدى القس. هل حاولت الاتصال بفندق سوفا الجديدة ؟ إن ضيوف القس يقيمون عادة هناك..
بحثت في الدليل حتى استطاعت أن تعرف رقم تليفون فندق سوفا الجديد، وأدارت القرص ، فأجابت عليها العاملة قائلة :
"هل أستطيع أن أحمل إليه رسالة عند عودته ؟
ترددت ربيكا فى الرد. فقد عرفت الآن أين يقيم بيير. وأخيرأ قالت .
" لا...لا...ليس هذا ضروريأ.
"هل أخبره من تكون المتحدثة ؟.
"ليس الأمر هامأ..
ووضعت السماعة . وعندما عادت إلى البهو، أعطت موظف الاستقبال مبلغأ
من المال ، قائلة له :
"أشكرك ...إنني ممتنة لك .
" إنا نحاول تقديم كل مساعدة ممكنة يا آنسة ليندسي.
غادرت ربيكا الفندق في الساعة الثانية بعد الظهر. كانت الشمس محرقة
والشوارع أكثر هدوءأ، فأغلب الناس تهجع في هذه الساعة . أما ربيكا فلم
تستطع أن تتذوق طعم الراحة ، لذلك قررت أن تتجه نحو فندق سوفا الجديد
الذي يقدم أعظم خدمة لعملائه من رجال الأعمال . وصعدت درجاته الرخامية .
واخترقت البهو حتى بلغت موظف الاستقبال . الذي سألها:
" هل من مساعدة اقدمها لك يا سيدتي ؟
" أجل ...سألت منذ قليل هاتفيأ عن السيد سانت كلير فأخبروني أنه مدعو في
الخارج لتناول طعام الغداء. هل عاد الآن ؟
" ما اسمك يا آنستي. سأعرف ما إذا كان السيد سانت كلير موجودأ، أم لا.
"اسمى ليندسي.
" حسنأ يا آنسة ليندسي. استريحي على مقعد. وسأرى إذا كان من الممكن
الاتصال بالسيد سانت كلير.
هزت ربيكا كتفيها. وسارت حتى جلست على مقعد. وبدا لها ان بيير
موجود وإلا لاخبرها الموظف انه ما زال في الخارج . وبعد لحظات قليلة اقبل
الموظف وقال لها.
" السيد سانت كلير سيراك الآن يا آنسة ليندسي، إذا جئت معي؟
نهضت ربيكا وسألته .
"..ألن يأتي السيد سانت كلير إلى هنا؟
" سانت كلير سيراك في جناحه بالطبع !
" بالطبع !!
كانت ربيكا تدرك أن رجالأ أمثال بيير لا يقيمون في غرفة ، وإنما
يشغلون جناحأ، واستقلت المصعد يصحبها الموظف حتى بلغت أحد الطوابق
وغادرته لتسير فى ممر . حتى توقف الموظف أمام باب الغرفة . ثم انحنى و تركها. نظرت إليه حتى رحل عنها، وبإصرار طرقت الباب . وسرعان ما انفتح . ووجدت
بيير أمامها. كان من الواضح أنه وصل لتوه ، إذ بدت ربطة عنقه مفكوكة
وقميصه مفتوحا . تطلع إلى ربيكا في دهشة تراجع إلى الوراء كأنه يدعوها إلى
الدخول . فامتثلت لرغبته . وعندما جالت ببصرها فى الجناح أخذت بجمال وروعة
الأثاث . بينا راح بيير يلف حولها ليملأ عينيه منها بإمعان ، فتوردت وجنتاها.
وعندما قارنت اضطرابها بفرط هدوئه وثقته الزائدة ، أدركت حدود طاقتها على مواجهته ، فأسرعت تقول بحزم :
" أنا...أنا آسفة لحضوري إلى هنا على هذه الصوره . ولكن . بما أني سأرحل عن
فيجي غدأ فقد رأيت ...
ولم تستطع مواصلة كلامها...إذ قاطعها بيير فجأة ، وهو يحدق فيها بعينين
ضيقتين ، متسائلأ:
" تغادرين فيجي غدأ؟
" أجل ...وبالرغم من كل شيء!
" لحظة يا ربيكا. ابدأي الموضوع من البداية . أعني، لماذا ترحلين عن فيجي؟
من الطبيعي أنني أدركت السبب ! لقد رأتنا أديل هذا الصباح . هل انا على صواب ؟ .
" اجل . لقد رأتنا .
" هل فصلتك ؟
" لا. إنني راحلة برغبتي أنا!
" ربي. ماذا حدث إذأ؟
" بيير...أريد أن أعرف ...هل أنت متزوج ؟
" أنت تعرفين أنني متزوج .
شعرت ربيكا بالوهن يدب في ساقيها, وترنحت قليلا. اذا ان امر زواجه حقيقه وان أديل لم تكذب فحملقت فيه بيأس كيف يستطيع ان يقف أمامها هكذا ويصرح لها بحقيقه زواجه؟
وعندما رأى بيير امتقاع وجهها, مد راحة يده ووضعها وراء عنقها وجذبها نحوه وأدنى فمه منها, فأستجابت له ولكن صلابه جسمه نفذت الى أعماق ضميرها فأفاقت من غفوتها, وسحبت جسمها بعيدا عنه, ومسحت شفتيها بيدها, وهزت رأسها قائله:
" لا...لا....الا تفهم؟ انني لم أعرف...انني لم أتخيل أنك متزوج. ظننت أن زوجتك متوفاه! "
" ماذا تعنين انك لم تعرفي بأمر زواجي؟ بالطبع أنت تعرفين. لابد أن أديل أخبرتك بالقصه كامله "
" هل هذا ما أخبرتك به؟ "
واطلقت ضحكة مريره واستطردت تقول:
" إنها ماهره. عرفت كيف تدفع أحدنا للعب بالاخر! "
امسك بيير كتفيها براحته وقال:
" عم تتحدثين! انظري الي يا ربيكا...ما الأمر؟ "
" لقد أخبرتك بأنني لم اعرف أنك متزوج! "
" وهل يعني ذلك شيئا كثيرا بالنسبة إليك! "
" يعني ذلك شيئا بالنسبة إلي؟ يعني الكثير! بيير...بغض النظر عما تظن بي. فإنني لست من نوع الفتيات اللواتي يتورطن في علاقه مع زوج امرأه اخرى "
" ربيكا استمعي الي إن زواجي لا يعني شيئا بالنسبة إلي. الا تفهمين؟ "
" كيف تقول ذلك لي؟ هذا...هذا الصباح رأتنا أديل. ولا اعرف ما الذي رأته. ولكنها شعرت بسعاده بالغه عندما أخبرتني بعدها بكل شيء كنت أريد معرفته عنك "
" أدرك ذلك! "
" يجب أن تفهم تماما ما قالته! "
" انني أعرف جيدا. ان ما تقوله ليس مديحا في شخص. واذا كنت قد أتيت لسماع انكاري لكل ما قالته أخت زوجتي فإنني أخشى أن أكون قد خيبت ظنك "
" الا تأبه لما قالته؟ "
" كلا. فكل ما يهمني كلامك! "
أومأت ربيكا برأسها في يأس وقالت:
" ماذا أقول! أوه بيير...لماذا أنت متزوج؟ "
ترك بيير يده تنزلق على رسغها وأجاب:
" سألت نفسي هذا السؤال عشرات المرات منذ أن قابلتك إنني أعني كل كلمة قلتها لك هذا الصباح يا ربيكا "
شدت يدها من قبضته وقالت:
" لا...لا "
جال ببصره من رأسها حتى قدميها وسألها :
" لا...ماذا؟ "
" أنت متزوج يا بيير. لقد أنتهت العلاقه بيننا "
قال وهو مقطب الجبين:
" أنت لا تؤمنين بما تقولين "
" يجب أن أؤمن بما أقول. أنت لم تطلق زوجتك "
" لم أطلقها لأنه لم يحدث الطلاق بين أفراد أسرتي "
" الان فهمت "
وفجأه أطبقت يده على مؤخره عنقها, وراحت اصابعه تحل عقصة شعرها فاحتواه في راحته, وأمال رأسها فأرتجف جسمها بعنف وأخذ بيير يئن مرددا:
" لا...لا...أنت لا تفهمين...دعيني أخبرك بكل شيء عن زوجتي...عن جنيفر "
أغمضت ربيكا عينيها في ألم وهي عازفه عما بيديه لها من حب رقيق وأخيرا انفلتت من بين يديه وقالت:
" إن أديل أخبرتني بكل شيء عن جنيفر "
" وماذا قالت عني؟ أنت تفضلين تصديق كلامها على كلامي. أليس كذلك؟ "
" وماذا يقال؟ أنت متزوج. كم اتمنى لو كنت لم تأت الى فيجي"
وبدت القسوه على وجهه وكأن ربيكا قد لطمته على رأسه, فسار متجها الى النافذه ووقف أمامها وظهره لربيكا التي هزت رأسها في يأس, وسألت نفسها ما السبب الذي يدفعها الى أن تشعر بأنها مذنبه؟
وأخيرا أدار بيير ظهره وقال بصوت بارد:
" هل قلت...انك راحله؟ "
" أجل "
" الى أين أنت راحله؟ الى انجلترا؟ "
" بالطبع "
ردد كلمتها بلا وعي:
" بالطبع! هل تنوين الالتحاق بوظيفه أخرى؟ "
" في مستشفى اذا أستطعت الحصول على وظيفة فيها "
وخيم الصمت عليهما وبدا كل واحدا غريبا عن الاخر. يتبادلان حديثا تافها. واخيرا قال:
" من المفروض أن اتمنى لك حظا سعيدا. هل تنوين رؤية أديل ثانية؟ "
" لا...سأتحدث الى روزا هاتفيا لتحزم حقائبي وترسلها لي "
سألها بوحشيه:
" أخبريني . هل تهربين دائما من مشاكلك؟ "
ارتجفت ربيكا وتساءلت: ماذا تستطيع أن تقول؟ وكيف يمكنها أن تجيب على مثل هذا الاتهام؟ في أي حال انها الحقيقه التي لا مفر منها. لقد هربت من قبل...من بيتر فلدمان. واستدارت تسير نحو الباب تقول:
" يجب أن ارحل الان "
" اجل اذهبي الان! اخرجي من هنا "
*****************